المرور والتسوق في آخر لحظة
د. غالب خلايلي
ها قد انتهت عطلة أيامٍ ثلاثة من عيد الأضحى المبارك، أعاده الله عليكم جميعاً وعلينا بالصحة والعافية والأمن الصحي والغذائي والطاقيّ… واليُّمن والبركات.
على أن عطلتي ابتدأت كالعادة بعد ظهر وقفة العيد، حرصاً مني على تأمين مرورٍ مسائي انسيابي في الشوارع الغاصّة بالسيارات المجنونة المغامرة لمن لم يستوفوا معدّات العيد، وقد تركوها -كعادتهم- لآخر لحظةٍ، ومعهم حق، فآخرالساعات واللحظات هي الأنسب للشراء، حيث يحصل المرء على أكثر الحاجات جدّة وطزاجة، بعد أن يكون كل القديم قد دُفع من المخازن وبيع، كما يحصل على كعكٍ ساخن وشهيّ، يسرّ الآكلين ويبهج الناظرين، وإن لم تكن هذه سياستي العيديّة، ولا مبدئي في الحركة والتسوق، إذ لا بأس عندي بحاجات قديمة بعض الشيء، ولو من سابق عيد، ما عدا الطعام طبعاً، الذي لن يضارّ أو نضارّ معه إن تم شراؤه قبل وقت معقول.
وفي هذا العيد السعيد حدثت معي أمور ما كنت أتوقعها، إذ إنها تحدث بهذه الصورة أوّل مرة.
معلوم أو غير معلوم أن هاتفي لا يرنّ إلا لحاجة من المتّصل، حتى إذا قال أحدهم لي: إنه يتصل لمجرد السّلام والاطمئنان، أبقَ مندهشاً تماماً لعدة أيام أو ربما لشهر.
بعد أن أصلحت سيارتي للمرة الثالثة خلال أيام، للعيب نفسه (وكان سير المحرك قد انقطع لسبب ما)، كنت متوقعاً مثلاً أن تأتيني رسائل تنبهني إلى أن ترخيص السيارة قد انتهى أو قارب على الانتهاء، وكذا تأمينها، أو رسالة من المؤسسة المالكة لمبنى العيادة تفيدني بضرورة تجديد العقد الذي سوف ينتهي في رأس الشهر، مع زيادة بسيطة متوقّعة، أو تنبيه خامس من أجل دفع مستحقات تخصّ إلكترونيات عيادتي…
لكن -ويا للعجب- كل ذلك لم يحدث!..
وما حدث هذا العيد مختلف جداً، إذ لم يتصل أحدٌ أبداً لحاجة طبية أو اقتصادية، إنما جاءتني من مرضاي (الذين يقدّرون بالآلاف عبر العقود) مئات الاتصالات من أجل التهنئة بالعيد، وكذا بضع مئات أخرى على شكل رسائل نصية وبريدية لم أستطع فتحها كلها، قلت أفتحها على مهلي في أوقات فراغي وأردّ عليها بمثلها أو بأطيب منها، هذا ناهيك عن مجموعة الأصدقاء المختارين الذي راسلوني أو راسلتهم، وحملت الرسائل كلها أجمل الصور والمقاطع المبهجة، وأطيب الأمنيات والعبارات. واللافت أن المهنّئين الأكبر سناً لم ينتظروا منّي تهنئة (على أساس السنّ والواجب..)، بل بادر كثير منهم بالمعايدة، فأثلج صدري ثم جعله يسخن قليلاً، كيف سبقوني إلى التهنئة، إذ إن العين لا تعلو أبداً على الحاجب، والواجب واجب.
ولا أكتمكم سرّاً بسعادتي البالغة باجتماع الأحباب من كل حَدَب وصوب، ولا بالأخبار المفرحة التي لا تتوقف على مدار الساعة.. أدام الله البهجة والحبور عليكم جميعاً، ولا حرمكم من فضله ولطفه.
أما الشيء الألطف الذي يحدث معي أوّل مرة بعد ثمانية وعشرين عاماً من افتتاح العيادة، فكان صباح السبت (أي اليوم)، حيث قاومت نعسي من سهرة الأمس، وشربت قهوتي من (ترمس البارحة)، وحضرت بكامل الأناقة والهندام، مخترقاً شوارع المدينة شبه النائمة.
كنت متفائلاً جداً، وأنا أرى صديق السيارات والمواقف قريباً مني، نشيطاً كعادته رغم الحرّ الصعب، فقطعت بدريهمات ستة تذكرة الاصطفاف (الباركنج) لثلات ساعات، وتوجهت إلى العيادة، وكم سرّتني رؤية درج البناية يلمع من فرط النظافة، ورؤية شباك الدرج المكسور وقد أصلح في العطلة.
وعندما اقتربت من باب العيادة وضعت يدي في جيبي، فلم أجد ربطة المفاتيح فيها!!!.
الحق أنني بقيت محافظاً على هدوئي تماماً كأنني أستمع إلى أغنية فيروزية، وعدت أدراجي إلى البيت الذي استيقظ ساكنوه لتوّهم، وهم ينتظرون خدمةً عاجلة من هيئة الهاتف التي يتّصل بي مقسمها الإلكتروني المبرمج بالدهاء الصناعي كل نصف ساعة، ويسألني الأسئلة ذاتها (عن رقم الشحنة…) على أساس أنه سوف يرسلها بعد وقتٍ نتفق عليه، ثم يغلق بأدب إذا أخطأتُ الخيار، أو تأخّرت برهةً بالرد، ومعه حق، فهل أنا الزبون الوحيد الذي ينتظر شحنةً ما؟
وكم ضحكتْ زوجتي على خطئي المفتاحي الذي يحدث أول مرة منذ حملتُ مفاتيح في جيبي، ومع ذلك حمدتُ الله أن الطرق جميلة وسالكة، وأن أهل البيت موجودون فيه، وإلا كان عليّ أن ألفّ في ألف دوامة وأدخل في ألف حيص وبيص.
و… دمتم بخير.
العين، السبت 30 أيار/ مايو 2026


























































