سوق (التنابل) الشعلان وسط دمشق
د. غالب خلايلي
بعد مقالي السابق الذي انتهى بوعكة عابرة، تلقيت من أصدقائي العارفين بطعام الصيف في دمشق، نصائح بالانتباه إلى ما يجب تجنبه، لاسيما المايونيز ومشتقات الحليب، وركز بعضهم على البطيخ الأحمر (الجبس)، لسبب لا أدريه، علماً أنني فكّرت بأكثر من سبب إنتاني الطبيعة، نتيجة التجوال والمخالطة التي لا يأمن فيها المرء لمسةً ما (أو لقمةً) تحمل العدوى.
وأنا -بالطبع- أعرف الأطعمة التي تخرب بسبب الحرارة وسوء النقل أو الحفظ (وهذا ينطبق على الأدوية والأخطر اللقاحات)، لا سيما مع الجهل أو الجشع، علماً أن الكهرباء تحسنت كثيراً هذا العام -بغض النظر عن تكاليفها غير ذات الأهمية عند من يمتلك مطعما أو مصنعا أو وكالة أدوية..-، وأن من ينظر إلى دمشق من علٍ يرَ أسطحها مسقوفةً بكمية هائلة من ألواح شمسية، لكن الكهرباء لا تصل إلى ضمائر كثيرين من معدّي الأطعمة وغير مجال، لترى أن فقدان الضمير صفة غير قليلة المصادفة على مدى الزمان، فذاكرتي ما زالت تئن حتى بعد خمسة وثلاثين عاما بسبب شاورما بدت شهية تناولناها في حمص من مكان معروف، فكانت وبالاً عليّ (لا أدري لماذا أنا وحدي الذي يتأثر؟)، إذ خرّبت رحلتنا إلى شاطئ اللاذقية (مع أمور أخرى لا داعي للاستفاضة بها)، فكان أن حزمتُ أمتعتي شاردا إلى حلب فالشام.
كما أن تلك الذاكرة ما زالت تئن أيضا بعد عقود ثلاثة من تسمم حاد بالبوظة العربية، التي اشتريتها -بظن في غير محله- من سوق دمشقي شعبي شهير، فعانيت وعائلتي من مرض شديد (إسهال فظيع وآلام عضلية مفصلية مضنية لأسبوعين) لم أعرف له خلاصا، وأنا الطبيب، كما أذكر أنني عانيت في صيف قريب (2019) من إسهال كاد يطيح بي – لولا لطف الله- بين دمشق وبيروت، وخرب رحلتنا مع الأسف، ولهذا بقيت النصيحة بتجنب الألبان والأجبان واللحوم والمايونيز والخضار الورقية... إلا بعد التأكد من حسن طهوها، وتجنبها في المطاعم غير الموثوقة.

عجائب أخرى في الشام
وأنت تسير في شوارع الشام الجميلة والعريقة، وعدا عن التدخين الشائع حتى بين صبايا لا تتوقع ذلك منهن، ونفخ الشفاه في الأعمار الصغيرة والمتوسطة، ترى العجب العجاب أحيانا، من نظافة غير محببة بسبب الشطف المفرط واستهلاك كمية كبيرة من المياه (بالخرطوم على مداه)، والأدهى إهمال بعض الناس لقواعد رمي المخلفات (الزبالة) في الشوارع والحدائق، فإذا بالقمامة تتراكم حتى قرب سلال المهملات، وإذا بك تأخذ أمام أي نهر مسافة أمان.
كما ترى عدداً لا بأس به من متسولين ومتسولات محترفين ومحترفات من الأعمار كافة، من طفل صغير إلى صبية يانعة إلى كهل..، أو بائعين جوالين من الفئات العمرية ذاتها، بعضهم يستعطفك للشراء، وبعضهم ينهرك إن رفضت، حتى إن شابا (يصلح مصارعا) وقف يهدد بأنه سيحرق شارع الصالحية المغلق كله، بسبب أنني تجاهلت بيجامته وجواربه، فيما نصحتني زوجتي (الحكيمة) التي ترافقني بالتصرف اللين مع (مساكين) ولو كانوا مستفزين، وكيف لا تهبط عليّ الحكمة أمام مارد لعله مدمنُ دواء ما، أو شاربُ عبواتٍ من منشط كافئيني شهير تنمو بعده الأجنحة؟.

لكن الحمد لله، مثل هذا النموذج قليل، ولم أصادفه مرة أخرى على الرغم من عودتي مرات إلى الطريق ذاته، الذي يحتضن منذ عقود بائع شطائر سجق شهير، رفع أسعاره 15% خلال أيام فقط، على الرغم من هبوط الدولار بالقدر نفسه تقريبا، ولما سألته عن السبب “استهبل”، مثلما “استهبل” بائع فواكه على رصيف منطقة حيوية في الجسر الأبيض لا يضع سعرا على بضاعته، ليبيع بأسعار مضاعفة مرتين أو أكثر، تبعا لمظهر الزبون، وبرر (الأخ) فعلته تلك، بأنه لا يلحق وضع دفعة جديدة من الكرز أو المشمش… حتى يأتي بغيرها، بمعنى أنه يتابع بورصة الفواكه لحظة بلحظة، ولا يلحق تسجيل السعر الجديد!.
على أن هذا ليس حال آخرين، يعاملون الناس بكل لطف وأمانة، بل ويضيّفونك شيئا مما تريد أن تشتريه، وأنا أنصحك هنا لوجه الله ألا تتذوق شيئا يحتاج إلى غسل، وأن تغلي كل جبن تشتريه فيما يخبرك البائع أنه لا يحتاج إلا للغمر بماء ساخن.
بصّارة في سوق التنابل (الشعلان)
سوق الشعلان الدمشقي الشهير يعج بكل طيب وكل أشكال الناس، ويكاد بزحمته الخانقة بين بشر وسيارات (في تمازج وتناغم يصعب أن تراه في غير مكان) أن يكون فريد زمانه.
وما عدا كل أشكال الخضار الجاهزة للطبخ مثل الكوسا المحفورة أو البامية المقمّعة أو البقدونس المقطع أو الثوم المقشر (ولهذا دعي سوق التنابل)، هناك الطعام الشهي بكل أنواعه من الفلافل والبطاطا المقلية إلى البيتزات فالشاورمات… والحلويات والمثلجات مما لذ وطاب، إلى أنواع العصير والقهوة…، رغم أن زعيمي العصير وخلطات الفواكه والقشطة والعسل أبا عبدو وأبا شاكر، غير بعيدين.
وفي وسط هذا الزحام تقتحم تأملاتك امرأة يابسة العود كأنها خارجة من منجم فحم، تريد بصوتها الحديدي الصدئ أن تكشف لك أو ل (حرمتك) طالعها وطالعك.. ويا لحظك المنكوب إن وافقت!، ولو لم أكن شديد النفور من كل الترهات، ناهيك عن وجود ما يشبهها في مهنة الطب (دون تفاصيل الآن) لتركت بصّارتنا تنير بصيرتنا وتأخذ راحتها بقصصها التي لا يمكن أن تمر على خيال كاتب محترف.
ومن المؤسف مرة أخرى أن ترى منطقة الشعلان وحديقة السبكي وراءها نظيفة في الصباح، كثيرة المخلفات آخر الليل..
وليت بإمكان المرء أن يتقمص حياة تنبل ولو لوقت يسير.

السيارات وسائقوها ومعضلة صفّها في الشام
يندر أن ترى -ومنذ عقود أيضا- سيارة في الشام غير مشحوطة أو مبعوجة أو سليمة المرايا والزجاج، حتى لتبدو بعض السيارات كأنها خارجة من حرب أو زلزال، فيما ترى معالجاتٍ تجبيريةً لبعض المرايا أو الجوانب فلا تسقط أرضا، إذ لصقت أو ربطت بإحكام.
مرة رأيت سيارة تكسي قديمة (تكاد تنحطم وحدها) بلا مرايا جانبية بالمرة، هذا ما عدا الديكور الشائع المسمى حزام الأمان، الذي قد يغيب بالمرة، أو تراه مهلهلا لا يثبت في مكان، بل الأعجب أنني ركبت سيارة حديثة كاملة المواصفات، ولما رحت أحاول وضع الحزام فشلت، وهنا انتبه (خيّال) السيارة فسحب قطعة حديد ثبتها في قفل الحزام كيلا يزعجه المنبه عند سير سيارته براكب مستهتر بالقوانين.

على أن هذه الصورة تحسنت مع سيارات جديدة، ومنها سيارات أجرة كهربائية صينية مكيفة ومريحة، بعضها تقوده نسوة خبيرات، لكن هناك سلوكا قديما عند بعض السائقين لم يتحسن مع الأسف، فهؤلاء لم يسمعوا بمساكين اسمهم المارّة، وهم والله بشر من لحم ودم، وكتلة أعصاب مستنفرة للنجاة من سائق (أو سائقة!) يبدو أعمى تماما (ولا أبالغ)، فلا يقف حتى وهو خارج من فتحة جانبية ليستطلع الطريق العام، وكأنه وحده في الشارع.
مثل هذا يفاجئ الزائر مثلنا الذي اعتاد على غير سلوك، حتى إن سائقا كاد يطيح بنا لولا لطف الله، وسرعة رد فعلنا.
يحدث هذا في أهم طرق العاصمة المزدحمة، المبتلاة بصعوبة الاصطفاف (مثل معظم المدن الكبيرة في العالم)، بل ووحشيته أحيانا، عندما يزمجر لك ولد أو رجل بألا تصف في مكان دكانه مثلا.

لكل لهذا بت ترى اليوم أماكن اصطفاف محجوزة رسميا (بتكاليف تصل إلى ما يعادل 500 دولار أول سنة، وأقل من ذلك بعدها)، أو ترى سيارات تشغل الأرصفة، فلا تترك زاوية لمرور حتى فروج مسحب، أو تصطف رتلا ثانيا وربما ثالثا، مع عواقب المخالفات، فيما تنتشر أرقام الهواتف على كل سيارة تقريبا، كي يستدعى صاحبها عند اللزوم.
ومن الذكريات المضحكة (وبعض الضحك كالبكاء)، أن أحدا ترك لي قبل عقد سيارة في مكان ما، ولما رحت لأخذها وجدتها محشورة بين جدار وعدد من السيارات، وأيقنت أن التارك أراد الانتقام مني، أو أنه بلا ضمير، أو لم يجد بدا من تركها على الحال التي وصفت.
وهنا لا بد أن أحمد الله حمدا كثيرا أنني أكون بلا سيارة أثناء زياراتي، بل أنسى تماما أنني أعرف القيادة، فحتى المكان قرب بيتي شغله سكان العمارة، وقد أنِسوا لغياب مثلي، وأنا على أية حال مولع بالمشي ولو تحت عين الشمس، فتلك العين في دمشق، أرحم بما لا يقاس من الخليج، بل حتى من كندا التي تحترق بعض غاباتها اليوم، وتنشر الدخان الملوث في أرجاء واسعة، وإن كان شعوري الحراري غير مصدق عند كل أهل الشام.
وللمصادفة البحتة، كنا أمس الخميس في مصيف جبلي قريب من دمشق (بلودان)، تبهرك فيه نظافة المكان، وود أهل المنطقة الحقيقي، والهواء البارد العليل حتى مع سطوع الشمس، والماء القراح البارد كالثلج والمتاح من ينابيع المنطقة لمن أراد بالمجان.

قطة وافدة إلى دمشق افتقدت أهلها
أختتم مقالي اليوم بحالة قطة، قيل إنها روسية الأصل، ويعلم من يقرأ لي، قصصي مع القطط (ولا أعني الآن غير التي تعرفونها).
في بيت قريب من بيتنا رأيت قطة منزلية (مربربة، شقراء) تبدو عليها علامات النعيم. كانت تطرق بانكسار أحد الأبواب المغلقة وتنوح بمواء موجع.
كان الوقت ليلا مظلما، فرحت أضيء لها الباب، وهي تهم بالدخول من أي شق، لكن دون فائدة، فالباب مغلق، وأهل البيت رحلوا قبل يوم، وبدت لي القطة كأنها تندب حظها: راحوا.. وما ودعوني.
تأثرت كثيرا بالمنظر، وأسيت لحال القطة، فهي روح تذوب وتقطر مثل أي روح محب يتعلق بالمكان وأهله.
وفي هذا المقام لا تغيب عن ذاكرتي مآسي الذين تركوا بيوتهم وأرزاقهم غصباً، ومنهم والدي رحمه الله، الذي روى لي كيف لحق قافلتَهم كلبُهم، من الجليل الأعلى إلى الحدود اللبنانية، حتى إذا ما يئس عاد، وقيل: إن الكلب الوفي قضى نحبه في اليوم التالي.
الحق، ولخاتمة سعيدة، أن هذا لم يكن مصير قطتنا الشقراء، فقد عرج رب البيت المتروك في طريق عودته من بيروت، وراضى القطة العاتبة عليه بشدة، قبل فوات الأوان، حتى إذا ما طاب خاطرها، رافقته إلى مكان إقامة عائلته الجديد، على بعد 360 كم من دمشق.
دمتم بخير، وإلى لقاء قريب.
دمشق 17 تموز 2026


























































