في زمنٍ تختلط فيه الأصوات بالحقائق، وتتحول المنابر إلى ساحات للصراخ والتخوين، يصبح الصمت أحياناً أبلغ من الكلام، ويصبح النباح السياسي وسيلة لإخفاء العجز والفشل أكثر منه تعبيراً عن موقف أو مشروع. ومن هنا يستعيد بيت المتنبي الساخر دلالته، حين يقول: “ماتَ في البَرِّيَّةِ كلبٌ، فاستَرَحْنا من عُوَاهُ، خَلَّفَ المَلْعُونُ جَرْوًا، فاقَ في النَّبْحِ أبَاهُ“.
د. الياس ميشال الشويري
لم يكن المتنبي يصف كلباً فحسب، بل كان يرسم صورة إنسانية وسياسية عميقة: قد يرحل صاحب الصوت المزعج، لكن المشكلة لا تنتهي إذا بقيت البيئة التي أنجبته، لأن النباح يمكن أن يتوارثه آخرون، بل قد يصبح أكثر ضجيجاً وأشد تأثيراً. وهذه الصورة تنطبق، بصورة لافتة، على بعض الخطابات السياسية والإعلامية في لبنان التي تحولت إلى أبواق تكرر الشعارات نفسها، وتحوّل الاختلاف إلى تخوين، والنقد إلى عمالة، والسؤال إلى مؤامرة.
وفي لبنان، تبرز هذه الظاهرة بوضوح في الخطاب الذي يحيط بما يُعرف بمحور الممانعة، حيث لا تكمن المشكلة في حق أي لبناني في تبني خيار المقاومة أو الدفاع عنه، فهذا حق سياسي وفكري مشروع، وإنما في بعض الأصوات التي جعلت من نفسها أبواقاً تردد الرواية ذاتها بلا مساءلة، وتدافع عن الخيارات السياسية بمنطق التعبئة لا بمنطق الحجة، حتى بات ارتفاع الصوت بديلاً عن قوة الموقف.
إن القضية، في جوهرها، ليست معركة بين “نباح” و”نباح” آخر، ولا دعوة إلى إسكات طرف أو إلغاء رأي. إنها معركة من أجل استعادة العقل السياسي اللبناني من قبضة الخطاب التعبوي، وإعادة الاعتبار إلى الدولة والقانون والمواطنة والمساءلة. فلبنان لا يحتاج إلى جيل جديد يرث عُواء السابقين، بل إلى جيل يملك الشجاعة ليسأل، ويناقش، ويحاسب، ويضع مصلحة الوطن فوق مصالح المحاور والأحزاب والأشخاص.
1. المتنبي بين السخرية من النباح وقراءة الواقع السياسي
بيت المتنبي يقوم على مفارقة ساخرة شديدة القوة: موت الكلب كان مناسبة للراحة من عوائه، لكن الراحة لم تدم، لأن خلفه جرواً ورث النباح بل تفوق على أبيه فيه. والصورة هنا ليست مجرد هجاء لحيوان، بل بناء أدبي يقوم على فكرة انتقال العيب من جيل إلى آخر، بل تضخمه حين يجد بيئة تسمح له بالنمو.
وعندما نستخدم هذه الصورة في قراءة الحياة السياسية، فإن “النباح” يصبح استعارة لكل خطاب مرتفع الصوت فقير الحجة، ولكل خطاب يعتمد على التخويف والانفعال بدلاً من البرهان. فالصوت العالي لا يصنع حقيقة، وكثرة التكرار لا تحول الكذبة إلى حقيقة، والقدرة على احتلال الشاشات لا تعني امتلاك مشروع وطني.
في لبنان، عرفت الحياة السياسية منذ عقود ظاهرة تحويل الإعلام إلى امتداد للصراع السياسي. غير أن التطور التقني ووسائل التواصل الاجتماعي جعلا إنتاج الخطاب وتوزيعه أسرع وأوسع وأكثر تأثيراً. وأصبح بإمكان شخص واحد، عبر منصة رقمية، أن يكرر رواية سياسية آلاف المرات حتى تبدو لبعض المتلقين وكأنها حقيقة مكتملة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين الدعاية السياسية. فمن حق أي لبناني أن يؤيد المقاومة أو يعارضها، وأن يدافع عن خياراته الإقليمية أو ينتقدها، وأن ينتمي إلى أي حزب أو تيار. لكن لا يحق لأي خطاب أن يطالب المجتمع بالتخلي عن عقله، أو أن يجعل الولاء السياسي بديلاً عن الحقيقة والمساءلة.

2. أبواق الممانعة وصناعة الخطاب الواحد
مصطلح “أبواق الممانعة” يُستخدم هنا لوصف الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يتبنى بصورة شبه مطلقة سردية محور الممانعة، وليس لوصف كل شخص يؤمن بالمقاومة أو يعارض إسرائيل أو يرفض السياسات الغربية. وهذه التفرقة ضرورية حتى لا يتحول النقد إلى تعميم ظالم.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الإعلام من مساحة للنقاش إلى غرفة صدى. ففي غرفة الصدى لا يحتاج الخطاب إلى إقناع الآخرين، بل يكفيه إعادة إنتاج نفسه أمام الجمهور نفسه. كل معلومة تؤكد الرواية تصبح “دليلاً“، وكل معلومة تناقضها تصبح “مؤامرة“، وكل سؤال مزعج يتحول إلى “خيانة“، وكل ناقد يصبح مشبوهاً.
وهذا النمط من الخطاب شديد الخطورة في بلد مثل لبنان، لأن المجتمع اللبناني متنوع سياسياً وطائفياً وفكرياً. وعندما يحاول طرف أن يحتكر تعريف الوطنية، فإنه لا يقنع بقية اللبنانيين؛ بل يدفعهم إلى الشعور بأن الدولة نفسها أصبحت ملكاً لفئة أو محور.
الأخطر من ذلك أن بعض الخطابات الممانعة لا تكتفي بالدفاع عن خياراتها، بل تسعى إلى إعادة صياغة الذاكرة اللبنانية. فتُنتقى أحداث معينة، وتُهمل أحداث أخرى، ويُعاد تفسير التاريخ بما يخدم الحاضر. وفي هذه العملية يصبح المواطن أمام رواية سياسية جاهزة لا يُطلب منه التفكير فيها، بل ترديدها.

3. من المقاومة إلى توظيف المقاومة
المقاومة، في بعدها السياسي والتاريخي، مفهوم قابل للنقاش والتقييم، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المقاومة من خيار سياسي إلى أداة لإلغاء السياسة. فحين يصبح كل اعتراض على سلاح خارج إطار الدولة عداءً للمقاومة، وكل مطالبة بتطبيق الدستور مؤامرة، وكل سؤال عن قرار الحرب والسلم خيانة، يصبح النقاش مستحيلاً.
إن تحويل قضية وطنية أو عسكرية إلى حصانة مطلقة من المساءلة يضر بالقضية نفسها. فكل مؤسسة وكل قوة سياسية يجب أن تخضع للسؤال: ما أهدافها؟ ما نتائجها؟ ما كلفتها؟ ومن يقرر باسم اللبنانيين؟
لبنان ليس ساحة مجردة للصراعات الإقليمية، بل وطن له شعب واقتصاد ومؤسسات وحدود ومصالح. ومن حق اللبناني أن يسأل عن أثر أي خيار استراتيجي على حياته اليومية، وعلى اقتصاده، وعلى أمنه، وعلى علاقاته العربية والدولية، من دون أن يُتهم فوراً بأنه عميل أو ضعيف أو خائن.
وعندما يصبح الرد على السؤال هو الشتيمة، وعلى الحجة هو التخوين، وعلى المطالبة بالدولة هو التهديد، فإن المشكلة لا تعود في الاختلاف السياسي، بل في إلغاء فكرة المواطن نفسه. فالمواطن في الدولة الديمقراطية ليس تابعاً لمحور، بل صاحب حق في السؤال والمحاسبة والاختيار.

4. النباح الإعلامي وتخدير المجتمع
من أخطر وظائف الدعاية السياسية أنها لا تكذب دائماً؛ أحياناً تفعل شيئاً أكثر ذكاءً: تجعل الناس ينشغلون بقضية صحيحة لكي لا يسألوا عن قضية أخرى.
قد يكون هناك احتلال أو عدوان أو تهديد خارجي حقيقي، لكن وجوده لا يلغي فساد الإدارة، ولا يبرر الانهيار الاقتصادي، ولا يلغي مسؤولية السياسيين عن مؤسسات الدولة، ولا يعفي أي طرف من المساءلة. وفي المقابل، فإن التركيز على الفساد الداخلي لا يعني تجاهل التهديدات الخارجية.
لكن الخطاب التعبوي يرفض هذه المعادلة. يريد منك أن تختار: إما أن تكون مع “المقاومة” وإما أن تكون مع “العدو”. وهذه الثنائية المصطنعة من أخطر الأدوات التي يمكن استخدامها لإخضاع المجتمع، لأنها تلغي المساحة الوسطى التي يعيش فيها المواطن الحقيقي.
المواطن اللبناني لا يريد أن يكون أسيراً لثنائية “معنا أو ضدنا“. يريد دولة تحميه، وقضاءً يحاسبه ويحميه، واقتصاداً يسمح له بالعيش، ومؤسسات تمنحه الأمان، وسياسة خارجية تراعي مصالح وطنه، وسلاحاً يخضع لقرار الدولة. هذه ليست مطالب خيانة، بل أبسط شروط الدولة الحديثة.

5. عندما يصبح التخوين بديلاً عن الحجة
التخوين السياسي ليس علامة قوة، بل غالباً علامة عجز عن الإجابة. فحين يعجز الخطاب عن الدفاع عن نفسه بالحجة، يبحث عن طريقة لإسقاط خصمه أخلاقياً بدلاً من الرد عليه فكرياً.
وهنا تتكرر مفردات جاهزة: عميل، سفارة، أميركي، صهيوني، انعزالي، متآمر، مأجور. وبمجرد إطلاق إحدى هذه الصفات، يُفترض أن يتوقف النقاش. وهكذا يصبح الانتماء السياسي حكماً مسبقاً على الحقيقة، بدلاً من أن تكون الحقيقة هي التي تحكم على الموقف.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجتمع هو أن يفقد الناس القدرة على الاستماع إلى المختلف. فالديمقراطية لا تعني أن يتفق الجميع، بل تعني أن يستطيع المختلفون أن يتعايشوا من دون أن يحاول أحدهم إلغاء الآخر.
واللبناني الذي ينتقد حزب الله ليس بالضرورة عميلاً، كما أن اللبناني الذي يؤيد حزب الله ليس بالضرورة عميلاً لمحور خارجي. هذه الأحكام الجاهزة لا تخدم الحقيقة، بل تخدم الانقسام. والمشكلة ليست في اختلاف اللبنانيين، بل في تحويل الاختلاف إلى حرب أهلية دائمة في اللغة والوعي.

6. جرو النباح الجديد — الإعلام الرقمي وتوريث التطرف
إذا كان المتنبي قد تحدث عن “جرو” ورث النباح، فإن عصرنا أنتج آلاف “الجراء الرقمية” التي لا تحتاج إلى منبر سياسي أو مؤسسة إعلامية كبيرة. يكفي هاتف محمول وحساب على وسائل التواصل الاجتماعي.
هنا انتقل النباح من الاستديو إلى الهاتف، ومن الصحيفة إلى المنصة الرقمية، ومن الخطيب إلى المؤثر. وأصبح بعض الناشطين السياسيين يمارسون دوراً أخطر من السياسي التقليدي: فهم لا يقدمون خطاباً متوازناً، بل يختصرون العالم في معسكرين، ويحوّلون السياسة إلى مشاجرة يومية.
وهذا النوع من الخطاب يستهلك غضب الشباب ويحوّله إلى هوية. فبدلاً من أن يسأل الشاب لماذا انهارت الدولة، ولماذا هاجر اللبنانيون، ولماذا انهارت العملة، ولماذا ضعفت المؤسسات، ولماذا تعطلت العدالة، يُدفع إلى متابعة معركة جديدة على وسائل التواصل حول من هو “الخائن” ومن هو “المقاوم“.
وهكذا يتحول الجيل الجديد إلى وريث للصراع بدلاً من أن يكون صانعاً للمستقبل. وهذا أخطر ما في المسألة: أن يرث الأبناء لغة آبائهم السياسية نفسها، لا لأنهم درسوا التاريخ واختاروا موقفهم، بل لأنهم ورثوا الغضب والعداء والشعارات.

7. لبنان بين دولة المحاور ودولة المواطنين
لبنان لا يستطيع أن يكون دولة طبيعية ما دام كل فريق يريد أن يجعل الدولة امتداداً لمشروعه السياسي أو الإقليمي. الدولة لا تكون دولة عندما تصبح المؤسسات أدوات في يد القوى الأقوى، ولا عندما يصبح قرار الحرب والسلم خارج إطارها، ولا عندما يصبح المواطن مطالباً بالولاء قبل أن يحصل على حقوقه.
إن السيادة ليست شعاراً موجهاً ضد طرف واحد. السيادة تعني أن القرار اللبناني يجب أن يكون لبنانياً، وأن المؤسسات اللبنانية هي المرجعية، وأن القانون يعلو فوق الأشخاص والتنظيمات والمحاور.
وفي المقابل، لا يجوز أيضاً استخدام شعار السيادة كذريعة لتجاهل الاحتلال الإسرائيلي أو التهديدات الخارجية أو التعديات على لبنان. الدولة القوية هي التي تواجه التهديدات الخارجية وتفرض القانون في الداخل في الوقت نفسه. أما تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي ثم مطالبة اللبنانيين بالصمت، فهو وصفة دائمة لإعادة إنتاج الأزمة.
المشكلة الحقيقية ليست في أن يكون للبنان أعداء، بل في أن يتحول لبنان نفسه إلى ساحة لأجندات الآخرين. وحين يصبح اللبناني مجرد جندي في حرب ليست له كلمة في قرارها، يفقد المواطن جوهر حقه السياسي.
8. بين قداسة القضية وفساد الممارسة
لا توجد قضية سياسية مقدسة إلى درجة تمنع مساءلة من يتحدث باسمها. حتى القضايا العادلة يمكن أن تُساء ممارستها، وحتى الشعارات النبيلة يمكن أن تتحول إلى أدوات للاستبداد إذا أُخرجت من نطاق النقد.
ولهذا يجب أن نفرق بين احترام تضحيات الناس وبين منح السياسيين حصانة مطلقة. فالمقاتل الذي ضحى من أجل قضية شيء، والسياسي الذي يستخدم تلك التضحيات لحماية نفوذه شيء آخر. والشهيد الذي مات من أجل وطنه لا يمكن أن يتحول إلى ورقة انتخابية أو درع سياسي يحتمي خلفه الفاسدون.
وفي لبنان، لطالما استخدمت التضحيات والشهداء والتهديدات الخارجية في السجالات السياسية. لكن الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها؛ تُبنى بالقضاء والمؤسسات والتعليم والاقتصاد والمحاسبة.
وإذا كانت المقاومة تريد أن تكون جزءاً من مشروع وطني، فإن أقوى حماية لها ليست الصراخ في وجه منتقديها، بل قدرتها على الإجابة عن الأسئلة الصعبة، واحترام الدولة، وقبول المساءلة، وإقناع اللبنانيين بأن مشروعها يتوافق مع مصالحهم الوطنية.
9. لماذا ينجح الخطاب الصاخب؟
ينجح الخطاب الصاخب عندما يكون المجتمع مرهقاً وخائفاً ومنقسماً. ففي حالات الخوف، يبحث الإنسان عن إجابات بسيطة لقضايا معقدة. وهنا تأتي الدعاية لتقدم له عدواً واضحاً وحلاً واضحاً وهوية واضحة.
السياسة اللبنانية مثالية لهذا النوع من الخطاب، لأنها قائمة على ذاكرة طويلة من الحروب والاحتلالات والانقسامات والتدخلات الخارجية. ولذلك يمكن بسهولة إعادة تشغيل الخوف القديم في كل أزمة جديدة.
لكن الخوف لا يصنع دولة. والانتقام لا يصنع دولة. والتخوين لا يصنع دولة. الدولة تحتاج إلى عقل بارد، ومؤسسات مستقلة، وقانون يطبق على الجميع، وإعلام يستطيع أن يسأل، ومواطن لا يخاف من التعبير عن رأيه.
ولهذا فإن مواجهة “أبواق الممانعة” لا تكون بإنتاج أبواق مضادة، لأن المشكلة ستتكرر مع تغيير الاتجاه فقط. العلاج الحقيقي هو تحرير المجال العام من ثقافة الأبواق كلها، سواء كانت ممانعة أو سيادية أو حزبية أو طائفية أو خارجية.
10. من “عُواء” المحاور إلى صوت الدولة
المطلوب من اللبنانيين ليس أن ينتقلوا من محور إلى محور، بل أن ينتقلوا من منطق المحاور إلى منطق الدولة. فلا خلاص للبنان باستبدال وصاية بوصاية، أو شعار بشعار، أو زعيم بزعيم.
الصوت الذي يحتاجه لبنان اليوم ليس صوتاً أعلى، بل صوتاً أصدق. صوت يقول إن إسرائيل عدو عندما تعتدي على لبنان، وإن الدولة يجب أن تكون قادرة على حماية حدودها، وإن الفساد جريمة مهما كان مرتكبها، وإن السلاح يجب أن يخضع لمنطق الدولة، وإن القضاء يجب أن يكون مستقلاً، وإن السياسي يجب أن يُحاسب، وإن المواطن ليس تابعاً لأحد.
وهنا يعود بيت المتنبي بصورة مختلفة. المشكلة ليست في أن يموت “الكلب” أو يتوقف “العواء“، بل في أن تتوقف ثقافة النباح نفسها. لأن إسقاط شخص واحد لا يكفي إذا كانت المنظومة التي أنتجته ما زالت قائمة، وإذا كان الجمهور مستعداً لاستقبال نسخة جديدة منه.
إن لبنان لا يحتاج إلى “جرو” جديد يرفع الصوت أعلى من السابق، أياً كان موقعه أو شعاره. لبنان يحتاج إلى جيل يرفع مستوى النقاش لا مستوى الضجيج، ويستبدل التخوين بالحجة، والشعار بالبرنامج، والولاء للأشخاص بالولاء للدولة، والخوف من السؤال بشجاعة السؤال.
11. الخاتمة: مات الكلب… لكن النباح لم يمت
لقد كان المتنبي ساخراً حين قال إن موت الكلب أراح الناس من عوائه، ثم عاد الجرو ليكون أشد نباحاً من أبيه. لكن الصورة، بعد قرون، تبدو كأنها كُتبت عن زمن سياسي تتوارث فيه الأصوات المرتفعة نفسها، وتتبدل الوجوه بينما تبقى اللغة ذاتها: تخويف، تخوين، تعبئة، شعارات، واتهامات جاهزة.
وفي لبنان، لا تكمن المأساة في وجود الممانعة أو المعارضة أو السياديين أو أي تيار سياسي؛ فالتعدد السياسي حق طبيعي. المأساة تبدأ عندما يتحول أي تيار إلى آلة لإلغاء العقل، وعندما يصبح أتباعه أبواقاً تردد ما يقال لها، وعندما يصبح الولاء أقوى من الحقيقة، والحزب أقوى من الدولة، والمحور أقوى من الوطن.
لقد آن الأوان لأن يفهم اللبنانيون أن الصراخ ليس قوة، وأن كثرة الأبواق لا تصنع شرعية، وأن التخوين لا يصنع وطنية، وأن تكرار الشعارات لا يصنع انتصاراً. فالوطن لا يُقاس بعدد الذين يصرخون باسمه، بل بعدد الذين يعملون من أجل مؤسساته وكرامة مواطنيه ومستقبله.
ولذلك، فإن الرد الحقيقي على “عُواء” السياسة اللبنانية ليس عواءً مضاداً. الرد هو العقل، والقانون، والدولة، والحقيقة. فالنباح، مهما علا، يبقى ضجيجاً؛ أما الحقيقة فلا تحتاج إلى أن تنبح كي تُسمع.
وفي لبنان الذي أنهكته المحاور، لا نحتاج إلى “جرو” جديد يرث نباح أبيه؛ نحتاج إلى مواطن حر لا يرث إلا حقه في السؤال، وعقله في الاختيار، ووطنه في الانتماء. وعندما يصبح اللبناني قادراً على قول “لا” للفساد، و”لا” للتخوين، و”لا” للوصاية، و”لا” لتحويل الوطن إلى ساحة، عندها فقط يبدأ العواء بالانحسار، ويبدأ صوت الدولة بالارتفاع.
فليست المشكلة أن يموت كلبٌ ويأتي جروٌ مكانه؛ المشكلة أن يبقى القطيع مستعداً لسماع النباح.

























































