هناك لحظات في تاريخ الشعوب تصبح فيها الأزمات أكبر من قدرة الإنسان على تحديد مصدرها، فتتداخل المصائب إلى درجة يبدو معها أن الإنسان لا يعيش أزمة واحدة، بل يعيش داخل سلسلة لا تنتهي من الأزمات. أزمة اقتصادية تلد أزمة اجتماعية، وأزمة سياسية تنتج أزمة مالية، وانهيار أخلاقي يبرر فساداً جديداً، وفشل إداري يفتح الباب أمام مزيد من الفقر والهجرة واليأس. عندها يصبح السؤال مشروعاً: ماذا نحارب أولاً؟ البلاء أم الغباء؟ الوباء أم الغلاء؟ الفساد أم قلة الحياء؟ أم أننا نحارب كل هذه الأشياء دفعة واحدة؟
د. الياس ميشال الشويري
لم نعد نعرف ماذا نحارب في هذا البلد. هل نحارب البلاء الذي نزل علينا من كل الجهات، أم الغباء الذي جعلنا نكرر الأخطاء نفسها وكأننا لم نتعلم شيئاً من كل ما مررنا به؟ هل نحارب الوباء الذي أصاب المجتمع في أخلاقه وثقته ومؤسساته، أم الغلاء الذي جعل لقمة العيش معركة يومية، أم قلة الحياء التي جعلت الفشل والفساد والكذب واللامسؤولية تمارس أمام أعين الناس من دون خوف أو خجل؟ لقد وصل لبنان إلى مرحلة لم تعد فيها كلمة أزمة كافية لوصف الواقع، لأننا لم نعد أمام أزمة واحدة يمكن تحديدها ومعالجتها، بل أمام تراكم هائل من الأزمات التي تتغذى من بعضها البعض. أزمة اقتصادية تنتج فقراً وهجرة، والهجرة تفرغ البلد من طاقاته، والفراغ يضعف الاقتصاد، والفساد ينهش المؤسسات، وضعف المؤسسات يعمّق الفقر، والانقسام السياسي يمنع الإصلاح، ثم يأتي كل طرف ليحمّل الطرف الآخر مسؤولية الكارثة، بينما يبقى المواطن وحده في منتصف الحريق يدفع الثمن من ماله وكرامته ومستقبله وأعصابه. والأسوأ من كل ذلك أن الكارثة لم تعد تصدمنا، لأننا بدأنا نتعايش معها وكأنها قدر لا يمكن تغييره؛ أصبح الانقطاع طبيعياً، والغلاء طبيعياً، والهجرة طبيعية، والواسطة طبيعية، والفساد طبيعياً، والفشل السياسي طبيعياً، وكأن لبنان لم يعد وطناً يبحث عن الخلاص، بل بلداً يتعلم كيف يعيش مع الانهيار.
- البلاء … عندما يتحول من حالة طارئة إلى أسلوب حياة
البلاء في حياة الشعوب قد يكون حرباً أو كارثة طبيعية أو وباءً صحياً أو انهياراً اقتصادياً، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما يتحول من حادث استثنائي إلى واقع دائم. فالإنسان يستطيع أن يتحمل الأزمة إذا كان يعرف أن لها بداية ونهاية، لكنه ينهار نفسياً واجتماعياً عندما يشعر أن الأزمة بلا نهاية وأن المستقبل ليس سوى نسخة أخرى من الحاضر. وهذا تحديداً ما أصاب اللبناني خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبح يعيش في حالة انتظار دائم: ينتظر الكهرباء، ينتظر تحسن العملة، ينتظر إصلاح المصارف، ينتظر انتهاء الأزمة السياسية، ينتظر نتائج التحقيقات، ينتظر إصلاح المؤسسات، وينتظر قبل كل شيء أن تعود الدولة إلى القيام بالحد الأدنى من وظائفها. ومع مرور الوقت، تحول الانتظار نفسه إلى جزء من الحياة اللبنانية.
لقد مر لبنان خلال العقود الماضية بحروب واحتلالات واغتيالات وانقسامات سياسية وأزمات اقتصادية واجتماعية، لكنه كان في كل مرة يمتلك أملاً بإعادة البناء. أما في السنوات الأخيرة، فقد أصبح الانهيار أكثر شمولاً لأنه أصاب الثقة نفسها. عندما يفقد المواطن ثقته بالعملة، وبالمصرف، وبالسياسي، وبالإدارة، وبالقضاء، وبالخدمات، وبالمستقبل، فإن الضرر لا يعود مادياً فقط. يصبح الضرر نفسياً وأخلاقياً ووطنياً. يشعر الإنسان أن المؤسسات التي يفترض أن تحميه لم تعد موجودة بالمعنى الذي يحتاجه، وأن عليه أن يعتمد على نفسه وعائلته واغترابه وعلاقاته الخاصة كي يواجه الحياة. وهنا تتحول الدولة من إطار جامع إلى فراغ يبحث كل فرد عن طريقة لملئه.
والبلاء اللبناني لا يظهر فقط في الأرقام الاقتصادية، بل في التفاصيل اليومية الصغيرة التي تراكمت حتى أصبحت ثقلاً هائلاً. عائلة تحسب ثمن الطعام قبل شرائه، طالب يفكر إن كان يستطيع إكمال دراسته، أب يؤجل علاجاً لأن كلفته أكبر من قدرته، شاب يخطط للهجرة قبل أن يخطط للزواج، موظف يذهب إلى عمله وهو يعلم أن راتبه لا يكفي، ومتقاعد قضى عمره في خدمة الدولة ثم وجد نفسه عاجزاً عن تأمين حاجاته الأساسية. هذه التفاصيل قد لا تظهر دائماً في الخطابات السياسية، لكنها هي الوجه الحقيقي للانهيار. فالوطن لا يقاس فقط بمؤشراته الاقتصادية، بل بقدرة المواطن العادي على أن يعيش فيه بكرامة.
الأخطر أن اللبناني بدأ يتعامل مع البلاء بمنطق التعايش بدلاً من منطق الرفض. صار السؤال ليس لماذا لا توجد كهرباء مستدامة، بل كيف نؤمن بديلاً. وليس لماذا تراجعت قيمة العملة، بل كيف نقبض بالدولار. وليس لماذا انهارت المؤسسات، بل كيف ننجز معاملتنا من خلال واسطة. وليس لماذا يهاجر الشباب، بل إلى أي بلد يمكن أن يهاجروا. وهذه العقلية خطيرة لأنها تجعل المجتمع يتكيف مع المرض بدلاً من علاجه. الدولة الطبيعية هي التي تجعل المواطن يتوقع الخدمة العامة، أما الدولة المأزومة فهي التي تجعل المواطن يبحث عن بديل خاص لكل وظيفة عامة غائبة. وهنا يصبح البلاء أكبر من مجرد أزمة؛ يصبح نظاماً للحياة.

- الغباء … عندما يصبح رفض الحقيقة ثقافة
الغباء الذي نقصده هنا ليس ضعفاً في الذكاء، ولا نقصاً في التعليم، ولا عجزاً عن فهم الأمور. لبنان يملك من أصحاب العلم والخبرة والاختصاص ما يؤهله ليكون بين الدول الأكثر تقدماً في المنطقة. المشكلة هي الغباء السياسي والاجتماعي الذي يعني الإصرار على الخطأ بعد معرفة نتائجه، ورفض الاعتراف بالواقع لأن الاعتراف به يهدد مصالح أو قناعات أو ولاءات معينة. أن ترى البلد ينهار ثم تبحث عن تبرير للانهيار، وأن ترى الفساد أمامك ثم تبحث عن عذر للفاسد، وأن ترى المؤسسة تفشل ثم تدافع عن المسؤول عنها فقط لأنه ينتمي إلى جماعتك، فهذا ليس اختلافاً في الرأي؛ إنه تعطيل للعقل.
ومن أكثر مظاهر هذا الغباء خطورة تحويل السياسة إلى هوية مغلقة. في لبنان، يستطيع المواطن أحياناً أن يعرف أن المسؤول الذي يدافع عنه أخطأ، لكنه يرفض الاعتراف بذلك لأن الاعتراف سيبدو وكأنه انتصار للخصم. وهكذا تصبح الحقيقة أقل أهمية من الانتماء. لا يعود السؤال هل هذا القرار صحيح أم خاطئ، بل من اتخذه؟ إذا كان من جماعتنا فهو صحيح، وإذا كان من جماعتهم فهو خاطئ. بهذه الطريقة يصبح المجتمع عاجزاً عن إنتاج موقف وطني مشترك، لأن كل طرف يعيش داخل رواية خاصة به. والأسوأ أن السياسيين يعرفون ذلك ويستفيدون منه، فيستمرون في مخاطبة الغرائز والانقسامات بدلاً من مخاطبة العقل والمصلحة العامة.
وهذا النوع من التفكير يفسر جزئياً لماذا تتكرر الأخطاء نفسها. فالدول الناجحة تتعلم من تجاربها، وتراجع سياساتها، وتصحح أخطاءها، وتغيّر المسؤولين عندما يفشلون. أما حين يصبح الفشل قابلاً للتبرير، فلا يعود هناك حافز للتغيير. المسؤول الذي يفشل ولا يخسر موقعه سيتعلم أن الفشل لا يكلفه شيئاً. والسياسي الذي يطلق الوعود ثم لا ينفذها ولا يخسر ثقة الناس سيتعلم أن الوعود أهم من النتائج. والمواطن الذي يرفض محاسبة من انتخبه لأنه ينتمي إلى جماعته يرسل رسالة خطيرة إلى كل سلطة: افعلوا ما شئتم، فنحن سنبرر لكم.
ولذلك فإن مواجهة الغباء في لبنان تبدأ من إعادة الاعتبار للعقل النقدي. لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية القطيع، ولا يمكن إصلاح الاقتصاد بمنطق الشعارات، ولا يمكن مكافحة الفساد بمنطق الولاءات، ولا يمكن بناء مؤسسات قوية إذا كان معيار النجاح هو القرب من الزعيم. لبنان يحتاج إلى ثقافة جديدة تقول إن الوطن ليس ملكاً لأحد، وإن المسؤول موظف عام وليس مالكاً للدولة، وإن الانتماء السياسي لا يمنح حصانة أخلاقية، وإن الاعتراف بالخطأ ليس خيانة، وإن تغيير الموقف عندما تظهر الحقيقة ليس ضعفاً بل نضج. عندما يصبح اللبناني قادراً على قول الحقيقة حتى عندما تكون ضد من يحب، تبدأ عملية الإنقاذ الحقيقية.
- الوباء … الذي يصيب المجتمع قبل أن يصيب الجسد
حين نسمع كلمة وباء نفكر عادة في الأمراض المعدية، لكن المجتمعات يمكن أن تصاب أيضاً بأوبئة أخلاقية وفكرية وسلوكية. هناك وباء اللامبالاة الذي يجعل الإنسان يرى الخطأ ولا يتدخل، ووباء التبرير الذي يجعل كل جريمة قابلة للتفسير، ووباء الكراهية الذي يحول الاختلاف إلى عداوة، ووباء الفساد الذي يجعل الواسطة أمراً عادياً، ووباء الشائعات الذي يجعل الكذب أسرع من الحقيقة. وهذه الأوبئة قد تكون أخطر من بعض الأمراض الجسدية لأنها تنتقل من شخص إلى آخر دون أن يشعر الناس بأنها مرض.
لبنان مثال واضح على خطورة هذا النوع من العدوى الاجتماعية. عندما يصبح المواطن مقتنعاً بأن معاملته لن تنجز إلا بواسطة، فإنه يبدأ بالبحث عن واسطة. وعندما يرى أن شخصاً حصل على حق ليس من خلال القانون بل من خلال النفوذ، يبدأ بالبحث عن النفوذ نفسه. وعندما يصبح تجاوز القانون وسيلة لتحقيق المصلحة، يتراجع احترام القانون تدريجياً. وفي النهاية، يجد المجتمع نفسه أمام مؤسسة لا تعمل إلا بالعلاقات، ومواطن لا يثق بالمؤسسة، ومسؤول يستخدم ضعف المؤسسة لتوسيع نفوذه. وهكذا تتحول الواسطة من تصرف فردي إلى ثقافة عامة.
والفساد في هذه الحالة لا يكون مجرد سرقة أموال عامة. الفساد يصبح طريقة في إدارة المجتمع. يصبح من الطبيعي أن يكون هناك تمييز بين مواطن وآخر، وأن يحصل صاحب النفوذ على ما لا يحصل عليه غيره، وأن تتدخل السياسة في الإدارة، وأن تتحول الوظائف العامة إلى مكافآت، وأن تصبح الخدمات العامة مجالاً للاستزلام. ومع الوقت، لا يعود المواطن يرى في ذلك شيئاً استثنائياً. وهنا تكون الكارثة قد اكتملت: عندما يصبح الفساد مألوفاً، يصبح من الصعب محاربته لأن المجتمع فقد حساسيته تجاهه.
ومن هنا فإن إصلاح لبنان يحتاج إلى أكثر من قوانين جديدة. يحتاج إلى إعادة بناء ثقافة عامة تعتبر القانون حقاً للجميع، وترفض المحسوبية حتى عندما تكون في مصلحة الفرد نفسه. ويحتاج إلى تعليم الأجيال الجديدة أن النجاح لا يجب أن يكون نتيجة واسطة أو حماية سياسية، وأن الدولة ليست مزرعة لأحد، وأن الوظيفة العامة ليست جائزة انتخابية. كما يحتاج إلى إعلام ومجتمع مدني وقضاء ومؤسسات رقابية قادرة على كشف المخالفات ومحاسبة مرتكبيها. فالوباء الاجتماعي لا يُعالج بالشعارات، بل ببناء مناعة مؤسساتية وأخلاقية تجعل الفساد أكثر صعوبة، والكذب أكثر كلفة، والمحسوبية أكثر خطراً على من يمارسها.
- الغلاء … حين يتحول الاقتصاد إلى معركة يومية
الغلاء في لبنان لم يعد مجرد ارتفاع في الأسعار يمكن للعائلة أن تتكيف معه عبر بعض التخفيض في الاستهلاك. لقد أصبح جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بانهيار القدرة الشرائية وتآكل المدخرات وتراجع الأجور وارتفاع تكاليف التعليم والسكن والصحة والنقل والطاقة. عندما يصبح الإنسان مضطراً إلى الاختيار بين حاجتين أساسيتين، فإن المشكلة لا تعود اقتصادية فقط؛ إنها تصبح مشكلة كرامة وحياة. فالإنسان لا يريد أن يعيش فقط، بل يريد أن يعيش دون أن يشعر بأنه عاجز عن تأمين أبسط حقوق عائلته.
والطبقة الوسطى هي من أكثر الفئات التي دفعت ثمن هذا الانهيار. هذه الطبقة التي كانت تشكل مساحة الاستقرار بين الفقر والثراء وجدت نفسها تنكمش تدريجياً. أصحاب المهن الحرة، الموظفون، المعلمون، المهندسون، الأكاديميون، وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة، جميعهم وجدوا أنفسهم أمام واقع تتغير فيه الأسعار بوتيرة أسرع من قدرتهم على تعديل مداخيلهم. وفي بلد مثل لبنان، حيث الخدمات العامة محدودة، يصبح الفرد مضطراً إلى دفع المزيد من المال للحصول على التعليم والصحة والطاقة والنقل، ما يجعل انخفاض الدخل الحقيقي أكثر قسوة.
أما الشباب، فقد أصبحوا أمام معادلة أكثر صعوبة. كيف يمكن لشاب أن يؤسس عائلة في بلد لا يستطيع فيه أن يضمن دخلاً مستقراً؟ كيف يمكنه شراء أو استئجار منزل؟ كيف يمكنه تحمل كلفة الزواج؟ كيف يمكنه التخطيط لتعليم أولاده؟ وكيف يستطيع أن يضع مشروعاً طويل الأمد إذا كان الاقتصاد نفسه غير قادر على إعطائه أي ضمانة؟ لذلك لم تعد الهجرة بالنسبة إلى كثيرين مجرد رغبة في تحسين الحياة، بل أصبحت استراتيجية للبقاء. وهنا يخسر لبنان مرتين: يخسر المواطن الذي يغادر، ويخسر الطاقات التي كان يمكن أن تبني الاقتصاد في الداخل.
لكن أخطر نتائج الغلاء ليست فقط الفقر، بل تغيير علاقة الإنسان بوطنه. المواطن الذي يعمل طوال الشهر ولا يستطيع تأمين احتياجاته الأساسية يبدأ بفقدان الثقة بالمجتمع والدولة. وإذا رأى في الوقت نفسه أن بعض أصحاب النفوذ يعيشون بعيداً عن آثار الأزمة، فإن شعوره بالظلم يتضاعف. لذلك فإن أي خطة اقتصادية للبنان يجب ألا تقتصر على تثبيت المؤشرات المالية، بل يجب أن تستعيد القدرة الشرائية، وتحمي الطبقة الوسطى، وتخلق فرص العمل، وتشجع الإنتاج والاستثمار، وتعيد الثقة بالمؤسسات المالية. الاقتصاد ليس أرقاماً فقط؛ الاقتصاد هو حياة الناس، وحين تنهار الحياة الاقتصادية تنهار معها أجزاء أساسية من الاستقرار الاجتماعي.

- قلة الحياء … عندما يموت الشعور بالمسؤولية
قد تكون قلة الحياء من أكثر الظواهر إيلاماً عندما تصل إلى الحياة العامة، لأن المسؤول الذي لا يشعر بالخجل من فشله يستطيع الاستمرار في الفشل دون أن يتوقف. المشكلة ليست فقط أن يرتكب شخص خطأ، فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، وإنما أن يرفض الاعتراف به، وأن يبرره، وأن يلقي مسؤوليته على الآخرين، ثم يعود ليطالب بثقة الناس وكأنه لم يحدث شيء. في الدول التي تحترم نفسها، يرتبط المنصب العام بالمسؤولية، ويصبح الفشل سبباً للاستقالة أو المحاسبة. أما عندما ينفصل المنصب عن المسؤولية، تصبح السلطة امتيازاً بلا ثمن.
وفي لبنان، ظهرت هذه المشكلة في صور كثيرة. وعود كثيرة قُطعت ولم تتحقق، خطط كثيرة أُعلنت ولم تنفذ، ومسؤوليات كثيرة جرى تبادلها بين القوى السياسية بحيث أصبح من الصعب أحياناً معرفة من يتحمل المسؤولية الفعلية عن أي فشل. كل طرف يجد تفسيراً، وكل طرف يملك رواية، وكل طرف يستطيع أن يقول إن المشكلة سببها الطرف الآخر. وفي وسط هذه المعادلة يضيع المواطن، لأنه لا يريد تفسيراً جديداً، بل يريد نتيجة. لا يريد معرفة من يملك الرواية الأقوى، بل يريد أن تعمل الدولة وأن تتوقف معاناته.
قلة الحياء تظهر أيضاً عندما يصبح الدفاع عن الفساد جزءاً من الانتماء السياسي. لا يعود المطلوب من المواطن أن يسأل عن المال العام أو عن الأداء أو عن القانون، بل أن يدافع عن الجهة التي ينتمي إليها مهما فعلت. وهنا يتحول الولاء إلى حصانة أخلاقية. الشخص الذي يرتكب الخطأ لا يعود بحاجة إلى تبرئة نفسه، لأن جماعته ستتكفل بذلك. والنتيجة أن المحاسبة تصبح مستحيلة، لأن كل فضيحة تتحول إلى معركة سياسية وكل مطالبة بالمساءلة تُتهم بأنها استهداف لفريق معين. وهكذا تُقتل فكرة المسؤولية العامة.
ولذلك فإن استعادة الحياء العام لا تعني إطلاق المواعظ الأخلاقية، بل بناء نظام يجعل المسؤول يشعر فعلاً بأن هناك ثمناً للفشل والفساد واستغلال السلطة. لا يكفي أن نقول إن السرقة عيب؛ يجب أن يعرف السارق أنه سيحاسب. ولا يكفي أن نقول إن الكذب غير مقبول؛ يجب أن تكون هناك صحافة ومؤسسات تكشف الحقيقة. ولا يكفي أن نطالب المسؤول بالاستقالة؛ يجب أن يكون هناك نظام سياسي وقانوني يجعل الاستقالة والمحاسبة جزءاً طبيعياً من الحياة العامة. الحياء السياسي الحقيقي يولد عندما يعرف المسؤول أن السلطة مسؤولية وليست حصانة، وأن المنصب ليس ملكاً شخصياً، وأن الشعب ليس مجرد أداة للوصول إلى السلطة.
- ماذا نحارب فعلاً؟ معركة لبنان الحقيقية
بعد كل ذلك، يبقى السؤال الأساسي: هل المشكلة في البلاء أم الغباء أم الوباء أم الغلاء أم قلة الحياء؟ الحقيقة أن هذه كلها أعراض لمرض أعمق. المشكلة ليست أن لبنان تعرض لأزمة واحدة، بل أنه عجز مراراً عن بناء مؤسسات قادرة على منع الأزمات من التحول إلى كوارث. البلد قد يتعرض لحرب، لكن الدولة القوية تحمي مواطنيها. وقد يتعرض لانهيار اقتصادي، لكن المؤسسات القوية تضع خطة إنقاذ. وقد يتعرض لفساد، لكن القضاء المستقل يحاسب الفاسدين. وقد ترتفع الأسعار، لكن الاقتصاد المنتج والأجور المحمية يخففان أثرها. أما عندما تكون المؤسسات ضعيفة، تتحول كل مشكلة إلى كارثة وطنية.
المعركة الحقيقية في لبنان هي مع ثقافة الإفلات من المسؤولية. كل أزمة تنتهي من دون محاسبة حقيقية تعطي رسالة بأن الأزمة المقبلة يمكن أن تمر أيضاً. وكل فشل لا ينتج تغييراً يرسخ الفشل. وكل فساد لا يُحاسب عليه مرتكبه يشجع غيره على تكراره. وكل مواطن يبرر الخطأ لأن مرتكبه من جماعته يساهم، ولو بطريقة غير مباشرة، في استمرار النظام الذي يشتكي منه. لذلك فإن الإصلاح ليس مهمة السياسيين وحدهم. هو أيضاً مسؤولية المجتمع والناخب والمثقف والأستاذ والصحافي والموظف والقاضي وكل إنسان يريد أن يعيش في دولة طبيعية.
لبنان لا يحتاج إلى اكتشاف وصفة سحرية. العالم مليء بالتجارب التي تثبت أن الدول تنهض عندما تبني مؤسسات مستقلة، وتضع قواعد واضحة، وتحمي الملكية والاستثمار، وتكافح الفساد، وتستثمر في التعليم، وتخلق اقتصاداً منتجاً، وتربط السلطة بالمحاسبة. المشكلة أن لبنان يعرف هذه الحقائق منذ سنوات، لكنه لم ينجح في تحويل المعرفة إلى إرادة سياسية. وهنا تكمن المأساة: لسنا أمام بلد يجهل الطريق، بل أمام بلد يعرف الطريق لكنه عاجز عن السير فيه بسبب مصالح متشابكة وحسابات سياسية وانقسامات عميقة.
ومع ذلك، فإن اليأس ليس حلاً. لبنان الذي استطاع أن يصمد أمام الحروب والانقسامات والهجرة والأزمات يستطيع أن ينهض إذا أعاد بناء العقد بين المواطن والدولة. المطلوب ليس أن يطلب من اللبناني أن يتحمل أكثر، فقد تحمل اللبناني أكثر مما يجب. المطلوب أن يصبح هناك وطن يستحق أن يعيش فيه. وطن لا يحتاج فيه المواطن إلى واسطة للحصول على حقه، ولا إلى زعيم لحمايته، ولا إلى جواز سفر أجنبي كي يضمن مستقبله، ولا إلى الهجرة كي يؤمن لأطفاله حياة كريمة. وعندها فقط تتحول الوطنية من شعار عاطفي إلى تجربة يومية ملموسة.

- الخاتمة
ربما لم تمر على لبنان سنوات أكثر قسوة وتعقيداً من هذه السنوات التي اجتمعت فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والنفسية. لكن المشكلة ليست فقط في أن البلاء جاء، وإنما في أننا سمحنا له أن يطول. وليست المشكلة فقط في أن الغلاء ارتفع، وإنما في أننا لم نبن اقتصاداً يحمي المواطن منه. وليست المشكلة فقط في وجود الفساد، وإنما في أننا سمحنا للفساد أن يتحول إلى ممارسة طبيعية. وليست المشكلة فقط في وجود الانقسام، وإنما في أننا سمحنا للانقسام أن يصبح أقوى من الدولة.
لقد وصل اللبناني إلى مرحلة يسأل فيها نفسه كل صباح: ماذا نحارب اليوم؟ هل نحارب الفقر؟ أم الفساد؟ أم الغلاء؟ أم الهجرة؟ أم اليأس؟ أم فقدان الدولة؟ لكن الحقيقة أن كل هذه المعارك مرتبطة بمعركة واحدة أكبر: معركة بناء دولة حقيقية.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى مزيد من الوعود، ولا إلى مزيد من السياسيين الذين يفسرون الفشل بدلاً من أن يتحملوا مسؤوليته. لبنان يحتاج إلى قانون يطبق على الجميع، وقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، واقتصاد منتج، ومؤسسات لا تخضع للأشخاص، وسياسة تجعل المصلحة الوطنية فوق المصالح الفئوية، ومواطن يرفض أن يكون تابعاً لأي زعيم على حساب وطنه.
لقد تعب اللبناني من أن يكون دائماً هو الطرف الذي يدفع الثمن. تعب من أن يدفع ثمن أخطاء غيره، وأن يتحمل نتائج فساد غيره، وأن يهاجر بسبب فشل غيره، وأن يخسر مدخراته بسبب سياسات غيره، وأن يخاف على مستقبله بسبب صراعات غيره. وما يحتاجه اليوم ليس خطاباً جديداً عن الصمود، بل مشروعاً حقيقياً للخروج من الأزمة.
فالبلد لا يُنقذ بالصبر وحده، ولا بالدعاء وحده، ولا بالشعارات وحدها. البلد يُنقذ عندما يصبح الخطأ مكلفاً، والفساد خطيراً، والكفاءة معياراً ومكافأتها مستحقة، والقانون أقوى من الواسطة، والمواطن أهم من الزعيم، والمؤسسة أقوى من الشخص. عندها فقط نستطيع أن نقول إننا بدأنا ننتصر. لأن المعركة الحقيقية ليست في أن نعرف هل نحارب البلاء أم الغباء أم الوباء أم الغلاء أم قلة الحياء، بل في أن نحارب كل ما جعل هذه الآفات ممكنة، وكل ما سمح لها بأن تتحول إلى واقع دائم. وأن نستعيد لبنان قبل أن يصبح الاعتياد على الانهيار هو الانهيار الأخير.
























































