ليس كل مؤتمر يُقاس بما يُقال على منصته، ولا يمكن دائماً معرفة أثره من بياناته الأولى أو من الكلمات الافتتاحية. بعض المؤتمرات تحتاج إلى وقت كي تكشف نتائجها، وبعضها الآخر يمكن أن يعطيك، منذ ساعاته الأولى، فكرةً واضحة عن المزاج الذي يحكم قطاعاً بأكمله. وهذا تحديداً ما يمكن قراءته في انطلاقة المؤتمر الخامس والثلاثين للاتحاد العام العربي للتأمين GAIF 35 الذي بدأ أعماله اليوم في البحر الميت، وسط حضور عربي ودولي واسع، وفي لحظة إقليمية لا تسمح لقطاع التأمين بأن يتعامل مع المستقبل وكأنه امتداد طبيعي للماضي.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن المشهد أكبر من مؤتمر مهني تقليدي. الوفود التي وصلت إلى البحر الميت لم تأتِ فقط للاستماع إلى جلسات متخصصة أو لتبادل الآراء حول اتجاهات الصناعة، بل جاءت وهي تحمل معها أسئلة أسواقها، ومخاوف شركاتها، وتحديات اقتصاداتها، وفرصاً تبحث عن من يلتقطها. وفي المقابل، كان واضحاً أن اللقاء المباشر بين أهل القطاع يحتل مساحة لا تقل أهمية عن الكلمات التي تُلقى من على المنصة.
وهنا تبدأ القراءة الحقيقية لليوم الأول.
ففي منطقة عربية تعيش منذ سنوات على وقع أزمات متلاحقة، وتواجه أسواقها ضغوطاً اقتصادية وجيوسياسية متزايدة، يصبح مجرد اجتماع هذا العدد من شركات التأمين وإعادة التأمين والخبراء والمسؤولين في مكان واحد رسالة بحد ذاته. ليس لأنها تعني أن الظروف أصبحت سهلة، بل لأنها تؤكد أن صناعة التأمين لا تستطيع ببساطة أن تنتظر انتهاء الأزمات كي تستأنف عملها. فالتأمين، بطبيعته، وُجد أصلاً في مواجهة عدم اليقين، وربما لهذا تبدو الحاجة إليه اليوم أكثر إلحاحاً، كما تبدو الحاجة إلى تطوير أدواته أكثر ضرورة.
وفي أروقة GAIF 35، لا تبدو الحركة أقل أهمية من الجلسات. لقاءات جانبية، محادثات سريعة، اجتماعات ثنائية، تعارف بين أسواق وشركات، ونقاشات تمتد خارج القاعات؛ كل ذلك يشكل جزءاً أساسياً من صورة المؤتمر. وفي صناعة تقوم على الثقة والعلاقات طويلة الأمد بقدر قيامها على الأرقام والنماذج الاكتوارية، قد تبدأ بعض أهم نتائج المؤتمر من حديث قصير لا يظهر في البرنامج الرسمي.
ولذلك، سيكون من المبكر جداً أن نسأل منذ اليوم الأول: ماذا حقق GAIF 35؟ لكن السؤال الأكثر دقة هو: ماذا يكشف اليوم الأول عن حالة صناعة التأمين العربية نفسها؟
والإجابة الأولى تبدو في حجم المشاركة وفي طبيعة النقاشات. فالحضور لا يوحي بقطاع منكفئ على نفسه، بل بصناعة تبحث عن أدوات جديدة للتكيف، وتحاول أن تفهم المخاطر قبل أن تتحول إلى خسائر، وأن تجد في التعاون الإقليمي والدولي مساحة لتعويض ما تفرضه الجغرافيا والظروف من صعوبات.
وهذا تحديداً ما يمنح عنوان المؤتمر، «العودة إلى المبادئ»، أهمية تتجاوز كونه شعاراً للحدث. ففي الوقت الذي تتقدم فيه التكنولوجيا بسرعة هائلة، وتدخل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة إلى صلب صناعة التأمين، وتظهر أدوات جديدة لنقل المخاطر وتمويلها، يعود السؤال إلى الأساس: ما الذي يجب ألا يتغير مهما تغيرت الأدوات؟
قد تتبدل طريقة الاكتتاب، وقد تصبح الخوارزميات أكثر حضوراً في تحليل المخاطر، وقد تتطور المنتجات التأمينية لتتعامل مع أخطار لم تكن موجودة بهذه الصورة قبل سنوات، لكن العلاقة بين المؤمن والمؤمَّن له ستبقى قائمة على الثقة، والقدرة على الوفاء بالالتزامات، وحسن إدارة المخاطر، والشفافية، والمسؤولية.
ومن هنا تبدو عبارة «العودة إلى المبادئ» أكثر إثارة للاهتمام مما قد توحي به للوهلة الأولى. فهي لا تعني بالضرورة العودة إلى الوراء، بل ربما تعني التقدم إلى الأمام من دون فقدان البوصلة.
وهذا أمر بالغ الأهمية في مرحلة أصبحت فيها المخاطر نفسها أكثر تعقيداً. فشركة التأمين اليوم لا تتعامل فقط مع حادث سيارة أو حريق أو خسارة تجارية بالمعنى التقليدي، بل مع مخاطر سيبرانية، وتغيرات مناخية، واضطرابات جيوسياسية، وسلاسل إمداد متقلبة، ومخاطر مرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن كوارث طبيعية وأزمات اقتصادية يمكن أن تنتقل آثارها من سوق إلى آخر بسرعة لم تكن معهودة.
لذلك، فإن مستقبل التأمين لن تحدده فقط قدرة الشركات على بيع وثائق أكثر، بل قدرتها على فهم عالم تتغير فيه طبيعة الخطر نفسه.
ومن اللافت أن GAIF 35 يفتح هذا النقاش في وقت تبدو فيه المنطقة العربية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على بناء أسواق تأمينية أكثر مرونة. فالفوارق بين الأسواق كبيرة، والقدرات ليست متساوية، والأولويات تختلف من بلد إلى آخر، لكن التحديات الكبرى تتقاطع بصورة متزايدة. وهذا يجعل التعاون وتبادل الخبرات وإقامة الشراكات أكثر من خيار مهني؛ إنه حاجة عملية تفرضها طبيعة المرحلة.
والبحر الميت، في هذا السياق، ليس مجرد موقع لاستضافة المؤتمر. فخلال أيام قليلة، تحوّل هذا المكان الهادئ إلى نقطة التقاء لقطاع يتحرك في منطقة شديدة الحركة. خارج القاعات، مشهد هادئ يكاد يوحي بالثبات؛ وداخلها، نقاشات حول عالم لا يكاد يعرف الثبات. وبين الاثنين، تقف صناعة التأمين في موقعها الطبيعي: محاولة قراءة المستقبل قبل أن يتحول إلى واقع.
لكن الأهم في اليوم الأول ربما كان ذلك الإحساس بأن المشاركين لا يبحثون فقط عن إجابات جاهزة. هناك رغبة في الفهم، وفي الاستماع إلى تجارب أسواق مختلفة، وفي معرفة كيف يتعامل الآخرون مع المخاطر نفسها أو مع مخاطر جديدة بدأت تظهر. وهذه ميزة أساسية لأي تجمع مهني بهذا الحجم، لأن قيمة المؤتمر لا تُقاس فقط بما تقوله الجلسات، بل بما يخرج به المشاركون منها.
وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لـGAIF 35 في الأيام المقبلة.
فالمؤتمر يستطيع أن يجمع نحو ألفي شخص، وأن يستضيف عشرات الجلسات واللقاءات، وأن يضع أمام المشاركين أحدث الاتجاهات في التأمين وإعادة التأمين، لكن القيمة الفعلية ستظهر لاحقاً: عندما تعود الوفود إلى شركاتها وأسواقها، وعندما تتحول الأفكار التي نوقشت في البحر الميت إلى قرارات، وتتحول اللقاءات إلى شراكات، وتتحول التحديات التي جرى تشخيصها إلى حلول قابلة للتطبيق.
وهنا تحديداً ينبغي ألا نستعجل الحكم.
اليوم الأول لا يكفي لإعلان نجاح أو فشل، ولا يسمح بعد بقياس النتائج الفعلية. لكنه يكفي لإعطاء انطباع أولي مهم: القطاع العربي حاضر، يتابع، يناقش، ويبحث عن موقعه في المرحلة المقبلة، رغم كل ما يحيط بالمنطقة من ضغوط.
وهذا بحد ذاته ليس تفصيلاً صغيراً.
ففي زمن تتراجع فيه القدرة على التنبؤ، تصبح القدرة على الاستعداد قيمة بحد ذاتها. وفي صناعة تقوم أساساً على توقع المخاطر وتسعيرها وإدارتها، ربما لا يكون هناك وقت أكثر ملاءمة من الآن لإعادة التفكير في الأدوات والنماذج والعلاقات التي ستحدد شكل التأمين العربي خلال السنوات المقبلة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة GAIF 35 باعتباره أكثر من مؤتمر دوري. إنه مساحة يلتقي فيها حاضر الصناعة بمستقبلها؛ تقاليدها القديمة بالتكنولوجيا الجديدة؛ المخاطر المحلية بالتحديات العابرة للحدود؛ والواقع الصعب بالطموح إلى بناء قطاع أكثر قدرة على الصمود.
وفي نهاية اليوم الأول، يبقى السؤال مفتوحاً، وربما هذا أفضل ما يمكن أن يفعله مؤتمر في بدايته: أن يفتح الأسئلة قبل أن يدّعي امتلاك الإجابات.
هل تستطيع صناعة التأمين العربية أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى استباقها؟ هل يمكن للتكنولوجيا أن تمنحها قدرة أكبر على فهم المخاطر من دون أن تُضعف المبادئ التي قامت عليها؟ وهل يمكن لهذا العدد الكبير من اللقاءات والعلاقات التي بدأت اليوم في البحر الميت أن يتحول إلى تعاون فعلي يتجاوز حدود القاعات؟
الإجابات لن تأتي من اليوم الأول وحده.
لكن شيئاً واحداً بات واضحاً منذ انطلاقة GAIF 35: التأمين العربي دخل إلى البحر الميت وهو يعرف أن العالم من حوله تغيّر، وأن العودة إلى المبادئ لا تعني العودة إلى الماضي، بل امتلاك أساس أكثر صلابة للذهاب إلى المستقبل.
وهنا، ربما تكمن الحكاية الحقيقية للمؤتمر.
فبينما تستمر الجلسات وتتعاقب اللقاءات خلال الأيام المقبلة، ستبقى الأنظار معلقة ليس فقط بما سيُقال، بل بما سيولد من هذا اللقاء الكبير بعد انتهاء المؤتمر. لأن المؤتمرات تُنسى أحياناً بعد إغلاق أبوابها، أما الأفكار التي تتحول إلى شراكات، والحوارات التي تتحول إلى قرارات، فهي وحدها التي تبقى.
ومن البحر الميت، بدأت اليوم أولى صفحات GAIF 35. أما القصة الحقيقية، فما زالت تُكتب.























































