في ختام زيارتي إلى ليبيا، أودُّ أن أعرب عن عميق احترامي وتقديري لما شاهدته من عزيمة وإصرار ومهنية واضحة في جميع مجالات القطاع الصحي. فعلى مدار الأيام الأربعة الماضية، التقيت كبار المسؤولين، وممثلي المؤسسات الوطنية، والعاملين الصحيين، وشركاء التنمية، والزملاء في الأمم المتحدة، والمرضى وأسرهم. وزرت المرافق الصحية وشاهدت البنية التحتية للتأهب لحالات الطوارئ في جميع أنحاء طرابلس ومصراتة. وخلال زياراتي، شاهدت بلدًا يمضي قُدُمًا بإرادة لا تلين في رحلة من التعافي إلى الإصلاح. ومنظمة الصحة العالمية ملتزمة بدعم ليبيا في استكمال هذه الرحلة.
لقد أرسى توقيع إطار التعاون الاستراتيجي للفترة 2026-2027 مع معالي وزير الصحة الدكتور محمد الغوج خطة واضحة للمُضي قُدُمًا: أي تعزيز الرعاية الصحية الأولية، والنهوض بالتحوُّل الرقمي، وإصلاح التمويل الصحي، والاستثمار في القوى العاملة الصحية، وتحسين إتاحة الأدوية. وأكد لقائي بمعالي رئيس الوزراء السيد عبد الحميد الدبيبة توافر الالتزام السياسي على أعلى مستوياته، وهو الأمر الذي يكتسي أهمية بالغة لإنجاز الإصلاحات الهيكلية التي تحتاج إليها ليبيا.
وأُثني على الدور القيادي لوزارة الصحة في الاضطلاع ببرنامجها الإصلاحي ومبادرة المائة يوم. حيث يتطلب بناء نُظُم صحية فعَّالة الحوكمة والتنسيق والمساءلة والاستثمار المستدام، وتُرسي هذه الجهود أُسسًا مهمة لإحراز تقدُّم على الأمد الطويل.
وقد استند الحوار الرفيع المستوى بشأن سياسات التغطية الصحية الشاملة إلى تجارب مُقارنة من تركيا وسلطنة عُمان. وكانت المناقشات موضوعية، مع الإقرار بالفجوات الموجودة بكل شفافية: فطب الأسرة لا يزال أدنى من المستوى المأمول، والتكامُل الرقمي في بداية الطريق، ويتطلب إصلاح التمويل متابعة مستمرة على المستوى السياسي.
وأظهرت الزيارات الميدانية لمركز الحارات للرعاية الصحية الأولية ومستشفى الجلاء للولادة – المدعوم بشراكة من منظمة الصحة العالمية – التزام العاملين في الخطوط الأمامية، لكنها كشفت أيضًا عن حجم الاستثمار اللازم في البنية التحتية وسلاسل الإمداد. وقد تزامنت زيارتي إلى مستشفى الجلاء مع اليوم العالمي للقابلات، وهو تذكير جاء في وقته بالدور الحيوي للقابلات في بقاء الأمهات والمواليد على قيد الحياة، وبالاستثمار الذي لا يزال مطلوبًا لدعمهن واستبقائهن في النظام الصحي الليبي.
يتطلب النهوض بالحصائل الصحية في ليبيا اتخاذ إجراءات تتجاوز نطاق قطاع الصحة بكثير. وتستدعي المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ، وسوء التغذية، والأمراض غير السارية، والمحددات الاجتماعية المُسبِّبة لانعدام الإنصاف في مجال الصحة توفير استجابات شاملة متعددة القطاعات. وتُقدِّم المنظمة دعمًا متخصصًا لبناء أُطُر الحوكمة والسياسات التي تجعل ذلك ممكنًا، وستدفع في اتجاه زيادة إدماج الاعتبارات الصحية في عمليات التخطيط الوطنية.
يُعدُّ المركز الوطني لمكافحة الأمراض أحد المقومات المؤسسية الحقيقية التي تدير برامج التمنيع ونُظُم الإنذار المبكر والمختبرات المرجعية في جميع أنحاء البلد. ويعكس افتتاح جناح الطوارئ والمستشفى الميداني التجريبي التابع لمركز طب الطوارئ والدعم تقدمًا ملموسًا في بناء قدرات الاستجابة وفقًا لمعايير المنظمة بشأن الفرق الطبية الطارئة وسعيًا نحو الحصول على تصنيف عالمي.
ويُعدُّ تأسيس الغرفة المركزية الجديدة للطوارئ والاستجابة في وزارة الصحة، التي ترصد القدرة الاستيعابية لأسِرَّة المستشفيات بشكل لحظي وتنسق عمليات الإحالة على الصعيد الوطني، خطوة مهمة من الناحية العملية، لا سيما في هذا البلد الذي أودى فيه تشتُّت جهود الاستجابة لحالات الطوارئ بأرواح الكثيرين.
ومؤخرًا، وبدعم من منظمة الصحة العالمية، أجرت ليبيا بنجاح التقييم الخارجي المشترك الذي وضع تقديرًا شاملا لقدرات البلد بموجب اللوائح الصحية الدولية (2005). وساعد التقييم على تحديد مواطن القوة الأساسية ومكامن الضعف في مجالات الوقاية من أحداث الصحة العامة وحالات الطوارئ، والكشف عنها والاستجابة لها. واستنادًا إلى نتائج التقييم الخارجي المشترك وتوصياته، ترجمت ليبيا هذه الأولويات إلى تدخلات ملموسة وقابلة للتنفيذ من خلال وضع خطة العمل الوطنية للأمن الصحي، التي تُعدُّ بمثابة خارطة طريق استراتيجية لتعزيز قدرات الأمن الصحي الوطني وتعزيز قدرات التأهب والاستجابة في جميع القطاعات.
وستواصل المنظمة دعم الترصُّد المتكامل للأمراض، وقدرات المختبرات على إجراء التسلسل الجيني، والنهوض بالفرق الطبية الوطنية في حالات الطوارئ. وقد ناقشنا كذلك دور المركز الوطني لمكافحة الأمراض في تنسيق استجابة ليبيا للاضطرابات الناجمة عن تعاطي مواد الإدمان – وهي أزمة متنامية في جميع أنحاء إقليم شرق المتوسط.
ليبيا هو البلد الثامن والعشرون على مستوى العالم، والثامن في إقليم شرق المتوسط الذي ينجح في القضاء على التراخوما باعتبارها مشكلة صحية عامة. وقد تحقق ذلك من خلال الحشد المتواصل للجهود الوطنية والدعم الدولي المنسق. وبهذه المناسبة، قدمت لمعالي رئيس الوزراء درعًا تذكاريًّا بالنيابة عن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس. ولا تكمن أهمية هذا الإنجاز في حد ذاته فحسب، بل أيضًا في كونه دليلاً على ما يمكن أن يحققه برنامج وطني فعّال، مدعوم بشراكات مستمرة، حتى في السياقات الهشة.
أسهمت زياراتي إلى المعهد القومي لعلاج الأورام في مصراتة، لا سيما القسم الخاص بأورام الأطفال، وقضاء بعض الوقت مع أسر الأطفال الذين يتلقون العلاج، في الوقوف على تكلفة الثغرات في الرعاية المتخصصة. حيث لا تزال فرص الحصول على خدمات علاج الأورام غير منصفة وشحيحة الموارد. وأوضحت الأسر التي التقيت بها في مصراتة أن ذلك يتطلب استجابة حقيقية.
يعكس مسار الإصلاح في ليبيا قدرًا من الاتساق، إلى جانب توافر إرادة سياسية حقيقية. ولا تزال القدرة على التنفيذ والتمويل يشكلان عائقين أساسيين، غير أن التعامل معهما ممكن. والدعم الذي يقدمه المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، من خلال إطار التعاون الاستراتيجي والمبادرات الإقليمية الرئيسية الثلاثة بشأن الحصول على الأدوية، والقوى العاملة الصحية، وتعاطي مواد الإدمان، إلى جانب عمليات التأهب والاستجابة والعمليات الإنسانية الجارية، من شأنه أن يعمل على رأب تلك الفجوات بالتحديد. وكل ذلك يجعلني أغادر ليبيا وأنا أكثر تفاؤلا والتزامًا.


























































