• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

زعماءٌ ذوو عمى
ووطنٌ يسير بين الخراب والانهيار..
د. الياس ميشال الشويري:
المنظومة استهلكت الدولة حتى التفريغ
ثم طالبت الشعب بالصبر على نتائجها...

2026/06/01
- بحث
زعماءٌ ذوو عمىووطنٌ يسير بين الخراب والانهيار..د. الياس ميشال الشويري:المنظومة استهلكت الدولة حتى التفريغثم طالبت الشعب بالصبر على نتائجها...

صورة تختصر واقع لبنان: خرابٌ صنعه العمى السياسي، وأملٌ لا يزال يرفض الانكسار

العبارة أعلاه مقتبسة من عنوان مقال لكاتب هذا المقال بعنوان “زعماءٌ على… ذوو عماء“، نُشر في جريدة النهار بتاريخ 12/6/2016. وبعد مرور عشر سنوات على هذا المقال، لا يزال لبنان يتخبّط في دوامة الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي نفسها، وكأن الزمن توقّف عند حدود الأزمات ذاتها، فيما تبدّلت فقط وجوه المعاناة وأشكال الانهيار. فالدولة التي كانت تتآكل ببطء عام 2016، أصبحت اليوم أقرب إلى هيكلٍ منهك فقد معظم مقوماته، بعدما أوصلها من يُسمَّون زعماء إلى حافة التفكك الكامل، عبر عقود من الفساد والمحاصصة وسوء الإدارة وارتهان القرار الوطني للمصالح الضيقة. لقد عاث هؤلاء في البلاد فساداً ودماراً، لا فقط عبر نهب المال العام وإضعاف المؤسسات، بل أيضاً عبر قتل فكرة الدولة في وعي الناس، وتحويل الوطن إلى ساحة صراع دائم ومزرعة نفوذ ومصالح. وبينما كان اللبناني يزداد فقراً وقلقاً وهجرةً وانكساراً، كانت الطبقة السياسية تزداد تمسكاً بخطاباتها الطائفية وصراعاتها العبثية، غير آبهة بحجم الخراب الذي أصاب المجتمع والاقتصاد والكرامة الإنسانية. والمفارقة المؤلمة أن التحذيرات التي بدت قبل سنوات وكأنها مبالغات أو صرخات غضب، تحولت اليوم إلى واقع يومي يعيشه اللبناني في لقمة عيشه وكهربائه ودوائه ومستقبل أولاده. وكأن لبنان يدفع ثمن طبقة سياسية لم ترَ في الوطن وطناً، بل غنيمة تُقتسم، وفي الشعب شعباً، بل جمهوراً يُستَخدم عند الحاجة ويُترَك عند الانهيار.

د. الياس ميشال الشويري

لم يعد في لبنان ما يمكن تجميله بالكلمات ولا تلطيفه بالخطابات. فالدولة التي وُعدت يوماً بأنها “وطن الرسالة” تحوّلت إلى رسالة مشوّهة يكتبها الانهيار على جدران الحياة اليومية، أي الى “وطن الحثالة“. هنا لم يعد السؤال عن أزمة عابرة أو مرحلة صعبة، بل عن نموذج كامل تآكل من الداخل حتى صار أقرب إلى كيان يُدار بالحد الأدنى من التوازنات، لا برؤية دولة ولا بمشروع وطن.

في هذا البلد، لم تسقط المؤسسات فجأة، بل سقطت فكرة المؤسسة نفسها تدريجياً، حين استُبدلت الكفاءة بالولاء، والقانون بالمحاصصة، والمصلحة العامة بالمكاسب الخاصة. وحين يصبح الزعيم أكبر من الدولة، والطائفة أسبق من الوطن، يصبح الانهيار مجرد نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمى السياسي والفساد والانقسام.

إن لبنان الذي نراه اليوم ليس صدفة تاريخية، بل حصيلة تراكمات قاسية صنعتها طبقة سياسية أدمنت إدارة الأزمات بدل حلها، وإعادة إنتاج نفس الأسباب التي تُفجّرها. لذلك، فإن قراءة الواقع اللبناني لا يمكن أن تكون حيادية باردة، لأن ما يجري ليس مجرد خلل إداري، بل تفكك في معنى الدولة نفسها، وفي علاقة المواطن بوطنه، وفي فكرة المستقبل برمتها.

1. العمى السياسي وسقوط مفهوم الدولة

يشكّل العمى السياسي في لبنان أحد أخطر الأمراض التي أصابت بنية النظام منذ تأسيسه، وهو عمى لا يتعلق فقط بغياب الرؤية المستقبلية، بل بانحراف جوهري في تعريف الدولة نفسها، حيث لم تعد الدولة مشروعاً وطنياً جامعاً، بل تحولت تدريجياً إلى ساحة لتوازنات دقيقة بين الطوائف والزعامات، وإلى شبكة مصالح متداخلة تجعل من الإصلاح تهديداً لا ضرورة. ومن هنا بدأ الانهيار الحقيقي، لا حين تعطلت المؤسسات، بل حين فقدت هذه المؤسسات معناها ووظيفتها.

لقد نشأت في لبنان طبقة سياسية اعتادت إدارة البلاد بمنطق “التعايش القلق” لا “الدولة المستقرة“، فصار الهدف الأساسي هو منع الانفجار لا بناء الاستقرار، وتسكين الأزمات لا حلّها، وإعادة توزيع النفوذ لا إنتاج مشروع وطني موحّد. هذا النمط من الحكم جعل من الأزمة حالة دائمة، ومن الاستثناء قاعدة، ومن الانهيار احتمالاً متكرراً لا يثير الصدمة إلا لفترة قصيرة.

ومع مرور الوقت، ترسّخ مفهوم خطير مفاده أن الدولة ليست كياناً فوق الجميع، بل هي مساحة مشتركة تُقسَّم وفق ميزان القوى الطائفية والسياسية. وهكذا تراجعت فكرة المواطنة لصالح الانتماء الفرعي، وتآكلت فكرة الصالح العام أمام منطق الحصص والمكاسب. لم يعد السؤال: ماذا يحتاج لبنان؟ بل أصبح: ماذا تحتاج الطائفة أو الزعيم أو الحزب؟

هذا التحول البنيوي أنتج عجزاً مزمناً في اتخاذ القرار، لأن أي قرار وطني كبير أصبح رهينة التوافقات الهشة والتعطيل المتبادل. فالمشاريع الاستراتيجية إما تُرحّل إلى أجل غير مسمى، أو تُفرغ من مضمونها لتناسب الجميع فلا تعود تناسب أحداً. وفي هذا الفراغ، تراكمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية حتى وصلت إلى نقطة الانفجار.

إن أخطر ما في هذا العمى السياسي أنه لم يكن دائماً نتيجة جهل، بل في كثير من الأحيان كان خياراً واعياً، لأن استمرار النظام على حاله يخدم مصالح من يستفيدون من ضعفه. فالدولة الضعيفة تسمح بتوسيع النفوذ، والإدارة المفككة تتيح هامشاً أكبر للمحاصصة، والرقابة الغائبة تفتح الباب أمام الفساد دون عوائق حقيقية. وهكذا أصبح تعطيل الدولة جزءاً من آلية بقائها المشوه.

وفي ظل هذا الواقع، انفصلت السلطة تدريجياً عن المجتمع. فبينما كان المواطن اللبناني يواجه أزمات المعيشة اليومية، كانت الطبقة السياسية غارقة في صراعاتها على الحقائب والمواقع والولاءات. هذا الانفصال خلق فجوة نفسية عميقة بين الناس والدولة، حيث بات المواطن يشعر أن الدولة ليست حامياً له، بل عبئاً إضافياً عليه.

كما أن الخطاب السياسي ساهم في تعميق هذا العمى، إذ جرى استبدال لغة التخطيط والإصلاح بلغة التعبئة والتحريض. فأصبحت السياسة في كثير من الأحيان إدارة للمشاعر لا إدارة للواقع، وإنتاجاً مستمراً للأعداء بدل إنتاج الحلول. ومع الوقت، تحولت الحياة السياسية إلى مسرح دائم لإعادة إنتاج الأزمات نفسها بأشكال مختلفة.

ولم يعد غريباً أن تُتخذ قرارات مصيرية في لحظات انفعال أو تحت ضغط الخارج أو وفق حسابات انتخابية ضيقة، ما أدى إلى غياب الاستمرارية في السياسات العامة. فكل فريق يصل إلى السلطة يبدأ من الصفر تقريباً، وكأن الدولة لا تمتلك ذاكرة مؤسساتية ولا مشروعاً طويل الأمد.

إن هذا التآكل في مفهوم الدولة جعل لبنان يعيش حالة دائمة من “اللا استقرار المقنّع“، حيث تبدو المؤسسات قائمة شكلياً، لكنها عاجزة فعلياً عن الإنتاج أو الحماية أو الإصلاح. وهذا الشكل من الدولة هو أخطر من الفوضى الصريحة، لأنه يوهم الناس بوجود نظام بينما هم يعيشون في فراغ سياسي وإداري عميق.

ومع تراكم السنوات، أصبح العمى السياسي أشبه بثقافة عامة، لا تقتصر على الطبقة الحاكمة فقط، بل تمتد إلى آليات التفكير العام، حيث يُنظر إلى الدولة كغنيمة، وإلى الوظيفة العامة كوسيلة نفوذ، وإلى القانون كأداة انتقائية. وهكذا تفككت الفكرة نفسها التي تقوم عليها أي دولة حديثة، وهي فكرة المساواة أمام القانون.

إن سقوط مفهوم الدولة في لبنان لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل مساراً طويلاً من التآكل البطيء، شاركت فيه الزعامات، والمؤسسات، والمجتمع السياسي، وحتى جزء من الوعي الشعبي الذي تأقلم مع هذا الواقع بدل مقاومته. لكن هذا التأقلم نفسه هو ما جعل الانهيار أكثر عمقاً، لأنه حوّل الأزمة من حالة استثنائية إلى نمط حياة.

وفي نهاية هذا المسار، يصبح العمى السياسي ليس مجرد وصف للحكام، بل توصيفاً لحالة نظام كامل فقد القدرة على رؤية نفسه بوضوح، فاستمر في الدوران داخل حلقة مغلقة من الأزمات، حتى صار الإصلاح يبدو كأنه معجزة، لا كأنه خيار سياسي طبيعي في أي دولة تحترم ذاتها.

2. الفساد كمنهج حكم لا كاستثناء

لم يعد الفساد في لبنان ظاهرة عابرة يمكن تفسيرها بسلوك أفراد أو أخطاء مؤقتة في الإدارة، بل تحوّل عبر الزمن إلى بنية حكم قائمة بذاتها، وإلى نمط متكامل لإدارة الدولة والمجتمع والاقتصاد. فحين يصبح الفساد جزءاً من آليات التوازن السياسي، يفقد معناه كجريمة استثنائية، ويغدو قاعدة غير معلنة تُدار من خلالها المصالح وتُوزَّع النفوذ وتُحسم القرارات.

تاريخياً، ترافق تشكّل النظام السياسي اللبناني مع نشوء شبكات من الوساطات والمحسوبيات التي ربطت بين السياسة والإدارة والاقتصاد، حتى باتت الحدود بين العام والخاص ضبابية إلى حدّ كبير. ومع مرور الوقت، ترسخت فكرة أن الوصول إلى الحقوق أو الخدمات لا يتم عبر الدولة كمؤسسة، بل عبر الانتماء السياسي أو الطائفي أو الشخصي، ما خلق اقتصاداً موازياً غير رسمي قائم على العلاقات لا على القانون.

هذا التحول جعل الوظيفة العامة في كثير من الحالات وسيلة لتوزيع النفوذ لا أداة لخدمة المصلحة العامة، وأصبحت الإدارات جزءاً من منظومة التوازنات لا من منظومة الإنتاج. وهكذا تراجع معيار الكفاءة تدريجياً لصالح معيار الولاء، وتحوّل القطاع العام إلى مساحة لتبادل المنافع السياسية بدلاً من كونه جهازاً لتنفيذ السياسات العامة.

ومع تعمّق هذا النمط، أصبح الفساد منظومة ذاتية الاستمرار، تُعيد إنتاج نفسها عبر حماية الفاسدين لبعضهم البعض. فكل طرف في السلطة يمتلك جزءاً من المنظومة، ما يجعل تفكيكها تهديداً جماعياً، ويحوّل الإصلاح إلى عملية شبه مستحيلة من داخل النظام نفسه. لذلك، غالباً ما يتم التعامل مع ملفات الفساد بشكل انتقائي أو موسمي، يُستخدم فيها شعار الإصلاح كأداة سياسية أكثر منه كمشروع فعلي.

كما ساهم غياب استقلالية القضاء وضعف مؤسسات الرقابة في تعزيز هذا الواقع، إذ فقدت المحاسبة فعاليتها، وتحولت في كثير من الأحيان إلى أداة تفاوض أو تصفية حسابات. وفي ظل غياب العقاب، تصبح المخالفة أقل كلفة من الالتزام، ويصبح احترام القانون خياراً ثانوياً لا قاعدة ملزمة.

ومع الوقت، لم يعد الفساد مقتصراً على النخب السياسية، بل تسلل إلى البنية الاجتماعية والإدارية، حيث بدأ المواطن يتعامل معه كضرورة للبقاء أو كوسيلة لتجاوز تعقيدات الدولة. وهكذا نشأت ثقافة عامة ترى في “الواسطة” بديلاً عملياً عن القانون، وفي “المعرفة الشخصية” طريقاً أسرع من الإجراءات الرسمية، ما عمّق انهيار فكرة الدولة الحديثة القائمة على المساواة.

الخطير في هذا التحول أن الفساد لم يعد يُنظر إليه كانحراف عن النظام، بل كجزء من توازناته الداخلية. فكل طائفة أو حزب أو مجموعة نفوذ تمتلك حصتها من الدولة، بما في ذلك حصتها من الموارد والوظائف والعقود. هذا التقسيم غير المعلن جعل محاربة الفساد تهديداً لهذا التوازن الهش، لأنه يعني عملياً إعادة توزيع النفوذ، وهو ما يفتح صراعات سياسية معقدة.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، انكشف حجم هذا النظام بشكل أكبر، إذ تبيّن أن الانهيار المالي لم يكن نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تراكم طويل من الهدر والسرقات وسوء الإدارة وغياب التخطيط. ومع ذلك، استمرت الخطابات السياسية في التعامل مع الفساد كأنه حالات فردية معزولة، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي دون المساس بجوهر المنظومة.

إن أخطر ما في الفساد في الحالة اللبنانية هو قدرته على التكيّف، فهو لا ينهار مع الأزمات بل يعيد تشكيل نفسه بما يتناسب معها. ففي أوقات الازدهار يستفيد من النمو، وفي أوقات الانهيار يستفيد من الفوضى، وفي أوقات الأزمات يستخدمها كغطاء لإعادة توزيع الموارد بشكل أكثر تركيزاً. وهكذا يصبح الفساد ليس مجرد خلل في النظام، بل جزءاً من ديناميكيته.

كما لعبت الثقافة السياسية القائمة على الزعامة دوراً أساسياً في تطبيع الفساد، إذ جرى تصوير الزعيم على أنه “حامٍ” للطائفة أو الجماعة، حتى لو كان ذلك على حساب القانون والدولة. ومع الوقت، أصبح الولاء للزعيم أقوى من الالتزام بالمؤسسات، ما أدى إلى تآكل فكرة المواطنة وتحولها إلى ولاءات متنافسة.

هذا الواقع خلق حلقة مغلقة: الفساد يضعف الدولة، ضعف الدولة يعزز الحاجة إلى الوساطات، الوساطات تعزز الفساد، وهكذا دواليك. وفي ظل هذه الحلقة، يصبح الإصلاح صعباً لأنه يتطلب تفكيك شبكة مصالح مترابطة تمتد من أعلى الهرم السياسي إلى أدنى مستويات الإدارة.

إن انهيار الثقة بين المواطن والدولة هو أحد أخطر نتائج هذا المنهج، فحين يشعر المواطن أن القانون لا يحميه، وأن الحقوق لا تُمنح إلا عبر النفوذ، يبدأ بالانسحاب من الفضاء العام والبحث عن حلول فردية. وهذا الانسحاب الجماعي يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية ويضعف مفهوم الصالح العام.

وهكذا، لم يعد الفساد في لبنان مجرد مشكلة أخلاقية أو إدارية، بل أصبح أزمة بنيوية تهدد وجود الدولة نفسها. فالدولة التي يُدار جزء كبير من مواردها خارج الأطر القانونية تصبح دولة شكلية، قائمة في المظهر، لكنها فارغة في الجوهر. ومع استمرار هذا النموذج، يتحول الانهيار إلى نتيجة طبيعية لمسار طويل من التآكل، لا إلى حادث مفاجئ.

3. الحروب العبثية وتوريط لبنان في صراعات لا تنتهي

لم يكن لبنان في أي مرحلة من تاريخه الحديث بعيداً عن الصراعات الإقليمية، لكنه في لحظات مفصلية تحوّل من بلد يتأثر بالحروب إلى ساحة تتقاطع فوقها الحروب، ومن دولة تحاول النجاة من التوترات إلى كيان يُستدرج أحياناً إلى قلبها. وهنا يتجلى أحد أبرز مظاهر العمى السياسي: عدم إدراك خطورة تحويل الجغرافيا اللبنانية إلى مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الخارجية.

لقد ساهمت البنية الطائفية الهشة في جعل لبنان أكثر قابلية للاختراق، إذ تحوّلت الانقسامات الداخلية إلى بوابات تدخل خارجي، بحيث بات كل فريق سياسي يبحث عن سند خارجي يوازن به خصومه الداخليين. ومع الوقت، لم يعد الخارج مجرد عامل تأثير، بل أصبح جزءاً من معادلة الحكم نفسها، ما أفقد القرار الوطني استقلاليته الفعلية.

في هذا السياق، لم تعد الحرب في لبنان مجرد حدث عسكري، بل أصبحت حالة سياسية ممتدة تتداخل فيها الاعتبارات الإقليمية مع الحسابات الداخلية. فبدلاً من أن تكون الدولة هي الجهة التي تحتكر قرار السلم والحرب، تداخلت مراكز القرار وتعددت مصادره، ما أدى إلى غياب وحدة الموقف الوطني في القضايا المصيرية.

ومع تكرار الأزمات، ترسّخ منطق خطير يقوم على اعتبار القوة بديلاً عن الدولة، والسلاح بديلاً عن السياسة، والانتصار العسكري بديلاً عن الاستقرار السياسي. هذا التحول في المفاهيم جعل لبنان يعيش في حالة دائمة من التوتر، حيث تُدار القضايا الكبرى بمنطق المواجهة لا بمنطق الحلول.

لقد دفعت الحرب الأهلية اللبنانية، بما حملته من دمار وانقسام وتهجير، ثمن هذا الانزلاق الخطير نحو عسكرة السياسة. ومع أن اتفاق الطائف جاء لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة، إلا أن التطبيق العملي بقي ناقصاً، ما سمح باستمرار وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، واستمرار تأثير الخارج في القرار الداخلي.

هذا الواقع أنتج معادلة دقيقة لكنها خطيرة: لا حرب شاملة تنهي الصراع، ولا سلم مستقر ينهي التوتر. فلبنان بقي في حالة “لا حرب ولا سلم“، وهي من أكثر الحالات استنزافاً للدول والمجتمعات، لأنها تبقي الاقتصاد مشلولاً، والاستثمار متردداً، والمجتمع قلقاً على الدوام.

ومع دخول لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، أصبح جزءاً من حسابات أكبر منه، سواء في صراعات المنطقة أو في توازنات القوى الدولية. وفي كل مرة كانت تتصاعد فيها التوترات، كان لبنان يدفع جزءاً من الثمن، اقتصادياً وسياسياً وبشرياً، رغم أن مصالحه الوطنية كانت غالباً خارج هذه الصراعات.

كما أدت الخطابات السياسية والإعلامية إلى تعميق هذا الانقسام، حيث جرى تصوير الصراعات الخارجية على أنها امتداد طبيعي للصراعات الداخلية، ما جعل المواطن يعيش حالة استقطاب دائم، ويعيد تعريف انتمائه السياسي وفقاً لمعادلات إقليمية لا وطنية. وهذا ما أضعف فكرة الدولة الجامعة، ورسّخ منطق المحاور داخل المجتمع.

إن أخطر ما في هذا المسار هو تحويل لبنان إلى “ساحة بدلاً من دولة“، أي إلى مكان تُدار فيه الأحداث بدل أن تُصنع فيه السياسات. فالساحة لا تملك قرارها، بل تستقبل القرارات من الخارج، بينما الدولة الحقيقية هي التي تصنع قرارها وتدافع عنه. وفي الحالة اللبنانية، اختلط المفهومان إلى درجة خطيرة.

ومع كل جولة من التصعيد، كان اللبنانيون يدفعون الثمن الأكبر: دمار البنية التحتية، انهيار الاقتصاد، نزوح داخلي وخارجي، وتعطيل طويل الأمد للمؤسسات. لكن رغم ذلك، كانت العودة إلى الأسباب الجذرية شبه غائبة، لأن كل طرف كان يرى نفسه في موقع الدفاع عن “قضية كبرى“، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار الدولة.

كما أن هذا الواقع عزز ثقافة “الانتصارات الرمزية” التي لا تنعكس على حياة الناس اليومية. فكم من مرة جرى الحديث عن انتصار هنا أو إنجاز هناك، بينما الواقع الاجتماعي والاقتصادي يزداد تدهوراً. وهذا التناقض بين الخطاب والواقع عمّق فجوة الثقة بين المواطنين والطبقة السياسية.

ومع تراكم التجارب، أصبح اللبناني يعيش حالة من الإرهاق المزمن من الحرب، حتى لو لم تكن حرباً شاملة. فمجرد التهديد الدائم، وعدم الاستقرار، والقلق المستمر، يكفي لإضعاف أي مجتمع وإعاقة نموه الطبيعي. وهذا ما جعل الهجرة خياراً دائماً لدى شرائح واسعة من الشباب.

إن الحروب في الحالة اللبنانية لم تعد فقط صراعات عسكرية، بل تحولت إلى نمط إدارة للسياسة، حيث تُستخدم التوترات كأداة تفاوض داخلي وخارجي. وهذا الاستخدام المستمر للصراع جعل السلام يبدو أحياناً وكأنه حالة استثنائية، بينما الحرب أو التوتر هو الحالة الأصلية.

وفي ظل غياب رؤية وطنية جامعة، بقي لبنان يدور في فلك التوازنات الإقليمية دون القدرة على بناء سياسة خارجية مستقلة أو استراتيجية أمنية موحدة. وهذا الضعف البنيوي جعله عرضة دائماً للاهتزاز مع كل تغير في محيطه.

وهكذا، يمكن القول إن مأساة لبنان في هذا المحور ليست فقط في وقوعه في الحروب، بل في عدم قدرته على الخروج الكامل من منطقها. فالدولة التي لا تحتكر قرارها السيادي، ولا توحّد رؤيتها الداخلية، تبقى دائماً عرضة لأن تكون جزءاً من صراعات الآخرين، مهما حاولت أن تعلن حيادها أو استقلالها.

4. انهيار الاقتصاد وسقوط الكرامة الاجتماعية

لم يكن الانهيار الاقتصادي في لبنان حدثاً مفاجئاً أو أزمة مالية عابرة، بل كان نتيجة مسار طويل من الاختلالات البنيوية التي تراكمت عبر سنوات من السياسات غير المستدامة، والهدر العام، وغياب الإصلاح الحقيقي، وربط الاقتصاد بمنظومة سياسية ريعية بدل أن يكون اقتصاد إنتاج ونمو. ومع انفجار الأزمة، لم ينهَر رقم أو مؤشر فقط، بل انهارت معه بنية اجتماعية كاملة كانت تقوم على الحد الأدنى من الاستقرار والثقة بالمستقبل.

لقد اعتمد النموذج الاقتصادي اللبناني لعقود على التدفقات المالية الخارجية، والتحويلات، والقطاع المصرفي بوصفه محركاً أساسياً للاقتصاد، دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية قادرة على امتصاص الصدمات. ومع تراكم الديون وغياب الإصلاحات البنيوية، أصبح هذا النموذج هشّاً إلى درجة الانهيار عند أول أزمة جدية في الثقة والتمويل.

ومع بداية الانهيار المالي، تبيّن أن المشكلة لم تكن تقنية أو محاسبية فقط، بل كانت سياسية بامتياز، لأن القرار الاقتصادي كان دائماً خاضعاً لتوازنات السلطة لا لمعايير الاستدامة. فتم تأجيل الحلول الصعبة، وتضخيم الوعود، وإبقاء النظام قائماً على الافتراض بدل المعالجة، حتى لحظة الانفجار الكبير.

ومع انهيار العملة الوطنية، فقد المواطن اللبناني جزءاً كبيراً من مدخراته خلال فترة قصيرة، ما شكل صدمة اجتماعية غير مسبوقة، إذ تحوّل الاستقرار المالي الذي بُني عبر سنوات إلى قيمة شبه معدومة. ولم يكن ذلك مجرد خسارة اقتصادية، بل ضربة مباشرة لمفهوم الأمان الشخصي والطبقي في المجتمع.

هذا الانهيار المالي انعكس بسرعة على الحياة اليومية، فارتفعت معدلات الفقر بشكل حاد، وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح تأمين الأساسيات من غذاء ودواء وكهرباء وتعليم عبئاً ثقيلاً على غالبية الأسر. وهكذا انتقل المجتمع من حالة استهلاك مستقرة نسبياً إلى حالة صراع يومي من أجل البقاء.

كما أدى تدهور القطاع المصرفي إلى فقدان الثقة بالنظام المالي ككل، حيث لم يعد المواطن يشعر بالأمان في التعامل مع البنوك أو الادخار للمستقبل، ما خلق حالة من الجمود الاقتصادي وفقدان السيولة داخل الدورة الاقتصادية. هذا الانقطاع في الثقة كان أحد أخطر أوجه الأزمة، لأنه لا يُعالج بسرعة حتى لو استقرت الأرقام لاحقاً.

وفي موازاة الانهيار المالي، انهارت أيضاً الخدمات العامة الأساسية، من كهرباء ومياه وصحة وتعليم، ما زاد من الضغط على المواطن ودفعه إلى الاعتماد على بدائل مكلفة أو غير مستقرة. هذا التراجع في دور الدولة الخدماتي عمّق الشعور بالاغتراب بين المواطن ومؤسسات بلده، وكأن الدولة تتراجع خطوة بعد أخرى من حياتهم اليومية.

ومع تفاقم الأزمة، تراجعت الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخياً العمود الفقري للمجتمع اللبناني، لتتقلص بشكل كبير، إما إلى فقر مباشر أو إلى هجرة خارج البلاد. هذا التآكل في الطبقة الوسطى يعني عملياً تفكك التوازن الاجتماعي، لأن هذه الطبقة كانت تشكل حلقة وصل بين الفقر والثراء، وبين الاستقرار والتغيير.

كما أن البطالة، خصوصاً بين الشباب، ارتفعت إلى مستويات دفعت أعداداً كبيرة منهم إلى الهجرة، ما أدى إلى نزيف بشري حاد في الكفاءات والطاقات. ولم تعد الهجرة خياراً تحسينياً كما في السابق، بل أصبحت خياراً اضطرارياً يفرضه الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

الأخطر من كل ذلك أن الانهيار الاقتصادي لم يقتصر على الأرقام والمؤشرات، بل طال الكرامة الإنسانية نفسها. فقد أصبح المواطن يقف في طوابير طويلة للحصول على خدمات أساسية، ويواجه صعوبات في تأمين الدواء والاستشفاء، ويعيش حالة من القلق الدائم حول الغد، ما خلق شعوراً عاماً بالإذلال الاجتماعي.

هذا الشعور لم يكن نتيجة الفقر فقط، بل نتيجة فقدان العدالة وتكافؤ الفرص، حيث يرى المواطن أن معاناته لا تقابلها مساءلة حقيقية للمسؤولين عن هذا الانهيار. وهنا يتحول الألم الاقتصادي إلى أزمة ثقة عميقة بالدولة والنظام السياسي ككل.

كما ساهمت السياسات الجزئية والقرارات غير المتناسقة في تعميق الأزمة بدل تخفيفها، حيث طُرحت حلول متأخرة أو غير مكتملة، وغالباً ما كانت تخضع لحسابات سياسية أكثر من كونها مبنية على رؤية اقتصادية شاملة. هذا الارتباك زاد من فقدان اليقين لدى المواطنين والمستثمرين على حد سواء.

ومع استمرار الأزمة، أصبح الاقتصاد اللبناني اقتصاداً منهكاً يعتمد على المبادرات الفردية والتحويلات الخارجية والمساعدات المؤقتة، بدل أن يكون اقتصاداً منتجاً قادراً على النمو الذاتي. وهذا التحول جعل التعافي أكثر صعوبة، لأنه يتطلب إعادة بناء الثقة والنظام في آن واحد.

وهكذا، فإن الانهيار الاقتصادي في لبنان ليس مجرد أزمة مالية، بل هو انهيار اجتماعي شامل مسّ بنية المجتمع وطبقاته وعلاقته بالدولة. وهو انهيار كشف بوضوح أن غياب الإصلاح الحقيقي لعقود طويلة لا يؤدي فقط إلى أزمة، بل إلى سقوط كامل في منظومة العيش والكرامة والاستقرار.

هذا ما جناه الاستهتار عليَّ، وما جنيتُ على أحد.

5. الإعلام والخطابات الشعبوية وتضليل الوعي العام

لم يعد الإعلام في الحالة اللبنانية مجرد وسيلة لنقل الخبر أو مراقبة السلطة، بل تحوّل في كثير من حالاته إلى جزء من البنية السياسية نفسها، وإلى أداة من أدوات الصراع بين القوى المتنافسة. ومع هذا التحول، فقد الإعلام جزءاً كبيراً من دوره النقدي والرقابي، وأصبح في حالات عديدة امتداداً للخطاب السياسي بدل أن يكون مساحة مستقلة تكشف الحقيقة وتفككها.

لقد ارتبطت معظم الوسائل الإعلامية في لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر بجهات سياسية أو طائفية، ما جعل التغطية الإعلامية انعكاساً للتوازنات لا للوقائع. وبالتالي، لم تعد الحقيقة تُقدَّم كمعطى موحد، بل كوجهات نظر متناقضة، لكل منها جمهورها وخطابها وأدواتها في التأثير والتعبئة.

هذا التعدد في الخطابات، رغم أنه قد يبدو في ظاهره علامة على الحرية، إلا أنه في الواقع أدى إلى نوع من الفوضى في الوعي العام، حيث أصبح المواطن يعيش داخل “فقاعات إعلامية” منفصلة، يتلقى فيها معلومات متوافقة مع انتمائه السياسي، ويشكك تلقائياً بكل ما يصدر عن الطرف الآخر. وهكذا تراجع مفهوم الحقيقة المشتركة الذي تقوم عليه أي حياة وطنية جامعة.

ومع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية، ازدهرت الخطابات الشعبوية التي تعتمد على تبسيط القضايا المعقدة، وتقديم حلول شعاراتية، وإثارة العواطف بدل تقديم تحليلات واقعية. فبدلاً من معالجة جذور الأزمة، جرى التركيز على تحميل المسؤولية للآخر، وتغذية الإحساس بالمظلومية الدائمة لدى كل فريق.

هذا النمط من الخطاب ساهم في إعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمع، لأنه لم يكن يهدف إلى التفسير بقدر ما كان يهدف إلى التعبئة. ومع الوقت، أصبحت السياسة تُدار بمنطق الاستقطاب لا بمنطق الحلول، وبمنطق “نحن ضدهم” بدل “كيف ننقذ البلد“.

كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً إضافياً في تعميق هذه الظاهرة، حيث أصبح كل فرد قادراً على إنتاج خطاب سياسي أو إعلامي، دون ضوابط مهنية أو معايير تحقق. وهذا فتح المجال أمام انتشار الشائعات والمعلومات المضللة، وتعزيز ردود الفعل العاطفية السريعة بدل التفكير النقدي.

وفي ظل غياب إعلام وطني جامع، تحوّل النقاش العام إلى ساحة صراع دائم، تُستخدم فيها اللغة أحياناً كأداة إقصاء وتحريض، لا كوسيلة حوار وفهم. وهذا ما جعل من الصعب بناء إجماع وطني حول القضايا الأساسية، لأن كل قضية تُقرأ من زوايا متناقضة جذرياً.

إن الخطابات الشعبوية لم تكتفِ بتبسيط الواقع، بل ساهمت أيضاً في تزييفه أحياناً، من خلال تقديم أوهام سياسية واقتصادية لا تستند إلى معطيات واقعية. ومع تكرار هذه الوعود غير القابلة للتحقق، تآكلت ثقة الناس بالخطاب السياسي والإعلامي معاً، وأصبح المواطن أكثر تشككاً وأقل إيماناً بأي رواية رسمية.

كما أن الإعلام، في بعض مراحله، ساهم في تطبيع فكرة الانقسام نفسه، عبر تحويل الخلاف السياسي إلى صراع هوياتي دائم، يتم فيه تصنيف الناس وفق ولاءاتهم، لا وفق آرائهم. وهذا عمّق الشرخ الاجتماعي، وجعل التعايش السياسي أكثر هشاشة.

ومع تفاقم الأزمات، أصبح الإعلام في كثير من الأحيان يلاحق الحدث بدل أن يفسره، وينقل الانفعالات بدل أن يحلل الأسباب، ما أفقده القدرة على لعب دور توعوي حقيقي. وفي لحظات الانهيار الكبرى، كان غياب التحليل العميق أحد العوامل التي ساهمت في تضليل الرأي العام حول حجم الأزمة وعمقها.

كما ساهم بعض الإعلام في خلق “بطل سياسي” دائم لكل مرحلة، يتم تسويقه كمنقذ أو كحامٍ، رغم أن التجربة التاريخية كانت تشير إلى إعادة إنتاج نفس الأزمات بأشكال مختلفة. وهذا التكرار في صناعة الرموز السياسية ساهم في إطالة عمر النظام القائم بدل تغييره.

إن خطورة هذا الواقع تكمن في أن تضليل الوعي لا يضر فقط بالحقيقة، بل يضر أيضاً بإمكانية الإصلاح، لأن الإصلاح يحتاج إلى إدراك مشترك لحجم المشكلة. أما حين تختلف الروايات جذرياً حول نفس الواقع، يصبح الاتفاق على الحل أصعب بكثير.

وهكذا، يمكن القول إن الإعلام والخطابات الشعبوية في لبنان لم يكونا مجرد أدوات تعبير، بل أصبحا جزءاً من الأزمة نفسها، لأنهما ساهموا في إعادة إنتاج الانقسام، وتثبيت سوء الفهم، وإضعاف القدرة الجماعية على رؤية الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى.

6. بين اليأس والأمل… إمكانات النهوض وحدود الانهيار

يقف لبنان اليوم على تخوم مرحلة تاريخية حساسة، تتأرجح بين احتمال الانهيار الكامل واحتمال إعادة التأسيس، بين دولة أنهكتها الأزمات حتى حدود العجز، ومجتمع لم يفقد تماماً قدرته على الحياة والإبداع رغم كل ما أصابه. فالأزمات المتراكمة لم تُنهِ فكرة لبنان، لكنها جعلتها أكثر هشاشة وأكثر حاجة إلى إعادة تعريف جذري لمعنى الدولة والمواطنة والعدالة.

رغم عمق الانهيار الذي أصاب المؤسسات والاقتصاد والخدمات العامة، لا يزال في المجتمع اللبناني قدر ملحوظ من الحيوية الاجتماعية والقدرة على التكيف. فالمجتمع الذي عاش حروباً طويلة وأزمات متكررة طور آليات بقاء معقدة، سمحت له بتجاوز الصدمات، وإن كان ذلك على حساب الاستقرار الطويل الأمد.

لكن هذه القدرة على التكيف، رغم إيجابيتها في لحظات الطوارئ، تحولت أحياناً إلى عائق أمام التغيير البنيوي، لأنها جعلت المجتمع يعتاد الأزمات بدل أن يرفضها بشكل جذري. وهكذا أصبح الاستثناء هو القاعدة، وأصبح التعايش مع الانهيار جزءاً من الحياة اليومية، ما أضعف الضغط الشعبي نحو إصلاح جذري حقيقي.

إن أي مشروع للنهوض في لبنان لا يمكن أن ينجح دون إعادة بناء مفهوم الدولة على أسس حديثة، تقوم على سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والمساواة بين المواطنين. فالمشكلة الأساسية ليست فقط في الأشخاص، بل في البنية التي تنتجهم وتعيد إنتاجهم ضمن نفس المنطق السياسي.

كما أن استعادة الثقة بين المواطن والدولة تمثل شرطاً أساسياً لأي عملية إصلاح. فالثقة التي انهارت نتيجة الفساد وسوء الإدارة والانهيار المالي لا يمكن استعادتها بخطابات سياسية، بل بإجراءات فعلية ملموسة تعيد الاعتبار للعدالة والمحاسبة والشفافية.

ومن دون معالجة جذرية لمنظومة الفساد، ستبقى أي محاولة للنهوض محدودة الأثر، لأن الفساد لا يعمل كخلل منفصل، بل كشبكة متكاملة تعيق أي إصلاح حقيقي. لذلك، فإن إعادة بناء المؤسسات الرقابية والقضائية ليست خياراً تقنياً، بل ضرورة وجودية للدولة.

وفي المقابل، يبقى الشباب اللبناني أحد أهم عناصر الأمل، رغم موجات الهجرة الواسعة. فالكفاءات اللبنانية المنتشرة في العالم تمثل رصيداً كبيراً يمكن أن يسهم في أي عملية نهوض مستقبلية، إذا توفرت البيئة السياسية والاقتصادية المناسبة لإعادة جذبها أو ربطها بمشاريع وطنية حقيقية.

كما أن المجتمع المدني في لبنان، رغم محدودياته، أثبت في مراحل متعددة قدرته على المبادرة والمساءلة وطرح بدائل إصلاحية. وهذا يشير إلى وجود طاقات داخلية كامنة يمكن أن تلعب دوراً مهماً إذا تم تحريرها من القيود السياسية التقليدية.

لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حجم التحديات البنيوية العميقة، من انقسام سياسي حاد، إلى نظام طائفي معقد، إلى ارتباطات إقليمية ودولية تجعل القرار الوطني في كثير من الأحيان مقيداً. هذه العوامل تجعل أي مسار إصلاحي بطيئاً وشديد التعقيد.

إن النهوض في الحالة اللبنانية لا يمكن أن يكون نتيجة قرار واحد أو تسوية واحدة، بل هو مسار طويل يتطلب إعادة صياغة العقد الاجتماعي نفسه، بحيث يصبح المواطن هو محور الدولة، لا الطائفة أو الزعيم أو الشبكة السياسية.

كما أن أي مستقبل مستقر للبنان يتطلب انتقالاً من منطق إدارة الأزمات إلى منطق حل الأزمات، ومن ثقافة رد الفعل إلى ثقافة التخطيط، ومن إدارة التوازنات الهشة إلى بناء مؤسسات قادرة على الاستمرارية بغض النظر عن تبدل القوى السياسية.

ورغم قتامة المشهد، يبقى لبنان بلداً لم يفقد بالكامل قدرته على إعادة إنتاج نفسه. فالتاريخ اللبناني، رغم كل انكساراته، يظهر قدرة متكررة على النهوض بعد كل أزمة كبرى، وإن كان هذا النهوض غالباً غير مكتمل أو مؤجل.

لكن الفارق اليوم أن حجم الانهيار أصبح أعمق وأكثر شمولاً، ما يجعل النهوض أكثر صعوبة ويتطلب شجاعة سياسية ومجتمعية استثنائية، تتجاوز الحسابات التقليدية وتعيد تعريف معنى القيادة نفسها.

وفي النهاية، يمكن القول إن لبنان لا يقف فقط بين اليأس والأمل، بل بين استمرار نموذج استهلك نفسه بالكامل، وبين محاولة بناء نموذج جديد يحتاج إلى وعي مختلف، وإرادة مختلفة، ورؤية تتجاوز الماضي بكل أعبائه. فإما أن يتحول الانهيار إلى نقطة بداية، أو يبقى مساراً مفتوحاً على مزيد من التآكل والتراجع.

7. الخاتمة

لم يعد لبنان يحتاج إلى مزيد من التشخيص، فقد امتلأت صفحاته بالتحليلات، وتشبع من الوعود، وانهكته الشعارات. ما يحتاجه اليوم ليس شرحاً لما حدث، بل مواجهة صريحة مع الحقيقة: أن منظومة كاملة استهلكت الدولة حتى حدود التفريغ، ثم طالبت الشعب بالصبر على نتائجها.

إن أخطر ما وصل إليه لبنان ليس الفقر وحده، ولا الانهيار المالي فقط، بل انهيار الإيمان بأن التغيير ممكن من داخل نفس الأدوات التي صنعت الكارثة. فحين يفقد الناس ثقتهم بالسياسة، وبالقانون، وبالعدالة، يصبح الوطن مهدداً ليس فقط بالهجرة، بل بالفراغ المعنوي.

ومع ذلك، فإن الحقيقة الأكثر قسوة والأكثر أملًا في آن واحد، هي أن هذا البلد رغم كل ما أصابه لم يمت بعد. لكنه يقف على حافة دقيقة: إما أن يعيد تعريف نفسه من الجذور، دولةً لا طوائف، ومؤسسات لا زعامات، أو يستمر في الدوران داخل دائرة الانهيار حتى يفقد ما تبقى من ملامحه.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى كسر صريح مع أسباب السقوط. وكل تأخير في هذا الكسر ليس سوى تمديدٍ للألم، وتأجيلٍ لانفجارٍ جديد، أكثر قسوة وأقل قابلية للنجاة.

أخبار ذات صلة

لبنان:حين تحوّل رجالات الدولةإلى تجّار وطن وجلّادي شعب..د.الياس ميشال الشويري معلّقاً:السلطة تحمي الاقوياءو تترك الضعفاء يواجهونمصيرهم وحدهم...
بحث

لبنان:حين تحوّل رجالات الدولة
إلى تجّار وطن وجلّادي شعب..
د.الياس ميشال الشويري معلّقاً:
السلطة تحمي الاقوياء
و تترك الضعفاء يواجهون
مصيرهم وحدهم...

09/06/2026

...

الجيوش غادرت واللصوص بقوا:كيف خسر لبنان دولته ومؤسساته؟د. الياس ميشال الشويري معلّقا:آثار عقود من المحاصصة و الفسادلا تزال حاضرة في الإقتصاد المنهار...
بحث

الجيوش غادرت واللصوص بقوا:
كيف خسر لبنان دولته ومؤسساته؟
د. الياس ميشال الشويري معلّقا:
آثار عقود من المحاصصة و الفساد
لا تزال حاضرة في الإقتصاد المنهار...

08/06/2026

...

"الناس السيئون لا يموتونبل يعيشون أكثر مما يجبلكي يفسدوا حياة الآخرين"-عبد الرحمن منيف-د. الياس ميشال الشويري معقباً...والأوطان لا تُبنى بالزعماء الأبديين!
بحث

"الناس السيئون لا يموتون
بل يعيشون أكثر مما يجب
لكي يفسدوا حياة الآخرين"
-عبد الرحمن منيف-
د. الياس ميشال الشويري معقباً
...والأوطان لا تُبنى بالزعماء الأبديين!

05/06/2026

...

"أميركا عظيمة لأنها طيّبة؛وإذا توقفت عن أن تكون طيّبة،فلن تبقى عظيمة"..Alexis de Tocquevilleد. الياس ميشال الشويري معقّباً:الانسان يحتاج إلى دولة تحترم عقله...
بحث

"أميركا عظيمة لأنها طيّبة؛
وإذا توقفت عن أن تكون طيّبة،
فلن تبقى عظيمة"..
Alexis de Tocqueville
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
الانسان يحتاج إلى دولة تحترم عقله...

04/06/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
حدثان في واحد:خمسون سنة على ولادة ISSAووزير الإقتصاد سيُطلق في المناسبة"الرؤية الإستراتيجيةلقطاع التأمين في لبنان"...

حدثان في واحد: خمسون سنة على ولادة ISSA ووزير الإقتصاد سيُطلق في المناسبة "الرؤية الإستراتيجية لقطاع التأمين في لبنان"...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups