لم تعد طموحات دبي السياحية تقف عند استقطاب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ولا عند تسجيل أرقام قياسية في أعداد الوافدين والإشغال الفندقي والإنفاق السياحي؛ فالإمارة تتجه اليوم إلى مرحلة أكثر تطوراً في إدارة علاقتها بالسائح، عنوانها تحويل الزيارة العابرة إلى ارتباط متكرر، والضيف إلى زائر دائم يجد في العودة إليها مزايا تتجاوز متعة السفر واكتشاف الوجهة. ومن هذا المنطلق، أطلقت دبي مبادرة «نادي دبي أكسس» (Dubai Access Club)، وهو برنامج ولاء سياحي حصري يتيح للأعضاء المؤهلين الاستفادة من عضوية تمتد لخمس سنوات، مرتبطة بتأشيرة سياحية متعددة الدخول للفترة نفسها، فضلاً عن مجموعة من الامتيازات والعروض والخدمات التي تشمل قطاعات الضيافة والتسوق والترفيه والاتصالات.
وتكتسب المبادرة أهميتها من كونها تتجاوز برامج الولاء التقليدية التي اعتادت شركات الطيران والفنادق ومجموعات التجزئة تقديمها لعملائها؛ إذ تنقل دبي هذا المفهوم إلى مستوى المدينة بأكملها، من خلال منظومة تجمع الجهات الحكومية والشركات الخاصة والعلامات التجارية ضمن تجربة سياحية موحدة. وقد أعلن الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، إطلاق البرنامج في الأول من تشرين الثاني 2026، قبل أن تكشف الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب – دبي ودائرة الاقتصاد والسياحة في دبي، في الخامس من الشهر نفسه، عن تفاصيله ومزاياه وآليات الانضمام إليه. ويُقدَّم البرنامج بوصفه الأول من نوعه عالمياً على مستوى المدن، باعتباره مبادرة عضوية سياحية قائمة على الدعوات، تستهدف تعزيز ارتباط الزوار المتكررين بالإمارة وتشجيعهم على العودة إليها بصورة منتظمة.
وتتمثل الميزة الأبرز في «نادي دبي أكسس» في إتاحة تأشيرة سياحية متعددة الدخول لمدة خمس سنوات للأعضاء الذين يستوفون الشروط ويحصلون على الموافقات المطلوبة. وتسمح هذه التأشيرة لحاملها بزيارة دولة الإمارات مرات متعددة خلال فترة صلاحيتها، مع إمكانية الإقامة لمدة تصل إلى 90 يوماً في كل زيارة، وفق الضوابط المعتمدة. وبذلك، يحصل الزائر المتكرر على مرونة أكبر في تنظيم رحلاته، سواء كانت لأغراض السياحة أو الترفيه أو زيارة العائلة أو متابعة مصالحه المهنية والتجارية، من دون الاضطرار إلى بدء إجراءات الحصول على تأشيرة جديدة مع كل زيارة. غير أن هذه الميزة لا تعني منح إقامة دائمة أو حق العمل، كما أن إصدار التأشيرة يبقى خاضعاً لموافقة الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب – دبي، ولا يُعد الحصول على العضوية بحد ذاته ضماناً تلقائياً لإصدارها.

أما الجانب الذي يمنح البرنامج جاذبيته التجارية، فيتمثل في حزمة من الامتيازات المصممة لجعل كل زيارة أكثر قيمة. إذ يحصل الأعضاء على بطاقة «السعادة» السياحية (ALSAADA)، التي توفر أكثر من 20 ميزة وعرضاً ترويجياً لدى مجموعة من الجهات المشاركة، إضافة إلى بطاقة هدايا من مجموعة «ماجد الفطيم» تتضمن رصيداً يصل إلى 2,000 درهم إماراتي، يُستخدم في تجارب مختارة ضمن متاجر المجموعة ووجهاتها. كما تشمل الحزمة شريحة اتصال مسبقة الدفع مجانية من شركة «دو»، بما يتيح للزائر البقاء على تواصل منذ لحظة وصوله إلى الإمارة. ولا تتوقف المزايا عند ذلك، إذ تشمل العروض المستقبلية التي أعلنت عنها الجهات المنظمة ترقيات للغرف الفندقية، وإمكانية الدخول إلى صالات الاستراحة، وفترات حجز مبكرة لبعض الفعاليات، في إطار توجه لتوسيع نطاق التجربة وتقديم خدمات أكثر تميزاً للأعضاء.
لكن الانضمام إلى هذا البرنامج لا يتم من خلال تسجيل مفتوح يتيح لأي سائح الحصول على العضوية مباشرة؛ فهو يعتمد نظام الدعوات والترشيحات عبر شبكة مختارة من الشركاء في قطاعات الأعمال والسياحة والضيافة. وتشمل قائمة الشركاء مؤسسات وشركات بارزة، من بينها «طيران الإمارات»، ومجموعة «جميرا»، و«أكور»، و«هيلتون»، و«ماريوت»، و«إنتركونتيننتال» (IHG)، و«حياة»، و«تاج». كما يستهدف البرنامج أعضاء مجموعة من برامج الولاء العالمية، مثل Emirates Skywards وMarriott Bonvoy وHilton Honors وIHG One Rewards وJumeirah One وU by Emaar وTaj InnerCircle-NeuPass. وتتيح منصة «زوروا دبي» للراغبين تسجيل اهتمامهم بالانضمام، سواء من خلال جهة عمل مشاركة أو عبر برنامج ولاء معتمد، وتقديم بياناتهم الشخصية ومعلومات جواز السفر وعضويتهم ذات الصلة. إلا أن تسجيل الاهتمام لا يشكل دعوة رسمية، ولا يضمن الحصول على العضوية أو الموافقة على التأشيرة.
ومن الناحية المالية، تبلغ رسوم التقديم للبرنامج 4,032.50 درهماً إماراتياً، وتشمل العضوية وإجراءات التأشيرة والامتيازات المرتبطة بها، فيما تُضاف 650 درهماً للطلبات المقدمة من داخل دولة الإمارات. ويتعين على المدعوين استكمال ملف الطلب بالمستندات المطلوبة، ومنها صورة شخصية، ونسخة عن جواز سفر ساري المفعول، وكشف حساب مصرفي للأشهر الستة السابقة، وإثبات وجود تأمين صحي، وتذكرة سفر ذهاباً وإياباً. وتشير المعلومات المنشورة إلى أن معالجة الطلب قد تستغرق نحو 48 ساعة بعد استكمال المستندات وتسديد الرسوم، مع احتمال اختلاف المدة بحسب ظروف كل معاملة. وتبقى الموافقة النهائية على التأشيرة من صلاحية السلطات المختصة، كما تنص الشروط المنشورة على استرداد الرسوم في حال رفض طلب التأشيرة، مع اقتطاع 183 درهماً وفق الآلية المعتمدة. ومن المهم التمييز هنا بين الرسوم الإجمالية للبرنامج وبين رسم بطاقة الولاء المحدد في القرار التنفيذي رقم (86) لسنة 2025، والذي يبلغ 3,200 درهم، تضاف إليه ضريبة القيمة المضافة، فيما تخضع بقية مكونات التكلفة للأحكام والرسوم المرتبطة بالتأشيرة والخدمات.

ولا يمكن فصل هذه المبادرة عن الرؤية الاقتصادية الأوسع لدبي، التي تسعى من خلالها إلى ترسيخ موقعها بين أبرز الوجهات العالمية للسياحة والأعمال والاستثمار. فالزائر المتكرر لا يمثل مجرد حجز فندقي إضافي، بل يشكل فرصة اقتصادية متجددة تمتد آثارها إلى شركات الطيران والفنادق والمطاعم ومراكز التسوق والأنشطة الترفيهية والاتصالات والخدمات المختلفة. وكلما أصبحت العودة أكثر سهولة وجاذبية، ازدادت فرص تكرار الإنفاق وتعزيز العلاقة بين الزائر ومقدمي الخدمات، بما يخلق قيمة اقتصادية تتجاوز العائد المباشر من رحلة واحدة. ومن هنا، تبدو المبادرة منسجمة مع مستهدفات أجندة دبي الاقتصادية D33، التي تركز على تعزيز تنافسية الإمارة وتوسيع مساهمة قطاعاتها الاقتصادية وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للسياحة والأعمال.
وتترافق هذه الخطوة مع توجه آخر لتبسيط تجربة المسافر من خلال إتاحة خدمات التقديم على التأشيرات السياحية عبر منصة «زوروا دبي»، الموقع الرسمي للسياحة في الإمارة، ضمن مبادرة تهدف إلى جمع الخدمات والمعلومات التي يحتاج إليها الزائر في قناة رقمية موحدة. وتشمل هذه التجربة اكتشاف المعالم والوجهات، والتعرف إلى الفعاليات والأنشطة، وحجز التذاكر، والتخطيط للرحلات، إلى جانب الوصول إلى الخدمات المرتبطة بالتأشيرات. وقد طُوّرت هذه المبادرات بالتعاون بين الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب – دبي، ودائرة الاقتصاد والسياحة، ودبي الرقمية، في إطار مبادرة القنوات الرقمية المشتركة التي تستهدف تسهيل الوصول إلى الخدمات الحكومية وتحسين رحلة الزائر في مختلف مراحلها.
والأكثر أهمية في هذه التجربة أنها تعكس تحولاً في فلسفة التسويق السياحي نفسها. فبدلاً من أن تنفق الوجهات العالمية جهودها بصورة أساسية لاستقطاب زائر جديد في كل مرة، باتت تسعى إلى الاحتفاظ بالزوار الذين سبق أن اختبروها، وفهم تفضيلاتهم، وتقديم حوافز تجعلهم يختارون العودة. وفي هذا النموذج، تتحول برامج الولاء إلى أداة استراتيجية لا تقتصر على تقديم الخصومات، بل تساهم في بناء علاقة مستدامة بين المدينة وسوقها السياحي، وتمنح الشركات المشاركة فرصة الوصول إلى قاعدة من العملاء الدوليين المتكررين، وتعزيز أعمالها من خلال شراكات تتجاوز حدود القطاع الواحد.
وهكذا، لا تختصر دبي مبادرتها في تأشيرة سياحية لخمس سنوات أو رصيد تسوق وامتيازات فندقية؛ بل تطرح تصوراً مختلفاً لمستقبل العلاقة بين الوجهة وزائرها، يقوم على سهولة العودة، وتكامل الخدمات، وتعدد التجارب، وتحويل الولاء إلى قيمة اقتصادية حقيقية. ففي سوق سياحية تشتد فيها المنافسة بين المدن العالمية، لم يعد التحدي أن تنجح الوجهة في إقناع السائح بزيارتها مرة واحدة، بل أن تمنحه في كل زيارة سبباً جديداً للعودة. وهذا تحديداً ما تراهن عليه دبي: أن تصبح أكثر من محطة على خريطة السفر، وأن تتحول إلى وجهة يحتفظ زوارها بعلاقة متجددة معها على امتداد السنوات.


























































