د.غالب خلايلي وكتابه الجديد “جبر الخاطر في الأدب الساخر”
صدر عن دار دلمون الجديدة في دمشق يوم الإثنين 27 تموز 2026 كتاب أدبي جديد للأديب الدكتور غالب خلايلي، بعنوان: (جبر الخاطر في الأدب الساخر)، وهو الكتاب السادس والعشرون في سلسلة إصدارته الشاملة، والثالث والعشرون في كتاباته الأدبية المتنوعة ما بين أدبٍ ساخر، وقصص قصيرة، ومقالات اجتماعية، والسادس في مجاله بعد: (دبابيـس، دمشق 1996، خنفشاريات، دمشق 1998، النزهة الساحرة، دمشق 2002، عالم من الشفافية، دمشق 2011، عالم سعيد مسحور، دمشق 2018).
ويقع الكتاب الجديد في نحو مئة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، وثلاثة وثلاثين عنوانا ساخرا في مواضيع مختلفة.
***
ويجذب النظر في البدء غلاف الكتاب الذي صممته ابنة الكاتب ريم خلايلي، وتظهر حماراً يتناول حز بطيخ، لتكون (اللوحة) بحد ذاتها قراءة فنية لمقالين وردا في الكتاب، أولهما بعنوان (حميرهم وحميرنا) الساخر بشدة، والذي يتناول الأصول “النفسية” وحقوق عمل الحمير في بريطانيا العظمى، ليختم الكاتب مقاله بالقول: “فلا عجب إذن أن ترى الناس في بلادنا تشدّ الرحال إلى بلاد تحترم الحمير، وتقدّرها حقّ قدرها، ولو بـ (فيزا حمار)، أو حتى بأن ترميَ نفسها -يائسةً- في البحر، لتكون أمام خيارين: غذاء للقِرش أو النجاة، بينما تبقى ذات خيار واحد في أوطانها: أن تكون لقمة سائغة لهوامير الحمير”، والثاني أشد سخرية بعنوان: (بطيخة صيفي تطفي حر المضنى)، والتي ينهيها الكاتب بالقول: “في كل موقف سلبي يثير أعصابك في هذه الحياة غير العادلة، تذكّر أنّنا مجتمع مخروعٌ ثقافياً، كسيحٌ فكرياً، ومأزومٌ من المهد إلى اللّحد، وتذكّر أن لكلّ منا عقدَه ومشاكلَه التي لا تنتهي، وأن كلّ قوانا متنافرةٌ يفني بعضها بعضاً، فلا تحمّلْها كثيراً، وتخيّل منظر البِّطيخة الباردة، وأنها مستوطنةٌ كالاستعمار في معدتك، فهذا الخيال سوفَ يساعدك على التماسك قبل انفراط مسبحتك”.
أما عنوان الكتاب، فقد جاء من مقال داخلي بعنوان (جبر الخاطر من جديد)، وهي حكاية رمزية ساخرة جدا بين صديقين، الأول مهيمن اسمه جبر، والثاني صاغر اسمه خاطر، والعقدة هي أن خاطر لا يظهر للعيان دون جبر، هذا الذي قرر بعد طول عشرة ترك صديقه، بمعنى أنه سيختفي من غير جبر، ليبدأ بحثا مضنيا عن صديق جديد وغراء جيد يجبر خاطره المكسور.

***
وتتنوع العناوين الساخرة، فيروي مقال (يوم قررنا شحن تنكة الجبن بالبر) حكاية مريرة عن تنكة جبن حموية نقلت بسيارة مشحونة برا بين سوريا والخليج خلال شهر واحد فقط، وكان مصيرها مرعبا، ويوضح مقال (بين صخبين) الحالة النفسية لطبيب أراد زيارة صديقه فما وجد مكانا لصف سيارته في المستشفى الكبير فعاد خائبا، ثم يروي الكاتب معاناته في المعاملات الإلكترونية في مقالات مختلفة مثل (منحوس المعاملات وسفينة نوح)، و(الطبيب الفولاذي العجيب)، و(ماذا تفعل الآلة إذا حكم الغباء؟)، و(ظرفاء في عصر الذكاء)، كما يفتح باب الشكل الخارجي لضحك القارئ عن مفارقات الشاربين (ذكريات شارب غاب) والشعر (الشيب حسن وهيبة أم عيب؟)، ولا ينسى مهنة الطب في كثير من المقالات، كما في مقال (الطعام الصحي)، و(قررت التكاسل والنهم والتدخين)، و(من طب التجميل ِإلى تجميل الطب!)، و(مزحة طبية ثقيلة)، و(تحويل الكرات)، و(ملك الأمراض ضيع الطاسة)، و(كيف تخرب أسنانك بالمجان؟)، ولا ينسى المؤتمرات الطبية التي صارت أشبه بالكرنفالات في مقال (ما علينا)، ولا عقبات الطب الحديث في (كابوس سعيد المنحوس)، علما أن الكاتب وهو طبيب الأطفال العتيد لا يكتفي بمجاله لينتقل إلى الطب البيطري، فيذكر قطة عالجها فإذا بها تتحول إلى نمر.
يحدثنا الكاتب أيضا عن صعوبة التعامل مع المزاجي الذي ينتقل من سابع سماوات الفرح إلى الحضيض في غمضة عين، وعن قلة الأدب في الطرق كما في حكاية (الحق على الطليان)، ويذكرنا بغياب حقوق الزبون في بلادنا بمقال (السيارة الراقصة)، ومقال (خدمات ما بعد البيع: العوض بسلامتك)، وباضطهاد آذان المدعوين إلى الأعراس بمقال (وما أدراك ما الدي جي؟)، واضطهاد كثير من أهلنا في حلهم وترحالهم بمقال (هذه الكائنات العجيبة)، التي لا يحق لها أن تسافر لأي سبب أو تستمتع بالسفر.
***

بقي أن نقول إن مقدمة الكتاب تحدثت عن تعريف الأدب الساخر، وأوضحت أن الكتابة الساخرة تنكفئ اليوم إذ يفضّل الناشرون (الابتعاد عن الشرّ والغناء له من بعيد) على حد تعبير المثل، وعلى هذا يفقد الكاتب الساخر رغبته في الكتابة، وهو يرى أن مآسي الحياة المعاصرة أقسى من أن يعبّر عنها بالقلم.
وقد عبّر كثيرٌ من الساخرين عن هذه المسألة، منهم الروائي المصري إبراهيم أصلان الذي شكا من افتقاد الحس الساخر في الحياة عموماً: “حتى المحيط الذي أتحرّك فيه أقرب للتجهم والصمت منه للمرح والضحك”، فيما يرجع الكويتي سليمان الفهد تراجع الكتابة الساخرة إلى ندرة الكاتب الساخر، فالسخرية لا تؤخذ بقرار، ولكنها خلقةٌ وفطرةٌ يولد بها الإنسان كلون العيون والشعر والبشرة.
وينقلنا صالح الخريبي بمقالاته الرشيقة إلى الأجواء الغربية، فيحدثنا عن الساخر أوروك الذي يعترف أن العصر الذي نعيشه من أسوأ العصور للضحك، لسبب واحد هو أن الكتّاب الساخرين لم يعودوا يعرفون لمن يوجّهون سهامهم، فالأوضاع في المجتمعات الغربية وصلت مرحلةً من التردّي تستوجب إشعال الأضواء الحمر، لا التعامل بما يسمى “رفاهية السخرية”.
***
الحمد لله إذن، إذ إننا ما نزال نمتلك تلك الرفاهية، وما زال عندنا الكثير المثير من المواضيع التي يمكن لعين كاتب موهوب أن تلتقط ما لا تستطيعه الأعين الأخرى، ليس بغرض رسم البسمة على الشفاه فحسب، وهو غرض نبيل، بل بهدف التنبيه على عيوبنا وأخطائنا، حتى نتجاوزها فنرقى إلى الأكمل والأجمل.
أهذا الهدف غير مشروع، أم أنه بعيد المنال؟
28 07 2026






















































