• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

ويل للناس من حاكم لا حياء له!” للروائي المصري (نجيب محفوظ)

2026/07/27
- بحث
ويل للناس من حاكم لا حياء له!”  للروائي المصري (نجيب محفوظ)

قوة عبارة نجيب محفوظ: “ويل للناس من حاكم لا حياء له” لا تهاجم شخصًا بعينه، بل تحذر من حالة سياسية وأخلاقية خطيرة، حيث تصبح السلطة منفصلة عن القيم، ويصبح الحاكم محصنًا ضد النقد والمراجعة والمحاسبة. فالمشكلة الكبرى ليست في وجود القوة لدى الحاكم، بل في وجود القوة عندما لا يرافقها ضمير، لأن القوة بلا أخلاق قد تتحول من وسيلة لبناء الوطن إلى سبب في انهياره

د. الياس ميشال الشويري

من أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم ليس الفقر ولا الحروب ولا الأزمات العابرة، بل أن تقع في قبضة حاكم فقد الإحساس بالمسؤولية وفقد القدرة على الشعور بالخجل من الظلم والفشل. فحين يموت الحياء في قلب من يمسك بمفاتيح السلطة، لا يعود هناك حاجز أخلاقي يمنعه من تجاوز الحدود، ولا صوت داخلي يذكره بأن المنصب أمانة وأن كرامة الناس ليست ثمنًا لبقائه في الحكم. إن أخطر الحكام ليس بالضرورة من يملك القوة، بل من يملك القوة من دون ضمير، ومن يملك القرار من دون خوف من الله أو القانون أو التاريخ.

فالسلطة عندما تنفصل عن الأخلاق تتحول من وسيلة لبناء الأوطان إلى أداة لهدمها، ومن مسؤولية لخدمة الإنسان إلى وسيلة لإخضاعه. والحاكم الذي لا حياء له لا يرى في دموع شعبه إنذارًا، ولا في فشل سياساته سببًا للمراجعة، ولا في انهيار الثقة به دعوة للتغيير، بل يختار دائمًا حماية صورته على حساب حقيقة وطنه. فهو يبرر الأخطاء بدل الاعتراف بها، يهاجم الناقد بدل إصلاح الخلل، ويحافظ على كرسيه ولو كان ثمن ذلك سقوط الدولة من حوله.

لقد علّمنا التاريخ أن الشعوب لا تُهزم فقط أمام أعدائها الخارجيين، بل قد تُهزم أيضًا عندما تُدار من الداخل بعقول لا تعرف معنى المسؤولية، كما هو الحال في لبنان. فكم من دول امتلكت الثروات والإمكانات لكنها ضعفت بسبب فساد السلطة وغياب المحاسبة، وكم من شعوب دفعت أثمانًا باهظة لأن من حكمها لم يشعر يومًا بأن السلطة تكليف وليست امتيازًا.

ولهذا تختصر عبارة نجيب محفوظ: “ويل للناس من حاكم لا حياء له” حقيقة سياسية وإنسانية عميقة؛ فهي لا تتحدث فقط عن غياب صفة أخلاقية، بل عن انهيار منظومة كاملة من القيم التي تحمي المجتمع من الاستبداد والفساد. فحين يغيب الحياء، يصبح الظلم ممكنًا، ويصبح الكذب سياسة، ويصبح الفشل بلا مسؤول، ويصبح المواطن هو الضحية الدائمة.

إن الأمم لا تحتاج فقط إلى حكام أقوياء، بل تحتاج إلى حكام يخافون من استخدام القوة في غير مكانها، ويعرفون أن التاريخ لا يخلد من امتلك السلطة فقط، بل من امتلك الحكمة والعدل والرحمة. فالقوة بلا ضمير خطر، والسلطة بلا حياء كارثة، والحكم بلا مسؤولية طريق طويل نحو انهيار الدولة وفقدان الإنسان لثقته بوطنه.

  1. الحياء أساس القيادة قبل أن يكون صفة شخصية

لا يمكن الحديث عن القيادة الحقيقية بمعزل عن الأخلاق، لأن السلطة التي لا يضبطها الضمير تتحول سريعًا إلى وسيلة للهيمنة بدل أن تكون وسيلة لخدمة الناس. ومن بين أعظم الفضائل التي ينبغي أن يتحلى بها كل من يتولى مسؤولية عامة تأتي فضيلة الحياء، فهي ليست مجرد سلوك اجتماعي راقٍ، بل رادع داخلي يمنع الإنسان من الظلم والتكبر وإساءة استعمال النفوذ. فالحياء يجعل المسؤول يراجع نفسه قبل أن يراجع الآخرين، ويحاسب ضميره قبل أن يحاسبه القانون، ويشعر بثقل الأمانة قبل أن يشعر بلذة السلطة.

إن الحاكم الذي يمتلك الحياء لا يرى المواطنين رعايا يخضعون لإرادته، بل أصحاب حقوق ائتمنوه على إدارتها وصيانتها. ولذلك فإنه يتعامل مع المنصب باعتباره تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية لا امتيازًا، وواجبًا لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية. وكلما ازداد وعيه بعظمة المسؤولية، ازداد تواضعًا وحرصًا على عدم إلحاق الضرر بمن وضعوا ثقتهم فيه.

والحياء السياسي يظهر في تفاصيل كثيرة قد تبدو بسيطة، لكنها تعكس جوهر الشخصية القيادية. فهو يظهر عندما يعترف الحاكم بتقصيره بدل إنكار الواقع، وعندما يستمع إلى النقد بدل محاربة أصحابه، وعندما يقبل الرأي الآخر بدل تخوينه، وعندما يقدم المصلحة العامة على مصالحه الخاصة أو مصالح المقربين منه. فالحياء لا يضعف هيبة الدولة، بل يمنحها احترامًا أكبر، لأن الشعوب تثق بمن يملك الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بالخطأ أكثر ممن يدّعي الكمال.

كما أن الحياء يمنع المسؤول من استغلال المال العام أو النفوذ لتحقيق مصالح شخصية، لأنه يدرك أن كل ليرة أو دولار أو دينار أو أي مورد من موارد الدولة هو ملك للمواطنين وليس ملكًا للحاكم أو لفريقه السياسي. ولذلك فإن الضمير الحي يفرض على المسؤول أعلى درجات الشفافية والنزاهة، حتى في الحالات التي قد لا يستطيع القانون اكتشافها أو معاقبتها.

وعلى النقيض من ذلك، فإن أول ما يفقده المستبد هو الحياء. فحين يعتاد الحاكم الكذب من دون خجل، ويطلق الوعود التي يعلم أنه لن يحققها، ويبرر الفشل بدل معالجته، ويستغل السلطة لمصالحه الخاصة، يكون قد تجاوز الخط الأحمر الذي يفصل بين القيادة والخداع. وعندما يغيب الحياء، يصبح كل تجاوز قابلًا للتبرير، وكل ظلم قابلًا للتكرار، لأن الرادع الأخلاقي الذي كان يمنع الانحراف قد اختفى.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن أعظم القادة لم يكونوا أولئك الذين لم يخطئوا، بل أولئك الذين امتلكوا من التواضع والحياء ما جعلهم يعترفون بأخطائهم ويصححونها قبل أن تتحول إلى أزمات وطنية. أما الحكام الذين اعتقدوا أنهم فوق النقد وفوق المساءلة، فقد انتهى كثير منهم إلى فقدان ثقة شعوبهم، لأن السلطة التي تنفصل عن الأخلاق تتحول تدريجيًا إلى عبء على الدولة بدل أن تكون وسيلة لنهضتها.

ومن هنا، فإن الحياء ليس فضيلة شخصية فحسب، بل هو ركيزة أساسية من ركائز الحكم الرشيد. فالقوانين قد تمنع بعض التجاوزات، والرقابة قد تكشف بعض المخالفات، والقضاء قد يعاقب بعض الفاسدين، لكن الحياء يمنع الإنسان من ارتكاب الخطأ قبل أن يحتاج إلى كل تلك الأدوات. ولهذا كان غياب الحياء عن الحاكم بداية طريق طويل يقود إلى الاستبداد والفساد وانهيار الثقة بين الدولة وشعبها، بينما يبقى وجوده علامة على قيادة تدرك أن السلطة زائلة، وأن ما يبقى في ذاكرة الأوطان هو العدل وحسن الإدارة ونظافة الضمير.

  1. عندما يغيب الحياء يبدأ الاستبداد

لا يولد الاستبداد فجأة، ولا يبدأ بإعلان الديكتاتورية أو تعليق الدساتير، بل يتسلل إلى الدولة تدريجيًا عندما يفقد الحاكم حياءه الأخلاقي، ويقتنع بأنه فوق القانون وفوق النقد وفوق المساءلة. ففي اللحظة التي يتوقف فيها المسؤول عن الشعور بالخجل من الظلم، يبدأ أول فصل من فصول الاستبداد، لأن الضمير الذي كان يكبح جماح السلطة يصبح صامتًا، وتحل مكانه شهوة السيطرة والبقاء في الحكم مهما كانت الكلفة.

إن الحاكم الذي لا يستحي من الكذب على شعبه، ولا يخجل من تكرار الوعود التي يعلم مسبقًا أنه لن يحققها، ولا يشعر بأي حرج وهو يشاهد معاناة المواطنين من الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، يكون قد فقد الصلة الأخلاقية التي تربطه بالشعب. وعندما يغيب هذا الرابط، تتحول السلطة من رسالة لخدمة الناس إلى وسيلة لحماية النفوذ والمصالح الشخصية، ويصبح المواطن مجرد رقم في تقارير رسمية أو وسيلة تُستدعى فقط في مواسم الانتخابات أو عند الحاجة إلى الشرعية.

ومع مرور الوقت، يعتاد الحاكم غياب الحياء حتى يصبح جزءًا من أسلوب حكمه. فلا يعود يتردد في تحميل الآخرين مسؤولية أخطائه، أو في اختلاق المبررات لكل فشل، أو في تصوير نفسه ضحيةً لمؤامرات داخلية وخارجية، بدل أن يواجه الحقيقة بشجاعة ويعترف بالتقصير. وهنا تبدأ الثقة بين الدولة والمجتمع بالتآكل، لأن الناس يدركون أن من يقودهم لم يعد يسمع أصواتهم ولا يشعر بآلامهم.

ولا يقف أثر غياب الحياء عند شخص الحاكم، بل يمتد إلى كل مفاصل الدولة. فالمسؤولون الأصغر رتبة يقلدون سلوك من هم فوقهم، وتتحول ثقافة التهرب من المسؤولية إلى سلوك إداري عام، ويصبح تبرير الأخطاء أهم من تصحيحها، بينما تُمنح الولاءات الأولوية على حساب الكفاءة والنزاهة. وهكذا تنتشر ثقافة الإفلات من العقاب، ويشعر كل صاحب نفوذ بأنه قادر على تجاوز القانون من دون خوف أو مساءلة.

ومن أخطر نتائج غياب الحياء أن الحاكم يبدأ بالنظر إلى النقد باعتباره إهانة شخصية لا حقًا مشروعًا للمواطنين. فيُضيَّق المجال أمام الرأي المخالف، ويُهاجَم الإعلام الحر، ويُخوَّن المعارضون، لأن السلطة التي فقدت ضميرها لا تستطيع التعايش مع من يذكّرها بأخطائها. وبدل أن يكون النقد وسيلة للإصلاح، يتحول في نظرها إلى تهديد يجب إسكاته، فتدخل الدولة في دائرة مغلقة من الإنكار والتبرير والتسلط.

كما أن غياب الحياء يجعل الحاكم يعتاد رؤية الفوارق الهائلة بين حياته وحياة شعبه من دون أن يشعر بأي تأنيب للضمير. فقد يعيش المواطن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، بينما تستمر مظاهر البذخ والإنفاق غير المبرر في دوائر السلطة، وكأن معاناة الناس لا تستحق الالتفات إليها. وعندما يصل الحاكم إلى هذه المرحلة، يكون قد انفصل نفسيًا وأخلاقيًا عن المجتمع الذي يفترض أنه يمثله.

لقد أثبت التاريخ أن معظم الأنظمة الاستبدادية لم تبدأ بالقوة العسكرية وحدها، بل بدأت بتآكل الضمير الأخلاقي لدى من يحكمون، حتى أصبح الظلم أمرًا اعتياديًا، والكذب سياسة، والخوف وسيلة لإدارة الدولة. لذلك فإن أول حصن يحمي الأوطان من الاستبداد ليس السلاح ولا الشعارات، بل حياء الحاكم، لأنه الضابط الداخلي الذي يمنعه من تجاوز الحدود التي قد لا يستطيع القانون وحده أن يردعه عنها. فإذا مات الحياء، تمدد الاستبداد، وإذا حضر الضمير، بقيت السلطة خاضعة للعدل، مهما بلغت قوتها.

حاكم بلا ضمير
  1. الحاكم الذي لا يعتذر

يُعدّ الاعتذار عند الخطأ من أسمى مظاهر المسؤولية السياسية والأخلاقية، لأنه يعكس احترام الحاكم لشعبه وإقراره بأن السلطة لا تعصمه من الوقوع في الخطأ. فالقائد الحقيقي لا يُقاس بعدد القرارات التي يتخذها، بل بقدرته على مراجعة تلك القرارات عندما تثبت الوقائع أنها لم تحقق أهدافها أو أنها ألحقت الضرر بالمواطنين. أما الحاكم الذي يرفض الاعتذار مهما كانت النتائج، فإنه يبعث برسالة خطيرة مفادها أن كرامته الشخصية أهم من مصلحة الوطن، وأن الحفاظ على صورته أهم من معالجة الأخطاء التي ارتكبها.

إن الاعتذار لا يعني الضعف، بل هو تعبير عن قوة الشخصية وثقتها بنفسها. فالإنسان الواثق لا يخشى الاعتراف بالتقصير، لأنه يدرك أن الخطأ جزء من العمل العام، وأن الإصرار عليه هو الجريمة الحقيقية. أما المسؤول الذي لا يمتلك هذه الشجاعة الأخلاقية، فإنه يلجأ إلى الإنكار والتبرير والبحث عن أعذار جاهزة، فيحمّل الظروف مسؤولية الفشل، أو يتهم خصومه، أو يلقي اللوم على الموظفين أو الحكومات السابقة أو المؤامرات الخارجية، بينما يتهرب من مسؤوليته المباشرة أمام الشعب.

وعندما يصبح الاعتذار غائبًا عن الحياة السياسية، تتحول الأخطاء إلى أزمات متراكمة. فبدل تصحيح السياسات الخاطئة في وقت مبكر، يستمر العمل بها حفاظًا على صورة الحاكم، حتى تتفاقم المشكلات ويصبح علاجها أكثر صعوبة وكلفة. وهكذا تدفع الشعوب ثمن عناد المسؤولين أكثر مما تدفع ثمن الأخطاء نفسها، لأن الاعتراف بالحقيقة كان سيمنع الكثير من الخسائر لو حدث في الوقت المناسب.

كما أن الحاكم الذي لا يعتذر يخلق بيئة إدارية تقوم على الخوف لا على المسؤولية. فالموظفون والوزراء والمستشارون يدركون أن رئيسهم لا يعترف بأخطائه، فيترددون في نقل الحقائق إليه أو تحذيره من القرارات الخاطئة، خوفًا من غضبه أو من اتهامهم بعدم الولاء. ومع مرور الوقت، تصبح السلطة محاطة بمن يرددون ما يريد الحاكم سماعه، لا ما يحتاج إلى سماعه، فتُتخذ القرارات في بيئة يغيب عنها النقد الصادق وتسيطر عليها المجاملة والتملق.

ولا يقتصر أثر غياب الاعتذار على العلاقة بين الحاكم ومؤسسات الدولة، بل يمتد إلى العلاقة مع المواطنين. فعندما يشعر الناس أن معاناتهم لا تقابلها كلمة اعتراف أو اعتذار أو محاولة جادة للتصحيح، تتراجع ثقتهم بالدولة، ويزداد شعورهم بالظلم والإحباط. فالمواطن لا ينتظر من المسؤول أن يكون معصومًا من الخطأ، بل ينتظر منه أن يتحمل مسؤولية أفعاله وأن يعمل على إصلاح ما أفسده، لأن هذا هو جوهر القيادة الرشيدة.

لقد شهد العالم قادة اعترفوا بأخطائهم أمام شعوبهم، وتحملوا مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية، فخرجوا من مناصبهم وهم يحظون بالاحترام رغم ما ارتكبوه من أخطاء، لأن الصدق عزز ثقة الناس بهم. وفي المقابل، عرف التاريخ حكامًا أنكروا الوقائع حتى اللحظة الأخيرة، ورفضوا الاعتذار رغم الكوارث التي أصابت أوطانهم، فانتهى بهم الأمر إلى فقدان ثقة شعوبهم وإلى تسجيل أسمائهم في صفحات الفشل السياسي.

إن الاعتذار في العمل العام ليس مجرد كلمة تُقال أمام وسائل الإعلام، بل هو بداية لمسار من المحاسبة والإصلاح. فهو يتطلب الاعتراف بالحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وتصحيح الأخطاء، وتعويض المتضررين كلما أمكن ذلك، ووضع ضمانات تمنع تكرار ما حدث. أما الاعتذار الذي لا يتبعه إصلاح، فلا يعدو كونه محاولة لامتصاص غضب الرأي العام.

ولهذا، فإن الحاكم الذي لا يعتذر لا يسيء إلى صورته الشخصية فحسب، بل يسيء إلى ثقافة الحكم بأكملها، لأنه يرسخ مفهومًا خطيرًا مفاده أن المسؤولية تنتهي عند حدود المنصب. بينما الحقيقة أن المنصب العام يفرض على صاحبه قدرًا أكبر من التواضع والصدق والشجاعة الأخلاقية. فالاعتذار لا يُنقص من هيبة الدولة، بل يعززها، لأنه يؤكد أن من يدير شؤونها يحترم الحقيقة أكثر مما يحترم غروره، ويضع مصلحة الوطن فوق اعتبارات الكبرياء الشخصي.

  1. المال العام أول ضحايا غياب الحياء

يُعدّ المال العام أحد أكثر الميادين التي تكشف حقيقة أخلاق الحاكم والمسؤولين، لأنه يمثل حقوق المجتمع بأسره، وليس ملكًا لفرد أو حزب أو جماعة. فكل مشروع تموله الدولة، وكل ضريبة يدفعها المواطن، وكل مورد طبيعي تملكه البلاد، هو أمانة يجب أن تُدار بمنتهى النزاهة والشفافية. وعندما يتحلى الحاكم بالحياء، يشعر أن أي اعتداء على المال العام هو اعتداء على ثقة الشعب به، أما عندما يغيب الحياء، فإن هذه الأمانة تتحول إلى غنيمة تُوزَّع وفق المصالح والولاءات.

إن الفساد المالي لا يبدأ دائمًا بسرقة الملايين، بل يبدأ عندما يستصغر المسؤول المخالفة الأولى، ويبرر لنفسه استغلال المنصب لتحقيق منفعة خاصة أو خدمة المقربين منه. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى ثقافة داخل مؤسسات الدولة، فيصبح النفوذ وسيلة للحصول على الامتيازات، وتصبح الوظيفة العامة بابًا للإثراء بدل أن تكون وسيلة لخدمة المجتمع. وهنا يفقد المال العام قدسيته، لأن من يفترض بهم حمايته أصبحوا أول المعتدين عليه.

والحاكم الذي لا حياء له لا يشعر بالخجل عندما تُهدر أموال الدولة في مشاريع غير مدروسة أو في صفقات يشوبها الفساد، ولا يتردد في الإنفاق على المظاهر والدعاية بينما يعاني المواطن من تراجع الخدمات الأساسية. فقد تُصرف مبالغ طائلة على الاحتفالات والإعلانات والمكاتب الفاخرة، في الوقت الذي تعاني فيه المدارس والمستشفيات والبنية التحتية من الإهمال ونقص التمويل. وعندما تختل الأولويات بهذا الشكل، يدرك المواطن أن المال العام لم يعد يُدار وفق احتياجات الوطن، بل وفق حسابات سياسية وشخصية ضيقة.

كما أن غياب الحياء يفتح الباب أمام المحسوبيات والزبائنية، فتُمنح العقود والمناقصات على أساس الولاء لا الكفاءة، وتُعيَّن الشخصيات المقربة في المناصب الحساسة بغض النظر عن مؤهلاتها، بينما يُقصى أصحاب الخبرة والاستحقاق. وبهذه الطريقة تتراجع كفاءة الإدارة العامة، وتزداد كلفة المشاريع، وتنخفض جودة الخدمات، لأن معيار الاختيار لم يعد المصلحة العامة، بل المصلحة الخاصة.

ولا يقتصر أثر هدر المال العام على الحاضر، بل يمتد إلى مستقبل الأجيال القادمة. فكل دين عام يُستخدم في غير محله، وكل فرصة استثمار تُهدر بسبب الفساد، وكل مشروع يتعثر نتيجة سوء الإدارة، يترك أعباءً إضافية يتحملها المواطنون لسنوات طويلة. وهكذا يصبح الفساد المالي سرقة مزدوجة؛ فهو لا يسلب الحاضر فقط، بل يسرق أيضًا حق الأبناء والأحفاد في التنمية والازدهار.

ومن أخطر مظاهر غياب الحياء أن بعض المسؤولين يتعاملون مع المال العام وكأنه بلا صاحب، بينما الحقيقة أن صاحبه هو كل مواطن ساهم بعمله أو ضرائبه أو موارده في بناء الدولة. ولذلك فإن حماية المال العام ليست مسؤولية الأجهزة الرقابية وحدها، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية. فالقانون قد يكشف بعض التجاوزات ويعاقب مرتكبيها، لكنه لا يستطيع أن يمنع كل أشكال الفساد إذا غاب الضمير.

وقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في مكافحة الفساد لم تعتمد فقط على تشديد العقوبات، بل عملت أيضًا على ترسيخ ثقافة النزاهة والمساءلة والشفافية، بحيث يشعر كل مسؤول أن المنصب تكليف لخدمة المواطنين، لا فرصة لتحقيق المكاسب الشخصية. وعندما تتكامل الرقابة مع الضمير، يصبح الاعتداء على المال العام أمرًا نادرًا، لأن المسؤول يدرك أن أعين القانون والناس والتاريخ تراقبه في آن واحد.

لهذا كان المال العام أول ضحايا الحاكم الذي لا حياء له، لأن غياب الضمير يسبق دائمًا ضياع الثروات. وما إن تُستباح خزينة الدولة حتى تتراجع الخدمات، وتتعمق الفوارق الاجتماعية، ويزداد الفقر، وتضعف ثقة المواطنين بمؤسساتهم. وعندها لا تكون الخسارة مالية فحسب، بل أخلاقية ووطنية أيضًا، لأن الدولة التي لا تصون أموال شعبها تفقد تدريجيًا قدرتها على صون حقوقه ومستقبله.

  1. لبنان وتجربة غياب المساءلة

يشكل لبنان نموذجًا واضحًا للتحديات التي تواجه الدول عندما تضعف ثقافة المساءلة ويصبح النفوذ السياسي أقوى من المؤسسات. فالمشكلة الأساسية التي عانى منها البلد طوال عقود لم تكن فقط في وجود أزمات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، بل في غياب القدرة الفعلية على محاسبة المسؤولين عن القرارات التي أوصلت الدولة إلى مراحل خطيرة من الانهيار. فعندما يشعر أي مسؤول بأنه محصّن من المحاسبة، يصبح احتمال تكرار الأخطاء أكبر، لأن غياب العقاب يزيل الخوف من المسؤولية ويضعف الشعور بالواجب الوطني.

إن الحاكم أو المسؤول الذي لا يخشى المساءلة يفقد تدريجيًا إحساسه بحدود السلطة. فهو لا يرى في المنصب أمانة مؤقتة، بل يتحول المنصب بالنسبة إليه إلى مصدر نفوذ وحماية، وقد يصبح الهدف الأساسي هو الحفاظ على الموقع بدل العمل من أجل المصلحة العامة. وفي هذه الحالة، تتراجع قيمة المواطن أمام حسابات السلطة، ويصبح الوصول إلى المسؤولين مرتبطًا بالوساطات والانتماءات بدل أن يكون قائمًا على الحقوق والقانون.

لقد أظهرت التجربة اللبنانية أن غياب المحاسبة لا يؤدي فقط إلى استمرار الفساد، بل يسمح أيضًا بتراكم الأزمات حتى تصبح أكثر صعوبة في المعالجة. فالأزمات المالية، وتراجع الخدمات العامة، وضعف الإدارة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، كلها لا تظهر بين ليلة وضحاها، بل هي نتيجة سنوات من القرارات الخاطئة التي لم تواجه بالمساءلة اللازمة. فعندما تمر الأخطاء الكبرى من دون حساب، يشعر المسؤولون بأن بإمكانهم الاستمرار في النهج نفسه، بينما يتحمل المواطن وحده نتائج الفشل.

ومن أخطر مظاهر غياب الحياء السياسي أن يتحول الفشل إلى أمر عادي لا يستدعي اعتذارًا أو استقالة أو مراجعة. ففي الدول التي تحترم مفهوم المسؤولية، قد يدفع المسؤول ثمن خطأ إداري أو سياسي كبير عبر الاعتراف بالفشل أو تحمل المسؤولية. أما عندما تغيب هذه الثقافة، يصبح الخطأ بلا صاحب، وتصبح المسؤولية موزعة بين الجميع بحيث لا يتحملها أحد فعليًا. وهنا يشعر المواطن بأن الدولة فقدت أحد أهم مبادئ الحكم الرشيد، وهو أن لكل قرار مسؤولًا ولكل تقصير حسابًا.

كما أن ضعف المساءلة في لبنان أدى إلى تراجع الثقة بين المواطن والدولة. فالمواطن الذي يرى أن القوانين لا تُطبق على الجميع، وأن أصحاب النفوذ يمتلكون قدرة أكبر على حماية أنفسهم، يبدأ بفقدان إيمانه بالمؤسسات، وقد يلجأ بدلًا من ذلك إلى البحث عن حماية ضمن الطوائف أو الأحزاب أو العلاقات الشخصية. وهكذا تضعف فكرة الدولة لمصلحة الولاءات الضيقة، ويصبح بناء دولة القانون أكثر صعوبة.

إن مشكلة لبنان لا تكمن فقط في وجود خلافات سياسية، فهذا أمر موجود في كل الأنظمة الديمقراطية، بل في أن الخلاف السياسي كثيرًا ما طغى على مفهوم المسؤولية الوطنية. فأصبحت الحسابات الفئوية والمصالح الخاصة تعيق بناء مؤسسات قادرة على المحاسبة والإصلاح. وعندما يصبح الانتماء السياسي وسيلة للحماية من المحاسبة، يتحول النظام السياسي من أداة لخدمة المواطنين إلى شبكة دفاع عن أصحاب السلطة.

ومن هنا، فإن معالجة الأزمة اللبنانية لا يمكن أن تقتصر على تغيير بعض الأشخاص أو تشكيل حكومات جديدة، لأن المشكلة أعمق من الأسماء. المطلوب هو تغيير الثقافة التي تسمح باستمرار الخطأ من دون حساب، وبناء نظام يجعل المسؤول خادمًا عامًا لا صاحب امتياز، ويجعل القانون فوق الجميع مهما كانت مواقعهم أو نفوذهم. فالدولة لا تُبنى فقط بالقوانين المكتوبة، بل بالإرادة الحقيقية لتطبيقها على الجميع من دون استثناء.

إن استعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم تبدأ عندما يرون أن المسؤولية أصبحت حقيقة وليست شعارًا، وأن من يتولى منصبًا عامًا يدرك أنه محاسب أمام القانون والتاريخ والشعب. فالحاكم الذي يتحلى بالحياء لا ينتظر أن يُجبر على تحمل المسؤولية، بل يبادر إليها لأنه يعرف أن كرامة الوطن أهم من كرامة الأشخاص، وأن بقاء الدولة أهم من بقاء أي مسؤول.

ولهذا فإن تجربة لبنان تؤكد مضمون مقولة نجيب محفوظ: “ويل للناس من حاكم لا حياء له.” فالمشكلة ليست فقط في الحاكم الذي يخطئ، بل في النظام الذي يسمح له بالاستمرار في الخطأ من دون محاسبة. وعندما تغيب المساءلة، يصبح الفساد أكثر قوة، ويصبح المواطن أكثر ضعفًا، وتتحول الدولة من مشروع لخدمة الإنسان إلى ساحة صراع على النفوذ والمصالح.

نجيب محفوظ
  1. الإعلام الحر يكشف من فقد الحياء

منذ نشوء المجتمعات الحديثة، كان الإعلام أحد أهم أدوات الرقابة على السلطة، لأنه يمثل صوت الناس عندما تعجز المؤسسات الأخرى عن أداء دورها. فالإعلام الحر لا يملك سلطة تنفيذية، لكنه يمتلك قوة الحقيقة، وهذه القوة هي التي تجعل أصحاب النفوذ يشعرون بالقلق عندما يحاولون تجاوز حدودهم. لذلك فإن الحاكم الذي يخشى الإعلام المستقل غالبًا لا يخشى الصحافة بحد ذاتها، بل يخشى انكشاف الحقائق التي يحاول إخفاءها عن المواطنين.

إن الحاكم الذي يتحلى بالحياء والمسؤولية لا ينظر إلى الإعلام باعتباره عدوًا أو خصمًا، بل يراه مرآة تعكس واقع المجتمع. فقد تكشف الصحافة أخطاء في الإدارة، أو تقصيرًا في الخدمات، أو حالات فساد، أو معاناة يعيشها المواطنون، وهذا في جوهره يساعد الدولة على تصحيح مسارها. أما المسؤول الذي يرفض النقد ويريد فقط سماع المديح، فهو غالبًا يبحث عن صورة مثالية زائفة بدل مواجهة الواقع كما هو.

وعندما يغيب الحياء عن الحاكم، يصبح أول رد فعل تجاه النقد هو الغضب والإنكار، لأن صاحب السلطة الذي فقد الشعور بالمسؤولية يعتبر أي كشف لأخطائه تهديدًا لمكانته. بدل أن يسأل: “هل ما يقوله الإعلام صحيح؟ وكيف يمكن معالجة المشكلة؟”، يسأل: “من يقف وراء هذا النقد؟ وكيف يمكن إسكات هذا الصوت؟”. وهنا تنتقل السلطة من مرحلة إدارة الدولة إلى مرحلة حماية صورة الحاكم، فتُصبح الأولوية للدفاع عن الأشخاص بدل إصلاح المؤسسات.

لقد أثبت التاريخ أن الأنظمة التي حاولت إسكات الإعلام لم تستطع إخفاء الحقيقة إلى الأبد. فقد تستطيع السلطة السيطرة على بعض المنابر، أو منع بعض الأصوات، أو نشر خطاب رسمي واحد، لكنها لا تستطيع إلغاء الواقع الذي يعيشه الناس. فالمواطن الذي يعاني من الفقر أو البطالة أو انهيار الخدمات لا يحتاج إلى تقارير رسمية ليعرف الحقيقة، لأن حياته اليومية هي الشاهد الأكبر على أداء السلطة.

كما أن غياب الإعلام الحر يؤدي إلى خلق بيئة من الوهم داخل دوائر الحكم نفسها. فعندما يخاف المسؤولون من نقل الأخبار السيئة إلى القيادة، يبدأ الحاكم بالعيش داخل دائرة مغلقة من المعلومات المنقوصة، حيث يسمع فقط ما يرضيه ويُخفى عنه ما يزعجه. وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام سياسي، لأن القرار الصحيح يحتاج إلى معرفة الواقع لا إلى سماع التصفيق.

وفي المجتمعات التي يغيب فيها الإعلام المستقل، يصبح الفساد أكثر قدرة على الانتشار، لأن الضوء الذي يكشف التجاوزات ينطفئ. فالكثير من قضايا الفساد والانتهاكات حول العالم لم تظهر إلا بفضل صحفيين وباحثين ومؤسسات إعلامية امتلكت الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة وكشف ما حاول أصحاب النفوذ إخفاءه. ولذلك فإن حماية حرية الإعلام ليست دفاعًا عن الصحفيين فقط، بل دفاع عن حق المجتمع في معرفة ما يجري باسمه.

وفي لبنان، شكل الإعلام تاريخيًا مساحة مهمة للنقاش العام وكشف الملفات السياسية والاجتماعية، لكنه واجه أيضًا تحديات كبيرة بسبب الاستقطاب السياسي، والضغوط المختلفة، وتأثير المصالح المرتبطة بمراكز النفوذ. فكلما ضعفت استقلالية الإعلام، تراجع دور الرقابة الشعبية، وأصبح المواطن أكثر اعتمادًا على الروايات المتنافسة بدل الوصول إلى الحقائق الكاملة. لذلك فإن بناء دولة قوية يحتاج إلى إعلام مهني قادر على مساءلة الجميع دون خوف أو تبعية.

إن الحاكم الذي يمتلك الحياء لا يخاف من الأسئلة الصعبة، لأنه يدرك أن شرعيته لا تأتي من منع النقد، بل من القدرة على مواجهته. أما الحاكم الذي فقد الحياء، فإنه يحاول تحويل الإعلام إلى أداة للمدح والتبرير، لأنه يعرف أن الحقيقة هي الخطر الأكبر على السلطة غير المسؤولة. فالاستبداد لا يخاف من المعارضة فقط، بل يخاف قبل كل شيء من الضوء الذي يكشف ما يحدث خلف الأبواب المغلقة.

وفي النهاية، يبقى الإعلام الحر أحد أهم الحواجز التي تمنع تحول السلطة إلى استبداد. فالكلمة الصادقة قد تصحح قرارًا خاطئًا، والتحقيق المهني قد يمنع فسادًا كبيرًا، والسؤال الجريء قد يعيد المسؤول إلى حدود مسؤوليته. لذلك فإن المجتمع الذي يحمي حرية الإعلام يحمي نفسه من الحاكم الذي لا حياء له، لأن الحقيقة هي أول قوة تواجه من فقد الشعور بالمسؤولية.

  1. الشعوب شريكة في صناعة الحاكم

كثيرًا ما يُنظر إلى الحاكم باعتباره المسؤول الوحيد عن واقع الدولة، وهذا صحيح من حيث حجم السلطة التي يمتلكها، لكنه لا يلغي حقيقة أن الشعوب تلعب دورًا أساسيًا في صناعة البيئة التي تسمح بظهور الحاكم العادل أو المستبد. فالحاكم لا يأتي من فراغ، بل يظهر داخل مجتمع له ثقافته السياسية، وطريقة تعامله مع السلطة، ومدى قدرته على المحاسبة والاعتراض والمطالبة بالحقوق. ولذلك فإن العلاقة بين الحاكم والشعب ليست علاقة طرف قوي وطرف ضعيف فقط، بل هي علاقة متبادلة يؤثر فيها كل طرف على الآخر.

إن المجتمعات التي تقبل تمجيد الأشخاص بدل احترام المؤسسات تفتح الباب أمام نشوء ثقافة الزعامة الفردية. فعندما يصبح الولاء للحاكم أهم من الولاء للدولة، وعندما يُنظر إلى المسؤول باعتباره منقذًا لا موظفًا عامًا، تبدأ بذور الاستبداد بالنمو. فالحاكم الذي يجد من يبرر له كل أخطائه، ويدافع عنه مهما فعل، ويعتبر كل نقد له خيانة، سيشعر تدريجيًا بأنه فوق المساءلة. وهنا لا يعود غياب الحياء مشكلة فردية لدى الحاكم فقط، بل يصبح نتيجة لبيئة اجتماعية سمحت له بالتمادي.

كما أن بعض الشعوب، نتيجة ظروف تاريخية أو أزمات متراكمة، قد تبحث عن القوة أكثر من العدالة، وعن الحماية أكثر من الحرية. وفي أوقات الخوف أو الفوضى، قد يقبل الناس بسلطة قوية بحجة أنها قادرة على تحقيق الاستقرار، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الحقوق. لكن التجارب التاريخية أثبتت أن الاستقرار المبني على الخضوع والخوف لا يدوم طويلًا، لأن الظلم المتراكم يولد غضبًا اجتماعيًا قد ينفجر لاحقًا بطرق أكثر كلفة.

إن مسؤولية الشعوب لا تعني تبرير أخطاء الحكام أو إعفاء أصحاب السلطة من مسؤولياتهم، فالحاكم يبقى صاحب القرار والقدرة الأكبر على التأثير. لكنها تعني أن بناء الدولة لا يتم فقط بتغيير الأشخاص في السلطة، بل بتغيير الثقافة التي تسمح بعودة الأخطاء نفسها. فالشعب الذي يطالب بالديمقراطية ثم يرفض النقد داخل بيئته، أو يطالب بالعدالة ثم يدافع عن الفاسد إذا كان قريبًا منه سياسيًا أو طائفيًا أو اجتماعيًا، يساهم من حيث لا يدري في استمرار المشكلة.

ومن أهم مظاهر وعي الشعوب أن تتعلم الفصل بين الدولة والأشخاص. فالدولة يجب أن تبقى فوق الحاكم، والقانون يجب أن يكون أقوى من النفوذ، والمصلحة العامة يجب أن تتقدم على المصالح الخاصة. عندما يدرك المواطن أن تغيير المسؤول لا يكفي إذا بقيت العقلية نفسها، يصبح أكثر قدرة على المطالبة بإصلاحات حقيقية بدل الاكتفاء بتبديل الوجوه.

وفي الحالة اللبنانية، تظهر هذه الإشكالية بوضوح، حيث لعبت الولاءات السياسية والطائفية والشخصية دورًا كبيرًا في تشكيل العلاقة بين المواطن والسلطة. فحين يصبح السياسي ممثلًا لهوية جماعية أكثر مما هو مسؤول عن أداء عام، يصبح تقييمه مرتبطًا بالانتماء لا بالإنجاز. وهذا يضعف مفهوم المحاسبة، لأن المواطن قد يتسامح مع أخطاء من يعتبره ممثلًا له، حتى لو كانت هذه الأخطاء تضر بالمصلحة الوطنية العامة.

إن بناء مجتمع قادر على إنتاج حكام مسؤولين يبدأ من بناء مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته. فالمواطن الذي يسأل، ويراقب، ويحاسب، ويرفض تبرير الفساد، يفرض على الحاكم حدودًا لا يستطيع تجاوزها بسهولة. أما المواطن الذي يتخلى عن دوره، ويترك السياسة لأصحاب النفوذ فقط، فإنه يترك المجال واسعًا أمام من لا حياء له كي يستولي على السلطة ويستخدمها لمصلحته.

لقد أثبت التاريخ أن الطغاة لا يستمرون فقط بقوتهم، بل أيضًا بصمت من حولهم وبغياب المؤسسات التي تحد من سلطتهم. وفي المقابل، فإن المجتمعات الواعية استطاعت أن تجعل الحاكم موظفًا عامًا يخدم القانون لا سيدًا فوق القانون. فالحاكم الصالح يحتاج إلى شعب يحاسبه، والحاكم الفاسد يحتاج إلى شعب يسمح له بالاستمرار.

ولهذا فإن مواجهة الحاكم الذي لا حياء له لا تبدأ فقط من قصر السلطة، بل تبدأ أيضًا من وعي المجتمع نفسه. فالشعوب التي ترفض الخضوع للفساد، وتحترم المؤسسات، وتضع معيار الكفاءة والعدالة فوق الولاءات، هي الشعوب التي تصنع دولة لا يكون فيها الحاكم مصدر خوف، بل خادمًا لمسؤولية عظيمة. فالدولة العادلة ليست نتاج حاكم جيد فقط، بل نتاج شعب يعرف أن كرامته لا تُمنح من السلطة، بل تُحمى بالوعي والمشاركة والمحاسبة.

العدالة معصوبة العينيْن
  1. الدولة التي يحكمها الضمير

في نهاية المطاف، لا يمكن بناء دولة عادلة ومستقرة بالاعتماد على القوانين وحدها، ولا على قوة المؤسسات فقط، بل تحتاج أيضًا إلى عنصر أعمق وأكثر تأثيرًا، وهو الضمير الأخلاقي لدى من يتولون مسؤولية الحكم. فالقانون يضع الحدود ويحدد العقوبات، والمؤسسات تراقب وتحاسب، لكن الضمير هو الذي يدفع الإنسان إلى احترام هذه الحدود حتى عندما لا تكون هناك رقابة مباشرة. ومن هنا فإن الدولة التي يحكمها الضمير هي الدولة التي يدرك فيها المسؤول أن السلطة ليست ملكًا شخصيًا، بل أمانة مؤقتة سيُسأل عنها أمام الناس والتاريخ.

إن الحاكم الذي يمتلك ضميرًا حيًا ينظر إلى منصبه باعتباره خدمة عامة لا فرصة للامتيازات. فهو لا يسأل أولًا: ماذا سأحصل من السلطة؟ بل يسأل: ماذا أستطيع أن أقدم من خلالها؟ ولا يقيس نجاحه بعدد السنوات التي بقي فيها في الحكم، بل بحجم الأثر الإيجابي الذي تركه في حياة المواطنين. فالمنصب بالنسبة إليه ليس وسيلة لتخليد اسمه أو حماية مصالحه، بل مسؤولية تستوجب أعلى درجات النزاهة والتواضع والانضباط.

والدولة التي يحكمها الضمير لا تعني دولة تعتمد على أخلاق الأشخاص فقط، لأن الأشخاص يتغيرون وقد يخطئون، بل تعني دولة تجمع بين الأخلاق والمؤسسات. فالقائد الصالح يحتاج إلى نظام يمنع الانحراف، والنظام القوي يحتاج إلى مسؤولين يؤمنون بروحه لا يكتفون بالالتزام الشكلي بنصوصه. لذلك فإن أفضل الدول هي التي تجعل القانون ثقافة قبل أن يكون عقوبة، وتجعل المسؤولية قيمة قبل أن تكون واجبًا إداريًا.

إن الضمير السياسي يظهر عندما يضع الحاكم مصلحة الوطن فوق مصلحة الحزب أو الجماعة أو الدائرة الضيقة المحيطة به. ويظهر عندما يرفض استخدام السلطة للانتقام من الخصوم، أو لتكريس النفوذ، أو لتوزيع المكاسب على المقربين. فالدولة لا تُبنى عندما ينتصر فريق على فريق، بل عندما يشعر كل مواطن بأن مؤسساتها تعمل لمصلحته وتحمي حقوقه بغض النظر عن انتمائه أو موقفه.

كما أن الدولة التي يحكمها الضمير هي الدولة التي لا تخجل من مواجهة أخطائها. فالمسؤول الذي يملك حسًا أخلاقيًا لا يعتبر الاعتراف بالتقصير هزيمة، بل يعتبره خطوة ضرورية للإصلاح. وهو يعلم أن حماية صورة الحاكم على حساب حقيقة الوطن تؤدي في النهاية إلى خسارة الاثنين معًا. فالتاريخ قد يغفر للقائد خطأً اعترف به وحاول إصلاحه، لكنه لا يغفر لمن أصر على الإنكار وترك شعبه يدفع ثمن أخطائه.

وفي لبنان، كما في غيره من الدول التي عانت من أزمات متراكمة، تظهر الحاجة إلى الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن ثقافة الزعامة إلى ثقافة الدولة. فالمشكلة ليست فقط في تغيير المسؤولين، بل في بناء نظام يجعل أي مسؤول، مهما كان موقعه، خاضعًا للقانون ومقيدًا بالمصلحة العامة. فالدولة القوية ليست التي تعتمد على حسن نية أفرادها فقط، بل التي تجعل النزاهة والمحاسبة جزءًا من بنيتها الأساسية.

إن الضمير لا يلغي الحاجة إلى الرقابة، بل يجعل الرقابة أكثر فاعلية. فالمسؤول الذي يخشى القانون ويحترم الأخلاق يكون أقل عرضة للانحراف، بينما المسؤول الذي يفتقد الضمير سيبحث دائمًا عن ثغرات للتهرب من المحاسبة. ولهذا فإن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان الذي يديرها، لأن المؤسسات مهما كانت متطورة تبقى رهينة لمن يشغلها.

وقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهض فقط بالثروات أو التكنولوجيا أو القوة العسكرية، بل تنهض قبل كل شيء بقيم الحكم الرشيد. فحين يجتمع القانون مع الأخلاق، والسلطة مع المسؤولية، والقوة مع التواضع، تصبح الدولة قادرة على حماية شعبها وتحقيق العدالة. أما عندما تنفصل السلطة عن الضمير، فإن أقوى المؤسسات قد تتحول إلى أدوات للهيمنة بدل أن تكون أدوات لخدمة الإنسان.

وهنا تظهر الحكمة العميقة من مقولة نجيب محفوظ: “ويل للناس من حاكم لا حياء له.” فغياب الحياء هو في جوهره غياب للضمير، وغياب الضمير يجعل السلطة بلا حدود أخلاقية. أما حضور الضمير في الحكم، فهو الذي يحول المسؤول من متسلط إلى خادم، ومن صاحب نفوذ إلى صاحب رسالة. فالدولة التي يحكمها الضمير لا تخاف من حكامها، لأن الحاكم فيها يعرف أن قوته الحقيقية ليست في قدرته على فرض إرادته، بل في قدرته على كسب ثقة الناس واحترامهم

  1. الخاتمة

في النهاية، يبقى أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن ليس أن يحكمه إنسان يخطئ، فالخطأ جزء من طبيعة البشر، بل أن يحكمه إنسان يرفض الاعتراف بخطئه، ولا يشعر بالخجل من فشله، ولا يرى في معاناة شعبه سببًا للمراجعة والتغيير. فالحاكم الذي لا حياء له لا يحتاج فقط إلى إصلاح سياسي، بل يحتاج المجتمع إلى حماية نفسه من عقلية ترى السلطة حقًا مكتسبًا لا مسؤولية مؤقتة.

إن التاريخ لا يرحم الحكام الذين جعلوا من المناصب حصونًا لحماية أنفسهم، ولا ينسى الشعوب التي دفعت ثمن صمتها أو قبولها باستمرار الظلم. فالأوطان لا تنهار في يوم واحد، بل تنهار عندما يصبح الفساد عاديًا، والكذب مقبولًا، والظلم مبررًا، والمحاسبة مستحيلة. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يكون الخطر في شخص الحاكم فقط، بل في المنظومة التي سمحت له بأن يحكم بلا رادع.

الحاكم الحقيقي ليس من يجعل الناس يخافون منه، بل من يخاف هو على الناس. وليس من يفرض احترامه بالقوة، بل من يكسبه بالعدل. وليس من يبحث عن الخلود في السلطة، بل من يعمل ليترك وطنًا أقوى بعد رحيله. فالمنصب مهما طال زائل، والسلطة مهما عظمت مؤقتة، لكن أثر الإنسان يبقى في ذاكرة الشعوب بما قدمه لا بما امتلكه.

ويبقى الدرس الأكبر أن الدولة لا تُبنى فقط بالقوانين والدساتير، بل بالأخلاق التي يحملها من يطبقونها. فحين يجتمع القانون مع الضمير، تصبح السلطة حماية للناس، وحين ينفصل القانون عن الأخلاق، تصبح السلطة خطرًا عليهم. لذلك فإن مقولة نجيب محفوظ ستبقى تحذيرًا خالدًا لكل زمن: ويل للناس من حاكم لا حياء له، لأن غياب الحياء هو بداية غياب العدالة، وغياب العدالة هو بداية سقوط الأوطان.

أخبار ذات صلة

بحث

23/07/2026

...

إثنان في أوطاننا يرتعدان خيفةمن يقظة النائم: اللص والحاكم..-القول للشاعر العراقي أحمد مطر-د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:كلّ من بنى قوته على جهل الناسيخاف من لحظة الإستيقاظ...
بحث

إثنان في أوطاننا يرتعدان خيفة
من يقظة النائم: اللص والحاكم..
-القول للشاعر العراقي أحمد مطر-
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
كلّ من بنى قوته على جهل الناس
يخاف من لحظة الإستيقاظ...

22/07/2026

...

بين حكمة الدولة وعبث الحروب:قراءة في خيار تجنّب الانتحار السياسيمقابل كلفة الانخراطفي الصراعات المفتوحة..د. الياس ميشال الشويري مُعلّقاً:الشعوب هي من تدفع الثمن الاكبر...
بحث

بين حكمة الدولة وعبث الحروب:
قراءة في خيار تجنّب الانتحار السياسي
مقابل كلفة الانخراط
في الصراعات المفتوحة..
د. الياس ميشال الشويري مُعلّقاً:
الشعوب هي من تدفع الثمن الاكبر...

20/07/2026

...

رسالة إلى إبليس: نم قرير العين،فالإنسان أكمل المهمة..د. الياس ميشال الشويري:إستعادة الضمير هي بداية الانقاذ...
بحث

رسالة إلى إبليس: نم قرير العين،
فالإنسان أكمل المهمة..
د. الياس ميشال الشويري:
إستعادة الضمير هي بداية الانقاذ...

10/07/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
منظمة الصحة العالمية تدق ناقوس الفرصة الأخيرة...باكستان أمام 6 أشهر حاسمة لإنهاء شلل الأطفالوالقضاء على انتقال الفيروس

منظمة الصحة العالمية تدق ناقوس الفرصة الأخيرة... باكستان أمام 6 أشهر حاسمة لإنهاء شلل الأطفال والقضاء على انتقال الفيروس

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups