حقق المارد طلبها بغير ما تتمنى
د. غالب خلايلي
وأنا في غمرة انشغالي بلا شيء، كما سبق وشرحت لكم في سابق مقال، أجد نفسي مرغماً على تناول الموضوع الذي يشغف الناس هذه الأيام العصيبة المليئة بالتلاعب واللا يقين، ألا وهو (كرة القدم)، علماً أنني حاولت تجنب الكتابة عنها، فما قدرت، وأنني غير شغوف بها على الإطلاق.
أما سبب اللا شغف فهو أنني كلما رأيت كرة تتقاذفها الأرجل، شعرت بمشاعر سلبية تجاه ما أرى، حتى وأنا أذهب بعيداً في الخيال عن ماهية الكرة التي تشبه كل ما هو مكور الشكل.
على أن مشاعري لا تتعلق بكره الرياضة إطلاقاً، بل على العكس، أرى في الرياضة أمراً إيجابياً بل ضرورياً لكل الخاملين أو الذين لا تتطلب حياتهم الحركة، فمعلوم أن معظم الناس يركضون بلا هوادة وراء لقمة عيشهم، وفي ذلك ركض حقيقي وراء وسائل المواصلات ووراء الحاجات، وتمرين للعضلات في حمل الأكياس، ما لم تكن مهنهم عضلية بحتة (كالبنائين والحدادين…) تتطلب جهدا خرافياً لكسب العيش.
والحقيقة أن مشاعري تتعلق بالروح الرياضي، لا بالرياضة نفسها، لنجد أن ذلك الروح غائب أو شبه غائب في حياتنا، ولا داعي للإكثار من الأمثلة في عالمنا الهش المتصارع إلى ما لا نهاية، ما دمنا لا نرى مباراة واحدة في المونديال إلا بشق النفس، والتكلف المادي، وكنا في الماضي غير البعيد نتخم بالمباريات في كل (التلفازات)، لكن في أسوأ توقيت: امتحانات الطلاب النهائية، والطلاب، وأغلبهم مراهق، هم الأكثر شغفاً بتلك الكرة التي تتقاذفها الأرجل.

والحقيقة أنه هالني أن أسمع اليوم، لا منع فرقاء من دخول بعض البلاد الغربية، فهذا أمر تصالحنا معه من زمان، بل أن أسمع أن سعر بطاقة الملعب وصل إلى خمسة وعشرين ألف دولار، بعد أن تم شراؤها بستين دولاراً، إذ سمحت الفيفا برئاسة (إنفانتيانو) ببدء (بورصة) التذاكر وإعادة البيع. ولا أدري هنا لماذا أشعر بقرابة انفانتيانو رغم بعده، لعل السبب هو اسمه المشتق من الطفولة.
وبمتابعة الصور الواردة، يبدو لي، أن مرحلة المراهقة تمادت وامتدت إلى الأعمار الأكبر سناً، فجمهور الكرة لم يعد يقتصر على المراهقين الصغار، بل وصل إلى الكبار، وقد رأيت حتى في زمن طفولتي أشخاصاً كباراً ينفعلون أمام الشاشات حتى ليكادوا أن يدخلوا بها أو يحطموها، لتسمع صراخهم بأعلى طبقاته عند: الغوووووووووول، أو احتدادهم على لاعب يحبونه أخطأ، أو حكم تجنى على فريق.. أو فريق اشترى المباراة قبل أن يخوضها… إلخ، وما زلت أذكر رئيساً وازناً هو جاك شيراك كان ينفعل أي انفعال وهو على المدرجات، فيما أذكر المستشار الألماني هيلموت كول هادئاً (كوووووول) في أصعب اللحظات، وكأنه يتناول بوظة الملك أبو شاكر (الدمشقي الشهير).
والحقيقة أن لبعض سخطي جذورا، كما شرحت في زمن مضى، فالحظ الرياضي عموماً، والكروي خصوصاً، لم يحالفني في أي وقت، مع أنني كنتُ أسابق الغزلان في الجري والتسلّق على الأشجار، بمعنى أنني لم أخلق خاملاً، ولكن الظروف حالت تماماً دون انغماسي في ذلك الشغف. وقد أوضحت مرة أن (مربي) الرياضة الذين أشرفوا على (تربيتنا) الرياضية كانوا يعفون المجتهدين من دروس الرياضة كي يدرسوا أكثر، لكننا كنا نعوّض ذلك في الحارات، نلعب على كيفنا.

أما الملاعب الكبيرة، القليلة أصلا، فلم تكن لنا بها حظوة، حتى بحضور المباريات، وأذكر مناسبتين هامتين في ملعب العباسيين في الشام، الأولى عام 1974 أو نحوه، يوم كدنا نعصر حتى الموت في الزحام خارج الملعب، ولولا كرباج الشرطة العسكرية (وهو حزام الشرطي) الذي فرق الناس لاختنقنا بالفعل.وقتها عدنا خاليي الوفاض من المولد بلا حِمّص، لكن نجاتنا كانت تتطلب مولداً بحِمّص بالفعل، أما المحزن فهو أن ابن جيراننا تسلق سور الملعب، لكنه تعثر إذ كُشف أمره وخاف فسقط وكسرت ساقه، ولعله سعد بالغياب عن المدرسة شهراً أو أكثر بعذر طبي.
أما المناسبة الثانية فتكاد تشبه الأولى، وكنا في سنة الطب الثانية 1980، وتلقينا تلك المرة دعوة رسمية للدخول، ولكننا فشلنا أي والله فشلنا، وعدنا -من غير كرباج- خائبين.
إنه الأدرينالين.. الذي يفسر ذلك الشغف الكروي. نعم، هو ولا شيء غيره يفسر ذلك الإقبال الحميم الصارخ على عشق الكرة وتفريغ المشاعر والطاقات المكبوتة، في عالم يكاد لا يسمح بشيء من تفريغ الطاقات، اللهم إلا في كرة القدم، فهي طريق مفتوح، ناهيك عن أنه استثمار ملياري بأية عملة لأصحابه، من طقّ الباب إلى السلام عليكم.
هناك أقوال كثيرة ومقالات لا حصر لها تتكلم عن كل ما ذكرت، ومن أن الكرة (أفيون الشعوب)، وأنا لا أريد أن أكرر نفسي، إذ سبق أن خضت في الموضوع في العدد 670 من مجلة طبيبك (آب 2014)، لأختم مقالي بأطيب الأمنيات لعاشقي الكرة، وللاعبين الذين يريدون إعلاء راية بلدانهم، وقد علقت عليهم شعوبهم آمالاً كبيرة، آملاً أن أرى الروح الرياضي في كل مجالات الحياة، فلا تبقى آمال البشر معلقة بين أرجل قوية تعدو وراء كرة.
العين في 17 حزيران 2026

























































