• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

بين البرلمان والسيرك:
حين تتحوّل النيابة إلى
عرضٍ سياسي في لبنان

2026/08/31
- بحث
بين البرلمان والسيرك:حين تتحوّل النيابة إلىعرضٍ سياسي في لبنان

في عبارة ساخرة تختصر الكثير من واقع السياسة، يقول جلال عامر، كاتب صحفي ومفكر مصري ساخر: “الفرق بين البرلمان والسيرك، أن حيوانات السيرك تزأر أحيانًا.” قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد سخرية لاذعة، لكنها في العمق تحمل سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا كبيرًا: ماذا يحدث عندما تفقد المؤسسات التي يفترض أن تحمي مصالح الناس وظيفتها، وتتحول السياسة من مسؤولية وطنية إلى عرض دائم أمام الجمهور؟

د. الياس ميشال الشويري

البرلمان في الدولة الديمقراطية ليس مسرحًا للفرجة، ولا ساحة لاستعراض القوة، ولا منصة لتبادل الشتائم والمزايدات، بل هو المكان الذي يفترض أن تتحول فيه إرادة الشعب إلى تشريعات، ورقابة، ومحاسبة، وسياسات تحمي الدولة والمواطن. النائب ليس ممثلًا يؤدي دورًا أمام الكاميرات، بل صاحب أمانة دستورية يفترض أن يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية والحزبية والطائفية والانتخابية. وعندما يصبح الكلام أكثر حضورًا من العمل، والاستعراض أكثر أهمية من الإنجاز، تبدأ المؤسسة بفقدان معناها الحقيقي.

وفي لبنان، تأخذ هذه المفارقة أبعادًا أكثر قسوة، لأن المواطن لم يعد يحتمل أن يرى السياسة تتحول إلى موسم دائم من الخطابات والمناكفات، فيما تتراكم الأزمات فوق رأسه. بلد أنهكته الانقسامات السياسية، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، لا يحتمل برلمانًا يتحول إلى حلبة للمزايدات أو إلى مساحة لإعادة إنتاج الزعامات والنفوذ. فكل ساعة تُهدر في الصراخ بدل التشريع، وكل فرصة تُدفن في التعطيل بدل الإصلاح، وكل ملف يُستخدم للمزايدة بدل المعالجة، يدفع ثمنه المواطن من ماله ومستقبله وكرامته.

ومن هنا تصبح عبارة جلال عامر أكثر من مجرد نكتة سياسية؛ تصبح مرآة لواقع يجب التوقف أمامه. فالمشكلة ليست في أن يختلف النواب، ولا في أن ترتفع أصوات المعارضة، ولا في أن تدور داخل المجلس معارك سياسية حادة، لأن الاختلاف جزء طبيعي من الديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما يصبح الصراخ بديلًا عن العمل، والتصفيق بديلًا عن المحاسبة، والولاء للزعيم أقوى من الولاء للدولة، والمقعد النيابي وسيلة للنفوذ بدل أن يكون تكليفًا لخدمة الناس. عندها لا يعود السؤال: من يملك أعلى صوت؟ بل يصبح السؤال الأخطر: من يعمل فعلًا من أجل لبنان؟

  1. البرلمان ليس سيركًا، لكن السياسة قد تحوّله إلى سيرك

البرلمان في أي دولة ديمقراطية هو المؤسسة التي يفترض أن تتحول فيها إرادة الشعب إلى قوانين وسياسات، وإلى رقابة ومساءلة تحمي المصلحة العامة وتصون عمل مؤسسات الدولة. والنائب ليس ممثلًا لقبيلة أو زعيم أو حزب فحسب، بل هو، وفقًا للدستور، ممثلٌ للأمة جمعاء. والدستور اللبناني واضح في هذا المجال، إذ تنص المادة 27 منه على أن “عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء، ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه”.

ومن هنا، فإن جوهر النيابة يتناقض أصلًا مع تحويل المقعد النيابي إلى ملكية خاصة، أو إلى أداة لخدمة زعيم أو حزب أو طائفة، أو إلى منصة لتكريس النفوذ الشخصي. فالنائب، بمجرد دخوله مجلس النواب، لا يعود ممثلًا لفئة ضيقة أو لجماعة انتخابية محددة، بل يصبح شريكًا في ممارسة السلطة التشريعية باسم الشعب اللبناني بأسره. وقد أكد المجلس الدستوري اللبناني هذا المعنى، موضحًا أن النائب لا يمثل طائفته أو منطقته أو حتى ناخبيه فقط، بل يمثل الشعب اللبناني بأسره عند ممارسة العمل التشريعي.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العمل النيابي من ممارسة دستورية إلى أداء مسرحي. يصبح المشهد قائمًا على الخطابات العالية، والمواقف النارية، وتبادل الاتهامات، والمؤتمرات الصحافية، والمزايدات، فيما تبقى القضايا الأساسية عالقة في مكانها. عندها تصبح الصورة أقرب إلى عرض سياسي منه إلى مؤسسة تعمل بعقل الدولة. لا يعود المهم ماذا أُنجز، بل من صرخ أكثر، ومن ظهر أكثر، ومن استطاع أن يبيع جمهوره رواية أكثر إثارة.

والسيرك، في نهاية المطاف، يقوم على الفرجة. الجمهور يدخل ليرى عرضًا، واللاعبون يعرفون أن المطلوب منهم إبهار المشاهدين. أما البرلمان، فالمفترض أن يكون عكس ذلك تمامًا: مؤسسة لا تقاس قيمتها بحجم التصفيق ولا بعدد الكاميرات، بل بعدد القوانين الجيدة، ونوعية الرقابة، وحجم الإصلاحات، ومدى حماية المال العام وحقوق المواطنين. وعندما يصبح الاستعراض أهم من النتيجة، تتحول السياسة من صناعة القرار إلى صناعة المشهد.

وفي لبنان، تصبح المفارقة أكثر خطورة لأن المواطن لا يعيش في دولة مستقرة تبحث عن تحسينات هامشية، بل في بلد مرّ بانهيارات اقتصادية ومالية ومؤسساتية عميقة. لذلك فإن كل دقيقة تضيع في المناكفات السياسية ليست مجرد وقت ضائع؛ إنها وقت يُدفع ثمنه من حياة الناس ومستقبلهم. المجلس الذي يفترض أن يكون غرفة عمليات لإنقاذ الدولة لا يجوز أن يتحول إلى مسرح للمزايدات، لأن خلف كل جلسة متعثرة مواطنًا ينتظر قانونًا، وموظفًا ينتظر راتبًا، وشابًا ينتظر فرصة، ومؤسسة تنتظر إصلاحًا.

  1. النائب بين تمثيل الأمة وتمثيل الزعيم (والتمثيل على الشعب)

المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في الأشخاص، بل في الثقافة السياسية التي تجعل الناخب أحيانًا يتعامل مع النائب باعتباره امتدادًا للزعيم أو الطائفة أو الحزب، لا باعتباره صاحب مسؤولية وطنية مستقلة. وهذه الثقافة تجعل المقعد النيابي عرضة للتحول من موقع لخدمة الدولة إلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي. وحين يصبح النائب مدينًا سياسيًا لمن أوصله إلى المجلس أكثر مما يشعر بأنه مدين للمواطن الذي انتخبه، تبدأ أزمة التمثيل الحقيقي.

الدستور يقول إن النائب يمثل الأمة جمعاء، لكن الواقع السياسي قد يدفعه إلى التفكير بمنطق الدائرة الضيقة: منطق الحزب، أو الزعيم، أو التحالف، أو الحساب الانتخابي المقبل. وهنا تظهر واحدة من أخطر مشكلات النظام السياسي اللبناني: التناقض بين النص الدستوري والممارسة السياسية. فالمواطن ينتخب نائبًا ليشرّع ويراقب ويحاسب، بينما قد يجد نفسه أمام نائب مشغول قبل كل شيء بموقعه داخل منظومة سياسية أكبر منه.

وهذا لا يعني أن الانتماء الحزبي جريمة أو أن وجود الأحزاب مشكلة بحد ذاته. الديمقراطية تحتاج إلى أحزاب وبرامج وتيارات. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحزب إلى مرجعية أعلى من الدولة، وعندما تصبح المصلحة الانتخابية أهم من المصلحة العامة، وعندما يصبح النائب غير قادر على اتخاذ موقف مخالف لقيادته السياسية حتى عندما يكون ذلك الموقف أكثر انسجامًا مع مصلحة الناس.

وهنا تعود عبارة جلال عامر بقوة أكبر. فالمشكلة ليست في أن النائب يتكلم بصوت مرتفع؛ المشكلة أن البرلمان قد يمتلئ بالأصوات بينما يندر الفعل. قد نسمع زئيرًا سياسيًا في الخطابات، لكن المواطن يريد شيئًا أكثر بساطة: قانونًا يُطبّق، ومؤسسة تعمل، وقضاءً مستقلًا، ومالًا عامًا محميًا، ومحاسبة حقيقية، ودولة لا تحتاج إلى وساطة الزعيم حتى يحصل المواطن على حقه.

  1. عندما تصبح المزايدة السياسية بديلًا عن الإنجاز

من أسهل الأشياء في السياسة اللبنانية إطلاق المواقف. يستطيع أي سياسي أن يتحدث عن السيادة والإصلاح والكرامة ومحاربة الفساد وبناء الدولة. لكن الكلمات وحدها لا تبني دولة. الدولة تُبنى عندما تتحول الشعارات إلى قوانين ومؤسسات وإجراءات ونتائج قابلة للقياس. والبرلمان تحديدًا لا يُقاس بما يقوله النواب أمام الكاميرات، بل بما يقره المجلس وما يراقبه وما يحاسب عليه.

مجلس النواب هو السلطة المشترعة في لبنان، وفقًا للمادة 16 من الدستور، التي تنص على أن “السلطة المشترعة يتولاها هيئة واحدة هي مجلس النواب“. كما تنص المادة 18 على أن لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين، وأنه لا يُنشر أي قانون ما لم يقرّه مجلس النواب. وهذا يعني أن النائب لا يمتلك مجرد موقع رمزي أو منصة لإطلاق المواقف، بل يمارس صلاحيات دستورية حقيقية في صلب عملية التشريع. ومن هنا، فإن اختزال العمل النيابي في الخطابات السياسية والمواقف الإعلامية لا يظلم النائب وحده، بل يسيء إلى المؤسسة التشريعية نفسها، لأن الدور المنوط بها أوسع وأعمق بكثير من مجرد تسجيل المواقف وإطلاق التصريحات.

لكن المزايدة تصبح مغرية لأنها أرخص من الإصلاح. الإصلاح يحتاج إلى دراسة وتشريع وتفاوض وتصويت ومتابعة ومواجهة مصالح متضررة. أما الخطاب الشعبوي فلا يحتاج إلا إلى ميكروفون وكاميرا ومنصة إلكترونية. يستطيع السياسي أن يظهر بصورة البطل خلال دقائق، بينما يحتاج إصلاح قانون واحد إلى أشهر من العمل. ولهذا قد يصبح الاستعراض أكثر جاذبية من الإنجاز، خصوصًا في بيئة سياسية وإعلامية تعاقب الصمت أكثر مما تعاقب الفشل.

والنتيجة أن المواطن يصبح أمام مفارقة مؤلمة: يسمع الكثير ولا يرى ما يكفي. يرى سياسيين يرفعون سقف الخطاب، ثم يعود إلى حياته اليومية ليجد أن مشاكله الأساسية ما زالت قائمة. وهنا يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات تدريجيًا، لأن السياسة تصبح بالنسبة إليه مسرحًا تتغير فيه الديكورات، بينما يبقى المشهد الأساسي كما هو. وهذه أخطر نتيجة يمكن أن تنتج عن تحويل البرلمان إلى منصة للعرض: ليس فقط تعطيل الإصلاح، بل قتل الإيمان بفكرة الدولة نفسها.

  1. الغياب والتعطيل واستعمال المؤسسة ضد المؤسسة

لا تقتصر المشكلة على الخطابات والمزايدات. هناك جانب أخطر يتمثل في استخدام الإجراءات البرلمانية والسياسية لتعطيل المؤسسات أو تأخير الاستحقاقات. فالديمقراطية لا تعني فقط امتلاك الحق في المعارضة، بل تعني أيضًا تحمل مسؤولية ممارسة السلطة الدستورية في الوقت المناسب. ومن حق النائب أن يعارض، وأن يصوت ضد، وأن ينتقد، وأن يستخدم الوسائل القانونية المتاحة له، لكن تحويل التعطيل إلى استراتيجية دائمة يفرغ المؤسسات من وظيفتها.

عرفت التجربة اللبنانية مرارًا إشكالية تعطيل النصاب وتعثر الاستحقاقات الدستورية، حتى تحوّل النصاب، في بعض المحطات، من قاعدة إجرائية تهدف إلى ضمان قانونية انعقاد مجلس النواب إلى أداة من أدوات الصراع السياسي. فالدستور اللبناني ينص، في المادة 34، على أن اجتماع المجلس لا يكون قانونيًا ما لم تحضره الأكثرية من أعضائه، ما يجعل حضور النواب شرطًا أساسيًا لانعقاد الجلسات وممارسة المجلس صلاحياته. وقد أظهرت التجربة السياسية اللبنانية، ولا سيما خلال أزمات انتخاب رئيس الجمهورية، كيف يمكن أن يتحول الامتناع عن الحضور أو الانسحاب من الجلسات إلى وسيلة ضغط سياسي تؤدي عمليًا إلى تعطيل انعقاد المجلس وإطالة أمد الفراغ الدستوري.

المعارضة جزء أساسي من أي نظام ديمقراطي. لكن المعارضة الحقيقية لا تعني أن تتوقف الدولة حتى يربح فريق سياسي معركته. المعارضة تقدم بدائل، وتطرح مشاريع، وتكشف الأخطاء، وتضغط لتغيير السياسات. أما التعطيل من أجل التعطيل، فإنه لا ينتج دولة أفضل؛ ينتج دولة مشلولة. وعندما يتحول الشلل إلى قاعدة، يصبح المواطن هو الطرف الوحيد الذي لا يملك حق تعطيل فاتورته أو راتبه أو حاجاته اليومية.

ومن هنا يصبح تشبيه البرلمان بالسيرك أكثر مرارة. ففي السيرك، عندما يتوقف العرض، لا ينهار البلد. أما عندما يتوقف البرلمان، أو تتحول جلساته إلى ساحة للمناكفات، أو تستخدم أدواته الدستورية في لعبة عضّ أصابع سياسية، فإن الخسائر لا تبقى داخل القاعة. تنتقل مباشرة إلى الاقتصاد، والإدارة، والقضاء، والاستثمار، والخدمات، وثقة المواطن بالدولة. لذلك لا يجوز التعامل مع التعطيل وكأنه مجرد تكتيك سياسي بريء؛ أحيانًا تكون كلفته وطنية كاملة.

  1. لبنان لا يحتاج إلى نواب يزأرون، بل إلى نواب يعملون

لبنان لا يعاني من نقص في الأصوات السياسية. لديه وفرة هائلة من الخطب والمواقف والبيانات والمؤتمرات والتصريحات. ما ينقصه هو تحويل القوة السياسية إلى إنتاج مؤسسي. فالنائب القوي ليس من يستطيع رفع صوته أكثر، ولا من يستطيع إهانة خصمه بأقسى العبارات، ولا من يمتلك أكبر جمهور إلكتروني؛ النائب القوي هو الذي يستطيع أن يضع قانونًا جيدًا، ويدافع عنه، ويراقب تطبيقه، ويحاسب من يخالفه.

العمل التشريعي الحقيقي قد يكون أقل إثارة من الخطاب السياسي، لكنه أكثر أهمية بكثير. القانون الجيد لا يحتاج إلى صراخ؛ يحتاج إلى معرفة وصياغة ودراسة واستماع إلى الخبراء ومناقشة الآثار الاقتصادية والاجتماعية والمالية. والرقابة البرلمانية الجدية لا تحتاج إلى مهرجان إعلامي؛ تحتاج إلى وثائق وأسئلة ومتابعة وإصرار على كشف الحقيقة.

ولهذا فإن لبنان بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم “النائب القوي“. القوة ليست في القدرة على تعطيل المؤسسات، ولا في القدرة على تأمين الخدمات الشخصية للناخبين، ولا في حجم الحماية السياسية. القوة الحقيقية هي في استقلالية القرار، وفي احترام الدستور، وفي القدرة على قول “لا” عندما تكون “لا” ضرورية، وقول “نعم” عندما تكون “نعم” في مصلحة البلد، حتى لو تعارض ذلك مع مصلحة الحزب أو الزعيم أو الحساب الانتخابي.

والأهم أن المواطن نفسه يجب أن يشارك في تغيير هذه الثقافة. فالسياسي الذي يعيش على التصفيق يعيش من جمهور يصفق. والسياسي الذي يعيش على التخويف يعيش من جمهور خائف. والسياسي الذي يعيش على الزبائنية يعيش من مواطن يقبل أن يتحول حقه إلى خدمة. لذلك فإن إصلاح البرلمان لا يبدأ داخل القاعة فقط؛ يبدأ أيضًا في الوعي الانتخابي خارجها. عندما يصبح الناخب أكثر اهتمامًا بالبرنامج والإنجاز والمحاسبة، يصبح السياسي مضطرًا إلى تقديم شيء أكثر من الخطاب.

  1. من “السيرك السياسي” إلى برلمان الدولة

السخرية من البرلمان قد تكون سهلة، لكن إصلاحه أصعب بكثير. والمطلوب ليس إهانة المؤسسة الدستورية أو الانتقاص من دورها، بل استعادة هيبتها وتعزيز ثقة الناس بها. فمجلس النواب ليس ملكًا للنواب، ولا مساحة خاصة للزعامات والأحزاب، بل هو مؤسسة دستورية من مؤسسات الدولة، يفترض أن تعمل لخدمة المصلحة العامة. والنواب ليسوا أصحابًا دائمين للمقاعد التي يشغلونها، بل هم ممثلون منتخبون ومؤتمنون على تفويض شعبي لممارسة السلطة التشريعية والرقابية. ومن هنا، فإن المقعد النيابي ليس امتيازًا شخصيًا ولا ملكية سياسية قابلة للتوريث، بل مسؤولية عامة وتكليف وطني محدد بولاية انتخابية. والنائب الذي يدخل المجلس لا يحمل معه فقط أصوات ناخبيه، بل يتحمل مسؤولية المشاركة في صناعة القوانين ومراقبة أداء السلطة التنفيذية والدفاع عن المصلحة الوطنية. وعندما يتحول المقعد إلى وسيلة لتكريس النفوذ الشخصي أو الحزبي أو الطائفي، فإن جوهر النيابة نفسه يصبح مهددًا، لأن التمثيل الشعبي يفقد معناه عندما تُختزل الأمة في زعيم، أو حزب، أو طائفة، أو دائرة انتخابية ضيقة.

لذلك، فإن استعادة هيبة مجلس النواب لا تكون بالصراخ ولا بالمظاهر ولا بالخطابات النارية، بل باحترام الدستور، والقيام بالواجب التشريعي والرقابي، والشفافية، والمساءلة، وربط الأداء النيابي بالإنجاز الفعلي. فالبرلمان القوي ليس البرلمان الذي يكثر فيه الضجيج، بل الذي تنتج عنه قوانين جيدة، ورقابة فعالة، ومحاسبة جدية، ومؤسسات أكثر قوة واستقلالًا. أما حين يصبح الاستعراض السياسي بديلًا عن العمل، فإن المشكلة لا تعود في صورة النواب فقط، بل في صورة الدولة التي يمثلون إحدى أهم مؤسساتها.

والإصلاح يبدأ عندما يصبح تقييم النائب قائمًا على معايير واضحة: حضوره، مشاركته، اقتراحاته، تصويته، مواقفه من القوانين الأساسية، قدرته على الرقابة، شفافية مصالحه، ومساهمته الفعلية في حماية المال العام وتعزيز استقلال المؤسسات. لا ينبغي أن يكون المعيار عدد الصور مع الزعماء ولا عدد الخطابات النارية ولا حجم الحضور على شاشات التلفزيون. الديمقراطية تحتاج إلى ذاكرة سياسية؛ لأن النائب الذي يعرف أن المواطن سيحاسبه على أدائه سيضطر إلى العمل بدل الاستعراض.

كما يحتاج لبنان إلى ثقافة سياسية تفصل بين الدولة والزعامات. فالطائفة ليست دولة، والحزب ليس دولة، والزعيم ليس دولة، والكتلة النيابية ليست دولة. الدولة هي المؤسسات الدستورية والقانون والقضاء والإدارة والحقوق والواجبات. وكلما أصبحت المؤسسات أقوى، تراجعت الحاجة إلى الوسيط السياسي. وكلما أصبح القانون أقوى، أصبح المواطن أقل حاجة إلى الاتصال بنائب أو زعيم للحصول على حق يفترض أن يحصل عليه بقوة القانون.

في النهاية، قد تكون عبارة جلال عامر ساخرة، لكنها تحمل درسًا سياسيًا عميقًا: البرلمان يفقد معناه عندما يصبح هدفه إمتاع الجمهور بدل خدمة الوطن. لبنان لا يحتاج إلى نواب يجيدون الزئير أمام الكاميرات، ثم يصمتون أمام الملفات الكبرى؛ ولا يحتاج إلى سياسيين يحولون كل جلسة إلى مباراة في الصراخ؛ ولا إلى ممثلين يتقنون أدوار المعارضة والموالاة بحسب اتجاه الريح. لبنان يحتاج إلى مجلس نيابي يتصرف كبرلمان دولة، لا كخشبة مسرح؛ إلى نواب يعرفون أن المقعد النيابي تكليف لا تشريف، وأن الحصانة ليست حصانة من المحاسبة السياسية والأخلاقية، وأن الشعب الذي يمنح الوكالة يستطيع أن يسحب ثقته في صندوق الاقتراع (للأسف، يعتمد النواب في لبنان على استغلال جهل شريحة كبيرة من الناخبين وتحويلهم إلى قطيع انتخابي لضمان استمرار نفوذهم السياسي وبقائهم في السلطة). فالسيرك ينتهي بانتهاء العرض، أما أخطاء البرلمان فقد تبقى كلفتها على ظهر الوطن سنوات طويلة.

  1. الخاتمة

المشكلة ليست أن في البرلمان أصواتًا مرتفعة؛ المشكلة أن لبنان دفع ثمنًا باهظًا لسنوات من الأصوات المرتفعة والنتائج المنخفضة. المشكلة ليست أن النواب يختلفون؛ الاختلاف هو روح الديمقراطية. المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى تعطيل، والمعارضة إلى عرقلة، والخطاب إلى بديل عن الإنجاز، والانتماء السياسي إلى قيد على القرار الوطني.

في السيرك، يعرف الجمهور أنه أمام عرض، ولذلك يضحك ويصفق ثم يعود إلى منزله. أما في السياسة اللبنانية، فالمأساة أن المواطن لا يستطيع مغادرة المسرح، لأن العرض يجري فوق حياته ومستقبله وماله وكرامته. الكهرباء ليست فقرة في عرض، والاقتصاد ليس مشهدًا كوميديًا، والقضاء ليس لعبة، والمال العام ليس إكسسوارًا، ومستقبل الشباب ليس مادة للمزايدة الانتخابية.

لذلك، إذا كان الفرق بين البرلمان والسيرك أن حيوانات السيرك تزأر أحيانًا، فإن المأساة اللبنانية أن بعض السياسيين أتقنوا الزئير حتى صار الضجيج يُسمع من داخل القاعة وخارجها، بينما بقي الإنجاز صامتًا. لكن الوطن لا يُبنى بالزئير، ولا تُحمى الدولة بالصراخ، ولا تُستعاد هيبة المؤسسات بالاستعراض. الدولة تُبنى بالقانون، وتحيا بالمحاسبة، وتقوى برجال ونساء يعرفون أن النيابة مسؤولية لا غنيمة، وأن المقعد النيابي ليس عرشًا، وأن الشعب ليس جمهورًا جاء لمشاهدة العرض، بل هو صاحب المسرح والسلطة والقرار.

فليتوقف العرض عندما يتعلق الأمر بمصير لبنان، وليبدأ العمل. فاللبناني الحر لم يعد يريد نائبًا يجيد الكلام والخطابات الرنانة والجوفاء فحسب، ويتقن في الوقت نفسه الكذب والنفاق وتزييف الحقائق؛ بل يريد نائبًا يثبت بأفعاله، لا بأقواله، لماذا انتُخب، ولمن يعمل، وما الذي أنجزه من أجل وطنه وشعبه.

أخبار ذات صلة

بحث

28/08/2026

...

بحث

26/08/2026

...

بحث

24/08/2026

...

"فليسقط الوطن... نحن الوطن.إن لم يكن بنا كريماً آمناً،ولم يكن محترماً، ولم يكن حُرّاً،فلا عشنا ولا عاش الوطن"أحمد مطر، شاعر عراقياشتهر بالشعر السياسي الساخر
بحث

"فليسقط الوطن... نحن الوطن.
إن لم يكن بنا كريماً آمناً،
ولم يكن محترماً، ولم يكن حُرّاً،
فلا عشنا ولا عاش الوطن"
أحمد مطر، شاعر عراقي
اشتهر بالشعر السياسي الساخر

21/08/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
دبي تتصدر مطارات العالم..8.68 ملايين مقعد دوليفي سبتمبر...

دبي تتصدر مطارات العالم.. 8.68 ملايين مقعد دولي في سبتمبر...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups