بين الحواجز والخوف.. جنود إسرائيليون يمنعون التلاميذ من عبور الطريق
في لحظات التحول الحاد التي تمر بها الدول والمجتمعات، تتراجع أحياناً لغة العقل والحسابات الهادئة أمام اندفاعات القوة وردود الفعل السريعة، فتتحول السياسة من أداة لإدارة الأزمات إلى مساحة مفتوحة للمواجهة غير المحسوبة. غير أن التجربة التاريخية في كثير من مناطق النزاع تؤكد حقيقة ثابتة لا تتغير بتغير الشعارات أو تبدل الظروف: الشعوب هي الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر دائماً، مهما اختلفت الجهات التي اتخذت القرار أو بررت الانزلاق إلى المواجهة. فعندما تُقدَّم الحسابات الانفعالية على الرؤية الاستراتيجية، لا تكون النتائج محصورة في ميادين السياسة أو ساحات القرار، بل تمتد لتطال تفاصيل الحياة اليومية للناس، من أمنهم واستقرارهم إلى مصادر رزقهم ومستقبل أبنائهم. وهنا يتضح أن غياب العقلانية في إدارة الصراع لا ينتج “انتصارات” بقدر ما ينتج خسائر ممتدة، تدفع ثمنها المجتمعات لعقود طويلة بعد توقف أصوات السلاح. ومن هذا المنظور، تصبح مسؤولية القيادة السياسية أكثر حساسية وتعقيداً، لأنها مطالبة بالموازنة بين الحق في الموقف، وواجب حماية الإنسان، وبين التعبير عن الثوابت، وتجنب الانزلاق إلى مسارات قد تفضي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها.
د. الياس ميشال الشويري
في لحظة تاريخية تتشابك فيها الحروب مع السياسة، وتختلط فيها الشعارات بالدماء، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة وعميقة تميّز بين منطق الدولة ومنطق الفوضى، وبين قرار يحاول حماية المجتمع مهما كانت كلفته السياسية، وقرار آخر يجرّ الدول إلى ساحات صراع أكبر من قدرتها على الاحتمال. في هذا السياق، يكتسب موقف الرئيس محمود عباس بعدم الانخراط في الحرب الدائرة بعداً سياسياً يتجاوز الحدث الآني، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى المسؤولية الوطنية في زمن الانفجار الإقليمي.
فبينما دفعت بعض الساحات العربية، وعلى رأسها غزة، ثمناً إنسانياً هائلاً نتيجة الحروب المفتوحة، برز النموذج الفلسطيني الرسمي في الضفة الغربية بوصفه محاولة للتماسك المؤسسي وتجنّب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تعصف بما تبقى من البنية السياسية والاقتصادية. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي لا تكتفي بسرد المواقف، بل تحاول تفكيك منطقها السياسي والإنساني، ومقارنة نتائجها على استقرار المجتمعات ومستقبلها.
1. الحفاظ على مؤسسات السلطة الفلسطينية
شكّل الحفاظ على مؤسسات السلطة الفلسطينية أحد المرتكزات الأساسية التي استند إليها نهج الرئيس محمود عباس خلال فترة الحرب، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار عمل المؤسسات الرسمية يمثل ضرورة وطنية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والإداري والاجتماعي في الضفة الغربية. فالدولة لا تُقاس فقط بالمواقف السياسية، بل أيضاً بقدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها في أوقات الأزمات.
ويرى مؤيدو هذا النهج أن أي انهيار في مؤسسات السلطة كان سيؤدي إلى فراغ إداري وأمني واسع، ينعكس بصورة مباشرة على حياة الفلسطينيين، ويؤثر في قدرة الوزارات والبلديات والمؤسسات الصحية والتعليمية على القيام بواجباتها، الأمر الذي قد يفاقم من معاناة السكان في ظل الظروف الصعبة التي فرضها الصراع.
وفي هذا السياق، اعتُبر استمرار عمل الأجهزة الحكومية وسيلة للحفاظ على انتظام الحياة اليومية، من خلال إدارة القطاعات الحيوية، وصرف الرواتب عند الإمكان، والإشراف على الخدمات العامة، وضمان استمرار عمل المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية والدوائر الرسمية، بما يخفف من آثار الأزمات على المواطنين.
كما يرى أنصار هذا التوجه أن بقاء مؤسسات السلطة فاعلة يحافظ على الشخصية القانونية والسياسية للكيان الفلسطيني، ويؤكد وجود جهة رسمية تمثل الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي، وتتابع الملفات السياسية والقانونية والدبلوماسية، بما في ذلك التواصل مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والدول الصديقة.
ويؤكد هذا المنظور أن المؤسسات ليست مجرد مبانٍ أو أجهزة إدارية، بل هي إطار ينظم حياة المجتمع، ويؤمن الخدمات الأساسية، ويحفظ النظام العام، ويمنع الانزلاق إلى الفوضى التي قد تنشأ عند غياب المرجعيات الرسمية، خصوصاً في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة.
ومن وجهة نظر مؤيدي هذا الخيار، فإن الحفاظ على المؤسسات يساهم أيضاً في صون المكتسبات التي تحققت على مدى سنوات من بناء الهياكل الإدارية والقضائية والمالية، لأن انهيارها قد يتطلب سنوات طويلة لإعادة بنائها، ويؤخر أي مشروع مستقبلي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
كما يُنظر إلى استمرارية المؤسسات على أنها عامل مهم في الحفاظ على ثقة المواطنين بوجود إدارة عامة قادرة، رغم الإمكانات المحدودة، على متابعة شؤونهم اليومية، وتقديم الحد الأدنى من الخدمات، ومعالجة الأزمات التي تواجههم، وهو ما يعزز التماسك المجتمعي ويحد من مظاهر الفوضى.
وفي الجانب الاقتصادي، ساعد استمرار المؤسسات، وفق هذا الرأي، على إدارة الموارد المتاحة، وتنظيم المساعدات الإنسانية، والتنسيق مع الجهات الدولية المانحة، بما يخفف من حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعرض لها الفلسطينيون خلال تلك المرحلة.
ومع ذلك، يرى منتقدو هذا النهج أن الحفاظ على المؤسسات وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع تقدم سياسي ملموس وتحسين في الأوضاع المعيشية. في المقابل، يرد مؤيدو هذا المسار بأن وجود مؤسسات قائمة وفاعلة يبقى شرطاً أساسياً لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي مستقبلي، وأن انهيارها سيجعل معالجة الأزمات أكثر تعقيداً.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أنصار الرئيس محمود عباس أن الحفاظ على مؤسسات السلطة الفلسطينية لم يكن هدفاً إدارياً فحسب، بل خياراً استراتيجياً يرمي إلى حماية المجتمع الفلسطيني من الانهيار المؤسسي، وضمان استمرار العمل الوطني في إطاره السياسي والقانوني، مع الإبقاء على مقومات الحكم والإدارة باعتبارها جزءاً أساسياً من أي مشروع وطني يسعى إلى بناء الدولة الفلسطينية في المستقبل.

2. فلسفة الحياد السياسي
شكّل خيار الحياد السياسي الذي تبنّاه الرئيس محمود عباس خلال الحرب امتداداً لنهج سياسي اعتمدته القيادة الفلسطينية منذ سنوات، يقوم على الإيمان بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مهما بلغت حدته، لا يمكن أن يجد حلاً دائماً من خلال القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى مسار سياسي ودبلوماسي يستند إلى الشرعية الدولية والقانون الدولي. ومن هذا المنطلق، فضّل عدم الانخراط في حرب إقليمية واسعة قد تجرّ الضفة الغربية إلى مواجهة مدمرة تتجاوز قدرة المجتمع الفلسطيني على تحمل نتائجها.
ويستند هذا التوجه إلى قناعة بأن القيادة السياسية مسؤولة، قبل أي شيء آخر، عن حماية الإنسان الفلسطيني والحفاظ على مقومات بقائه وصموده، وليس فقط عن إدارة الصراع. فالحروب، مهما كانت دوافعها، تخلّف خسائر بشرية واقتصادية واجتماعية قد تستغرق عقوداً لمعالجتها، بينما يبقى الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي شعب يسعى إلى بناء دولته.
كما انطلق هذا الخيار من قراءة واقعية لموازين القوى العسكرية والإقليمية، والتي يرى أصحاب هذا النهج أنها لا تسمح بتحقيق مكاسب استراتيجية عبر المواجهة المسلحة، بل قد تؤدي إلى مضاعفة حجم الخسائر، وإعطاء مبررات لتوسيع العمليات العسكرية، وما يرافقها من دمار واسع للبنية التحتية والمؤسسات المدنية.
ومن هذا المنظور، اعتبر الرئيس محمود عباس أن المحافظة على الاستقرار النسبي في الضفة الغربية تمثل أولوية وطنية، لأن انهيار الوضع الأمني والإداري قد يؤدي إلى فوضى شاملة تُضعف المجتمع الفلسطيني وتزيد من معاناته اليومية، في وقت يحتاج فيه الشعب إلى الحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة والاستمرار.
كما يعكس هذا النهج إيماناً بأهمية النضال السياسي والدبلوماسي في مواجهة الاحتلال، من خلال تفعيل المؤسسات الدولية، ومخاطبة الرأي العام العالمي، والسعي إلى حشد الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، بدلاً من توسيع دائرة العمليات العسكرية التي قد تؤدي إلى عزل الفلسطينيين سياسياً وإطالة أمد الصراع.
ويرى مؤيدو هذا الخيار أن السياسة ليست دليلاً على الضعف، بل هي وسيلة لإدارة الأزمات بأقل قدر ممكن من الخسائر، خصوصاً عندما تكون كلفة الحرب مرتفعة جداً على المدنيين، وعندما تصبح حماية المجتمع والحفاظ على مؤسساته جزءاً أساسياً من المسؤولية الوطنية.
وفي هذا الإطار، اعتُبر الحياد تجاه الانخراط العسكري المباشر محاولة لتجنيب الضفة الغربية السيناريو الذي شهدته غزة، حيث أدى التصعيد إلى دمار واسع طال المنازل والمستشفيات والمدارس والبنى التحتية، وأوقع أعداداً كبيرة من الضحايا والنازحين، وهو ما رأت القيادة الفلسطينية ضرورة العمل على عدم تكراره في مناطق أخرى.
كما يعكس هذا التوجه اقتناعاً بأن استمرار المؤسسات الفلسطينية، ولو في ظروف صعبة، يشكل ركيزة أساسية لأي مشروع وطني مستقبلي، لأن انهيارها قد يخلق فراغاً سياسياً وإدارياً يصعب تعويضه، ويؤثر سلباً في قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم وتمثيل قضيتهم أمام المجتمع الدولي.
وفي المحصلة، يرى أنصار هذا النهج أن فلسفة الحياد السياسي لم تكن انسحاباً من القضية الفلسطينية أو تخلياً عنها، بل كانت خياراً يستند إلى حسابات سياسية وإنسانية تهدف، بحسب هذا المنظور، إلى حماية الشعب الفلسطيني، وتقليل حجم الخسائر، والحفاظ على فرص الحلول السياسية في المستقبل، مع الإقرار بأن هذا الخيار ظل موضع نقاش واختلاف بين مختلف القوى والتيارات الفلسطينية.
3. تجنيب الضفة الغربية حرباً شاملة
يُعدّ تجنيب الضفة الغربية الانزلاق إلى حرب شاملة أحد أبرز الأهداف التي يرى مؤيدو نهج الرئيس محمود عباس أنها وجّهت قرارات القيادة الفلسطينية خلال فترة الحرب. فقد انطلقت هذه المقاربة من تقدير مفاده أن فتح جبهة واسعة في الضفة الغربية كان سيؤدي إلى تصعيد عسكري كبير، يعرّض المدن والبلدات الفلسطينية لعمليات عسكرية واسعة النطاق، ويضاعف حجم الخسائر البشرية والمادية.
ويستند هذا التقدير إلى أن الضفة الغربية تضم كثافة سكانية مرتفعة، ومراكز اقتصادية وتعليمية وصحية تمثل العمود الفقري للحياة الفلسطينية. وأي مواجهة واسعة كانت ستنعكس مباشرة على أمن السكان، وتعطل المدارس والجامعات والمستشفيات، وتؤدي إلى شلل في النشاط الاقتصادي والإداري، بما يفاقم معاناة المواطنين.
كما رأى أنصار هذا النهج أن ما شهدته غزة من دمار واسع في الأبنية السكنية والبنية التحتية شكّل إنذاراً واضحاً بشأن الكلفة الإنسانية الباهظة للحروب الحديثة، الأمر الذي دفع القيادة الفلسطينية إلى تجنب اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى انتقال مشاهد الدمار نفسها إلى مدن الضفة الغربية.
ومن هذا المنطلق، اعتُبر الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والإداري ضرورة وطنية، لأنه يتيح استمرار تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، ويحافظ على قدرة المؤسسات الرسمية والبلديات والقطاع الصحي والتعليمي على أداء واجباتها، رغم الظروف الصعبة التي فرضها الصراع.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن تجنب الحرب الشاملة ساهم في الحد من موجات النزوح الداخلي التي غالباً ما ترافق النزاعات المسلحة، كما حافظ على بقاء مئات آلاف العائلات في منازلها، وجنّبها ظروف التشرد وفقدان مصادر الرزق التي عانى منها كثير من سكان قطاع غزة.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن حماية المدنيين تمثل مسؤولية أساسية لأي قيادة سياسية، وأن تجنب اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى اتساع رقعة الحرب ينسجم مع هذا الواجب، حتى وإن كان ذلك يعرّض القيادة لانتقادات سياسية من بعض الأطراف.
كما ساعد هذا النهج، وفق مؤيديه، على استمرار عمل مؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، والمراكز الصحية، والقطاعات الإنتاجية، وهو ما أسهم في الحفاظ على قدر من التماسك الاجتماعي والاقتصادي، ومنع انهيار كامل للحياة اليومية في الضفة الغربية.
وفي الوقت نفسه، أبقى هذا الخيار المجال مفتوحاً أمام التحركات السياسية والدبلوماسية والإنسانية، من خلال التواصل مع المجتمع الدولي للمطالبة بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وتقديم المساعدات الإنسانية، بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة قد تزيد من تعقيد المشهد.
ومع ذلك، يرى منتقدو هذا النهج أن الضفة الغربية شهدت خلال تلك الفترة عمليات عسكرية واعتقالات واشتباكات وقيوداً أمنية أثّرت بشكل كبير في حياة السكان، ويعتبرون أن تجنب الحرب الشاملة لم يمنع وقوع معاناة واسعة. أما مؤيدو الخيار السياسي، فيرون أن هذه التحديات، على صعوبتها، تبقى مختلفة عن سيناريو حرب واسعة النطاق قد تؤدي إلى دمار شامل وانهيار أكبر في مختلف جوانب الحياة.
وبذلك، ينظر أنصار هذا المسار إلى سياسة تجنيب الضفة الغربية حرباً شاملة باعتبارها خياراً يهدف إلى تقليل الخسائر الإنسانية، والحفاظ على استمرارية المؤسسات، وصون مقومات الحياة اليومية، مع الإقرار بأن تقييم هذا النهج يبقى موضع نقاش واختلاف بين القوى الفلسطينية المختلفة.

4. المسار الدبلوماسي
شكّل المسار الدبلوماسي أحد أبرز الخيارات التي اعتمدها الرئيس محمود عباس خلال الحرب، انطلاقاً من قناعة بأن العمل السياسي والقانوني على الساحة الدولية يمثل وسيلة أساسية للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، إلى جانب السعي لحشد الدعم الدولي من أجل وقف العمليات العسكرية وحماية المدنيين. وقد استند هذا النهج إلى اعتبار أن القضية الفلسطينية تكتسب زخماً أكبر عندما تُطرح في إطار القانون الدولي والمؤسسات الدولية، بما يعزز حضورها في الأجندة العالمية.
ومن هذا المنطلق، واصلت القيادة الفلسطينية تحركاتها في الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والجمعية العامة، وسائر المنظمات الدولية، مطالبة بوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية، وتوفير الحماية للمدنيين، والدفع نحو حلول سياسية تنهي دوامة العنف. كما ركزت على التواصل مع الدول العربية والإسلامية والدول الصديقة لحشد مواقف داعمة للحقوق الفلسطينية.
ويرى مؤيدو هذا النهج أن التحرك الدبلوماسي ساهم في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في النقاشات الدولية، ومنع تراجعها إلى مرتبة القضايا الثانوية، رغم تعدد الأزمات الإقليمية والدولية. كما ساعد، من وجهة نظرهم، على زيادة الضغوط السياسية والإنسانية المطالبة بوقف الحرب والحد من معاناة المدنيين.
كما أولت القيادة الفلسطينية أهمية خاصة للمسار القانوني، من خلال متابعة القضايا المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني أمام الهيئات والمحاكم الدولية المختصة، باعتبار أن اللجوء إلى الآليات القانونية يمثل وسيلة لإثارة المسؤولية الدولية وتعزيز مبدأ المحاسبة وفق الأطر القانونية المعترف بها.
ويؤكد أنصار هذا الخيار أن الدبلوماسية لا تعني التخلي عن الحقوق الوطنية، بل تمثل أداة مختلفة للدفاع عنها، تعتمد على الحوار، وبناء التحالفات، والاستفادة من قرارات الشرعية الدولية، والسعي إلى توسيع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية وتعزيز مكانتها في المؤسسات الدولية.
كما يرى مؤيدو الرئيس محمود عباس أن استمرار التواصل مع العواصم المؤثرة والمنظمات الدولية حافظ على قنوات الحوار مفتوحة، وأتاح عرض الرواية الفلسطينية أمام المجتمع الدولي، بما يسهم في كسب التأييد السياسي والإنساني للقضية الفلسطينية، ويعزز فرص الوصول إلى تسويات مستقبلية تستند إلى القانون الدولي.
وفي الجانب الإنساني، ركزت الجهود الدبلوماسية على المطالبة بتسهيل دخول المساعدات والإغاثة إلى المناطق المتضررة، والتأكيد على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين والمنشآت الطبية والتعليمية من آثار النزاع.
ومع ذلك، يرى منتقدو هذا المسار أن التحركات الدبلوماسية لم تحقق النتائج التي كان يأملها الفلسطينيون، وأن تأثيرها العملي بقي محدوداً في ظل تعقيدات المشهد الدولي وتباين مواقف القوى الكبرى. في المقابل، يرد مؤيدو هذا النهج بأن الدبلوماسية بطبيعتها عملية تراكمية تحتاج إلى الوقت والصبر، وأن أثرها يُقاس على المدى البعيد من خلال بناء المواقف الدولية وتطوير أدوات الضغط السياسي والقانوني.
وفي المحصلة، يعتبر أنصار الرئيس محمود عباس أن المسار الدبلوماسي شكّل خياراً استراتيجياً يهدف إلى الدفاع عن القضية الفلسطينية عبر الوسائل السياسية والقانونية، وإبقاء القضية حاضرة على الساحة الدولية، والسعي إلى حماية المدنيين وتقليل آثار الحرب، مع الإيمان بأن تحقيق أي تسوية مستدامة يتطلب حضوراً فعالاً في المؤسسات الدولية إلى جانب وحدة الموقف الفلسطيني.
5. البعد الإنساني
احتل البعد الإنساني مكانة محورية في النهج الذي تبناه الرئيس محمود عباس خلال الحرب، إذ انطلقت القيادة الفلسطينية، وفق مؤيديها، من مبدأ أن حماية الإنسان الفلسطيني يجب أن تبقى في مقدمة الأولويات، وأن أي قرار سياسي أو أمني ينبغي أن يُقاس أولاً بمدى تأثيره على حياة المدنيين وأمنهم ومستقبلهم. فالحروب، مهما كانت أهدافها، تترك وراءها خسائر بشرية ونفسية واجتماعية يصعب تعويضها.
وقد شكّلت المشاهد القادمة من قطاع غزة، بما تضمنته من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ونزوح واسع للسكان، وتضرر المرافق العامة، دافعاً لتعزيز القناعة بضرورة تجنب توسيع دائرة الحرب إلى مناطق فلسطينية أخرى. ويرى مؤيدو هذا النهج أن منع انتقال المواجهة إلى الضفة الغربية كان يهدف، في المقام الأول، إلى حماية المدنيين من ويلات حرب جديدة قد تزيد من حجم المأساة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، اعتُبر الحفاظ على أرواح المدنيين مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تقل أهمية عن أي هدف سياسي، لأن الإنسان هو أساس المجتمع، وأي خسارة بشرية تترك آثاراً تمتد إلى الأسر والمجتمع والأجيال المقبلة. ولذلك، رأى أنصار هذا الخيار أن تجنب التصعيد العسكري الواسع كان وسيلة للحد من احتمالات سقوط المزيد من الضحايا.
كما شمل البعد الإنساني الحرص على استمرار عمل المستشفيات والمراكز الصحية ومؤسسات الإغاثة والخدمات الاجتماعية، بما يضمن توفير الرعاية الطبية والخدمات الأساسية للسكان، ويخفف من معاناتهم في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة.
ويرى مؤيدو الرئيس محمود عباس أن الحفاظ على المدارس والجامعات واستمرار العملية التعليمية، كلما أمكن ذلك، يدخل أيضاً في إطار حماية المجتمع، لأن التعليم يمثل استثماراً في المستقبل، وتعطيله لفترات طويلة ينعكس سلباً على جيل كامل من الأطفال والشباب.
وامتد هذا الاهتمام ليشمل الجانب النفسي والاجتماعي، إذ إن الحروب لا تخلّف دماراً مادياً فقط، بل تترك آثاراً عميقة على الصحة النفسية للأطفال والنساء وكبار السن، وتؤثر في الاستقرار الأسري والتماسك الاجتماعي. ومن هنا، رأى مؤيدو هذا النهج أن تجنب اتساع رقعة الحرب يساهم في الحد من هذه التداعيات.
كما ركزت القيادة الفلسطينية، عبر تحركاتها السياسية والدبلوماسية، على المطالبة بإدخال المساعدات الإنسانية، وتأمين الاحتياجات الأساسية للمتضررين، ودعم جهود المنظمات الإنسانية العاملة في تقديم الغذاء والدواء والإيواء، باعتبار أن الاستجابة الإنسانية تشكل ضرورة عاجلة في أوقات النزاعات.
وفي المقابل، يرى منتقدو هذا النهج أن حجم المأساة الإنسانية في غزة استدعى مواقف أكثر تأثيراً، بينما يرد مؤيدوه بأن حماية المدنيين في الضفة الغربية ومنع اتساع نطاق الدمار كان هدفاً إنسانياً مشروعاً لا يتعارض مع مواصلة الدفاع السياسي عن الحقوق الفلسطينية.
وفي المحصلة، ينظر أنصار الرئيس محمود عباس إلى البعد الإنساني باعتباره أحد أهم الأسس التي قامت عليها سياسة عدم الانخراط في الحرب، إذ رأوا أن الحفاظ على حياة الإنسان الفلسطيني، وصون كرامته، واستمرار الخدمات الأساسية، والحد من الخسائر البشرية والاجتماعية، يمثل مسؤولية وطنية تتقدم على أي اعتبارات أخرى، وأن حماية المجتمع من ويلات الحروب تبقى هدفاً يستحق كل جهد سياسي ودبلوماسي ممكن.

6. البعد الاقتصادي
شكّل البعد الاقتصادي أحد العناصر الأساسية التي استند إليها مؤيدو نهج الرئيس محمود عباس في تبرير عدم الانخراط في الحرب، انطلاقاً من قناعة بأن أي مواجهة عسكرية واسعة لا تقتصر آثارها على الجانب الأمني، بل تمتد لتصيب مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية، فتؤدي إلى تراجع الإنتاج، وتعطّل الاستثمارات، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين.
وقد عانى الاقتصاد الفلسطيني خلال السنوات الماضية من تحديات متراكمة، شملت القيود على الحركة والتجارة، وتراجع الاستثمارات، والضغوط المالية التي واجهتها مؤسسات السلطة الفلسطينية، وهو ما جعل أي تصعيد عسكري جديد يحمل مخاطر إضافية قد تزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي، وتؤثر في قدرة المؤسسات العامة والخاصة على الاستمرار.
ويرى مؤيدو هذا النهج أن تجنيب الضفة الغربية حرباً شاملة ساهم في الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي، إذ استمرت قطاعات التجارة والخدمات والزراعة والصناعات المحلية، وإن بوتيرة أبطأ، في أداء دورها، الأمر الذي ساعد في الحد من الانهيار الكامل للحياة الاقتصادية.
كما اعتُبر استمرار عمل الأسواق والمؤسسات التجارية والمنشآت الإنتاجية عاملاً مهماً في تأمين مصادر الدخل لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية، والحد من تفاقم معدلات البطالة، التي ترتفع عادة بصورة كبيرة خلال الحروب والنزاعات الممتدة.
وفي السياق نفسه، رأى أنصار الرئيس محمود عباس أن الحفاظ على الاستقرار النسبي ساعد على استمرار عمل المصارف والمؤسسات المالية والإدارية، بما أتاح إدارة الموارد المتاحة، وتسيير جزء من المعاملات الاقتصادية والمالية، رغم الضغوط الكبيرة التي فرضتها الظروف السياسية والأمنية.
ومن الجوانب التي ركز عليها هذا التوجه أيضاً أهمية حماية البنية التحتية الاقتصادية، مثل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق والمرافق العامة، لأن تدميرها ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، ويحتاج إلى سنوات وإمكانات مالية ضخمة لإعادة إعمارها وإعادتها إلى الخدمة.
كما يرى مؤيدو هذا النهج أن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي يساعد في تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، لأن توفير فرص العمل واستمرار النشاط التجاري يسهمان في تخفيف الضغوط الاجتماعية، ويحدان من اتساع رقعة الفقر والاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.
وفي الجانب الدولي، اعتبر أنصار هذا الخيار أن الاستقرار النسبي يسهل استمرار التعاون مع الجهات المانحة والمؤسسات الدولية، ويزيد من فرص تنفيذ المشاريع التنموية والإنسانية، بما يساهم في دعم الاقتصاد الفلسطيني وتحسين الخدمات العامة، رغم التحديات القائمة.
وفي المقابل، يشير منتقدو هذا النهج إلى أن الاقتصاد الفلسطيني تأثر بشكل كبير خلال تلك المرحلة نتيجة القيود الأمنية والإغلاقات وتراجع النشاط التجاري، حتى من دون اندلاع حرب شاملة في الضفة الغربية. ويرد مؤيدو المسار السياسي بأن هذه الصعوبات، على أهميتها، تبقى أقل كلفة من الآثار الاقتصادية التي قد تترتب على مواجهة عسكرية واسعة تؤدي إلى تدمير المنشآت والبنية التحتية وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية.
وفي المحصلة، يرى أنصار الرئيس محمود عباس أن الحفاظ على الاقتصاد الفلسطيني، واستمرار عمل المؤسسات والأسواق، وصون البنية التحتية، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، كانت أهدافاً رئيسية لسياسة عدم الانخراط في الحرب، انطلاقاً من قناعة بأن الاقتصاد القادر على الصمود يمثل ركناً أساسياً من أركان صمود المجتمع، وأن التعافي الاقتصادي بعد الحروب يحتاج إلى سنوات طويلة وجهود محلية ودولية كبيرة.
7. الانتقادات الموجّهة لهذا النهج
أثار النهج الذي اتبعه الرئيس محمود عباس خلال الحرب نقاشاً واسعاً داخل الساحة الفلسطينية، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبره خياراً واقعياً يهدف إلى حماية الشعب الفلسطيني وتقليل الخسائر، وبين من رأى أنه لم يكن كافياً في ظل حجم المأساة الإنسانية والسياسية التي شهدها قطاع غزة. ويعكس هذا الجدل تعدد الرؤى الفلسطينية حول أفضل السبل لإدارة الصراع وتحقيق الأهداف الوطنية.
ويرى منتقدو هذا النهج أن الاكتفاء بالتحركات السياسية والدبلوماسية لم يحقق النتائج المرجوة بالسرعة المطلوبة، وأنه لم ينجح في وقف الحرب أو الحد من آثارها الإنسانية بالصورة التي كانوا يأملونها. كما اعتبر بعضهم أن القيادة الفلسطينية كان ينبغي أن تتخذ مواقف أكثر حزماً على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، وأن تكثف جهودها لتعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات القائمة.
كما وجّهت بعض الأصوات انتقادات تتعلق بأداء المؤسسات الفلسطينية خلال الأزمة، معتبرة أن المرحلة كانت تتطلب تنسيقاً وطنياً أوسع، وتطوير آليات الاستجابة الإنسانية والإدارية بما يتلاءم مع حجم التحديات التي فرضتها الحرب وتداعياتها على الشعب الفلسطيني في مختلف المناطق.
وفي المقابل، يؤكد مؤيدو الرئيس محمود عباس أن تقييم أي سياسة يجب أن يأخذ في الاعتبار الظروف السياسية والإقليمية والدولية المحيطة، إضافة إلى موازين القوى القائمة، وأن القرارات لا تُتخذ بمعزل عن تقدير آثارها المحتملة على المدنيين والمؤسسات ومستقبل القضية الفلسطينية.
ويرى أنصار هذا النهج أن الدعوة إلى توسيع المواجهة العسكرية كانت ستفتح الباب أمام مخاطر أكبر، وربما تؤدي إلى انتقال الحرب إلى الضفة الغربية، بما يحمله ذلك من خسائر بشرية ودمار واسع وانهيار اقتصادي ومؤسسي، وهو ما اعتبروا أن القيادة سعت إلى تجنبه حفاظاً على المجتمع الفلسطيني.
كما يشير مؤيدو هذا التوجه إلى أن العمل السياسي لا يُقاس بنتائجه الآنية فقط، بل بما يحققه على المدى البعيد من خلال الحفاظ على العلاقات الدولية، واستمرار الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية.
ومن جهة أخرى، يرى كثيرون أن الجدل الذي رافق هذا النهج يعكس حيوية النقاش داخل المجتمع الفلسطيني، ويؤكد وجود تباين مشروع في وجهات النظر حول الوسائل الأنسب لتحقيق الأهداف الوطنية، وهو أمر تشهده معظم الحركات الوطنية التي تواجه تحديات معقدة وظروفاً استثنائية.
كما يبرز هذا النقاش أهمية تعزيز الحوار الداخلي، وتوسيع مساحات التوافق بين مختلف القوى الفلسطينية، بما يتيح بلورة رؤية وطنية مشتركة تجمع بين حماية الشعب الفلسطيني، والحفاظ على مؤسساته، والدفاع عن حقوقه المشروعة وفق الوسائل التي تحظى بأوسع توافق ممكن.
وفي المحصلة، تبقى الانتقادات الموجهة لنهج الرئيس محمود عباس جزءاً من النقاش السياسي الفلسطيني المستمر، بينما يرى مؤيدوه أن خيار عدم الانخراط في الحرب كان يستند إلى اعتبارات إنسانية وسياسية وأمنية هدفت إلى الحد من الخسائر والحفاظ على مقومات المجتمع الفلسطيني. ويؤكد هذا الجدل أن تقييم مثل هذه القرارات يظل مرتبطاً بتقديرات سياسية مختلفة، وبالرؤى المتباينة حول أفضل السبل لخدمة القضية الفلسطينية في ظل ظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد.

8. بين الواقعية السياسية والحسابات العسكرية
يُعدّ هذا المحور من أكثر الجوانب حساسية في تقييم النهج الذي اتبعه الرئيس محمود عباس، إذ يضعه في إطار النقاش الأوسع بين منطق “الواقعية السياسية” ومنطق “الحسابات العسكرية” في إدارة الصراع الفلسطيني. فبين هذين المسارين تتبلور رؤيتان مختلفتان لطبيعة الصراع ووسائل التعامل معه، وما إذا كان الحل يكمن في التفاوض والدبلوماسية أم في التصعيد والمواجهة.
يرى مؤيدو الرئيس محمود عباس أن اختياره يعكس واقعية سياسية تستند إلى قراءة دقيقة لموازين القوى الإقليمية والدولية، حيث لا يمتلك الفلسطينيون، وفق هذا التصور، أدوات عسكرية كافية لتغيير المعادلات الاستراتيجية، بينما تبقى كلفة المواجهة المفتوحة مرتفعة جداً على المدنيين والبنية التحتية والمؤسسات الوطنية.
ومن هذا المنطلق، تعتبر الواقعية السياسية أن الأولوية يجب أن تكون لتقليل الخسائر، والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مؤسسات الدولة الفلسطينية الناشئة، والعمل على توسيع الاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية، بدلاً من الدخول في مواجهات قد تؤدي إلى تراجع المكتسبات السياسية.
في المقابل، تقوم الحسابات العسكرية لدى بعض الأطراف على فكرة أن الصراع مع إسرائيل يتطلب أدوات ضغط ميدانية، وأن التصعيد قد يكون وسيلة لفرض وقائع سياسية جديدة أو تحسين شروط التفاوض. غير أن هذا المنطق يظل، وفق مؤيدي النهج السياسي، محفوفاً بمخاطر عالية في ظل عدم التكافؤ العسكري الكبير.
ويشير أنصار الواقعية السياسية إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن الحروب الطويلة غالباً ما تؤدي إلى تدمير واسع وخسائر بشرية كبيرة دون تحقيق نتائج سياسية حاسمة، وهو ما يجعل خيار التهدئة والعمل الدبلوماسي أكثر انسجاماً مع مصلحة الشعب الفلسطيني على المدى البعيد.
كما يؤكد هذا التوجه أن الواقعية لا تعني الاستسلام، بل تعني إدارة الصراع بأدوات مختلفة، تجمع بين الصمود السياسي والدبلوماسي، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وتجنب القرارات التي قد تؤدي إلى انهيار شامل في البنية الاجتماعية والاقتصادية.
ومن ناحية أخرى، يرى منتقدو هذا النهج أن الاعتماد المفرط على الواقعية السياسية قد يؤدي إلى فقدان أوراق ضغط مهمة، وأن الاكتفاء بالمسار الدبلوماسي قد لا يكون كافياً في ظل استمرار الوقائع على الأرض، ما يفتح نقاشاً دائماً حول توازن الأدوات المستخدمة في الصراع.
ومع ذلك، يرد مؤيدو الرئيس محمود عباس بأن أي حسابات عسكرية يجب أن تُقيّم في ضوء نتائجها المحتملة، وأن أي تصعيد غير مدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها زيادة معاناة المدنيين، وتدمير ما تبقى من البنية التحتية، وإضعاف القدرة على الاستمرار في العمل السياسي.
كما يشير هذا الطرح إلى أن الواقعية السياسية لا تنفصل عن البعد الإنساني، بل تضعه في قلب القرار السياسي، بحيث يتم ترجيح الخيارات التي تقلل من الخسائر البشرية وتحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، حتى في ظل غياب حلول نهائية للصراع.
وفي المحصلة، يعكس هذا المحور حالة التوازن الدقيقة بين رؤيتين مختلفتين: رؤية تعتبر أن السياسة هي أداة التغيير الأكثر فاعلية في الظروف الحالية، ورؤية أخرى ترى أن الحسابات العسكرية قد تلعب دوراً في إعادة تشكيل المعادلات. وبين هذين الاتجاهين، يتموضع نهج الرئيس محمود عباس، وفق مؤيديه، كخيار واقعي يهدف إلى حماية المجتمع الفلسطيني، وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الإبقاء على المسار السياسي والدبلوماسي كخيار استراتيجي طويل الأمد.
9. الدروس المستفادة
تُعدّ الحرب وما رافقها من تطورات سياسية وإنسانية محطةً مهمة لاستخلاص جملة من الدروس المتعلقة بإدارة الصراع الفلسطيني وأولويات المرحلة القادمة، خصوصاً في ظل التباين الواضح في الخيارات المطروحة بين التصعيد العسكري والمسار السياسي. ومن هذا المنظور، يرى مؤيدو نهج الرئيس محمود عباس أن التجربة أكدت أهمية إعادة التفكير في أدوات العمل الوطني وآليات اتخاذ القرار.
أحد أبرز الدروس المستفادة يتمثل في أن كلفة الحروب المعاصرة باتت مرتفعة جداً على المدنيين والبنية التحتية، حيث لم تعد تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تمتد لتشمل المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات الخدمات الأساسية، ما يجعل تجنب اتساع رقعة الصراع أولوية قصوى في أي استراتيجية وطنية.
كما تُظهر التجربة أهمية الحفاظ على المؤسسات الوطنية، إذ إن استمرار عمل السلطة الفلسطينية ومؤسساتها يشكل عاملاً حاسماً في حماية المجتمع من الانهيار الإداري والخدماتي، ويضمن بقاء الحد الأدنى من التنظيم الذي يسمح بإدارة الحياة اليومية رغم الظروف الصعبة.
ومن الدروس أيضاً أن المسار الدبلوماسي، رغم بطئه وتعقيداته، يبقى أداة ضرورية لتثبيت القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، وبناء تراكم سياسي وقانوني يمكن الاستفادة منه على المدى الطويل، خاصة في ظل تزايد أهمية القانون الدولي في النزاعات الحديثة.
كما تؤكد التجربة أن حماية المدنيين يجب أن تبقى في صدارة الأولويات الوطنية، لأن الخسائر البشرية لا يمكن تعويضها، وأن أي قرار سياسي أو عسكري ينبغي أن يوازن بين الأهداف الوطنية والآثار الإنسانية المترتبة عليه.
ويبرز كذلك درس مهم يتعلق بضرورة تعزيز الوحدة الداخلية الفلسطينية، إذ إن الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار يضعف القدرة على بلورة استراتيجية موحدة، ويؤثر في فاعلية الموقف الفلسطيني على المستويين الإقليمي والدولي.
كما تشير التجربة إلى أهمية بناء اقتصاد صامد قادر على التكيف مع الأزمات، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، وتقوية المؤسسات المالية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، بما يخفف من آثار الصدمات الناتجة عن الصراع المستمر.
ومن الدروس أيضاً أن الواقعية السياسية، كما يراها مؤيدو هذا النهج، ليست تنازلاً عن الحقوق، بل محاولة لإدارة الممكن في ظل قيود معقدة، مع الإبقاء على الهدف الاستراتيجي المتمثل في تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية عبر الوسائل المتاحة.
كما تؤكد الأحداث أن الرأي العام الدولي يلعب دوراً مهماً في التأثير على مسار النزاعات، ما يجعل من الخطاب السياسي والدبلوماسي أداة لا تقل أهمية عن أي أدوات أخرى في الدفاع عن القضية الفلسطينية وكسب التعاطف العالمي.
وفي المحصلة، يرى أنصار الرئيس محمود عباس أن الدروس المستفادة من هذه المرحلة تعزز القناعة بضرورة الجمع بين حماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على المؤسسات، وتفعيل الدبلوماسية، وتجنب الانزلاق إلى حروب مفتوحة، مع الاستمرار في العمل السياسي طويل الأمد لتحقيق الأهداف الوطنية ضمن رؤية تراكمية وواقعية تراعي حجم التحديات وتعقيداتها.

10. مقارنة بين النهج السياسي الواقعي ونهج الانخراط في الحروب الإقليمية
تُظهر التجربة السياسية في المنطقة تبايناً واضحاً بين مقاربتين مختلفتين في إدارة الصراع: الأولى يمثلها النهج الذي تبناه الرئيس محمود عباس القائم على تجنب الانخراط في الحروب المباشرة والاعتماد على المسار السياسي والدبلوماسي، والثانية تمثلت في تجارب قوى لبنانية انخرطت في حروب وصراعات إقليمية تركت آثاراً عميقة على الدولة اللبنانية ومؤسساتها واستقرارها الداخلي.
في الحالة الأولى، يقوم النهج الفلسطيني الرسمي على أولوية حماية المجتمع من الانزلاق إلى مواجهات عسكرية مفتوحة، مع التركيز على الحفاظ على المؤسسات الوطنية، وتثبيت الحضور السياسي في المحافل الدولية، والعمل ضمن إطار القانون الدولي. هذا الخيار ينطلق من تقدير للكلفة البشرية والاقتصادية العالية للحروب، ومن قناعة بأن ميزان القوى لا يسمح بتحقيق مكاسب استراتيجية عبر التصعيد العسكري.
أما في الحالة اللبنانية، فقد شهدت البلاد عبر مراحل مختلفة انخراط بعض القوى (الغبية بامتياز) في حروب إقليمية أو داخلية، ما أدى إلى استدراج لبنان إلى ساحات صراع أكبر من قدرته الداخلية على الاحتمال. وقد ترتب على ذلك تداعيات كبيرة، شملت دماراً واسعاً في البنية التحتية، وانقسامات داخلية حادة، وأزمات اقتصادية متراكمة أثّرت على قدرة الدولة على النهوض والاستقرار.
ومن زاوية المقارنة، يمكن القول إن النهج الفلسطيني الرسمي حاول قدر الإمكان الفصل بين القرار الوطني الفلسطيني والحروب الإقليمية المفتوحة، بينما أدى التداخل بين الداخل اللبناني والصراعات الخارجية في بعض المراحل إلى تحميل الدولة اللبنانية أعباء تفوق قدراتها، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي.
كما يُظهر هذا التباين أن تجنب الحروب لا يعني غياب الموقف السياسي، بل قد يكون تعبيراً عن شكل مختلف من إدارة الصراع، يركز على أدوات الدبلوماسية والشرعية الدولية. في المقابل، فإن خيار الانخراط العسكري في الصراعات الإقليمية، رغم ما قد يحمله من دوافع سياسية أو أيديولوجية، غالباً ما ينعكس مباشرة على استقرار الدولة ومؤسساتها الداخلية.
ويرى مؤيدو النهج الفلسطيني أن التجربة أثبتت أن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي يشكل شرطاً أساسياً لأي مشروع وطني طويل الأمد، بينما يرى بعض الباحثين في الحالة اللبنانية أن تعدد مراكز القرار وتداخل الساحات ساهم في إضعاف الدولة وتقليص قدرتها على إدارة أزماتها بشكل مستقل.
وفي النهاية، تبرز المقارنة بين النموذجين أهمية القرار السياسي المسؤول في تجنيب الدول والشعوب كلفة الحروب المفتوحة، وتؤكد أن إدارة الصراع بوسائل سياسية ودبلوماسية، رغم بطئها وتعقيدها، قد تكون أقل كلفة وأكثر استدامة من الانخراط في مواجهات عسكرية واسعة تنعكس آثارها على الأجيال القادمة.
11. خاتمة
تكشف التجربة الفلسطينية، كما تكشف تجارب إقليمية أخرى، أن الفارق بين القرار السياسي المسؤول والقرار المنفلت من حسابات الدولة ليس فارقاً نظرياً، بل هو فارق تُقاس نتائجه بعدد الضحايا، وحجم الدمار، ودرجة انهيار المؤسسات. وفي هذا الإطار، يظهر نهج الرئيس محمود عباس كخيار يقوم على تقليل الخسائر قدر الإمكان، حتى لو كان ثمنه السياسي كبيراً، مقابل نماذج أخرى دفعت مجتمعاتها إلى أزمات متراكمة نتيجة الانخراط في حروب مفتوحة لم تكن الدولة فيها هي المستفيد الأول ولا المتحكم في نتائجها.
إن الدرس الأعمق الذي تتركه هذه المرحلة لا يتعلق بتفضيل طرف على آخر، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها: أن تكون هي مركز القرار، لا ساحة لتصفية الحسابات، وأن يكون معيار السياسة هو حماية الإنسان واستمرارية المجتمع، لا فقط الانتصار الرمزي أو اللحظي. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأهم أن الشعوب هي من تدفع الثمن الأكبر عندما تغيب حسابات العقل لصالح اندفاعات القوة.


























































