قراءة: د. غالب خلايلي
١
للشيوخ الكبار، الذين أنضجتهم السنون بالمعرفة والحكمة والعمل الدؤوب، رسائلُ مهمّة يوجّهونها إلى الناس. والأستاذ الدكتور برهان الدين العابد -رحمه الله- هو من أكبر شيوخ طب التخدير وتاريخ الطب في سورية، وقد تشرّفت بالتعلّم على يديه في كلا المادتين على مقاعد كلية الطب بدمشق، بين عامي 1982 و1983، فكان الأستاذ المحبب المتواضع الدمث غير الدَّعِيّ، إذ لم يدّعِ مثلاُ أنه ألف كتاب طب التخدير، بل ترجمه بأمانة. كما كان لي شرف الاقتراب منه بعد نحو عقدين من تخرجي، فزرته في بيته الغني بمكتبة رائعة قلّ مثيلها، وهناك أطلعني على مشروع كتابه، مقالات كتبها بخط يده الجميل جدا، وهو في الثمانين، وأخرى مطبوعة، وهو موضوع حديثنا اليوم.
هذا، وفي خطوة مجيدة، قامت ابنته طبيبة التخدير مارية العابد في عام 2015، بإصدار كتاب والدها بعنوان: (الطب رسالتي والتاريخ هوايتي)، وطبعته جامعة دمشق في أربعمئة صفحة من القطع الكبير.
تقول د. مارية في بدء الكتاب:
لطالما سررت بمراقبة والدي -رحمه الله- وهو يبحث في مكتبته وبين أوراقه عن مقالاته القديمة، فيقرؤها وينقّحها ثم يذهب بها إلى المكتبة لطباعتها، ثم يضعها بموضعها في ذلك المصنف الأزرق الكبير استعداداً لإخراج كتابٍ يضمّها جميعاً. وكنتُ كلّما سألته: متى ستبدأ بطباعة الكتاب؟ أجابني: يوم تنتهي هذه الأحداث الدامية التي نمرّ بها، إلى أن قال لي يوماً: ربما ستنهيه أنت. (دمشق في 28/2/2015).
مقدمة الأستاذ العابد
بدأت منذ أواخر الخمسينات بالاحتفاظ بكثير مما أكتب وأترجم وأراسل، فتراكم لدي مئات من الأوراق، وعشرات من الدفاتر والكراسات، جلّها في الطب والتاريخ والعلاقات العامة والمعاملات الإدارية التي تتعلق بعملي بكلية الطب ووزارة الصحة، وكانت هذه الأوراق مبعثرة في أنحاء البيت دون أي نوع من الترتيب والتصنيف، وعندما أصبحتْ كثيرة لدرجة تسيء لأناقة المنزل، فكّرت في لملمتها من مختلف الأماكن التي لا تطالها اليد بالتنظيف.
وعلى الرغم من إهمالي الشديد لها، فقد عزً علي أن تضيع أو تتلف، مما حملني على البحث عن وسيلة تحفظها وتسهل مراجعتها عند الحاجة، إذ إن فيها زبدة ما كتبت خلال ما يربو على نصف قرن… وكان لي ولع في مجال الترجمة من اللغتين الإفرنسية والإنكليزية إلى العربية تشدني إليها موضوعاتها كالحرب الفرنجية (الصليبية) وتاريخ الحضارة والطب التقليدي الصيني.
إن تنوع الموضوعات واختلافها يتنافى مع ما تتصف به أكثر الكتب، وهو وحدة الموضوع، لذلك فقد وقعت بحيرة، وراودتني فكرة صرف النظر عن جمع هذا الإنتاج. واستمر التردد أسابيع وأشهرا، إلى أن جاءني الفرج فجأة بينما كنت أتصفح كتاب (عصارة فكر وتجربة حياة) وهو كتاب قيم يضم مقالات الأستاذ سعيد الأفغاني، يقول في أحد سطوره: “ما دمت أذكر وصية الأستاذ محمد كرد علي رحمه الله الذي قال: “ينبغي للكاتب أن يحرص على جمع مقالاته المنشورة والموزعة بين الكتب والصحف والمجلات في كتاب يضمها لكي لا يضيع أو ينسى”.
ذهب التردد، وحلّ محله تصميم شديد على جمع ذلك الخليط بكتاب واحد فيه طب وتاريخ واجتماع وأدب وفكاهة، ومما يلفت نظر القارئ أو المتصفّح لمختلف فصول الكتاب تكرار ذكر التخدير والمخدرين وذلك رغبة مني في تعريف الناس باختصاصنا وتغيير نظرتهم الدونية له ولمركزنا بالهيئة الطبية، وتهميشنا الذي يترك بنفوسنا عقدة تكاد تقضي على كل ما فعله الروّاد منا من جهود لرفعه إلى المنزلة الرفيعة التي يستحقها… وقد اكتسب المخدّرون مهارات كثيرة أثناء عملهم الشاق في غرف العمليات، نشروها ووضعوها بين أيدي جميع الأطباء، ليس أقلها التنفس الصنعي، وخفض الضغط القسري، واستعمال المُرخِيات العضلية، ومعالجة التسممات، والسبات المديد، وغيره من الإنجازات التي خرجت من غرفة العمليات، وأصبحت أسس أعمال وحدات الإنعاش والعناية المشددة وطب ما قبل المستشفى والإسعاف العاجل على الطرق وطب الكوارث وعيادات الآلام المزمنة وغيرها، وكلها إنجازات تمت على أيدي المخدرين الرواد، وكانت الطريق لتطوير عمليات القلب والدماغ والصدر ونقل الأعضاء وكثير غيرها.

تطور التخدير في سوريا
يقول الأستاذ العابد: لم أعثر فيما وصلت إليه يدي من مراجع تؤرخ للطب في سوريا (بين منتصف القرن التاسع عشر وأوائل العشرينات من هذا القرن) على أي ذكر للتخدير لا من قريب ولا من بعيد. والذي سمعته من بعض أساتذتنا الذين خدموا في الجيش العثماني في بداية هذا القرن وأثناء الحرب العالمية الأولى، لا يتعدى إدخال المشروبات الكحولية بكميات كبيرة إلى معدة المحتاجين لعمليات جراحية إسعافية طريقة للتخدير.
ولعل أول تطبيق للتخدير الحديث بالغازات والمخدرات الوريدية في بلادنا كان في مستشفى السادات بدمشق وفي مستشفى القديس لويس في حلب عام 1947 على يد الدكتور ألبير سلمون الطبيب اللبناني، الذي كان يتنقل بين دمشق وبيروت وحلب لتخدير مرضى الدكتور فروشو الجراح الفرنسي الذي بقي يمارس الجراحة في سورية ما يزيد على عشر سنوات بعد الجلاء عام 1946.
وفي عام 1949 قام عميد كلية الطب الأستاذ انسطاس شاهين بزيارة لبريطانيا بدعوة من المجلس الثقافي الحديث. وبعد عودته إلى دمشق طلب من المجلس المذكور استدعاء مخدر اختصاصي يتولى أمر تخدير العمليات ويدرب الأطباء السوريين. ولم تمض شهور قليلة من عام 1950 حتى جاء المخدر المنتظر إلى دمشق وهو الدكتور لزلي توماس سكوت ومعه آلة قديمة من طراز بويل، أثار شكل أسطواناتها شكوك رجال الجمارك الذين لم يفرجوا عنها إلا بعد تدخل السفارة البريطانية التي أدعت بأن هذه الآلة جلبت خصيصاً لتخدير زوجة السفير أثناء ولادتها الوشيكة.
صيف عام 1951 أخذت أتردد على كلية الطب بحثاً عن وظيفة شاغرة أحصل عليها بعد إتمام خدمة العلم.
وفي إحدى زياراتي للمستشفى؛ التقيت بأحد أساتذة الجراحة الذي قدمني للدكتور سكوت، وتعاون الاثنان على إقناعي بدخول هذا المجال الجديد، وأغرياني بانفتاح آفاقه أمامي، وسرعة ارتقائي مراتب الهيئة التدريسية بسبب عدم وجود من يتقدمني فيها. هذا ولم تجذبني الوظيفة وما تعد به من علو المراتب بقدر ما اجتذبتني الفرصة السانحة لتعلم اللغة الإنكليزية التي كانت جديدة على السوريين في ذلك الزمن. وقد أضمرت الانسحاب فور حصولي على قدر كاف من اللغة يؤهلني للسفر إلى الولايات المتحدة، والتخصص هناك بجراحة العظام.
بقيت أعمل مع الدكتور سكوت كما يعمل التلميذ مع أستاذه ثلاث سنوات، اكتشفت في نهايتها زوال العائق اللغوي بيننا زوالاً تاماً، ولكن عن طريق تعلم الدكتور سكوت اللغتين العربية والفرنسية، وليس عن طريق تعلمي أنا اللغة الإنكليزية.
وفي عام 1952 انضمت إلينا (نظيرة عز الدين، ناديا شايب)، وفي صيف عام 1955 خيرتُ الجامعة بين إيفادي إلى الولايات المتحدة أو قبول استقالتي، إذ شعرت بأن الخبرة التي اكتسبتها من الدكتور سكوت لن تؤهلني للكلام من موقع القوة والعلم باسم هذا الاختصاص المجهول، وقد اختارت الجامعة إيفادي إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
تتميز حقبة الخمسينات من تاريخ التخدير بنشوء جيل الرواد الأوائل الذين أسسوا شعب التخدير في مشافي الجامعة ووزارة الصحة والجيش والقطاع الخاص. ومن الطبيعي ان تكون كلية الطب ومشافيها مركز انطلاقة التخدير ونشره وتدريسه لطلاب الطب، فمنذ عام 1952 بدأ الدكتور سكوت بإلقاء محاضرات أسبوعية على طلاب السنة الثالثة كنت أترجمها إلى العربية أثناء الدرس. وفي هذه الفترة تم تخصيص أجور مستقلة للتخدير بعد أن كانت منحة من الجراح لا يجبره عليها عرف ولا قانون. ففي عام 1956 صدر مرسوم جمهوري يحدد أجور المخدرين بعشرين بالمائة من أجور الجراح، وكانت فرحتنا عارمة لهذا الحدث التاريخي.
ومن الأحداث الجديرة بالتاريخ تأسيس أول قاعة للإنعاش في سوريا عام 1958، ومن الطريف أن نذكر ما رافق تأسيسها من معارضة من قبل عمادة كلية الطب وبعض الجراحين، الذين رأوا في تخصيص غرفة كبيرة واسعة مجهزة بأدوات وآلات وممرضات وتلفون ووضعها تحت إشراف المخدرين إسرافاً وهدراً لأموال المستشفى وسلطة إضافية للمخدرين تمس هيمنة الجراحين على جناح العمليات.
هذا ولم تفتح هذه القاعة إلا بعد تمرد المخدرين والقيام بإضراب لم يتراجعوا عنه إلا بعد الموافقة على فتح القاعة.
تنادى المخدرون عام 1964 ولم يكن يزيد عددهم آنذاك على خمسة وعشرين طبيباً، إلى تأسيس جمعية أسموها جمعية الأطباء المخدرين.
كان الغرض منه التأكيد على أن المخدرين أطباء وليسوا مساعدين أو ممرضين أو راهبات. ومن الأحداث الهامة في الستينات إنشاء نظام الإقامة Residency training program في مشافي كلية الطب ووزارة الصحة، فقد كانت الوسيلة الوحيدة الممكنة لتلافي النقص في عدد المخدرين. إذ حتى أواخر الستينات كان الاختصاص في البلدان الأجنبية هو الطريق الوحيد لزيادة عدد المخدرين، وحتى الأفراد القلائل الذين عادوا من البلدان الأجنبية بعد إنهاء اختصاصهم، سرعان ما كانت تجتذبهم الرواتب المغرية في البلدان العربية البترولية وأوربا.
تجاه هذا الوضع المأساوي لجأت وزارة الصحة إلى خلق برنامج لتدريب الممرضات على التخدير لمدة سنتين، وعهدت بذلك إلى المخدرين القلائل الذين يعملون في مشافيها بدمشق وحلب، ومضت أعوام الستينات والبرنامج يخرج الدفعة تلو الدفعة، مما زاد في إعراض الأطباء عن التخدير وعدم اجتذابه لهم.
قامت وزارة الصحة بتأسيس المعاهد الصحية عام 1971 لتكوين مساعدي مخدرين بمؤهلات أرفع من الممرضات، وجعلت الدراسة لمدة سنتين نصفها في المشافي، وأعطيت الأولوية لطلاب المناطق النائية التي تفتقر إلى خدمات أمثال هؤلاء، فكانت النتيجة تجمع هؤلاء المساعدين في العاصمة وغيرها من المدن بعد التخرج، وتهربهم من الرجوع إلى مناطقهم النائية. أصبحوا يزاحمون الأطباء في كثير من المدن، ويعملون في المشافي الخاصة قليلة التجهيز والاستعداد، وبظروف سيئة للغاية، وبنتائج أسوأ، ويحصلون على تأييد بعض الجراحين أصحاب المستويات الدنيا الذين يرونهم أداة طيعة رخيصة.
حفل عقد السبعينات بمنجزات أهمها كرسي خاص بالتخدير، وجعل التخدير قسماً مستقلاً، وإصلاح مناهج كلية الطب بحيث أدخل التخدير، ثم أحدث نظام الدراسات العليا. وقد أرادوا تسجيل هذا الكسب بطريقة علمية فقاموا بتحرير عدد خاص كامل من مجلة تخدير الشرق الأوسط التي تصدر في بيروت باللغة الإنكليزية تضمن ما يقرب من خمسة عشر بحثاً ومقالة تعكس المستوى الرائع الذي توصل إليه المخدرون في بلدنا. وأصبح مادة لها حصتها بعد أن كان منحة شخصية من قبل أستاذ الجراحة الصغرى.

تطور طريقة التدريس:
تطورت طريقة تدريسنا لمادتنا إذ ركزنا على بحث الإنعاش: الإنعاش التنفسي والقلبي الرئوي والتنبيب الرغامي والمعالجة بالأوكسجين ونقل الدم والمصول وموسعات حجم المصورة والإسعاف الأولي في حوادث الطرق. وبدأنا نمهد لتدريس مبادئ وأسس العناية المشددة وطب ما قبل المستشفى ومعالجة التسممات (طب الكوارث).
في عام 1974 قامت وزارة التعليم العالي بإنشاء نظام للدراسات العليا، مزيجاً من نظام الإقامة الأمريكي وشهادة الدراسات العليا الفرنسية، فخلال الاثنتي عشر سنة التي مرت من عمر الدراسات العليا خرجت أقسام التخدير في دمشق وحلب مئة وثلاثة عشر اختصاصياً، هذا إضافة إلى الوافدين من البلدان الأجنبية.
ويسعدني ان أسجل للتاريخ بأن أول كتاب مطبوع تناول موضوع التخدير كان من إعداد الزميل الأستاذ طه الجاسر وعنوانه (مبادئ التخدير)، أعد خصيصاً للمساعدين والممرضين عام 1964. جميع الكلمات الفنية والتعابير والمصطلحات التي انتشر تداولها بين المخدرين باللغة العربية كانت من وضع وتوظيف كاتب هذه السطور (الأستاذ العابد).
ومنذ أوائل الثمانينات، بدأ يظهر اتجاه جديد يدل على النضوج والحصافة، وعلى النزوع إلى ممارسة أقرب إلى التفنن والإبداع، فقد تحول بعض المخدرين في بلدان كثيرة من التخدير في فروع متعددة، إلى الالتزام شبه التام بفرع واحد، إذ أخذوا يصرفون جل وقتهم في تخدير عمليات الجراحة القلبية أو التوليد وأمراض النساء، أو الأطفال، أو العناية المركزة الخاصة بالأطفال. وكان أول مؤتمر لهم في خريف عام 1988.
يبلغ عدد المخدرين الاختصاصيين المسجلين في وزارة الصحة حين كتابة هذا المقال عام 1998 (314) طبيباً. يمارس الطب سبعون منهم خارج البلاد.
إن أكثر من 90% من الأطباء المخدرين يعملون موظفين لدى الدولة سواء أفي الجامعة أم وزارة الصحة أم الدفاع. والبعض منهم يمارس أعمالاً خاصة في المشافي خارج أوقات الدوام الرسمي.
فرص العمل محدودة بالنسبة للمخدرين وأعني بذلك العمل الخاص المجزي. إذ إن العمل الوظيفي، فضلاً عن مردوده المتواضع، لا يشغل إلا جزءاً من وقت الطبيب، ويعتبر المخدر نفسه عاطلاً عن العمل إذا لم يرتبط بمشفى خاص يعمل فيه باقي وقته. وتتراوح أجور المخدرين بين 5- 30% من أجور العمل الجراحي نظرياً، وقد تصل إلى 40% في بعض المشافي التي لا تتقيد بالتعرفة الرسمية، وتعطي المخدرين أجوراً مقطوعة، وتستأثر بالتعرفة المرتفعة لنفسها.
أمر سيئ آخر هو فرض ضريبة من قبل أصحاب المشافي على المخدرين دون غيرهم من الأطباء لقاء السماح لهم بالعمل، تتراوح بين 15- 50% من دخلهم مما قل أو كثر. فصاحب المستشفى يعد نفسه حراً في طرح أعمال التخدير في مستشفاه على المزاودة، ومنحها لمن يعطي النسبة المئوية الأعلى، ضارباً عرض الحائط بالكفاءة أو القدم أو المؤهل العلمي. هذا ولا توجد حماية للمخدرين في المشافي الخاصة مطلقا. وللتاريخ أقول: صدر قرار يمنع ويعد بمعاقبة المشافي، ولكن القرار لم يوضع موضع التنفيذ مرة واحدة. المشكلة بيد المخدرين أنفسهم، فاجتماع كلمتهم على رفض هذه الضريبة وحده كفيل برفع الحيف عن الجميع، وهو مع الأسف أمر لا يزال بعيد المنال، أمام مشكلة لم تكن معروفة قبل الثمانينات ألا وهي كثرة المخدرين الذين يعرضون خدماتهم فاتحين الباب على مصراعيه أمام أصحاب المشافي.
الأحوال المادية للأكثرية الساحقة من المخدرين تدعو للحزن والألم. وإن ممارسة التخدير مخيبة للآمال لا تضمن الحدود الدنيا للعيش الكريم إلا بشق الأنفس، إلا إذا عمل المخدر ساعات طويلة ليلاً ونهاراً في ظروف مهينة أحياناً لا تسمح بحياة اجتماعية وثقافية وعائلية كغيره من الاختصاصيين، إضافة لتعرضه بصورة مستمرة لشتى أنواع الشدة والضغط النفسي والأخطار الصحية الناجمة عن البقاء معظم يومه في جو ملوث.
نصف إلى ثلثي طلاب الدراسات العليا في قسم التخدير بكلية الطب يتركون التخدير ويتحولون على فرع آخر أثناء السنة الأولى من تدريبهم نظراً لصدمة الواقع الأليم، ولما يصادفونه من قسوة العمل والإرهاق، ولما ينتابهم من شعور بالغبن.
التخدير من الموضوعات المجهولة حتى في الوسط الطبي. وبعض اللوم في رأيي يقع على المخدرين لأنهم على الغالب منطوون على أنفسهم ميالون إلى العزلة والاعتكاف، مكتفين من دهرهم بما قسم الله، الأمر الذي دعا أحد الجراحين سليطي اللسان أن يعرّف المخدر بقوله: “هو شخص غارق بالنعاس يراقب شخصاً غارقاً بالنوم”.
هذا الفرع الجديد الذي لا يتجاوز عمره المائة عام، وطبيعة العمل فيه لا تسمح كثيراً بالاختلاط بالمرضى وإقامة العلاقات مع الجمهور. والرأي العام يتأثر تأثراً كبيراً برأي الأطباء فهم الذين يوجهونه من حيث لا يدري، ولا أبالغ إذا قلت: إن التعليم الطبي يتكيف ويتأثر بنظرة الجمهور، فالاحترام الذي يكنه الناس لطبيب القلب أو الدماغ يزيد حتماً عما يحظى به من اعتبار طبيب المسالك البولية أو المخدر.

٢
عجائب التخدير عبر القرون:
إن تاريخ التخدير حافل بالطرف والعجائب، فقد انتقلت مهنة تسكين آلام الناس بين أنواع متنافرة من الأشخاص.
خليط عجيب من البشر منهم الصالح ومنهم الطالح، فمن السحرة والعرافين الذي يكتبون التمائم ويرسمون الوشم على صدور المرضى، إلى الجلادين الذين يهوون بهراواتهم الغليظة على رؤوس المتألمين لتسكين أوجاعهم، إلى الملوك الذين خصصوا أنفسهم بحفظ كلمات الله التي فيها الشفاء، إلى كهنة ورهبان يضعون أيديهم على رؤوس المعتلّين وصدورهم، فيزول الأسى وتطمئن القلوب وتنام الجفون التي جفاها الرقاد، إلى خمّارين في دنانهم الرحمة وفي كؤوسهم البرء والشفاء.
استعمل البابليون والمصريون والصينيون واليونانيون والأعراب وغيرهم من الشعوب السامية الماندراعورا والبلادونا والقنب الهندي والشوكران والخشخاش. ففي الأوديسة لهوميروس كانت هيلين تحضر مشروباً يعتقد أنه من مركبات الأفيون تأخذه لكي تنام وتنسى همومها. وفي الإلياذة ذكر لدواء مسكن للآلام، وكانت كليوبترا تتناول المانداعورا لتجلب لعينيها النعاس، وكانت شهرزاد تنام على سرير من الخس لتنسى آلام الفراق.
وبتقدم المجتمع في القرون الوسطى، أخذ رجال الدين على عاتقهم مهمة تخدير الناس ومداواتهم مستعينين بالصلوات والأدعية وبتسليم الأمر إلى سلطة علوية، الأمر الذي حرك الغيرة في نفوس الملوك والأمراء، فأخذوا هذه المهمة من الكهنة، وادعوا أن الله تعالى حول أسرار المهنة إليهم.
تذكر الانسيكلوبيدا بريتانيكا أن لويس التاسع ملك فرنسا (وهو الذي قاد الحملة الصليبية السابعة على مصر ووقع أسيراً في معركة فارسكور) كان متخصصاً بتسكين آلام مرضى داء الخنازير.
وانتقل التخدير وتسكين الآلام في أواخر القرون الوسطى من أيدي المتطفلين على المهنة إلى أيدي أصحابها الأصليين، ففي مدرسة ساليرنو في إيطاليا يصف نقولا دوساليرنو الاسفنجات المنومة وهي أداة التخدير في العمليات الجراحية. تحشى اسفنجة مستخرجة حديثاً من البحر بشتى أنواع بذور وعصارات الخشخاش والأفيون والشوكران وغيرها وتوضع فوق أنف المريض قبل إجراء العملية كما نضع القناع في عصرنا الحاضر.
موت بعض الذين كانوا يعطون الأشربة المنومة من وقت لآخر كان يزيد من قناعة الناس في تلك العصور بأن الألم قدر إلهي يجب أن يقبله الإنسان دون أن يحاول تخفيفه، وأن مجرد محاولة تسكين الألم معناه معاندة القدرة الإلهية والكفر.
مئات السنين مرت عندما اكتشف طبيب اسمه سمبسون SIMPSON طريقة لتسكين آلام المخاض بواسطة تنقيط الكلوروفورم سماها “التخدير الملكي”، وانتهت المعركة بانتصار التخدير على معارضة رجال الدين.
إن كتب الطب طافحة بأسماء الكيماويين والأطباء الذين فكروا في التفتيش عن عقار يسكن الآلام أثناء العمليات الجراحية، وكان من نتائج اختباراتهم التي دامت أربعة قرون اكتشاف الايتر والكلوروفورم وأول أوكسيد الآزوت والأوكسجين وغاز الفحم، أشهرهم بريستلي PRESTLY الذي هجر موطنه في انكلترا هرباً من الاضطهاد الذي تعرض له نظراً لتأييده الأفكار التحررية التي جاءت بها الثورة الفرنسية.
قام ت. ج. مورتين MORTON في 16 تشرين الأول 1746 في مستشفى مستشوست العام بتخدير مريض بالايتر أثناء استئصال ورم من الرقبة، وكانت التجربة ناجحة لدرجة شجعته وشجعت غيره على المضي في هذا السبيل الذي مهد الطريق لاكتشاف الكلوروفورم.
تعرضت المهنة الجديدة لهزات عنيفة سببها ظهور بعض الأخطار وحدوث أول وفاة بالتخدير عام 1747، وكان من نتيجة ذلك أن هجر المهنة البعض ونظر إليها نظرة قلة احترام البعض الآخر، فانقلب التخدير إلى عمل ثانوي على هامش الطب، وظل كذلك بحالة ركود نسبي ما يقرب من مائة عام.
ويعتقد بعض أئمة المخدرين بأن علم التخدير وصل القارة الأوروبية عام 1946، أي بعد مائة عام تماماً من نجاح مورتون، وقد كانت هذه الأعوام المائة مزيجاً عجيباً من الشجاعة ونقص الوعي ومن الإبداع الذي يدعو للدهشة.
وإذا استثنينا بعض أسماء الأطباء اللامعين كسنو وسيمسون وكلوفر وامبرادان، فقد كان المخدرون ينتقون من بين الراهبات وطلاب الطب وحتى خدم المستشفيات، الأمر الذي يجب أن لا يجعلنا نخجل من وضاعة سلفنا من المخدرين الأوائل، فقد كان الجراحون ينتقون من بين صفوف الحلاقين.

التنبيب الرغامي، والتنفس الصناعي:
اخترع طبيب في غلاسكو أنبوباً معدنياً طرياً كان يدخله الرغامى بواسطة حس اللمس وبدون تخدير. وبعد أربعين عاماً نشر ماغيل ورويوثام طريقة التنبيب الرغامي وتلا ذلك عصر جراحة الصدر.
وكان تطبيق التنفس الصناعي لتحاشي التنفس العجائبي وانحراف المنصف بعد فتح الصدر من منجزات تلك الحقبة.
ولكن الثورة الحقيقية في فرع التخدير لم تأت إلا في عام 1942 بعد إدخال الكورار من قبل GRIFFITH بالمخدرات الفلورينية FLUORINATED كالهالوتان والباتتران.
من المكتشفات الفائقة الأهمية أيضاً مخدر وريدي مذهل في سرعة التأثير وانطراح هو البروبانيديد PROPANIDID.
هذا وقد رافق هذه المنجزات تقدم ميكانيكي جعل آلات التنفس الاصطناعي من أجزاء أجهزة التخدير، وحلت أجهزة المراقبة الالكترونية العديد من مشكلات المخدر.
انتشر البحث العلمي في البلدان الأمريكية والكندية والإنكليزية، أما في البلدان الأخرى فإن ضغط العمل لا يسمح للمخدر بأن يكرس الوقت الكافي لإجراء البحث العلمي.
إن سعة حقل نشاط المخدر بالإضافة لشمول خبرته الفنية نتج عنها زيادة مسؤولياته في العناية بالمرضى في المستشفى الحديث، فبتنا نُدعى للاضطلاع بأعمال يبدو أنها بعيدة عن دور المخدر التقليدي بُعد السماء عن الأرض.
هنالك مجال واحد أعتقد أن المخدر مهيأ له أكثر من أي طبيب آخر ألا وهو مجال تقييم المريض قبل العمل الجراحي، وإعطاء فكرة عن مدى الخطر ومبلغ المجازفة بالإضافة لتحضير المريض وإعداده الدوائي والنفسي للعمل الجراحي.
إن هدفنا هو أن يكون هم الجراح الوحيد عمله الجراحي، ونسعى جهدنا بان لا يكون عامل الوقت ذلك الشبح الذي يوسوس للجراح بشتى المخاوف فيقدم على عمله الجراحي وهو واثق من تحقيق أغراضه دون أن يفكر بأن يحققها قبل انتهاء وقت التخدير. ومن الثابت اليوم أن الجراحين أصبحوا أكثر جرأة في الإقدام على العمليات، فأنا لا أذكر أنني شاهدت أكثر من خمس عمليات قيصرية خلال السنوات التي قضيتها طالبا في كلية الطب، أما الآن فيكاد لا يمر يوم دون أن تجرى فيه عملية أو أكثر من هذا النوع، والعمليات التي كانت من أوقاف كبار الجراحين الموروثة كالمفاغرة المعدية المعوية مثلاً أصبحت تجرى من قبل المقيمين وبعض النجباء المدللين من المعاودين.
إن نوعية التخدير الممتاز هي في الأصل نتيجة للمعلومات الفيزيوباتولوجية والفارماكودينامية للطبيب الذي يقوم بالعمل، فبالإضافة لخبرته الفنية على المخدر أن يمتلك حكمة الطبيب الداخلي وحساً مرهفاً لتقدير مشاكل الجراح، وعليه أن يعرف كل المشاكل الاستثنائية التي تحصل أثناء العمل في الاختصاصات الجراحية المختلفة وعليه أن يكون فرماكولوجياً سريرياً لأن عمله يتضمن استعمال جميع أنواع الأدوية.
إننا نعيش في عصر نستعمل فيه الأدوية بكثرة مذهلة، ونتوسل إلى زملائنا الجراحين أن يتريثوا قليلاً قبل أن يثقلوا على المريض بأعباء الأدوية إذ تكفيه أعباء مرضه.
والحقيقة أن الطبيب المخدر الكفء يحصل على أفضل النتائج بصرف النظر عن نوع المادة المخدرة أو جهاز التخدير، فالمهم هنا كفاءة المخدر قبل الأدوية والآلات. إن تخدير المريض معناه الأخذ بيده في طريق تبدأ بفقد الوعي وتنتهي بالموت، والذين دربوا تدريباً كافياً وحدهم يعلمون المسافة التي يجب أن يقطعها المريض، والتي توافق عمليته، وهؤلاء وحدهم يعرفون أين يقفون ومتى يعودون دون أن يسوقوا مريضهم رغم إرادتهم إلى نهاية الطريق.

أهم اعتبار هو لذكاء الإنسان:
إن الطبيب الكفء يحصل على أحسن النتائج بأبسط الوسائل. مثال:
استدعي أحد المخدرين البريطانيين لتخدير شخصية كبيرة في بلد من بلدان أوروبا الوسطى، فلما فحص الطبيبُ المخدرُ مريضه، وكان بحالة سيئة جداً، قرر أن أحسن طريقة لتخديره هي تخدير سطحي بالقناع المكشوف بالأثير، بالإضافة إلى تخدير موضعي، وهكذا كان، وأجريت العملية، وأنقذ المريض، فالتفت الجراح وكان من أشهر الجراحين في أوروبا، وقال للمخدر:
أتيت من تلك البلاد البعيدة لتخدر لنا بالأثير وبالتخدير الموضعي. كان باستطاعتنا بسهولة أن نقوم بهذا العمل.
فالتفت إليه المخدر وقال:
لقد سمعت كلاماً كثيراً عن مهاراتك يا سيدي، ولكنني لاحظت أنك تستعمل المشرط نفسه الذي يستعمله غيرك من الجراحين، ولا أتصور أن هناك آلة بوسعها أن تأخذ بعين الاعتبار جميع العناصر بكفاءة تفوق عقل وذكاء الإنسان.
ففي الولايات المتحدة يموت بالتخدير كل سنة 20-30 ألفا من الناس، ويأتي في الدرجة السابعة بين أسباب الوفيات، وفي فرنسا يموت 5 آلاف مريض بسبب التخدير سنوياً.
إن التخدير عملية دوائية كبرى MAJOR مهما كانت العملية الجراحية بسيطة وقصيرة. إذا كان في الجراحة عملية كبيرة وعملية صغيرة، ففي التخدير لا وجود لهذا التصنيف، فالتخدير دوماً عملية كبرى، وحياة المريض هي التي تدفع ثمن الاستهتار بهذه المبادئ الثابتة.
وأخيرا، يذكر الأستاذ العابد أن نسبة الانتحار بين الأطباء المخدرين عالية جداً، وتعادل سبعة أضعاف نسبة الانتحارات في الاختصاصات الأخرى، وهذا أمر جدي لا أورده للتفكه.
***
أكتفي بهذا القدر من التعريف بمهنة التخدير المهمة، وهو ليس بقليل على أية حال. وأترك الموضوعات التاريخية لقارئ الكتاب، وهي موضوعات مهمة، لا يتسع لها هذا العرض، وأختم بالترحم على أستاذنا وجيله، مع خالص الرجاء بجيل جديد يحمل مشعل العلم.
دمتم طيبين..
دمشق 18 آب 2026

























































