لو أطلّ الطوباوي البطريرك الياس الحويّك من الأعالي على لبنان الذي نراه اليوم، لربما وقف طويلًا أمام مشهدٍ لم يكن يتخيّله حين حمل مشروع وطنٍ تتّسع حدوده لأبنائه، وتكون فيه الأرض ضمانةً للحرية والكرامة والاستقلال. وربما سأل نفسه، بحزن رجلٍ أفنى عمره في الدفاع عن وطنه: كيف تحوّل الحلم الذي أردناه مساحةً للحياة إلى وطنٍ يهاجر أبناؤه منه، وتنهار مؤسّساته أمام أعينهم، وتُنهب أموال مواطنيه، وتُختزل سيادته في شعارات، وتصبح فيه الدولة أضعف من القوى التي يفترض أن تخضع لسلطتها؟
د. الياس ميشال الشويري
حين نتحدّث عن الطوباوي الياس الحويّك ولبنان الكبير، فإنّنا لا نستحضر مجرّد شخصية دينية جلست إلى جانب الجنرال الفرنسي هنري غورو في الأول من أيلول عام 1920، بل نستحضر لحظة تأسيسية حاسمة في تاريخ الكيان اللبناني الحديث. لقد جاء المشروع في أعقاب انهيار السلطنة العثمانية، وفي ظلّ إعادة رسم خرائط المشرق العربي، وتنافس القوى الدولية على النفوذ، وتباين تصوّرات الجماعات المحلية بشأن مستقبلها السياسي. وفي هذا السياق، قاد الطوباوي الحويّك جهدًا سياسيًا بارزًا للمطالبة بلبنان ذي الحدود الموسّعة، مستندًا إلى تصوّر يرى أنّ الجبل وحده لا يكفي لضمان الاستمرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وأنّ ضمّ بيروت والساحل والبقاع ومناطق أخرى يتيح قيام كيانٍ أكثر قدرةً على الحياة. وقد حمل إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919 مطالب استقلال لبنان واستعادة حدوده التاريخية، قبل أن يُعلَن لبنان الكبير في ظلّ الانتداب الفرنسي عام 1920. وتؤكّد المصادر التاريخية أنّ المشروع ارتبط أيضًا بخيارات دولية ومصالح فرنسية وتناقضات إقليمية لم يكن اللبنانيون يملكون السيطرة الكاملة عليها.
غير أنّ التاريخ لا يُقاس باللحظة التي يُعلَن فيها قيام الدول فحسب، بل بما تستطيع هذه الدول أن تبنيه من مؤسّسات، وما تمنحه لشعوبها من أمنٍ وعدالةٍ وكرامة. فقد كان توسيع الحدود خطوةً جغرافية وسياسية، لكنه لم يكن كافيًا وحده لصناعة شعبٍ متماسك حول عقدٍ اجتماعي واضح، ولا لإنشاء نظامٍ قادر على إدارة التنوّع بعيدًا عن الخوف والامتيازات والمحاصصة. ومع مرور العقود، تراكمت في لبنان أزمات الحكم والفساد والتبعية والتدخلات الخارجية، وانتهى الأمر إلى انهيارات مالية واجتماعية ومؤسّساتية جعلت كثيرين يتساءلون عمّا إذا كان المشروع الذي بدأ بوعد الاستقلال قد ابتعد عن غاياته الأصلية. ومن هنا، لا يكون نقد لبنان الكبير بالضرورة دعوةً إلى إلغاء لبنان أو إنكار تاريخ أبنائه، بل محاولةً لفهم الفجوة بين الوطن بوصفه فكرةً نبيلة، والدولة بوصفها مسؤوليةً يومية. والسؤال الأعمق ليس ما إذا كان الحويّك قد أخطأ حين حلم بوطنٍ أوسع، بل ما إذا كان الذين ورثوا ذلك الوطن قد خانوا المعنى الذي أراد أن يمنحه له، حين قدّموا مصالحهم على المصلحة العامة، والطوائف على المواطنة، والتسويات المؤقتة على بناء دولةٍ قادرة على البقاء.
- الطوباوي الياس الحويّك وفكرة لبنان الكبير بين الرؤية الوطنية وحسابات التاريخ
لم يكن البطريرك الياس الحويّك رجل دينٍ محصورًا في شؤون الكنيسة، بل كان شخصيةً سياسية ووطنية أدركت، في مرحلة انهيار الإمبراطورية العثمانية، أنّ مستقبل الجماعات التي عاشت في جبل لبنان لا يمكن ضمانه بمجرد المحافظة على ترتيبات إدارية قديمة. لقد كانت البلاد الخارجة من الحرب العالمية الأولى تواجه أسئلةً مصيرية تتعلّق بالحدود والسلطة والاقتصاد والهوية، وكان على قادتها الاختيار بين تصوّرات متنافسة لمستقبل المنطقة. وفي هذا السياق، رأى الحويّك أنّ لبنان يحتاج إلى مجالٍ جغرافي أوسع، يضمّ الجبل إلى المدن الساحلية والبقاع والشمال والجنوب، لكي يمتلك مقوّمات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ويكون قادرًا على بناء دولةٍ مستقلة بدل البقاء كيانًا محدود الموارد ومعرّضًا للتقلّبات السياسية المحيطة به. ومن هنا جاءت مطالبته بلبنان ذي الحدود الموسّعة، التي دافع عنها في مؤتمر الصلح بباريس سنة 1919، ضمن مشروعٍ كان يرمي إلى تثبيت الكيان اللبناني وضمان استمراره.
لكنّ قراءة هذه التجربة تقتضي التمييز بين ما أراده الحويّك وما انتهت إليه الدولة بعد قرنٍ من قيامها. فليس من الإنصاف التاريخي أن ننسب إليه مسؤولية جميع الحروب والانهيارات والخيارات السياسية التي وقعت بعد وفاته، كما لا يجوز أن نحاكم رجلًا من مطلع القرن العشرين على أساس معلوماتٍ لم تكن متاحة له عن مسار القرن التالي. إنّ المؤسّس يستطيع أن يرسم الحدود، وأن يقدّم تصورًا للمستقبل، وأن يسعى إلى انتزاع الاعتراف الدولي، لكنه لا يستطيع أن يضمن نزاهة كلّ من يتولّى الحكم بعده، ولا أن يمنع الأجيال اللاحقة من تحويل المؤسسات إلى أدواتٍ للمصالح الشخصية والفئوية. ومع ذلك، فإنّ هذا التمييز لا يعفينا من مساءلة الفكرة التأسيسية نفسها: هل رافق توسيع الجغرافيا مشروعٌ متكامل لبناء المواطنة؟ وهل جرى إعداد صيغة سياسية قادرة على احتضان اختلاف الجماعات من دون أن تجعل اختلافها أساسًا دائمًا لتوزيع السلطة والامتيازات؟ هنا تبدأ الأسئلة التي لا تزال تؤرق اللبنانيين.
كان الحويّك يتحرّك في فضاءٍ تاريخي تتداخل فيه المصالح الفرنسية مع تطلعات النخب اللبنانية ومخاوف الجماعات المختلفة من مستقبل المنطقة. وقد أُعلن لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920 على يد المفوّض السامي الفرنسي هنري غورو، تحت سلطة الانتداب الفرنسي، وليس بوصفه دولةً اكتملت سيادتها في ذلك اليوم. وتؤكد الدراسات التاريخية أنّ نشوء الكيان الحديث ارتبط بتفاعل مشروع لبناني محلي مع قرارات القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، كما ارتبط بتباين المواقف من حدود لبنان وعلاقته بسوريا وبالمنطقة العربية. لذلك، فإنّ صورة التأسيس لا يمكن اختزالها في انتصارٍ وطني خالص، ولا في مؤامرةٍ خارجية خالصة؛ فقد كانت حصيلة تفاعلٍ معقّد بين إراداتٍ محلية وحساباتٍ دولية، وبين آمال الاستقلال وواقع الوصاية الأجنبية.
ولو أردنا أن نستحضر الحويّك في ضوء مأساة لبنان المعاصر، لكان من المشروع أدبيًا أن نتخيّل سؤاله عن مصير تلك التضحية السياسية: ماذا بقي من الحلم الذي سعى إلى تحقيقه؟ هل بقيت الأرض وطنًا لأبنائها، أم تحوّلت إلى مساحةٍ تتنازعها الولاءات؟ وهل أصبح لبنان الكبير دولةً تحمي الحرية، أم أصبح في مراحل كثيرة ساحةً تتقدّم فيها مصالح الخارج على إرادة الداخل؟ غير أنّ هذا السؤال لا يقود بالضرورة إلى القول إنّ إنشاء لبنان كان خطأً، بل إلى التساؤل عمّا إذا كانت الدولة التي أُنشئت قد وفَت بالتزاماتها تجاه مواطنيها. فالفرق شاسع بين رفض الوطن بسبب فشل حكّامه، ونقد نظامه لأنّه لم ينجح في تحقيق الغايات التي تبرّر وجوده. وقد يكون أقسى حكمٍ على تجربة التأسيس أنّها نجحت في إنشاء الكيان، لكنها لم تنجح بصورةٍ مستدامة في ضمان أن تكون الدولة أقوى من الذين يتولّون إدارتها.

- لبنان الكبير وإشكالية التنوّع — هل تكفي الجغرافيا لصناعة وطن؟
كان توسيع حدود لبنان سنة 1920 قرارًا غيّر طبيعة الكيان الذي نشأ تاريخيًا حول جبل لبنان، إذ أُلحقت به بيروت ومناطق ساحلية واسعة والبقاع والشمال والجنوب، فأصبح أكثر تنوّعًا من الناحية الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أتاح هذا التوسّع جمع مناطق زراعية وتجارية وساحلية ضمن دولةٍ واحدة، وفتح المجال أمام علاقاتٍ اقتصادية أوسع من تلك التي كانت تسمح بها حدود متصرّفية جبل لبنان. لكنّ هذا التغيير الجغرافي حمل في الوقت نفسه تحدّيًا سياسيًا عميقًا: كيف يمكن بناء هوية وطنية مشتركة بين جماعاتٍ تختلف في تصوّراتها للهوية والانتماء والعلاقات الإقليمية؟ لم تكن جميع القوى السياسية والدينية تنظر إلى لبنان الكبير بالطريقة نفسها، وقد أظهرت المرحلة التي أعقبت التأسيس أنّ مسألة الانتماء إلى الكيان الجديد لم تكن محسومة بصورةٍ نهائية لدى الجميع.
إنّ الخطأ الذي ارتكبته النخب اللبنانية المتعاقبة لم يكن بالضرورة في قبول التنوّع، بل في عجزها عن تحويله إلى مصدرٍ للقوة الوطنية. فالتنوّع، في ذاته، ليس مرضًا سياسيًا، كما أنّ التجانس الديني أو الثقافي ليس ضمانةً تلقائية للاستقرار. الدول الحديثة لا تستمدّ وحدتها من تشابه مواطنيها، بل من اقتناعهم بأنّ القانون يحميهم بالتساوي، وأنّ مؤسسات الدولة لا تميّز بينهم، وأنّ اختلافهم لا ينتقص من حقوقهم ولا يهدّد وجودهم. وكان بإمكان لبنان أن يجعل من موقعه الجغرافي وتنوّعه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ميزةً استراتيجية، وأن يقدّم نموذجًا للمواطنة في منطقةٍ تعرّضت مرارًا للصراعات والانقسامات. غير أنّ تحويل الاختلاف إلى حصصٍ سياسية ثابتة، ثم ربط هذه الحصص بمصالح الزعامات وشبكات النفوذ، جعل الانتماء الطائفي في كثيرٍ من الأحيان يتقدّم على الانتماء الوطني، وأضعف قدرة المواطن على التعامل مع الدولة باعتبارها مرجعيته الأولى.
وقد ظهرت المشكلة تدريجيًا في طريقة إدارة التوازنات الداخلية. فبدل بناء نظامٍ يضمن حقوق الجماعات من خلال دستورٍ يحمي الحقوق الفردية ويؤسّس للمساواة أمام القانون، تعزّزت قواعد توزيع السلطة على أساس الانتماء الطائفي، وأصبحت مواقع الحكم والإدارة مرتبطةً بتفاهماتٍ جماعية يصعب تغييرها. وتوضح الدراسات القانونية أنّ التمثيل الطائفي الذي تطوّر في ظلّ الانتداب أصبح سمةً أساسية في النظام السياسي اللبناني، بحيث غدا الانتماء الديني عاملًا مؤثرًا في توزيع المناصب والتمثيل السياسي. وقد يكون التوازن بين الجماعات ضروريًا في مجتمعٍ يخشى بعض أفراده الهيمنة أو الإقصاء، لكنّ المشكلة تنشأ عندما يتحوّل هذا التوازن من وسيلةٍ انتقالية لضمان الشراكة إلى غايةٍ دائمة تحكم كلّ مفاصل الدولة. عندها تصبح المواطنة شعارًا، فيما تُدار الحقوق والفرص والخدمات من خلال وسطاء سياسيين وطائفيين.
ولعلّ السؤال الأكثر إيلامًا الذي يمكن أن نطرحه على إرث لبنان الكبير هو ما إذا كان الوطن قد اتّسع جغرافيًا أكثر ممّا اتّسع سياسيًا وأخلاقيًا. فقد اتّسعت الحدود، لكنّ مفهوم المواطن لم يتحرّر بما يكفي من قيود الانتماء الجماعي؛ واتّسعت الأسواق والروابط الاقتصادية، لكنّ الدولة لم تتمكّن دائمًا من توزيع ثمار النمو بصورةٍ عادلة؛ واتّسعت الآمال بإمكان قيام وطنٍ جامع، لكنّ الخلافات حول هوية هذا الوطن ودوره وموقعه الإقليمي بقيت مصدرًا للتوتر. ومع ذلك، فإنّ الحلّ ليس العودة إلى منطق الحدود الضيّقة أو الانغلاق الطائفي، لأنّ ذلك قد يكرّر المشكلات ذاتها في مساحةٍ أصغر. الحلّ الحقيقي هو بناء عقدٍ اجتماعي جديد يؤكّد أنّ لبنان وطنٌ لجميع أبنائه، وأنّ لا جماعة تمتلكه وحدها، ولا زعيم يملك حقّ احتكار تمثيلها، ولا قوة سياسية تستطيع تحويل مخاوفها إلى امتيازاتٍ دائمة على حساب الآخرين.
- من دولة الاستقلال إلى دولة المحاصصة — حين تتقدّم الزعامات على المؤسسات
كان الاستقلال اللبناني عام 1943 محطةً تاريخية مهمّة في الانتقال من الانتداب إلى الدولة المستقلة، لكنه لم يكن نهاية عملية بناء الوطن، بل بداية مرحلةٍ جديدة كان ينبغي فيها ترسيخ مؤسساتٍ قادرة على العمل بمعزلٍ عن الأفراد والزعامات. فالاستقلال السياسي لا يكتمل بمجرد رفع العلم الوطني أو الاعتراف الدولي، وإنما يتطلّب سلطةً دستورية موحّدة، وإدارةً عامة محترفة، وقضاءً مستقلًا، وأجهزةً أمنية وعسكرية خاضعة للقانون، وسياساتٍ اقتصادية واجتماعية تخدم المصلحة العامة. لكنّ النظام السياسي اللبناني احتفظ تدريجيًا بآلياتٍ تجعل التوازن بين القيادات الطائفية شرطًا لاتخاذ القرارات الكبرى، فتحوّلت التسوية في حالاتٍ كثيرة من أداةٍ لإدارة الخلاف إلى وسيلةٍ لتأجيل الإصلاح. وحين تصبح كلّ خطوةٍ مؤسساتية رهينة اتفاقاتٍ بين الزعامات، يفقد المواطن ثقته بأنّ الدولة تستطيع أن تتصرّف وفق قواعد ثابتة، ويصبح مصير حقوقه مرتبطًا بميزان القوى بدلًا من ارتباطه بالقانون.
لقد أظهر النظام الذي تطوّر بعد اتفاق الطائف عام 1989 مفارقةً جوهرية: فقد ساهم الاتفاق في إنهاء الحرب الأهلية وإعادة تنظيم السلطة، لكنه لم ينهِ البنية الطائفية التي بقيت تتحكّم في الحياة السياسية. وتُظهر أبحاثٌ متخصصة أنّ إعادة توزيع السلطة بعد الطائف لم تمنع توسّع شبكات المحسوبية والزبائنية داخل القطاع العام، بل ساهمت في ظروفٍ عديدة في تعزيز ارتباط المؤسسات بمصالح القوى السياسية.
ولا يعني ذلك أنّ كلّ ما أنجزه الطائف كان سلبيًا، أو أنّ التسوية التي أوقفت الحرب لم تكن ضرورية، بل يعني أنّ إنهاء الصراع المسلّح لا يضمن وحده بناء دولةٍ حديثة. فالمصالحة السياسية، لكي تصبح مستدامة، تحتاج إلى قواعد للمحاسبة، وإصلاحٍ للإدارة، واستقلالٍ للقضاء، ومؤسساتٍ لا تتحوّل إلى جوائز تتقاسمها الأطراف عند تشكيل الحكومات.
وتتجلّى مأساة المحاصصة في أنّ المواطن قد يجد نفسه مضطرًا إلى الاستعانة بزعيمٍ أو حزبٍ للحصول على خدمةٍ يفترض أن تكون حقًا مضمونًا له من الدولة. وهكذا تتراجع العلاقة المباشرة بين المواطن والمؤسسة العامة، لتحلّ مكانها علاقةُ تبعيةٍ متبادلة بين الناخب والوسيط السياسي. وتصبح الوظيفة العامة مصدرًا لتثبيت النفوذ، بدل أن تكون مسؤوليةً تتطلّب الكفاءة والنزاهة؛ ويصبح التعيين الإداري وسيلةً لمكافأة الولاء، بدل أن يقوم على الجدارة؛ كما تتحوّل الخدمات الاجتماعية إلى أدواتٍ لتوسيع القواعد الشعبية، بدل أن تكون جزءًا من سياسةٍ وطنية عادلة. وفي مثل هذا النظام، لا يعود الفساد مجرّد تصرّفٍ فردي يرتكبه موظفٌ أو مسؤول، بل قد يصبح نمطًا من أنماط إدارة السلطة، تتشابك فيه المصالح المالية مع الولاءات السياسية، ويصعب فيه تحديد المسؤولية لأنّ القرار موزّع بين أطرافٍ تتبادل الحماية والاتهام.
ولو نظر الحويّك إلى هذه الصورة المتخيّلة، لكان السؤال الأهم: هل أنشأنا دولةً أم أنشأنا إطارًا تتنافس داخله الزعامات على إدارة مصالحها؟ إنّ هذا السؤال لا يستهدف طائفةً بعينها ولا ينفي وجود رجال دولةٍ مخلصين في تاريخ لبنان، بل يضع المسؤولية حيث ينبغي أن تكون: على عاتق كلّ من تولّى سلطةً عامة ثم استخدمها لمصلحةٍ خاصة، وعلى عاتق كلّ من عطّل الإصلاح لحماية نفوذه، وعلى عاتق كلّ من جعل الانتماء السياسي حصانةً ضد المحاسبة. إنّ الدولة لا تُقاس بعدد الوزراء والنواب، ولا بعدد البيانات والخطب الوطنية، بل بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع، وتحصيل الضرائب بعدالة، وإنفاق المال العام بشفافية، وتوفير الخدمات الأساسية، وحماية الحقوق والحريات. وإذا كان لبنان الكبير قد أُنشئ ليكون وطنًا قادرًا على الاستمرار، فإنّ استمرار هذا الوطن يتطلّب اليوم تحرير الدولة من هيمنة الزعامات، لا الاكتفاء بتغيير أسماء الزعماء أو إعادة توزيع الحصص بينهم.

- الانهيار الاقتصادي والاجتماعي — حين يتحوّل الوطن إلى عبء على أبنائه
لا يمكن فهم خيبة الأمل اللبنانية من دون التوقّف عند الاقتصاد، لأنّ الوطن ليس فكرةً مجرّدة تعيش في الكتب والخطب، بل هو أيضًا قدرة الإنسان على العمل، وتأمين المسكن والغذاء والدواء والتعليم، وتكوين أسرةٍ من دون خوفٍ دائم من الغد. لقد امتلك لبنان، في مراحل متعددة من تاريخه الحديث، مقوّماتٍ اقتصادية مهمّة، منها موقعه الجغرافي، ومرافئه، وموارده البشرية، ومؤسساته التعليمية، وشبكات التجارة والاغتراب، والقدرة على التواصل مع الأسواق الخارجية. وكان من الممكن أن تتحوّل هذه المقوّمات إلى أساسٍ لاقتصادٍ منتجٍ ومتنوع، يوفّر فرص العمل ويحدّ من التفاوت الاجتماعي. لكنّ الاقتصاد الذي لا يستند إلى مؤسساتٍ رقابية فعّالة، ولا يخضع لسياساتٍ مالية مسؤولة، ولا يحمي الإنتاج المحلي، يصبح عرضةً للاختلالات والتقلّبات، مهما بدا مزدهرًا في بعض الفترات. فالمظاهر العمرانية والمصرفية والتجارية لا تكفي وحدها للحكم على سلامة الاقتصاد إذا كانت القواعد التي تقوم عليها غير مستدامة.
وقد كشفت الأزمة المالية والمصرفية التي تفجّرت عام 2019 هشاشة النموذج الاقتصادي اللبناني، وأظهرت خطورة تراكم الاختلالات في إدارة المال العام والقطاع المصرفي والسياسات النقدية. ولم يكن أثر الأزمة محصورًا في الأرقام والمؤشرات، بل امتدّ إلى حياة الناس ومدّخراتهم وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وأصاب الثقة بين المواطن والدولة وبين المودع والمؤسسات المالية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال الأخلاقي والسياسي ملحًّا: كيف يمكن لدولةٍ أن تطالب مواطنيها بالولاء والثقة، فيما يعجز كثيرون عن الاطمئنان إلى مستقبلهم المالي والاجتماعي؟ وكيف يمكن الحديث عن الكرامة الوطنية إذا اضطرّ الإنسان إلى هجر وطنه بحثًا عن علاجٍ أو تعليمٍ أو عملٍ يضمن له حياةً كريمة؟ إنّ الانهيار الاقتصادي لا يدمّر القدرة الشرائية فحسب، بل يهدّد أيضًا الروابط الاجتماعية، ويعمّق الشعور بالظلم، ويقوّض الإيمان بأنّ الجهد الفردي والعمل المنتج يمكن أن يؤدّيا إلى مستقبلٍ أفضل.
ويزداد الخطر حين تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع ضعف الخدمات العامة، وتراجع فرص العمل، وهجرة الكفاءات، وتزايد الاعتماد على التحويلات الخارجية والمساعدات الفردية. فالبلد الذي يصدّر شبابه وأطباءه ومهندسيه وأساتذته بصورةٍ متواصلة يخسر جزءًا من قدرته على إعادة بناء نفسه، مهما بقي أبناؤه في الخارج أوفياء له. كما أنّ الاعتماد المفرط على المبادرات الخاصة وشبكات الدعم العائلي قد يخفّف المعاناة في الأمد القصير، لكنه لا يمكن أن يحلّ محلّ دولةٍ مسؤولة عن التعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية. وحين يصبح الحصول على العلاج أو التعليم الجيد مرتبطًا بقدرة الأسرة على الدفع، أو بوجود قريبٍ في الاغتراب، تتراجع المساواة في الفرص، ويتحوّل الحق الاجتماعي إلى امتيازٍ لا يناله الجميع. ومن هنا، فإنّ استعادة الاقتصاد لا يمكن أن تقوم على إجراءاتٍ شكلية أو وعودٍ انتخابية، بل على إصلاحٍ مالي ومصرفي شفاف، ومحاسبةٍ عادلة، واستقلالٍ للقضاء، وتشجيعٍ للإنتاج والاستثمار، وتوفير بيئةٍ مستقرة تحمي المبادرة الفردية من الفساد والاحتكار.
أمّا المفارقة الأكثر قسوة فهي أنّ لبنان الذي أُريد له أن يمتلك مجالًا جغرافيًا واقتصاديًا أوسع، يجد نفسه في أزماتٍ متكررة عاجزًا عن توفير الحدّ الأدنى من الاستقرار لعددٍ كبير من أبنائه. ولا يعني ذلك أنّ اتساع الحدود كان سببًا مباشرًا للانهيار المالي، لأنّ الأزمات نتجت من سياساتٍ وقراراتٍ وتراكماتٍ مؤسسية واقتصادية معقّدة، لكنّه يعني أنّ الوعد التاريخي ببلدٍ قادرٍ على الحياة لم يتحقّق لجميع مواطنيه على نحوٍ مستدام. وإذا كان الحويّك قد سعى إلى ضمان مقوّمات الاستمرار الاقتصادي للبنان، فإنّ الحكم على نجاح ذلك المسعى يجب أن يأخذ في الاعتبار ما آلت إليه قدرة الدولة على حماية موارد المجتمع وحقوق أبنائه. والجواب لا يكون بإعلان فشل لبنان نهائيًا، بل بالاعتراف بأنّ الاقتصاد الوطني لا يمكن أن يتعافى ما دامت المسؤولية موزّعة بلا محاسبة، وما دام المواطن يتحمّل الخسائر بينما تتفادى مراكز النفوذ دفع ثمن أخطائها. إنّ الوطن الذي يطلب من أبنائه التضحية لا بدّ أن يثبت أنّ التضحية ليست طريقًا إلى إثراء القلّة وإفقار الأكثرية.
- السيادة والهوية والتدخلات الخارجية — لبنان وطن أم ساحة صراع؟
لا يمكن دراسة تاريخ لبنان الكبير من دون فهم موقعه في التوازنات الإقليمية والدولية. فمنذ نشأة الكيان الحديث، ارتبط مصيره بتنافس القوى الكبرى وبالصراعات المحيطة به، كما تأثّر بالتحولات السياسية في سوريا وفلسطين والمنطقة العربية، وبالعلاقات مع الدول الغربية والعربية. وقد شكّل الانتداب الفرنسي الإطار السياسي الذي أُعلن ضمنه لبنان الكبير، ما يعني أنّ ولادة الدولة لم تترافق منذ اللحظة الأولى مع سيادةٍ كاملة على القرار الوطني. وبعد الاستقلال، بقي لبنان عرضةً لتأثيرات الخارج، سواء عبر التدخلات المباشرة أو عبر التحالفات السياسية والتمويل والارتباطات الإقليمية، فضلًا عن انعكاسات الصراع العربي الإسرائيلي والحرب الأهلية والتدخلات العسكرية التي عرفتها البلاد. وهكذا ظلّ التحدّي الأساسي هو الانتقال من كيانٍ معترفٍ به دوليًا إلى دولةٍ تمتلك قرارها، وتحدّد سياساتها وفق مصالح شعبها، وتمنع تحويل أرضها إلى منصةٍ لتصفية الحسابات بين القوى الأخرى.
إنّ السيادة لا تعني الانعزال عن العالم، ولا رفض العلاقات الدولية أو التعاون مع الدول الصديقة، بل تعني أن تكون العلاقات الخارجية خاضعةً لقرارٍ وطني دستوري، وأن تُحدّد المصلحة اللبنانية من خلال مؤسسات الدولة، لا عبر قراراتٍ منفردة تتجاوزها. فالدولة ذات السيادة تستطيع إقامة علاقاتٍ واسعة، وتوقيع الاتفاقيات، واستقبال المساعدات، والتعاون في الاقتصاد والأمن والثقافة، من دون أن تسمح لأي طرفٍ خارجي بفرض إرادته على مواطنيها. أمّا حين تتعدد مراكز القرار في القضايا الاستراتيجية، أو يصبح استخدام القوة والسلم والحرب خارج إطار المؤسسات الدستورية، فإنّ الدولة تفقد جزءًا أساسيًا من وظيفتها. وفي هذه الحالة، لا يعود الخلاف مجرّد اختلافٍ في وجهات النظر السياسية، بل يتحوّل إلى أزمةٍ في تعريف السلطة الشرعية وفي تحديد الجهة التي تملك حقّ اتخاذ القرارات التي قد تعرّض حياة المواطنين وأرزاقهم ومستقبلهم للخطر.
وتزداد أزمة السيادة تعقيدًا عندما تتداخل الهوية اللبنانية مع هوياتٍ وانتماءاتٍ أوسع، دينية أو قومية أو إقليمية، وتصبح هذه الانتماءات أحيانًا أساسًا لتحديد الأولويات السياسية. فلبنان جزءٌ من محيطه العربي، وله علاقاتٌ تاريخية وثقافية واقتصادية واسعة، كما أنّه مجتمع متنوّع في معتقداته وتوجّهاته، لكنّ هذا التنوّع لا ينبغي أن يتحوّل إلى مبرّرٍ لتجزئة القرار الوطني. ويمكن للمواطن أن يتمسّك بدينه وثقافته وقناعاته السياسية، وأن يقيم علاقاتٍ فكرية وروحية مع الخارج، من دون أن يتخلّى عن المبدأ الذي يجعل الدستور والقانون والمؤسسات الشرعية مرجعيته في إدارة الشأن العام. إنّ المشكلة ليست في تعدّد الانتماءات بحدّ ذاته، بل في تحويل أيّ انتماءٍ جزئي إلى سلطةٍ أعلى من الدولة، أو إلى مبرّرٍ لتجاوز المصلحة العامة، أو إلى وسيلةٍ لتبرير العنف والإقصاء.
ومن هنا، فإنّ استحضار الحويّك لا ينبغي أن يُستخدم لإثارة العداء بين اللبنانيين أو لتحميل جماعةٍ كاملة مسؤولية ما حلّ بالبلاد، بل لاستعادة السؤال الذي يسبق جميع الاصطفافات: ما الذي يجعل لبنان وطنًا مستقلًا وقادرًا على حماية أبنائه؟ الجواب لا يكون بتغليب طائفةٍ على أخرى، ولا باستبدال وصايةٍ خارجية بأخرى، ولا بإلغاء التنوّع أو مصادرة الحريات، بل بإقامة دولةٍ واحدة تمتلك احتكار استخدام القوة الشرعية، وتخضع فيها جميع القوى للقانون، وتكون قرارات الحرب والسلم والسياسة الخارجية من اختصاص مؤسساتها الدستورية. فالسيادة ليست امتيازًا لحزبٍ أو زعيمٍ أو جماعة، بل حقٌّ للشعب ومسؤوليةٌ على عاتق الدولة. وإذا أراد لبنان أن يستعيد دوره ومكانته، فعليه أن يخرج من منطق الساحة إلى منطق الدولة، ومن ثقافة الارتهان إلى ثقافة الشراكة، ومن التنافس على استرضاء الخارج إلى التنافس في خدمة المواطن. عندها فقط يمكن أن تصبح العلاقات الخارجية مصدر قوةٍ للبلاد، بدل أن تكون أحد أبواب انقسامها وإضعافها.

- هل أخطأ الحويّك في تأسيس لبنان الكبير، أم أخطأ اللبنانيون في إدارة إرثه؟
إنّ طرح السؤال عمّا إذا كان الحويّك قد أخطأ حين وافق على لبنان الكبير يفرض علينا التمييز بين نقد المشروع التاريخي والحكم الأخلاقي على صاحبه. فالرجل تحرّك في زمنٍ كانت فيه الحدود تُرسم بعد انهيار إمبراطورية، وكانت القوى الدولية تفرض وقائع سياسية جديدة، وكانت الجماعات المحلية تبحث عن ضماناتٍ تحمي وجودها ومصالحها. ولم يكن في وسعه أن يعرف على وجه اليقين كيف ستتطوّر الحياة السياسية اللبنانية بعد عقود، أو كيف ستتعامل الأجيال المقبلة مع التنوّع، أو كيف ستتشكّل التحالفات الإقليمية التي ستؤثّر في مصير البلاد. لذلك، فإنّ إدانته بأثرٍ رجعي لا تقدّم تفسيرًا كافيًا للمأساة اللبنانية، ولا تساعد على فهم الأسباب الفعلية التي أدّت إلى تكرار الأزمات. لكنّ هذا لا يمنعنا من نقد الافتراض القائل إنّ توسيع الحدود وحده يكفي لبناء دولةٍ قوية، أو إنّ جمع المناطق والجماعات في كيانٍ واحد سيؤدّي تلقائيًا إلى نشوء هويةٍ وطنية جامعة. فالتجربة أثبتت أنّ الجغرافيا تحتاج إلى مؤسسات، وأنّ الاستقلال يحتاج إلى سيادةٍ فعلية، وأنّ التنوّع يحتاج إلى عدالة، وأنّ الوطن يحتاج إلى مواطنين متساوين أمام القانون.
ومن الضروري أيضًا الاعتراف بأنّ لبنان الكبير لم يكن مشروعًا بلا منافع أو إنجازات. فقد جمع مناطق ذات إمكاناتٍ اقتصادية وثقافية مختلفة، وأسهم في نشوء دولةٍ ذات حضورٍ عربي ودولي، ووفّر إطارًا سياسيًا تطوّرت داخله الحياة التعليمية والثقافية والتجارية، كما شهد فتراتٍ من الازدهار النسبي والابتكار والمبادرات الفردية. ولا يجوز محو هذه الجوانب من التاريخ لمجرّد أنّ البلاد عانت الحروب والانهيارات، لأنّ الحكم الموضوعي يقتضي رؤية الإنجازات والإخفاقات معًا. وفي المقابل، فإنّ الاعتزاز بتاريخ لبنان لا يبرّر تقديس كلّ قرارٍ تأسيسي، ولا يمنع من مراجعة النظام الذي نشأ عنه. فالدول الناضجة لا تخشى مساءلة تاريخها، ولا تعتبر نقد مؤسّساتها خيانةً للوطن، بل تفهم أنّ المراجعة شرطٌ لتصحيح المسار. ومن هذا المنطلق، فإنّ السؤال ليس ما إذا كان لبنان الكبير خيرًا مطلقًا أو شرًّا مطلقًا، بل ما إذا كانت الصيغة السياسية التي تطوّرت داخله قد نجحت في تحقيق التوازن بين الشراكة والعدالة، وبين ضمانات الجماعات وحقوق الأفراد، وبين حرية المواطن ووحدة الدولة.
ولعلّ الدرس الأكبر من تجربة لبنان أنّ النيات التأسيسية، مهما كانت نبيلة، لا تستطيع وحدها حماية الوطن من الفشل. فلا بدّ من دستورٍ يُطبّق على الجميع، وإدارةٍ تقوم على الكفاءة، وقضاءٍ مستقل، ومؤسساتٍ رقابية فاعلة، ونظامٍ اقتصادي يوزّع الفرص بصورةٍ عادلة، وثقافةٍ سياسية ترفض الفساد وتُخضع المسؤولين للمحاسبة. كما لا بدّ من مراجعة جدّية للنظام الطائفي، بما يضمن حقوق الجماعات الدينية ويمنع في الوقت نفسه تحوّلها إلى أدواتٍ دائمة لتقاسم السلطة والموارد. وقد نصّ اتفاق الطائف على هدف إلغاء الطائفية السياسية وفق مسارٍ إصلاحي، لكنّ هذا الهدف لم يتحقّق على النحو الذي ينقل لبنان إلى دولةٍ تقوم فيها المنافسة السياسية أساسًا على البرامج والكفاءة والمساءلة. إنّ الإصلاح المطلوب ليس إقصاء الطوائف أو إنكار مخاوفها، بل بناء نظامٍ مدني ديمقراطي يحمي حرية المعتقد والممارسة الدينية، ويضمن التمثيل العادل، ويجعل الوظائف العامة والحقوق السياسية والاجتماعية خاضعةً لمعايير المواطنة والكفاءة وسيادة القانون.
وعليه، فإنّ الصورة المتخيّلة للحويّك وهو ينظر إلى لبنان اليوم ينبغي أن تتحوّل من مشهدٍ يائسٍ يستسلم للندم إلى محاكمةٍ أخلاقية وسياسية للأحياء، لأنّ الأحياء وحدهم يستطيعون تصحيح ما أفسدته الخيارات المتراكمة. وإذا كان من الممكن أدبيًا أن نتخيّل أنّه يسأل عن جدوى لبنان الكبير بعد كلّ هذه الويلات، فإنّ الجواب المسؤول لا يكون بالقول إنّ الوطن لم يكن يستحقّ أن يولد، بل بالسؤال عمّا إذا كنّا نحن قد استحققنا مسؤولية الحفاظ عليه. فالمشكلة ليست في أنّ لبنان كبيرٌ أكثر مما ينبغي، بل في أنّ الدولة لم تكن دائمًا كبيرةً بما يكفي لحماية مواطنيها من الفساد والخوف والتبعية والفقر. والمشكلة ليست في أنّ المجتمع متنوّع، بل في أنّ قوى سياسية عديدة تعاملت مع التنوّع بوصفه وسيلةً لتثبيت النفوذ بدل أن تجعله أساسًا لشراكةٍ عادلة. والمشكلة ليست في أنّ الحلم كان مستحيلًا بالضرورة، بل في أنّ الذين توارثوا الحلم لم ينجحوا في تحويله إلى نظامٍ مستدام يحمي الإنسان قبل أن يحمي السلطة.
- الخاتمة
إذا كان الطوباوي الياس الحويّك قد حلم بلبنان الكبير بوصفه وطنًا قادرًا على الحياة والاستقلال، فإنّ المأساة اللبنانية المعاصرة تكمن في المسافة الهائلة بين ذلك الحلم وبين واقعٍ عانى فيه المواطنون من الحروب والانقسامات والفساد والانهيار الاقتصادي وضعف المؤسسات. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم العبارة القاسية التي تقول إنّ الحويّك، لو رأى لبنان اليوم، للعن اللحظة التي وافق فيها على قيام لبنان الكبير، بوصفها صرخة احتجاجٍ على خيانة الغاية، لا حكمًا تاريخيًا ثابتًا على الرجل أو على قرار التأسيس. فهي تعبّر عن غضبٍ مشروع إزاء وطنٍ دفع أبناؤه أثمانًا باهظة، فيما أخفقت نخبٌ متعاقبة في بناء دولةٍ تحمي حقوقهم وتضمن مستقبلهم. غير أنّ الإنصاف يقتضي ألّا نحمل المؤسّس وحده مسؤولية قرارات من جاء بعده، وألّا نحوّل نقد التاريخ إلى وسيلةٍ للتهرّب من مسؤولية الحاضر.
إنّ لبنان لم يكن يومًا مجرّد حدودٍ مرسومة على خريطة، ولا ينبغي أن يصبح مجرّد ذكرى جميلة نستعيدها في المناسبات الوطنية. إنّه مسؤوليةٌ مشتركة، تتطلّب دولةً ذات سيادة، ومؤسساتٍ مستقلة، وقضاءً عادلًا، واقتصادًا منتجًا، وإدارةً شفافة، ومواطنةً لا تميّز بين إنسانٍ وآخر على أساس الطائفة أو الحزب أو النفوذ. ولا يمكن استعادة الثقة بالوطن من خلال الشعارات وحدها، بل من خلال استعادة أموال الناس وحقوقهم وفق آلياتٍ قانونية عادلة، ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات، وإصلاح الإدارة العامة، وحماية الحريات، وضمان التعليم والصحة والعمل، ومنع تحويل السلاح أو المال أو الانتماء السياسي إلى وسائلٍ للهيمنة على الدولة. كذلك لا يمكن حماية لبنان من الخارج ما لم تستعد مؤسساته قدرتها على اتخاذ القرار، ولا يمكن بناء وحدةٍ وطنية حقيقية ما دام المواطن يشعر بأنّ حقوقه تتوقّف على قربه من زعيمٍ أو حزب. فالدولة القوية ليست تلك التي تُخضع مواطنيها، بل تلك التي تُخضع الجميع للقانون، وتوفّر لهم الأمن والحرية والكرامة.
أمّا السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام اللبنانيين فهو: هل نريد أن نبقى أسرى محاكمة الماضي، أم نمتلك الشجاعة لتصحيح أخطاء الحاضر؟ لو كان الحويّك قادرًا على توجيه رسالةٍ إلى اللبنانيين اليوم، فإنّنا لا نستطيع أن ننسب إليه كلماتٍ لم يقلها، لكن يمكننا أن نستخلص من مسؤولية رجلٍ ناضل من أجل وطنه معنى أخلاقيًا واضحًا: إنّ الوطن لا يُبنى ليكون ملكًا لزعمائه، بل ليكون ضمانةً لأبنائه؛ ولا يُنشأ ليكون ساحةً لصراعات الآخرين، بل دولةً تمتلك قرارها؛ ولا تُحفظ حدوده لكي يهاجر شعبه منها، بل لكي يجد فيها أسباب البقاء والعمل والكرامة. لذلك، ليست القضية أن نلعن لحظة ولادة لبنان الكبير، بل أن نلعن كلّ ممارسةٍ حوّلت الوطن إلى غنيمة، وكلّ قرارٍ قدّم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وكلّ سلطةٍ عطّلت قيام الدولة من أجل حماية نفوذها. فربما لم يكن الحلم هو الخطأ، بل كان الخطأ أن نترك الحلم بلا مؤسساتٍ تحميه، وبلا مواطنين متساوين يجسّدونه، وبلا رجال دولةٍ يضعون لبنان فوق مصالحهم. وعندها فقط يمكن أن يتحوّل لبنان الكبير من مشروعٍ أثقلته خيبات التاريخ إلى وطنٍ يستحقّ أن يعيش فيه أبناؤه، وأن يفتخروا بانتمائهم إليه، وأن يورّثوه للأجيال المقبلة لا بوصفه مأساةً متكرّرة، بل بوصفه وعدًا تحقّق أخيرًا.

























































