• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

"الدفاع عن لبنان"
لا يزال في دائرة الإلتباس
ولم يدخل فعلاً الى دائرة الحقيقة..
د. الياس ميشال الشويري:
شعار حماية الوطن يكاد يتحوّل
الى أداة لهدمه...

2026/04/27
- بحث
"الدفاع عن لبنان"لا يزال في دائرة الإلتباسولم يدخل فعلاً الى دائرة الحقيقة..د. الياس ميشال الشويري:شعار حماية الوطن يكاد يتحوّلالى أداة لهدمه...

من يقرّر… من يحمي… ومن يدفع الثمن؟

د. الياس ميشال الشويري

حين يُرفع شعار “الدفاع عن لبنان وشعبه“، يبدو للوهلة الأولى أنه عنوان بديهي لا يختلف عليه اثنان، بل هو أقرب إلى مسلّمة وطنية يفترض أن تجمع ولا تفرّق. لكنّ المفارقة الصادمة أن هذا الشعار نفسه تحوّل في لبنان عبر الزمن إلى غطاءٍ كثيف تُمارَس تحته كل أشكال التناقض: من تفكك الدولة بدل حمايتها، إلى استنزاف المجتمع بدل صونه، ومن تكريس الانقسام بدل بناء الوحدة، حتى بات السؤال مشروعًا ومؤلمًا في آن: هل ما يُقدَّم كـ”دفاع” هو فعل حماية حقيقي، أم أنه إعادة إنتاج دائمة لأزمة تُدار باسم الوطن لا من أجله؟

في لبنان، لا يعود النقاش حول الدفاع مجرد نقاش أمني أو عسكري، بل يتحول إلى سؤال وجودي حول معنى الدولة نفسها: من يقرر؟ من يحمي؟ ومن يدفع الثمن؟ وبين الخطاب الذي يعلو باسم السيادة، والواقع الذي ينهار تحت وطأة الأزمات، تتكشف هوة واسعة تجعل من “الدفاع” عنوانًا ملتبسًا، يحتاج إلى تفكيك لا إلى ترداد، وإلى مساءلة لا إلى تقديس.

1. مفهوم الدفاع بين النظرية والممارسة في السياق اللبناني

يُعد مفهوم “الدفاع عن الوطن” من أكثر المفاهيم وضوحًا في النظريات السياسية والدستورية الحديثة، إذ يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخوّلة بحماية حدودها وسكانها ومصالحها العليا، عبر مؤسساتها الشرعية وعلى رأسها الجيش والقوى الأمنية الرسمية. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الدفاع باعتباره مجرد فعل عسكري، بل هو منظومة متكاملة تشمل الأمن، والسياسة الخارجية، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي، بحيث تتكامل هذه العناصر لحماية الكيان الوطني من التهديدات الخارجية والداخلية على حد سواء.

غير أن هذا المفهوم، حين يُنقل إلى الواقع اللبناني، يصطدم بتعقيدات بنيوية تاريخية وسياسية جعلته عرضة لإعادة التفسير والتأويل خارج سياقه الكلاسيكي. فلبنان، منذ نشأته الحديثة، لم يستقر على نموذج دولة مركزية مكتملة السيادة بالمعنى التقليدي، بل شهد تداخلات طائفية وسياسية وإقليمية انعكست على بنية مؤسساته، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. هذا الواقع أوجد مساحة لنشوء قوى مسلحة أو شبه مسلحة خارج إطار الدولة، رفعت شعارات مرتبطة بالدفاع والمقاومة، لكنها عمليًا أصبحت جزءًا من المعادلة الداخلية لا الخارجية فقط.

في هذا السياق، لم يعد الدفاع مفهومًا موحدًا تحت سلطة الدولة، بل أصبح مفهوماً متعدد المرجعيات، حيث تدّعي أكثر من جهة أنها تمارس وظيفة الحماية. هذا التعدد، وإن كان يُبرر أحيانًا باعتبارات تاريخية مرتبطة بالاحتلالات والصراعات الإقليمية، إلا أنه في جوهره خلق حالة من ازدواجية السلطة الأمنية، الأمر الذي أضعف منطق الدولة الواحدة وأربك مفهوم السيادة نفسه. فحين تتوزع أدوات القوة بين الدولة وقوى غير دولية، يصبح من الصعب الحديث عن منظومة دفاعية متماسكة.

ومن الناحية النظرية، يفترض أن أي قوة خارج إطار الدولة، حتى لو رفعت شعار الدفاع، يجب أن تعمل ضمن استراتيجية وطنية عامة تُحدَّد عبر المؤسسات الدستورية. لكن في الحالة اللبنانية، حصل انزياح تدريجي في هذا التوازن، حيث أصبحت بعض القوى تمتلك قرار الحرب والسلم في لحظات معينة، ما أدى إلى خلل في بنية القرار السيادي. هذا الخلل لا يتعلق فقط بالشكل، بل بالمضمون، إذ إنه يطرح إشكالية من يعرّف “التهديد” ومن يحدد “آليات الرد” ومن يتحمل النتائج.

على مستوى آخر، أدى هذا التداخل بين الدولة والقوى غير الرسمية إلى إعادة تشكيل مفهوم الشرعية ذاته. فبينما تقوم الشرعية في الفكر السياسي على احتكار الدولة للعنف المشروع، أصبح في الواقع اللبناني هناك تنازع على هذه الشرعية، ما جعل مفهوم الدفاع نفسه محل جدل دائم: هل هو وظيفة الدولة فقط أم وظيفة موزعة؟ هذا السؤال لم يبقَ نظريًا، بل انعكس عمليًا على بنية المؤسسات وعلى ثقة المواطنين بها.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب الاستقرار السياسي المزمن في لبنان ساهم في تعزيز هذا الانقسام المفاهيمي. فكلما ضعفت الدولة، توسعت مساحة القوى البديلة التي تملأ الفراغ تحت عنوان “الحماية” أو “الدفاع“. ومع الوقت، تحوّل هذا الدور من حالة استثنائية إلى واقع دائم، ما جعل من الصعب العودة إلى النموذج التقليدي للدولة المركزية حتى في الخطاب السياسي الرسمي.

ولا يمكن إغفال البعد الإقليمي والدولي في هذا السياق، إذ إن لبنان لطالما كان ساحة لتقاطع مصالح خارجية انعكست على بنيته الداخلية. هذا العامل ساهم في تعزيز سرديات “الدفاع” المختلفة، حيث ارتبط كل تعريف للتهديد بقراءة سياسية معينة للواقع الإقليمي، ما جعل مفهوم الدفاع نفسه غير محايد، بل محمّلًا بتفسيرات متناقضة.

في المحصلة، يظهر أن الفجوة بين المفهوم النظري للدفاع والممارسة اللبنانية ليست مجرد خلل تقني أو ظرفي، بل هي نتاج بنية سياسية معقدة أعادت إنتاج مفهوم الدفاع خارج إطاره الكلاسيكي. وهذا ما جعل النقاش حول “من يدافع عن لبنان” نقاشًا يتجاوز الأمن إلى جوهر فكرة الدولة نفسها، وحدود سيادتها، وطبيعة العقد الاجتماعي القائم بين مكوناتها المختلفة.

بلا تعليق!

2. من شعار الحماية إلى أداة للهيمنة في الواقع اللبناني

في السياق اللبناني، لم يعد شعار “الدفاع عن الوطن” مجرد تعبير عن وظيفة سيادية تتولاها الدولة، بل تحول تدريجيًا إلى خطاب سياسي مركّب يُستخدم لتبرير أدوار تتجاوز الإطار الدفاعي التقليدي نحو إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة نفسها. هذا التحول لم يحدث دفعة واحدة، بل جاء نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية وأمنية جعلت من مفهوم الحماية مدخلًا لإنتاج نفوذ سياسي واجتماعي يتخطى حدود الوظيفة الأمنية إلى مجال التأثير في القرار الوطني العام.

في البداية، ارتبط هذا الشعار بمرحلة الصراعات الإقليمية والاحتلالات التي شهدها لبنان، حيث برزت قوى مسلحة خارج إطار الدولة رفعت راية “المقاومة” كضرورة ظرفية لمواجهة تهديدات مباشرة. في تلك المرحلة، اكتسب الخطاب الدفاعي شرعية شعبية واسعة باعتباره استجابة لفراغ الدولة أو ضعفها. غير أن هذا الدور، الذي كان يُفترض أن يبقى محصورًا في إطار استثنائي ومؤقت، بدأ يتحول تدريجيًا إلى بنية دائمة ذات وظائف متعددة، لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية بل امتدت إلى الداخل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

مع مرور الوقت، أصبح شعار الدفاع يُستخدم كأداة لتثبيت موقع سياسي معين داخل النظام اللبناني، بحيث بات يُقدَّم كعنصر لا يمكن تجاوزه في أي معادلة حكم أو تسوية داخلية. هذا التحول أفرز واقعًا جديدًا، حيث لم يعد الدفاع وظيفة محايدة، بل أصبح جزءًا من التوازنات الداخلية، وأداة تفاوضية في الصراع على السلطة. وهكذا، انتقل من كونه وسيلة لحماية الدولة إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ داخلها.

في هذا الإطار، برزت إشكالية عميقة تتعلق بتداخل العسكري والسياسي، حيث لم يعد من السهل الفصل بين الخطاب الدفاعي والمشروع السياسي. فالشعار الذي يُفترض أن يكون جامعًا لكل اللبنانيين، أصبح مرتبطًا بخطاب فئوي يحدد من هو “العدو” ومن هو “الحليف“، ومن يملك حق تفسير مفهوم الدفاع ومن يُستثنى منه. هذا التحديد لم يعد مجرد تحليل سياسي، بل أصبح جزءًا من بنية السلطة نفسها، ما أدى إلى إعادة رسم حدود الشرعية السياسية داخل الدولة.

ومن أخطر نتائج هذا التحول أن مفهوم “الدفاع” أصبح أداة لإعادة إنتاج الشرعية، بحيث يُستخدم لتبرير الاستمرار في امتلاك أدوات القوة خارج إطار الدولة، بحجة استمرار التهديدات أو عدم استقرار البيئة الإقليمية. لكن هذا التبرير، في كثير من الأحيان، أدى إلى تثبيت واقع ازدواجية السلطة بدل تجاوزه، وإلى تكريس حالة استثنائية دائمة تحوّلت مع الزمن إلى قاعدة سياسية قائمة بذاتها.

على المستوى الداخلي، انعكس هذا الواقع على بنية الدولة اللبنانية نفسها، حيث تراجعت قدرتها على احتكار القرار السيادي، سواء في ما يتعلق بالسلم والحرب أو في رسم السياسات العامة. ومع هذا التراجع، نشأت حالة من التوازي بين مؤسسات الدولة الرسمية وقوى أخرى تمتلك أدوات تأثير فعلية على الأرض، ما خلق نوعًا من “الدولة داخل الدولة” أو “السلطة الموازية“، وهو ما أضعف مفهوم المواطنة المتساوية أمام القانون.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد أدى هذا التحول إلى إعادة تشكيل الوعي العام حول مفهوم الحماية. فبدل أن يكون المواطن مرتبطًا بالدولة كمصدر وحيد للأمن والاستقرار، أصبح يتعامل مع منظومة متعددة المرجعيات، لكل منها تعريفها الخاص للدفاع والحماية. هذا التعدد لم يعزز الاستقرار، بل ساهم في تعميق الانقسام داخل المجتمع، حيث ارتبط الانتماء السياسي في كثير من الأحيان بالانتماء إلى سردية دفاعية محددة.

ولا يمكن إغفال أن هذا المسار ترافق مع استخدام مكثف للخطاب التعبوي الذي يربط بين الدفاع والهوية والوجود، بحيث يتم تقديم أي نقد لهذا الواقع على أنه تهديد مباشر لمفهوم الحماية نفسه. هذا التداخل بين الدفاع والهوية جعل من الصعب فتح نقاش هادئ حول فعالية هذا النموذج أو كلفته على الدولة والمجتمع، إذ يُختزل النقاش في ثنائية تبسيطية بين “الدفاع” و”الخيانة“.

في نهاية المطاف، يظهر أن شعار “الدفاع عن لبنان” في هذا السياق لم يعد مجرد تعبير عن وظيفة وطنية، بل تحول إلى أداة لإعادة إنتاج التوازنات الداخلية وتثبيت مواقع قوة معينة داخل النظام السياسي. وهذا التحول جعل من الصعب فصل البعد الدفاعي عن البعد السلطوي، وأدخل الدولة في حالة دائمة من التداخل بين الحماية والهيمنة، بين الشرعية والمصلحة، وبين الوطن كمفهوم جامع والوطن كفضاء صراع على النفوذ.

شباب لبناني يهاجر

3. الكلفة الباهظة للدفاع المزعوم وانعكاساته على الدولة والمجتمع في لبنان

عند تقييم أي نموذج يُقدَّم بوصفه “دفاعًا عن الوطن“، لا يمكن الاكتفاء بالشعارات أو النيات المعلنة، بل يجب العودة إلى النتائج الفعلية التي أنتجها على مستوى الدولة والمجتمع والاقتصاد. في الحالة اللبنانية، تكشف القراءة التراكمية للوقائع أن ما سُمّي “دفاعًا” لم ينعكس استقرارًا مستدامًا، بل رافقه مسار طويل من التآكل المؤسسي والانهيار الاقتصادي وتراجع القدرة السيادية للدولة، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول الكلفة الحقيقية لهذا النموذج.

أول مظاهر هذه الكلفة تجلّت في البنية الاقتصادية للدولة. فلبنان، الذي كان يُقدَّم تاريخيًا كمركز مالي وتجاري إقليمي، شهد تدهورًا تدريجيًا في مؤسساته المالية والنقدية، وصولًا إلى أزمة غير مسبوقة ضربت النظام المصرفي والعملة الوطنية. هذا الانهيار لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تراكم سياسات وممارسات داخلية وخارجية، كان من بينها استمرار حالة اللااستقرار السياسي والأمني، وتداخل القرار السيادي، وما يرافقه من انعكاسات على الثقة الدولية بالاقتصاد اللبناني.

في هذا السياق، أصبح الاقتصاد اللبناني شديد الحساسية لأي توتر سياسي أو أمني، ما أدى إلى تحويل مفهوم “الدفاع” إلى عامل غير مباشر في إنتاج القلق الاقتصادي بدل الطمأنينة. فبدل أن يكون عنصر استقرار، أصبح جزءًا من معادلة المخاطر التي تأخذها الأسواق والمستثمرون والمجتمع الدولي بعين الاعتبار عند التعامل مع لبنان. هذا الارتباط بين البعد الأمني والاقتصادي ساهم في تضييق هامش النمو، وأضعف قدرة الدولة على جذب الاستثمارات أو الحفاظ على تدفقات مالية مستقرة.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد انعكست هذه الكلفة في تراجع حاد في مستوى المعيشة، وارتفاع معدلات الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى التي كانت تشكل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي. المواطن اللبناني وجد نفسه في مواجهة انهيار تدريجي في الخدمات الأساسية، من الكهرباء إلى الصحة والتعليم، في ظل دولة تعاني من شلل وظيفي متزايد. هذا الواقع جعل مفهوم “الحماية” يبدو منفصلًا عن الاحتياجات اليومية للمواطن، إذ لم تعد الأولوية مرتبطة فقط بالأمن بمعناه العسكري، بل بالأمن الاجتماعي والاقتصادي الذي تآكل بشكل واسع.

ومن الجوانب البارزة أيضًا، تراجع ثقة المواطن بالمؤسسات العامة. فعندما تتعدد مراكز القوة داخل الدولة، وتصبح القرارات المصيرية موزعة بين أكثر من جهة، تتآكل فكرة الدولة كمرجعية وحيدة. هذا التآكل لم يكن نظريًا، بل انعكس في الحياة اليومية، حيث أصبح المواطن يلجأ إلى شبكات بديلة للحصول على الخدمات أو الحماية أو حتى العدالة، ما عمّق منطق اللامساواة داخل المجتمع.

أما على مستوى السيادة، فقد أدت هذه الكلفة إلى إضعاف قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ قرارات مستقلة بالكامل في الملفات الكبرى. فكل قرار مرتبط بالسلم أو الحرب أو العلاقات الخارجية بات محكومًا بتوازنات داخلية معقدة، ما حدّ من مرونة الدولة في التعاطي مع التحولات الإقليمية والدولية. هذا الوضع جعل لبنان في موقع هش، حيث تتداخل الاعتبارات الداخلية مع الضغوط الخارجية بشكل دائم.

ولا يمكن إغفال الكلفة السياسية لهذا النموذج، إذ أدت حالة “الدفاع الممتد” إلى إعادة تشكيل النظام السياسي على أساس اصطفافات حادة، بدل أن يكون قائمًا على تنافس ديمقراطي طبيعي. هذا الأمر ساهم في تعطيل متكرر للمؤسسات الدستورية، وإضعاف فعالية القرار السياسي، وتحويل الحياة السياسية إلى مساحة صراع دائم حول تعريف الوطن نفسه ومن يملك حق الدفاع عنه.

إلى جانب ذلك، فإن استمرار حالة الاستثناء الأمني والسياسي ساهم في تطبيع فكرة غياب الدولة القادرة، ما جعل الانهيار يبدو وكأنه نتيجة طبيعية لا يمكن تجنبها، بدل أن يكون نتيجة خيارات وسياسات قابلة للنقاش والتغيير. هذا التطبيع مع الأزمة يعد من أخطر النتائج، لأنه يحول الاستثناء إلى قاعدة، ويجعل إعادة البناء أكثر تعقيدًا.

في المحصلة، يتضح أن الكلفة الباهظة لما يُسمى “الدفاع المزعوم” في الحالة اللبنانية لم تقتصر على جانب واحد، بل طالت الاقتصاد والمجتمع والسياسة والسيادة معًا. وهذه الكلفة التراكمية لم تطرح فقط سؤال الفاعلية، بل أعادت طرح سؤال أعمق حول طبيعة الدولة نفسها: هل هي في حالة دفاع حقيقي عن ذاتها، أم في حالة استنزاف مستمر باسم الدفاع؟

علم يعكس مأساة المواطنين

4. خطاب التخوين وإسكات النقد وتآكل المجال العام في لبنان

في أي دولة تسعى إلى الاستقرار السياسي والنضج الديمقراطي، يُفترض أن يكون النقاش حول القضايا السيادية، بما فيها مفاهيم الدفاع والحماية، نقاشًا مفتوحًا يقوم على التعددية واحترام الاختلاف، بحيث تتقاطع الآراء داخل فضاء عام يسمح بالمراجعة والمساءلة. غير أن الواقع اللبناني، في ظل تشابك الأزمات وتعدد مراكز القوة، شهد نشوء نمط خطابي حاد، أصبح فيه النقد السياسي أو الاعتراض على سياسات معينة يُقرأ في كثير من الأحيان من خلال عدسة التخوين أو التشكيك بالولاء الوطني، ما أدى إلى تضييق كبير في المجال العام.

هذا الخطاب لم يظهر فجأة، بل تبلور تدريجيًا مع تصاعد الاستقطاب السياسي وتداخل الملفات الأمنية بالإقليمية، حيث أصبح تعريف “الوطنية” نفسه محل نزاع. فبدل أن تكون الوطنية إطارًا جامعًا فوق الانقسامات، تحولت إلى معيار يُستخدم لتصنيف الخصوم السياسيين، بحيث يُختزل الاختلاف في الرأي إلى موقف من “الوطن” نفسه، لا من السياسات أو الخيارات. هذا التحول الخطير جعل من النقاش العام ساحة اختبار للولاءات بدل أن يكون مساحة لتبادل الأفكار.

في هذا السياق، برز خطاب التخوين كأداة سياسية واجتماعية لإعادة ضبط حدود النقاش المقبول. فكل اعتراض على أداء جهة تمتلك نفوذًا سياسيًا أو عسكريًا أو أمنيًا قد يُفسر على أنه اصطفاف ضد “الدفاع عن الوطن“، ما يخلق حالة من الردع غير المباشر ضد حرية التعبير. هذه الآلية لا تحتاج دائمًا إلى أدوات قمع رسمية، بل تعمل عبر الضغط الاجتماعي والسياسي والإعلامي، ما يجعلها أكثر تعقيدًا وتأثيرًا على المدى الطويل.

من النتائج المباشرة لهذا المناخ، تراجع الجرأة في النقاش العام، خصوصًا في ما يتعلق بالملفات الحساسة. فعدد متزايد من السياسيين والإعلاميين والباحثين باتوا يميلون إلى الحذر الشديد في طرح آرائهم، ليس فقط خوفًا من النقد، بل من التوصيفات التي قد تطالهم شخصيًا. هذا التحول أدى إلى نوع من “الرقابة الذاتية“، حيث يحدّ الأفراد من تعبيرهم قبل أن يُفرض عليهم أي تقييد خارجي مباشر.

كما انعكس هذا الواقع على الإعلام اللبناني، الذي وجد نفسه في كثير من الأحيان منقسمًا بين خطابات متعارضة تعكس الاصطفافات السياسية، بدل أن يؤدي دوره كمساحة نقد مستقلة. هذا الانقسام جعل الإعلام جزءًا من الصراع بدل أن يكون مساحة لاحتوائه، ما ساهم في إعادة إنتاج الخطاب الحاد نفسه، وتضييق مساحة الرأي الوسطي أو التحليلي الهادئ.

أما على مستوى المجتمع، فقد أدى خطاب التخوين إلى تعميق الانقسام الداخلي، حيث لم يعد الخلاف السياسي يُنظر إليه كاختلاف طبيعي داخل مجتمع تعددي، بل كتهديد للهوية أو للوجود. هذا التحول جعل العلاقات الاجتماعية نفسها أكثر هشاشة، إذ أصبح الانتماء السياسي يطغى على الانتماءات الوطنية الجامعة، ما أضعف فكرة المواطنة المشتركة.

ومن زاوية أخرى، ساهم هذا الخطاب في تعطيل آليات المساءلة، إذ إن أي محاولة لطرح أسئلة حول الأداء أو الكلفة أو النتائج قد تُقابل باتهامات جاهزة تُغلق باب النقاش بدل فتحه. وهكذا، يتحول النقد من أداة إصلاح إلى مخاطرة، ما يضعف القدرة التراكمية للمجتمع على تصحيح أخطائه أو مراجعة خياراته.

كما أن هذا المناخ يؤثر مباشرة على جودة القرار السياسي. فحين يُصبح النقاش محكومًا بالاصطفاف والاتهام بدل التحليل والتقييم، تتراجع قدرة النظام السياسي على إنتاج سياسات مبنية على معطيات موضوعية. ويؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج القرارات نفسها حتى لو ثبتت محدوديتها أو كلفتها العالية، لأن بيئة النقد اللازمة للتصحيح تكون قد أُضعفت أو شُلت.

ولا يمكن تجاهل الدور الذي يلعبه الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الخطاب، حيث تنتشر السرديات الحادة بسرعة كبيرة، وتُختزل القضايا المعقدة في شعارات مختصرة، ما يعمّق الاستقطاب ويقلل من مساحة الفهم المتوازن. في هذا الفضاء، يصبح الصوت الهادئ أو التحليلي أقل حضورًا من الخطابات الانفعالية.

في النهاية، يظهر أن خطاب التخوين في السياق اللبناني لم يعد مجرد ظاهرة لغوية أو سياسية عابرة، بل أصبح جزءًا من بنية الأزمة نفسها، لأنه يحدّ من قدرة المجتمع على النقاش، ويضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة، ويحول دون بناء توافق وطني قائم على الاختلاف الطبيعي. وبهذا المعنى، فإن إعادة بناء المجال العام تتطلب ليس فقط إصلاحًا سياسيًا، بل أيضًا تفكيكًا تدريجيًا لثقافة إسكات النقد واستبدالها بثقافة الحوار والمساءلة.

أزمات متراكمة تمسّ أبسط مقوّمات الحياة اليومية

5. العلاقة بين الداخل والخارج في تبرير الفشل وإعادة إنتاج الأزمات في لبنان

تُعد العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في الحالة اللبنانية، إذ لطالما تداخلت التأثيرات الإقليمية والدولية مع البنية السياسية الداخلية بطريقة جعلت من الصعب الفصل بين ما هو ناتج عن السياسات المحلية وما هو مفروض من البيئة الخارجية. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في وجود هذا التداخل، بل في الطريقة التي يتم من خلالها توظيفه سياسيًا لتفسير الأزمات أو تبريرها أو حتى إعادة إنتاجها.

في كثير من الخطابات السياسية داخل لبنان، يُستخدم العامل الخارجي كمرجعية تفسيرية شاملة، تُختزل من خلالها الأزمات الداخلية في إطار الصراعات الإقليمية أو المؤامرات الدولية. هذا التفسير، رغم أنه يحتوي على جزء من الواقع في ظل موقع لبنان الجيوسياسي الحساس، إلا أنه يتحول في الممارسة السياسية إلى أداة لتخفيف المسؤولية الداخلية عن الفشل، أو لتأجيل محاسبة السياسات المحلية التي ساهمت في تفاقم الأزمات.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن لبنان كان تاريخيًا ساحة مفتوحة لتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية، ما جعله عرضة للتدخلات المباشرة وغير المباشرة في شؤونه الداخلية. هذا الواقع أوجد بيئة سياسية معقدة تتداخل فيها الحسابات المحلية مع الإقليمية، بحيث يصبح كل قرار داخلي تقريبًا مرتبطًا بطريقة أو بأخرى بتوازنات خارجية. غير أن هذا الترابط، بدل أن يُدار ضمن رؤية دولة قوية، غالبًا ما يُستثمر لتبرير العجز الداخلي.

ومن أبرز تجليات هذه الإشكالية أن الخطاب السياسي في لبنان يميل في كثير من الأحيان إلى تحميل الخارج مسؤولية الأزمات الكبرى، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية، في حين يتم تقليل النقاش حول عوامل داخلية أساسية مثل الفساد، وسوء الإدارة، وضعف المؤسسات، وغياب الإصلاحات البنيوية. هذا التوازن غير المتكافئ في تفسير الأزمة يؤدي إلى تشويه الصورة الكاملة، ويمنع تشخيصًا دقيقًا لجذور المشكلات.

في السياق نفسه، يتحول “الخطر الخارجي” إلى عنصر ثابت في الخطاب السياسي، يُستخدم لإعادة تعبئة الجمهور وتبرير خيارات معينة، حتى عندما تكون هذه الخيارات مرتبطة بأجندات داخلية أو مصالح فئوية. هذا الاستخدام المستمر للعامل الخارجي يؤدي إلى حالة من التكيّف السياسي مع الأزمة، حيث تصبح الأزمة نفسها جزءًا من الخطاب اليومي، بدل أن تكون حالة استثنائية يُفترض تجاوزها.

كما أن هذا النمط من التفسير يضعف قدرة الدولة على تطوير سياسات مستقلة، لأن التركيز المفرط على الخارج يجعل الداخل في موقع رد الفعل الدائم، بدل أن يكون في موقع الفعل والتخطيط. وبهذا المعنى، تصبح الدولة أقل قدرة على صياغة استراتيجية وطنية متماسكة، وأكثر عرضة للتأثر بالتحولات الخارجية دون امتلاك أدوات داخلية كافية لإدارتها.

ومن جهة أخرى، يؤدي هذا التداخل إلى خلق نوع من “الاعتماد التفسيري” على الخارج، حيث تُفسر كل أزمة تقريبًا على أنها نتيجة عامل خارجي، ما يضعف ثقافة المحاسبة الداخلية. فعندما يُنظر إلى الفشل باعتباره نتيجة حتمية لتوازنات خارجية، تتراجع أهمية النقاش حول المسؤولية الداخلية، ويضعف الدافع نحو الإصلاح.

كما أن هذا النمط يساهم في تعميق الانقسام الداخلي، لأن كل طرف سياسي يميل إلى تبني سردية خارجية مختلفة تبرر موقعه وخياراته. وهكذا، لا يعود الاختلاف السياسي مجرد اختلاف في البرامج أو الرؤى، بل يتحول إلى اختلاف في تفسير العالم نفسه، ما يزيد من صعوبة بناء أرضية مشتركة للحوار الوطني.

ولا يمكن إغفال أن هذا الواقع يعكس أيضًا هشاشة البنية المؤسسية للدولة، إذ إن ضعف المؤسسات يجعلها أقل قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، وأكثر عرضة للتأثر بها. ومع غياب مؤسسات قوية، يصبح من السهل تحميل الخارج مسؤولية ما هو في الأصل نتيجة ضعف داخلي مزمن.

في النهاية، يتضح أن العلاقة بين الداخل والخارج في لبنان ليست علاقة سبب واحد ونتيجة واحدة، بل هي علاقة تفاعلية معقدة، لكن الإشكال الأساسي يكمن في كيفية استخدامها سياسيًا. فحين يُحوَّل الخارج إلى تفسير شامل لكل الأزمات، يُغفل الداخل، وحين يُغفل الداخل، تتعطل إمكانيات الإصلاح، وحين تتعطل إمكانيات الإصلاح، يصبح البلد عالقًا في دائرة مغلقة من الأزمات المتكررة.

الدولة المُنقسمة داخلياً لا يمكنها ان تواجه تحديات خارجية

6. الشعب بين الخطاب والواقع… الفجوة بين “التمثيل” و”التجربة” في لبنان

في قلب أي مشروع وطني، يُفترض أن يكون الشعب هو المرجعية الأولى والأخيرة، فهو مصدر الشرعية وهدف السياسات وميزان نجاحها أو فشلها. غير أن الحالة اللبنانية تكشف عن فجوة متنامية بين الخطاب السياسي الذي يتحدث باسم الشعب باستمرار، وبين التجربة المعيشية اليومية لهذا الشعب، الذي يجد نفسه في كثير من الأحيان خارج معادلة القرار، أو مُستخدمًا في الخطاب أكثر مما هو مشارك فعلي في صياغته.

يظهر الشعب في الخطاب السياسي اللبناني كعنصر مركزي دائم الحضور: “الشعب المقاوم”، “الشعب الصامد”، “الشعب الحامي”، “الشعب الضحية”. إلا أن هذا الحضور الخطابي لا يقابله دائمًا حضور مماثل في آليات اتخاذ القرار أو في توزيع السلطة أو في تحديد الخيارات المصيرية. وهنا تنشأ المفارقة الأساسية: كثافة الحديث عن الشعب مقابل محدودية مشاركته الفعلية في صياغة السياسات التي تُتخذ باسمه.

في الواقع المعيشي، يواجه المواطن اللبناني أزمات متراكمة تمس أبسط مقومات الحياة اليومية، من انهيار القدرة الشرائية، إلى تدهور الخدمات الأساسية، إلى غياب الاستقرار الوظيفي والاجتماعي. هذه الأزمات تجعل مفهوم “الحماية” الذي يُرفع في الخطاب السياسي يبدو بعيدًا عن التجربة اليومية، إذ لا تنعكس الشعارات الكبرى بالضرورة على تحسين ملموس في حياة الناس.

ومع مرور الوقت، يتشكل نوع من الانفصال بين الخطاب والواقع، حيث يُستدعى الشعب في الخطابات السياسية بوصفه مصدر الشرعية، لكنه في الممارسة يُعامل كمتلقٍ للقرارات لا كشريك في صناعتها. هذا الانفصال يعمّق الشعور بالاغتراب السياسي، إذ يشعر المواطن أن القرارات تُتخذ باسمه لا بمشاركته، وأن الأزمات تُدار فوق رأسه لا من خلاله.

ومن أبرز مظاهر هذا الواقع أن المواطن اللبناني يجد نفسه أمام شبكة معقدة من المرجعيات غير المتجانسة، ما بين الدولة ومؤسساتها الرسمية، وبين قوى سياسية وأمنية واجتماعية مختلفة. هذا التعدد في مراكز التأثير يجعل من الصعب على المواطن تحديد الجهة المسؤولة فعليًا عن السياسات والنتائج، ما يؤدي إلى تشتت في مفهوم المسؤولية.

كما أن هذا الواقع ينعكس على الثقة العامة، حيث تتراجع ثقة المواطن بالمؤسسات الرسمية تدريجيًا نتيجة عدم قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية أو فرض سيادة قانونية متكاملة. وفي المقابل، تتعزز أشكال بديلة من الاعتماد الاجتماعي والسياسي، تقوم على الولاءات الجزئية بدل الانتماء الوطني الشامل، ما يعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة.

ومن زاوية أخرى، يتعرض الشعب في كثير من الأحيان إلى توظيف رمزي في الخطاب السياسي، حيث يُستخدم كحجة لتبرير خيارات معينة أو رفض أخرى، دون أن يكون له دور حقيقي في تقييم هذه الخيارات أو مناقشتها. هذا الاستخدام الرمزي يُفرغ مفهوم “الإرادة الشعبية” من مضمونه الحقيقي، ويحوّله إلى أداة خطابية.

ومع استمرار الأزمات، تتوسع الفجوة بين النخب السياسية والواقع الاجتماعي، بحيث تصبح الأولويات المعلنة في الخطاب السياسي غير متطابقة مع الأولويات الفعلية للمجتمع. فبينما ينشغل الخطاب بقضايا كبرى تتعلق بالسيادة والصراع الإقليمي، ينشغل المواطن بأسئلة يومية تتعلق بالعيش والبقاء والاستقرار.

هذا التباين لا يعني فصلًا تامًا بين السياسة والمجتمع، لكنه يكشف عن خلل في آليات التمثيل، حيث لا تُترجم معاناة الناس دائمًا إلى سياسات إصلاحية فعالة. ومع تكرار هذا الخلل، تتعزز حالة الإحباط العام، التي قد تؤدي بدورها إلى تراجع المشاركة السياسية أو إلى أشكال من اللامبالاة أو الانكفاء.

في النهاية، يتبين أن الشعب اللبناني حاضر بقوة في الخطاب، لكنه في كثير من الأحيان غائب عن مركز القرار الفعلي. وهذه المفارقة بين الحضور الرمزي والغياب العملي تشكل إحدى أبرز سمات الأزمة السياسية، لأنها تعكس اختلالًا في العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول معنى التمثيل الحقيقي: هل هو تمثيل خطاب أم تمثيل فعلي للحياة اليومية والاحتياجات والخيارات؟

شهداء بالعشرات يموتون بلا سبب

7. نحو إعادة تعريف الدفاع عن لبنان بين استعادة الدولة وتصحيح مفهوم السيادة

إن إعادة التفكير في مفهوم “الدفاع عن لبنان” ليست مسألة لغوية أو جدلية خطابية، بل هي مسألة تتعلق بجوهر الدولة نفسها وبقدرتها على استعادة وظائفها الأساسية. فالدفاع، في معناه العميق، لا يقتصر على مواجهة تهديد خارجي مباشر، بل يشمل بناء منظومة متكاملة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والمؤسساتي، تجعل من الدولة كيانًا قادرًا على حماية نفسه من الداخل والخارج في آن واحد.

في التجربة اللبنانية، أثبتت التحولات التاريخية أن غياب احتكار الدولة لأدوات القوة أدى إلى تشظي مفهوم الدفاع نفسه، بحيث لم يعد هناك تعريف واحد موحّد له، بل تعددت المرجعيات التي تزعم القيام بهذه الوظيفة. هذا التعدد، بدل أن يعزز الحماية، أدى إلى تداخل الصلاحيات وإضعاف مركز القرار الوطني، ما انعكس على قدرة الدولة في إدارة شؤونها السيادية بشكل متماسك.

إعادة تعريف الدفاع تبدأ أولًا من إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمرجعية وحيدة وشرعية في إدارة القوة. فالدولة التي لا تمتلك احتكارًا فعليًا للقرار الأمني والعسكري تبقى دولة منقوصة السيادة، مهما تعددت مؤسساتها أو ارتفع خطابها السياسي. ومن هنا، يصبح بناء مؤسسة عسكرية موحدة وقوية وخاضعة بالكامل للسلطة الدستورية شرطًا أساسيًا لأي مفهوم دفاعي سليم.

لكن الدفاع لا يمكن أن يُختزل في البعد العسكري فقط، إذ إن التجارب الحديثة تُظهر أن الدول لا تُهزم فقط في الحروب، بل أيضًا في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية. لذلك، فإن أي تعريف جديد للدفاع عن لبنان يجب أن يشمل تعزيز الاقتصاد الوطني، وحماية الاستقرار المالي، وبناء نظام إداري شفاف، لأن الانهيار الداخلي قد يكون أكثر خطورة من أي تهديد خارجي.

في هذا السياق، يصبح الإصلاح السياسي جزءًا لا يتجزأ من منظومة الدفاع. فالدولة التي تعاني من فساد مستشرٍ وضعف في المحاسبة وانقسام في القرار، تكون أقل قدرة على الصمود أمام الضغوط الخارجية. وبالتالي، فإن بناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة ليس خيارًا ثانويًا، بل هو ركيزة أساسية من ركائز السيادة الحقيقية.

كما أن إعادة تعريف الدفاع تتطلب إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة. فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للحماية، بل هو شريك في بنائها من خلال الالتزام بالقانون والمشاركة في الحياة العامة والمساهمة في تعزيز الاستقرار. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تحميه فعليًا وتؤمن له حقوقه الأساسية، يتعزز شعوره بالانتماء، ويصبح جزءًا من منظومة الدفاع الوطنية بشكل طبيعي.

ولا يمكن تجاهل أهمية إعادة ضبط العلاقة مع الخارج ضمن رؤية سيادية متوازنة. فالدفاع عن لبنان لا يعني الانغلاق، بل يعني إدارة العلاقات الخارجية بطريقة تحفظ القرار الوطني وتمنع تحويل البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة. وهذا يتطلب دبلوماسية نشطة وموحدة، قادرة على التعبير عن موقف الدولة لا عن تعدد مواقف القوى الداخلية.

من جهة أخرى، يتطلب هذا التحول إعادة النظر في الخطاب السياسي نفسه، بحيث يتم الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق السياسات. فالدفاع لا يُقاس بحدة الخطاب أو مستوى التعبئة، بل بقدرة الدولة على تحقيق الاستقرار الفعلي، وتجنب الانزلاق إلى أزمات متكررة تستنزف مواردها وتضعف مجتمعها.

وفي هذا الإطار، يصبح بناء الثقة بين المكونات اللبنانية شرطًا أساسيًا لأي مشروع دفاع وطني حقيقي. فالدولة المنقسمة داخليًا لا يمكنها أن تواجه تحديات خارجية بفعالية. لذلك، فإن تعزيز مفهوم المواطنة الجامعة، وتخفيف حدة الاستقطاب السياسي، يشكلان جزءًا من استراتيجية الدفاع الشامل.

في النهاية، يمكن القول إن إعادة تعريف الدفاع عن لبنان تتطلب انتقالًا جذريًا من منطق “الدفاع كخطاب” إلى منطق “الدفاع كنظام دولة“؛ أي الانتقال من الشعارات إلى المؤسسات، ومن التعددية الفوضوية إلى وحدة القرار، ومن الاستثناء الدائم إلى الدولة المستقرة. عندها فقط يمكن أن يصبح الدفاع عن لبنان مفهومًا حقيقيًا يعكس قوة الدولة لا ضعفها، واستقرار المجتمع لا انقسامه، وسيادة القرار الوطني لا تشتته.

8. الخاتمة

في نهاية هذا المسار، يتضح أن المشكلة ليست في مفهوم “الدفاع عن لبنان” بحد ذاته، بل في الطريقة التي جرى بها تحويله من وظيفة للدولة إلى خطاب متعدد الاستخدامات، يُستعمل حينًا لتبرير الواقع، وحينًا لإدامة التوازنات، وحينًا لإسكات الأسئلة. وهكذا، بدل أن يكون الدفاع مشروعًا لبناء الدولة، أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من تعقيدها، وسببًا إضافيًا في إضعاف قدرتها على النهوض.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات الجوفاء عن الدفاع، بل إلى إعادة تأسيس فعلية لمفهوم الدولة التي تحتكر القرار وتحمي جميع أبنائها بلا استثناء. فالدفاع الحقيقي لا يُقاس بعلو الخطاب، ولا بحدة الشعارات الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل بصلابة المؤسسات، وبقدرة المواطن على العيش بأمان وكرامة واستقرار. وعندما يصبح الوطن نفسه هو الغاية لا الوسيلة، عندها فقط يمكن القول إن “الدفاع عن لبنان” قد خرج من دائرة الالتباس، ودخل فعلاً إلى دائرة الحقيقة.

أخبار ذات صلة

من هو المخرّب الأكبر في الكون؟د.غالب خلايلي يتساءل و يجيب:عندما تُترك يد الشيطان تعبثبالروح و الأخلاق و الثقافة...
بحث

من هو المخرّب الأكبر في الكون؟
د.غالب خلايلي يتساءل و يجيب:
عندما تُترك يد الشيطان تعبث
بالروح و الأخلاق و الثقافة...

23/04/2026

...

الحيوانات، يقول تشرشل،لن تسمح أبدًالأغبى أفراد القطيع ان يحكمها..د. الياس ميشال الشويري معلقاً:القيادة غير الكفوءة ...تتحوّل الى عبء جماعي.
بحث

الحيوانات، يقول تشرشل،
لن تسمح أبدًا
لأغبى أفراد القطيع ان يحكمها..
د. الياس ميشال الشويري معلقاً:
القيادة غير الكفوءة ...
تتحوّل الى عبء جماعي.

23/04/2026

...

Aventure au coeur de l’Afrique ấ Lomế – Togo
بحث

Aventure au coeur de l’Afrique ấ Lomế – Togo

21/04/2026

...

"استعادة القرار الوطني"وفق خطاب الرئيس جوزاف عون..هل هي متاحة اليوم وكيف؟د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:ما لم يُصبح لبنان دولة تُدار بالمؤسسات،فالمحاولات ستذهب أدراج الرياح...
بحث

"استعادة القرار الوطني"
وفق خطاب الرئيس جوزاف عون..
هل هي متاحة اليوم وكيف؟
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
ما لم يُصبح لبنان دولة تُدار بالمؤسسات،
فالمحاولات ستذهب أدراج الرياح...

21/04/2026

...

تحميل المزيد

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups