د. الياس ميشال الشويري
لم يعد ما يعيشه لبنان، وخصوصاً جنوبه، مجرد أزمة عابرة أو فصل جديد من فصول التوتر التقليدي، بل تحوّل إلى اختبار وجودي يضع الكيان كله على حافة سؤال مصيري: هل يبقى لبنان دولة بقرارها وسيادتها، أم يتحول نهائياً إلى ساحة مفتوحة تُدار من خارج حدوده؟ من بنت جبيل إلى الخيام، ومن القرى الحدودية إلى عمق البقاع، تتكرر المشاهد ذاتها: أرض تُستنزف، شعب يُهجَّر، وخطابٌ يُضخَّم ليخفي خلفه واقعاً أكثر قسوة. لم تعد “البطولات” المعلنة قادرة على إقناع مجتمع أنهكته الحروب، ولا الشعارات كافية لتبرير كلفة تُدفع من أعمار الناس وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. في قلب هذا المشهد، يتكشف التناقض الحاد بين خطابٍ يعد بالنصر الدائم، وواقعٍ يراكم الخسائر والانقسامات. إنها لحظة مواجهة مع الحقيقة، حيث يسقط القناع عن سياسات جعلت من الجنوب خط تماس دائم، ومن لبنان كله رهينة حسابات لا تشبهه ولا تخدمه.
- الجنوب كساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية
يشكّل الجنوب اللبناني، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، نقطة ارتكاز أساسية في توازنات المنطقة، ما جعله عرضة بشكل دائم لأن يتحول إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية. فمنذ عقود، لم يكن هذا الجزء من لبنان مجرد منطقة حدودية، بل تحوّل تدريجياً إلى مساحة تُدار فيها رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز بكثير حدود الدولة اللبنانية وإمكاناتها. هذا الواقع أفرز معادلة معقدة يصبح فيها الجنوب رهينة حسابات لا ترتبط مباشرة بحاجات سكانه أو أولوياتهم، بل بمسارات صراع أوسع تدور في الإقليم.
إن طبيعة الصراع مع إسرائيل، بما تحمله من إرث تاريخي وثقل عسكري، ساهمت في تكريس الجنوب كخط تماس دائم، إلا أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذا الصراع، بل في الطريقة التي يُدار بها، وفي تعدد الجهات التي تتعامل معه كأداة لتحقيق أهداف مختلفة. فبدلاً من أن يكون الجنوب جزءاً من استراتيجية دفاعية وطنية واضحة المعالم، أصبح في كثير من الأحيان ساحة لتجارب القوة، حيث تُستخدم عملياته العسكرية أو التهديد بها كوسيلة ضغط ضمن سياقات إقليمية أوسع.
في هذا الإطار، يظهر “الخط الأصفر” كرمز جغرافي ونفسي في آنٍ معاً، يعكس حالة من التوتر المستمر، حيث تعيش المناطق المحاذية له بين هدوء هش قابل للانفجار في أي لحظة. هذا الخط لا يمثل فقط حدوداً ميدانية، بل يختصر واقعاً من القلق الدائم الذي يعيشه السكان، حيث تتحول حياتهم اليومية إلى انتظار مفتوح لأي تطور أمني قد يفرض عليهم النزوح أو يعرضهم للخطر. إن هذا النمط من العيش تحت الضغط المستمر يخلق حالة من الاستنزاف النفسي والاجتماعي، ويقوّض أي إمكانية لبناء استقرار حقيقي.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن البعد الإقليمي، حيث تُستخدم الساحة الجنوبية في إطار توازنات الردع بين قوى أكبر، تتعامل مع لبنان كجزء من شبكة نفوذها. هذا الاستخدام لا يقتصر على المواجهة المباشرة، بل يشمل أيضاً توظيف التوتر كأداة تفاوض غير مباشرة في ملفات أخرى، ما يجعل الجنوب مرتبطاً بمسارات تفاوضية لا يملك التأثير فيها. وهنا تكمن الخطورة، إذ يتحول القرار المرتبط بالحرب والسلم إلى جزء من لعبة إقليمية، فيما يبقى اللبنانيون، وخصوصاً الجنوبيين، خارج دائرة القرار الفعلي.
إضافة إلى ذلك، فإن ضعف الدولة اللبنانية وتراجع مؤسساتها لعبا دوراً أساسياً في تكريس هذا الواقع. فغياب سلطة مركزية قادرة على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها يفتح الباب أمام قوى غير رسمية لملء الفراغ، ما يعزز منطق تعدد المرجعيات في إدارة الشأن الأمني. هذا التعدد لا يؤدي فقط إلى إضعاف الدولة، بل يجعل الجنوب أكثر عرضة لأن يُستخدم كورقة في صراعات لا تخضع لمنطق وطني جامع.
كما أن التداخل بين المحلي والإقليمي يخلق حالة من الضبابية في تحديد المسؤوليات، حيث يصعب أحياناً التمييز بين ما هو قرار داخلي وما هو امتداد لتوجيهات خارجية. هذه الضبابية تساهم في تعقيد المشهد، وتحدّ من إمكانية مساءلة الجهات المعنية، ما يترك السكان في حالة من الغموض حول مستقبلهم ومصير مناطقهم.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح الجنوب مساحة مفتوحة ليس فقط للصراع العسكري، بل أيضاً للصراعات السياسية والإعلامية، حيث تتنافس الروايات المختلفة على تفسير ما يجري وتبريره. هذا التنافس يعمّق الانقسام الداخلي، ويجعل من الصعب الوصول إلى رؤية وطنية موحدة حول كيفية إدارة هذه الساحة الحساسة.
إن استمرار هذا الوضع يهدد بتحويل الجنوب إلى حالة دائمة من اللااستقرار، حيث يغيب الأفق الواضح لأي حل جذري، وتبقى المنطقة عالقة بين هدنة مؤقتة وتصعيد مفاجئ. هذا النمط لا يمكن أن يشكّل أساساً لحياة طبيعية أو لتنمية مستدامة، بل يعمّق من حالة التهميش ويزيد من معاناة السكان.
من هنا، تبرز أهمية إعادة النظر في موقع الجنوب ضمن الاستراتيجية الوطنية، بحيث يتم إخراجه من منطق الساحة المفتوحة إلى منطق الحماية والسيادة. يتطلب ذلك تعزيز دور الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور قدر الإمكان، بما يضمن أن يكون الجنوب جزءاً من وطن مستقر، لا ساحةً لتقاطع الأزمات.
في المحصلة، يبقى الجنوب مرآةً تعكس أزمة لبنان الأعمق، حيث تتداخل العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل واقع معقد، لا يمكن معالجته إلا من خلال مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للدولة، وتضع مصلحة الإنسان اللبناني في صلب أي معادلة سياسية أو أمنية.
- الخطاب التعبوي وواقع الانقسامات الداخلية
يُشكّل الخطاب التعبوي أحد أبرز أدوات التأثير في البيئة الحاضنة لأي فصيل مسلح، إذ يُستخدم لتثبيت الشرعية الشعبية وتعزيز صورة القوة والانتصار، حتى في ظل ظروف معقدة أو نتائج ميدانية ملتبسة. في الحالة اللبنانية، وخصوصاً في الجنوب، يتخذ هذا الخطاب طابعاً تصاعدياً يُركّز على مفاهيم الصمود والتحدي، ويُقدَّم كجزء من هوية جماعية مرتبطة بالمقاومة. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من قدرته على تعبئة الجمهور، يخفي في كثير من الأحيان واقعاً أكثر تعقيداً، يتمثل في وجود انقسامات داخلية على مستوى القيادة والقرار.
هذه الانقسامات لا تكون بالضرورة معلنة أو واضحة، لكنها تظهر من خلال التباين في الأداء والتصريحات، وأحياناً في تضارب الرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج. ففي الوقت الذي يتم فيه التأكيد على وحدة الموقف، يمكن رصد مؤشرات على اختلاف في تقدير الموقف أو في كيفية إدارة المواجهة. هذا التباين يعكس وجود تيارات متعددة داخل البنية التنظيمية، لكل منها رؤيته الخاصة وأولوياته، ما يؤدي إلى نوع من التنافس غير المعلن على التأثير في القرار.
إن طبيعة العمل العسكري والتنظيمي المغلق تجعل من الصعب الوصول إلى صورة دقيقة عن حجم هذه الانقسامات، إلا أن آثارها تنعكس بوضوح على الأرض. فقد يؤدي غياب التنسيق الكامل أو تضارب التوجيهات إلى قرارات متسرعة أو غير محسوبة، ترفع من مستوى المخاطر وتزيد من احتمالات التصعيد غير الضروري. وفي هذا السياق، يصبح الخطاب التعبوي وسيلة لاحتواء أي ارتباك داخلي، من خلال التركيز على الصورة العامة وتجنب الخوض في التفاصيل التي قد تكشف التباينات.
إضافة إلى ذلك، يلعب العامل الخارجي دوراً مهماً في تعميق هذه الانقسامات، حيث تتأثر بعض مراكز القرار بتوجهات الحلفاء الإقليميين، ما يخلق نوعاً من الازدواجية بين ما تفرضه الاعتبارات المحلية وما تقتضيه التحالفات الخارجية. هذا التداخل قد يؤدي إلى توترات داخلية، خاصة عندما تتعارض مصالح السكان المحليين مع الأجندات الإقليمية، أو عندما تُفرض أولويات لا تنسجم مع الواقع الميداني.
كما أن الخطاب التعبوي، بطبيعته، يميل إلى التبسيط وإلغاء التعقيدات، ما يجعله غير قادر على استيعاب النقاش الداخلي أو الاعتراف بوجود اختلاف في وجهات النظر. هذا الأمر قد يؤدي إلى كبت الآراء المخالفة داخل البيئة التنظيمية، ما يفاقم من حدة الانقسامات بدلاً من معالجتها. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه الاختلافات غير المعالجة إلى نقاط ضعف بنيوية تؤثر على فعالية الأداء وقدرة القيادة على اتخاذ قرارات متماسكة.
من جهة أخرى، ينعكس هذا الواقع على القاعدة الشعبية، حيث يبدأ جزء من الجمهور بملاحظة الفجوة بين الخطاب والواقع. فعندما لا تتطابق الوعود مع النتائج، أو عندما تتكرر الأزمات دون حلول واضحة، يتراجع مستوى الثقة تدريجياً، ويزداد الشعور بالتساؤل والقلق. هذا التآكل في الثقة لا يحدث بشكل فجائي، بل يتراكم مع الوقت، وقد يؤدي في مرحلة معينة إلى إعادة تقييم العلاقة بين الجمهور والقيادة.
في السياق اللبناني العام، تسهم هذه الديناميات في تعميق الانقسام السياسي والاجتماعي، حيث تُستخدم الخطابات التعبوية المتعارضة لتغذية الاستقطاب بين مختلف المكونات. وبدلاً من أن يكون هناك نقاش وطني جامع حول قضايا مصيرية كالحرب والسلم، يتحول المشهد إلى ساحة تنافس بين روايات متناقضة، كل منها تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة.
ولا يمكن إغفال أن استمرار هذا النمط من الخطاب، دون مراجعة أو نقد ذاتي، يؤدي إلى إدامة حالة الجمود، حيث يتم إعادة إنتاج نفس السياسات ونفس الأخطاء، دون الاستفادة من التجارب السابقة. هذا الجمود يشكّل عائقاً أمام أي محاولة للإصلاح أو التغيير، ويجعل من الصعب تطوير مقاربة أكثر واقعية ومرونة في التعامل مع التحديات.
في المحصلة، يظهر أن الخطاب التعبوي، رغم أهميته في لحظات معينة، لا يمكن أن يكون بديلاً عن إدارة فعالة وشفافة، ولا عن وحدة حقيقية في القرار. إن معالجة الانقسامات الداخلية تتطلب الاعتراف بوجودها أولاً، ثم العمل على بناء آليات مؤسساتية تسمح بإدارتها بشكل صحي، بما يضمن تحقيق توازن بين متطلبات الواقع الميداني واحتياجات المجتمع المحلي.
وبالتالي، فإن الانتقال من خطاب الشعارات إلى منطق الدولة والمؤسسات يبقى شرطاً أساسياً للخروج من دوامة التوتر والانقسام، ليس فقط في الجنوب، بل في لبنان ككل، حيث الحاجة ملحة إلى خطاب جامع يعكس تنوع المجتمع ويضع مصلحته فوق أي اعتبارات أخرى.

- كلفة “الأرض المحروقة” على المجتمع الجنوبي
يُعدّ المجتمع الجنوبي في لبنان من أكثر المجتمعات التي دفعت أثماناً متراكمة نتيجة السياسات الأمنية والعسكرية التي اتُّبعت على مدى سنوات طويلة، حيث تحوّلت مناطق واسعة إلى ساحات مواجهة متكررة، تُستخدم فيها مقاربات تقوم على مبدأ “الأرض المحروقة” كخيار ميداني أو كنتيجة حتمية للتصعيد. هذا الواقع لا يختصر فقط في صور الدمار الظاهرة، بل يمتد إلى بنية الحياة اليومية، ويطال الإنسان في استقراره وأمنه وكرامته.
إن أولى انعكاسات هذا النهج تظهر في التدمير الواسع للبنية التحتية، حيث تتعرض الطرقات، وشبكات الكهرباء والمياه، والمدارس والمستشفيات لأضرار جسيمة، ما يعيد المناطق المتضررة سنوات إلى الوراء. لا يقتصر الأمر على لحظة الحرب، بل يستمر تأثيره لفترات طويلة بعدها، حيث تعجز الدولة، في كثير من الأحيان، عن تأمين الموارد اللازمة لإعادة الإعمار بشكل سريع وفعّال. هذا التأخير يخلق فجوة بين السكان وبيئتهم، ويجعل العودة إلى الحياة الطبيعية عملية شاقة ومليئة بالتحديات.
إلى جانب ذلك، يبرز التهجير القسري كأحد أخطر نتائج هذا الواقع، إذ يُجبر آلاف السكان على ترك منازلهم والانتقال إلى مناطق أكثر أمناً، غالباً دون أي ضمانات أو دعم كافٍ. هذا النزوح لا يكون دائماً مؤقتاً، بل قد يمتد لفترات طويلة، ما يؤدي إلى تفكك العائلات، وانقطاع الأطفال عن التعليم، وفقدان مصادر الدخل. ومع مرور الوقت، تتكرس حالة من عدم الاستقرار، حيث يعيش الناس بين العودة المؤجلة والخوف من تكرار التجربة.
كما أن الاقتصاد المحلي في الجنوب يتعرض لضربات متتالية نتيجة هذا النمط من المواجهة. فالزراعة، التي تُعدّ من أبرز مصادر العيش في هذه المناطق، تتضرر بشكل مباشر بسبب القصف أو بسبب صعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية. كذلك تتأثر التجارة الصغيرة والأسواق المحلية، حيث يتراجع النشاط الاقتصادي بشكل حاد في ظل غياب الاستقرار. هذا الانكماش الاقتصادي يفاقم من معدلات الفقر والبطالة، ويضعف قدرة المجتمع على الصمود.
ولا يمكن إغفال الأثر النفسي العميق الذي تتركه هذه الظروف على السكان، خصوصاً الأطفال والشباب. فالتعرض المتكرر لحالات الخوف والنزوح، وفقدان الإحساس بالأمان، يخلق جيلاً يعاني من القلق والتوتر، ويواجه صعوبة في بناء رؤية مستقرة للمستقبل. هذا البعد النفسي غالباً ما يتم تجاهله في النقاش العام، رغم أنه يشكّل عنصراً أساسياً في فهم حجم المعاناة الحقيقية.
من جهة أخرى، يؤدي تكرار الأزمات إلى تآكل الثقة بين المجتمع والجهات التي تتولى إدارة هذه المواجهات، سواء كانت رسمية أو غير رسمية. فعندما يشعر السكان بأنهم يدفعون الثمن الأكبر دون أن يكون لهم دور في اتخاذ القرار، يتنامى لديهم شعور بالغبن والتهميش. هذا الشعور قد لا يظهر بشكل مباشر، لكنه يتراكم مع الوقت، ويؤثر على طبيعة العلاقة بين الناس والقيادة.
في السياق الأوسع، تنعكس هذه الكلفة على لبنان ككل، حيث يضيف تدمير الجنوب عبئاً إضافياً على اقتصاد يعاني أصلاً من أزمات عميقة. كما أن استمرار هذا الواقع يضعف صورة لبنان كبلد قابل للحياة والاستثمار، ويزيد من عزلة مناطقه، خصوصاً تلك القريبة من خطوط التماس. بذلك، لا تبقى كلفة “الأرض المحروقة” محصورة في نطاق جغرافي محدد، بل تتحول إلى أزمة وطنية شاملة.
كما أن هذا النهج يعمّق الفجوة بين المركز والأطراف، حيث يشعر أبناء الجنوب بأنهم متروكون لمصيرهم، وأن معاناتهم لا تحظى بالاهتمام الكافي على مستوى السياسات العامة. هذا الإحساس بالتهميش يهدد الوحدة الوطنية، ويخلق بيئة قابلة لمزيد من التوتر والانقسام.
وفي ظل غياب رؤية واضحة لمعالجة هذه التداعيات، تستمر الحلقة المفرغة من الدمار وإعادة البناء ثم الدمار مجدداً، دون الوصول إلى حل جذري يضمن الاستقرار. هذا النمط يستهلك الموارد ويستنزف المجتمع، دون أن يحقق تقدماً حقيقياً نحو مستقبل أفضل.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة تضع الإنسان في صلب الاهتمام، وتعمل على حماية المجتمعات المحلية من أن تكون وقوداً لصراعات لا تخدم مصالحها المباشرة. إن كسر هذه الحلقة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإعادة تعريف للأولويات، بحيث يصبح الحفاظ على حياة الناس وكرامتهم الهدف الأول لأي سياسة أو قرار.
في النهاية، يمكن القول إن كلفة “الأرض المحروقة” ليست مجرد أضرار مادية تُقاس بالأرقام، بل هي جرح عميق في جسد المجتمع، يحتاج إلى معالجة شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة، وتعيد الاعتبار للإنسان كقيمة أساسية في أي معادلة وطنية.
- البعد الإيراني وتأثيره على القرار المحلي
يشكّل البعد الإيراني أحد أكثر العناصر حساسية وتعقيداً في فهم ديناميات القرار داخل لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بالملف الأمني والعسكري في الجنوب. فالعلاقة التي نشأت وتطورت على مدى عقود بين بعض الفصائل اللبنانية وإيران لم تعد تقتصر على الدعم السياسي أو المعنوي، بل أصبحت منظومة متكاملة تشمل جوانب تنظيمية وعسكرية وتمويلية، ما أوجد ترابطاً وثيقاً بين القرار المحلي والسياق الإقليمي الأوسع.
هذا الترابط يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمدى استقلالية القرار اللبناني، خصوصاً عندما تتقاطع مصالح الداخل مع حسابات الخارج. ففي حالات عديدة، يبدو أن توقيت التصعيد أو التهدئة لا يرتبط فقط بالمعطيات الميدانية في الجنوب، بل يتأثر أيضاً بمسارات إقليمية، سواء في ما يتعلق بالتوترات بين إيران وخصومها أو بالمفاوضات الجارية حول ملفات أخرى. هذا الواقع يجعل من لبنان جزءاً من شبكة أوسع من التوازنات، حيث يتم توظيف ساحته كأداة ضغط أو ورقة تفاوض.
ولا يعني ذلك بالضرورة غياب الاعتبارات المحلية بالكامل، بل يشير إلى حالة من التداخل المعقد بين ما هو داخلي وما هو خارجي. ففي بعض الأحيان، تتقاطع المصالح، فيُقدَّم الدور الإقليمي على أنه عامل دعم لقوة محلية، بينما في أحيان أخرى، قد تنشأ فجوة بين ما يحتاجه المجتمع المحلي من استقرار، وما تفرضه التحالفات من أولويات. هذه الفجوة تمثل أحد أبرز مصادر التوتر، لأنها تضع السكان أمام واقع لا يملكون التأثير المباشر في رسمه.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا الارتباط يعزز من الانقسام داخل الساحة اللبنانية، حيث تختلف القوى السياسية في تقييمها لهذا الدور. فبينما ترى فيه بعض الأطراف عنصر قوة وردع في مواجهة التهديدات الخارجية، تعتبره أطراف أخرى شكلاً من أشكال الارتهان الذي يحدّ من سيادة الدولة ويضعف مؤسساتها. هذا التباين لا يبقى في إطار النقاش السياسي، بل ينعكس على شكل استقطاب حاد، يعقّد أي محاولة للوصول إلى رؤية وطنية موحدة.
كما أن طبيعة هذا الارتباط تؤثر على بنية القرار داخل الفصائل نفسها، حيث قد تتعدد مراكز التأثير بين ما هو محلي وما هو مرتبط بالحلفاء الإقليميين. هذا التعدد قد يؤدي إلى تعقيد عملية اتخاذ القرار، ويخلق أحياناً حالة من الازدواجية في تحديد الأولويات. فعندما تتعارض الاعتبارات، يصبح من الصعب تحقيق توازن واضح، ما ينعكس على الأداء الميداني والسياسي على حد سواء.
من جهة أخرى، يساهم هذا الواقع في تكريس نموذج “الدولة داخل الدولة“، حيث تمتلك بعض الجهات قدرات عسكرية وتنظيمية تفوق أو توازي قدرات المؤسسات الرسمية. هذا النموذج يضعف سلطة الدولة المركزية، ويحدّ من قدرتها على فرض سيادتها الكاملة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالحرب والسلم. ومع مرور الوقت، يتحول هذا التوازن المختل إلى أمر واقع يصعب تغييره دون توافق داخلي شامل.
ولا يمكن إغفال أن هذا البعد الإقليمي يضع لبنان في موقع حساس على الساحة الدولية، حيث يُنظر إليه أحياناً كجزء من محور معين، ما يؤثر على علاقاته الخارجية وعلى فرص حصوله على الدعم الدولي. هذا التموضع قد ينعكس سلباً على الاقتصاد والاستقرار، ويزيد من عزلة البلاد في لحظات الأزمات.
في المقابل، يرى بعض المؤيدين لهذا الدور أن العلاقة مع إيران وفّرت نوعاً من التوازن في مواجهة التهديدات، وساهمت في تعزيز قدرات الردع. إلا أن هذا الطرح، حتى لو كان يحمل بعض الوجاهة في سياقات معينة، لا يلغي الحاجة إلى نقاش أوسع حول كلفة هذا الخيار على المدى الطويل، سواء على مستوى السيادة أو الاستقرار الداخلي.
إن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في وجود هذا الارتباط، بل في غياب إطار وطني جامع ينظّمه ويحدّد حدوده بما يتناسب مع مصلحة لبنان. فبدون هذا الإطار، يبقى القرار عرضة للتجاذبات، وتبقى الأولويات غير واضحة، ما يفتح الباب أمام مزيد من التوترات والانقسامات.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح الحاجة ملحة لإعادة طرح مسألة السيادة بشكل جدي، ليس كشعار، بل كمسار عملي يتطلب توافقاً داخلياً وإرادة سياسية حقيقية. هذا المسار لا يعني بالضرورة قطع العلاقات أو تجاهل التوازنات، بل يهدف إلى إعادة ضبطها ضمن رؤية وطنية واضحة، تضع مصلحة لبنان فوق أي اعتبار آخر.
في النهاية، يبقى البعد الإيراني عاملاً أساسياً في فهم تعقيدات المشهد اللبناني، لكنه في الوقت نفسه يشكّل تحدياً كبيراً أمام بناء دولة قادرة على اتخاذ قراراتها بشكل مستقل. إن معالجة هذا التحدي تتطلب شجاعة سياسية، وحواراً صريحاً، وإدراكاً بأن استقرار لبنان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال توازن دقيق بين الانفتاح على الخارج والحفاظ على القرار الوطني.
- انعكاسات الأزمة على لبنان ككل
لا يمكن النظر إلى ما يجري في الجنوب اللبناني كحالة معزولة أو محصورة ضمن نطاق جغرافي ضيق، إذ سرعان ما تمتد تداعياته لتطال مجمل الواقع اللبناني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. فلبنان، بحكم تركيبته الهشة وتشابك مكوناته، يتأثر بأي خلل يصيب أحد أجزائه، ما يجعل من الجنوب مرآة تعكس أزمة وطنية أوسع، تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.
على المستوى السياسي، يفاقم التصعيد في الجنوب حالة الانقسام الداخلي، حيث تنقسم القوى اللبنانية بين مؤيد لنهج المواجهة ومعارض له، دون وجود أرضية مشتركة لإدارة هذا الملف الحساس. هذا الانقسام يعطّل عمل المؤسسات، ويجعل من الصعب اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بمصير البلاد. كما أن غياب التوافق حول قضايا الحرب والسلم يضعف موقع الدولة، ويكرّس واقعاً تصبح فيه هذه القرارات موزعة بين جهات متعددة، ما يقوّض مفهوم السيادة.
اقتصادياً، يدفع لبنان ثمناً باهظاً لأي توتر أمني، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعيشها منذ سنوات. فالتصعيد ينعكس فوراً على ثقة المستثمرين، ويؤدي إلى تراجع النشاط السياحي، وهو أحد أهم مصادر الدخل. كما تتأثر الأسواق المالية، ويزداد الضغط على العملة الوطنية، ما يفاقم من معاناة المواطنين. في ظل هذا الواقع، يصبح أي أمل بالتعافي الاقتصادي مرتبطاً بشكل وثيق بمدى الاستقرار الأمني، الذي يبقى هشاً في ظل استمرار التوتر في الجنوب.
أما على المستوى الاجتماعي، فتنعكس الأزمة في زيادة معدلات الفقر والبطالة، نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي وتدمير مصادر العيش، خصوصاً في المناطق المتأثرة مباشرة بالمواجهات. هذا التدهور لا يبقى محصوراً في الجنوب، بل يمتد إلى مختلف المناطق اللبنانية، حيث تتزايد الضغوط على الخدمات العامة، وتزداد الهجرة الداخلية والخارجية. ومع استمرار هذه الظروف، يتعمق الشعور بالإحباط لدى فئات واسعة من المجتمع، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي على المدى البعيد.
كذلك، تؤثر هذه الأزمة على صورة لبنان في الخارج، حيث يُنظر إليه كبلد غير مستقر، ما يحدّ من قدرته على جذب الدعم الدولي أو الاستثمارات. هذا التراجع في الثقة الدولية ينعكس بدوره على قدرة الدولة على التفاوض والحصول على مساعدات، في وقت هي بأمسّ الحاجة إليها. كما أن ارتباط لبنان بصراعات إقليمية يزيد من تعقيد علاقاته الخارجية، ويضعه في موقع حساس ضمن توازنات دولية متقلبة.
ومن الناحية المؤسساتية، يؤدي استمرار هذا الواقع إلى إضعاف دور الدولة، حيث تجد نفسها عاجزة عن فرض سلطتها الكاملة أو إدارة الأزمات بشكل فعّال. هذا الضعف يعزز منطق الاعتماد على الجهات غير الرسمية، ما يكرّس حلقة مفرغة من التراجع المؤسساتي. ومع مرور الوقت، يصبح من الصعب إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهو عنصر أساسي لأي عملية إصلاح.
في سياق متصل، يساهم التصعيد في الجنوب في تعطيل أولويات وطنية ملحّة، مثل الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد وإعادة بناء البنية التحتية. فبدلاً من توجيه الجهود نحو هذه القضايا، تنشغل الدولة بإدارة الأزمات الأمنية، ما يؤخر أي تقدم حقيقي في مسار الإصلاح. هذا التأخير يزيد من كلفة الأزمة، ويعمّق من التحديات التي يواجهها لبنان.
كما أن استمرار هذا الوضع يعمّق الفجوة بين الأجيال، حيث يشعر الشباب بأن مستقبلهم بات رهينة لظروف لا يملكون السيطرة عليها. هذا الشعور يدفع الكثيرين إلى التفكير بالهجرة كخيار وحيد، ما يؤدي إلى استنزاف الكفاءات البشرية التي يحتاجها لبنان للنهوض. هذه الهجرة لا تمثل فقط خسارة فردية، بل تشكّل نزيفاً وطنياً يؤثر على إمكانيات التعافي.
من جهة أخرى، يخلق هذا الواقع حالة من التكيف السلبي، حيث يعتاد المجتمع على الأزمات ويطوّر آليات للتعايش معها، بدلاً من العمل على تغييرها. هذا التكيف قد يبدو حلاً مؤقتاً، لكنه في الحقيقة يرسّخ الجمود ويقلل من فرص التغيير، لأن الأزمات تصبح جزءاً من الحياة اليومية.
في المحصلة، يظهر أن انعكاسات الأزمة في الجنوب تتجاوز بكثير حدودها المباشرة، لتشكل تحدياً وجودياً للبنان ككل. فاستمرار هذا الوضع لا يهدد فقط الاستقرار الآني، بل يقوّض أسس الدولة ويضعف قدرتها على الاستمرار. إن معالجة هذه الانعكاسات تتطلب رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار الترابط بين مختلف الأبعاد، وتعمل على إعادة بناء الدولة على أسس قوية قادرة على مواجهة التحديات.
وبالتالي، فإن أي مقاربة جدية لمستقبل لبنان لا يمكن أن تتجاهل ما يجري في الجنوب، بل يجب أن تنطلق منه كمدخل لفهم الأزمة الأعمق، والعمل على إيجاد حلول تضمن الاستقرار والتنمية لجميع اللبنانيين، بعيداً عن منطق الأزمات المتكررة التي استنزفت البلاد لسنوات طويلة.
- الحاجة إلى إعادة تعريف الأولويات الوطنية
في ظل المشهد اللبناني المأزوم، لم يعد ممكناً التعامل مع الأزمات المتراكمة بمنطق المعالجات الجزئية أو ردود الفعل الظرفية، بل باتت الحاجة ملحّة لإعادة تعريف شاملة للأولويات الوطنية، تنطلق من سؤال أساسي: ماذا يريد لبنان لنفسه كدولة ومجتمع؟ هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، يحمل في طياته تحديات عميقة، لأنه يفرض إعادة النظر في الكثير من المسلّمات التي حكمت الحياة السياسية لسنوات طويلة.
إن إعادة تعريف الأولويات تبدأ من إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، ليس كشعار يُرفع في الخطابات، بل كمرجعية فعلية تحتكر قرار الحرب والسلم، وتدير الشأن العام وفق قواعد واضحة ومؤسسات قوية. هذا التحول يتطلب توافقاً داخلياً واسعاً، يتجاوز الاصطفافات التقليدية، ويضع مصلحة لبنان فوق أي ارتباطات أو حسابات خارجية. فبدون هذا التوافق، يبقى أي حديث عن إصلاح أو استقرار مجرد طموح يصطدم بواقع الانقسام.
في هذا السياق، يبرز الجنوب كاختبار حقيقي لهذه المقاربة، إذ لا يمكن الحديث عن سيادة أو استقرار وطني دون معالجة وضعه بشكل جذري. إعادة إدماج الجنوب ضمن رؤية وطنية شاملة تعني إخراجه من منطق الساحة المفتوحة، وتحويله إلى منطقة آمنة قابلة للحياة والتنمية. هذا الأمر يتطلب ليس فقط إجراءات أمنية، بل أيضاً خططاً اقتصادية واجتماعية تعيد الثقة للسكان، وتمنحهم شعوراً بأنهم جزء من دولة ترعاهم وتحمي مصالحهم.
كما أن إعادة ترتيب الأولويات تفرض الانتقال من منطق المواجهة الدائمة إلى منطق إدارة المخاطر، حيث يتم التعامل مع التحديات الأمنية بعقلانية، تأخذ في الاعتبار كلفة أي قرار على المجتمع والدولة. هذا لا يعني التخلي عن الحقوق أو تجاهل التهديدات، بل يعني مقاربة أكثر توازناً تضع الإنسان في صلب المعادلة، وتبتعد عن السياسات التي تؤدي إلى تدمير الذات.
إضافة إلى ذلك، تقتضي هذه المرحلة إعادة توجيه الجهود نحو الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تمثل أساس استقرار أي دولة. فلبنان اليوم يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه، ولا يمكن الخروج منها دون بيئة مستقرة تشجع على الاستثمار وتعيد الثقة. هذا يتطلب إصلاحات جذرية في بنية الاقتصاد، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، وهي أمور لا يمكن تحقيقها في ظل استمرار التوترات الأمنية.
من جهة أخرى، لا بد من إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، بحيث يشعر اللبناني بأن حقوقه مصانة، وأنه شريك في القرار وليس مجرد متلقٍ لنتائجه. هذا يتطلب تطوير آليات المشاركة السياسية، وتعزيز دور المؤسسات، وإعادة الثقة بالقضاء كمرجعية عادلة. بدون هذا البعد، تبقى أي إصلاحات معرضة للفشل، لأنها لا تستند إلى قاعدة شعبية متماسكة.

كما أن إعادة تعريف الأولويات تفرض إعادة النظر في موقع لبنان الإقليمي، والعمل على تحييده قدر الإمكان عن صراعات المحاور، دون أن يعني ذلك الانعزال أو التخلي عن دوره. هذا التوازن الدقيق يحتاج إلى دبلوماسية نشطة، ورؤية واضحة تحدد مصالح لبنان وتدافع عنها ضمن إطار الشرعية الدولية. إن الخروج من منطق الاصطفاف الحاد قد يفتح أمام لبنان فرصاً جديدة للتعاون والدعم.
في البعد الثقافي والإعلامي، تبرز الحاجة إلى خطاب جديد يبتعد عن التحريض والتخوين، ويعزز ثقافة الحوار والتعددية. فإعادة بناء الثقة داخل المجتمع تبدأ من تغيير اللغة المستخدمة في النقاش العام، والاعتراف بالتنوع كعنصر قوة لا كسبب للانقسام. هذا التحول ليس سهلاً، لكنه ضروري للخروج من حالة الاستقطاب التي تعيق أي تقدم.
ولا يمكن إغفال دور الشباب في هذه العملية، إذ يمثلون القوة القادرة على دفع التغيير إذا ما توفرت لهم الفرص والمساحات. الاستثمار في التعليم، وخلق فرص عمل، وتمكين الشباب من المشاركة في الحياة العامة، كلها عناصر أساسية لبناء مستقبل مختلف. فلبنان لا يمكن أن ينهض دون طاقاته البشرية، التي تُستنزف اليوم بفعل الهجرة واليأس.
في النهاية، إن إعادة تعريف الأولويات الوطنية ليست خياراً ترفياً، بل ضرورة وجودية تفرضها الظروف الراهنة. فهي تمثل الطريق الوحيد للخروج من دوامة الأزمات، وبناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وتحقيق تطلعاتهم. هذا المسار قد يكون طويلاً ومعقداً، لكنه يبقى أقل كلفة بكثير من الاستمرار في النهج الحالي، الذي أثبت عجزه عن تحقيق الاستقرار أو التنمية.
وبالتالي، فإن اللحظة الراهنة، رغم صعوبتها، قد تشكّل فرصة لإعادة التفكير في المسار، والانطلاق نحو مرحلة جديدة يكون فيها لبنان دولة فعلية، لا مجرد ساحة لصراعات الآخرين، ويكون فيها الجنوب جزءاً من الحل، لا عنواناً دائماً للأزمة.
- الخاتمة
في المحصلة، لم يعد ممكناً الهروب إلى الأمام أو الاحتماء بالشعارات، لأن الوقائع باتت أقسى من أن تُخفى، وأوضح من أن تُفسَّر بغير حقيقتها. لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في دوامة الاستنزاف، حيث يبقى الجنوب ساحة نار مفتوحة ويظل الوطن كله يدفع الثمن، وإما الانتقال الجريء نحو استعادة القرار الوطني وبناء دولة فعلية تحمي شعبها بدل أن تضعه في مرمى الأخطار. التاريخ لن يرحم، والأجيال القادمة لن تغفر تضييع الفرص، لأن كلفة البقاء في هذا المسار لم تعد تُحتمل. وحده خيار الدولة، بكل ما يتطلبه من شجاعة ووضوح ومصارحة، يمكن أن يوقف هذا الانحدار، ويعيد للبنان معناه كأرض للحياة لا كساحة للحروب. إنها لحظة قرار… إما أن يُنقذ اللبنانيون وطنهم، أو يتركونه يضيع في صراعات الآخرين.


























































