• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

"إذا أصيب القوم في أخلاقهم
فأقم عليهم مأتماً وعويلاً!"
أحمد شوقي،
شاعر وكاتب مسرحي مصري كبير

2026/10/21
- بحث
"إذا أصيب القوم في أخلاقهمفأقم عليهم مأتماً وعويلاً!"أحمد شوقي،شاعر وكاتب مسرحي مصري كبير

منذ أن عرف الإنسان معنى المجتمع والدولة، أدرك أن القوانين وحدها لا تكفي لصناعة الاستقرار، وأن قوة أي مجتمع تبدأ من القيم التي يؤمن بها أفراده ويمارسونها في حياتهم اليومية. فالأخلاق هي التي تضبط السلوك عندما يغيب الرقيب، وتحفظ الحقوق عندما تضعف الرقابة، وتمنع الإنسان من تحويل القوة أو المال أو النفوذ إلى وسيلة لظلم الآخرين. وحين تصاب الأخلاق بالضعف، لا يبقى الخلل محصوراً في الأفراد، بل ينتقل تدريجياً إلى الأسرة والمدرسة والشارع والمؤسسات والدولة، حتى يصبح الانهيار الأخلاقي مقدمة لانهيارات أكبر.

د. الياس ميشال الشويري

ليس أخطر على وطن من أن ينهار اقتصاده، ولا من أن تضعف مؤسساته، ولا من أن تتراجع عملته، ولا حتى من أن تتعاقب عليه الأزمات السياسية؛ فكل ذلك يمكن إصلاحه مهما بلغت كلفته ومهما طال زمنه. أما حين تنهار الأخلاق، فالمصيبة تصبح أعمق من كل أزمة، لأن الوطن عندها لا يخسر موارده فقط، بل يخسر البوصلة التي تميز بين الحق والباطل، وبين الشريف والفاسد، وبين الواجب والمصلحة، وبين الوطنية والمتاجرة بالوطن. ولهذا لم يكن أحمد شوقي يبالغ حين قال: “وإذا أُصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلاً“، لأن سقوط الأخلاق هو سقوط للمعايير، وسقوط المعايير هو بداية سقوط المجتمع من داخله.

والأخطر أن انهيار الأخلاق لا يأتي دائماً على شكل فضيحة كبرى أو جريمة واضحة، بل يبدأ بصمت ومن حيث لا ينتبه أحد. يبدأ عندما يصبح الكذب وسيلة للوصول، والواسطة طريقاً مختصراً إلى الحق، والمحسوبية أمراً طبيعياً، والفساد “شطارة“، واستغلال النفوذ نوعاً من الذكاء، والاعتذار عن الخطأ ضعفاً، واحترام القانون سذاجة. يبدأ عندما يرفض الإنسان الظلم إذا وقع عليه، ثم يقبله عندما يكون المستفيد منه؛ وعندما يلعن الفساد في العلن، ثم يبحث عن واسطة في الخفاء؛ وعندما يطالب بالعدالة لنفسه، لكنه لا يريدها عندما تهدد مصالحه.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه لبنان ليس فقط: كيف نخرج من أزماتنا؟ بل السؤال الأكثر خطورة: بأي أخلاق سنبني لبنان الذي سيأتي بعد هذه الأزمات؟ هل سنعيد إنتاج المنظومة نفسها بوجوه جديدة وشعارات جديدة، أم سنمتلك شجاعة الاعتراف بأن الإنقاذ الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل المؤسسة، ومن الضمير قبل القانون، ومن المسؤولية قبل السلطة؟

1. الأخلاق باعتبارها أساس قيام المجتمع

الأخلاق ليست ترفاً فكرياً ولا مجموعة من المواعظ التي تُقال في المناسبات، وإنما هي العمود الفقري الذي تستند إليه حياة المجتمعات واستقرارها. فالمجتمع الذي يحترم الصدق والأمانة والعدل والرحمة والمسؤولية يستطيع أن يبني مؤسسات قوية حتى لو كانت موارده محدودة، بينما يمكن لمجتمع غني ومتعلم أن ينهار إذا فقد معاييره الأخلاقية. ولهذا فإن تقدم الأمم لا يقاس فقط بما تنتجه من أموال أو تشيده من أبنية، وإنما بما تملكه من قدرة على حماية الإنسان من الظلم والاستغلال والإهانة.

فالإنسان الأخلاقي لا يحتاج دائماً إلى رقابة خارجية تمنعه من ارتكاب الخطأ، لأن داخله يتحول إلى سلطة رادعة أقوى من الخوف من العقوبة. ومن هنا تأتي أهمية الضمير في بناء المجتمع، لأن القانون مهما كان متقدماً لا يستطيع أن يكون حاضراً في كل لحظة وفي كل مكان. أما الضمير، فإذا استقام، يرافق الإنسان في منزله وعمله وطريقه ومؤسسته وعلاقاته، ويمنعه من استغلال الآخرين حتى عندما تكون أمامه فرصة للإفلات من العقاب.

وتبدأ الأخلاق من التفاصيل الصغيرة قبل أن تظهر في القضايا الكبرى. فالصدق في الحديث، واحترام المواعيد، والوفاء بالوعود، واحترام الدور، وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الكبير والضعيف، كلها ممارسات تبدو بسيطة، لكنها في مجموعها تصنع ثقافة اجتماعية كاملة. وعندما تصبح هذه السلوكيات راسخة، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مقاومة الفساد والعنف والفوضى، لأن الفرد يعرف أن مصلحته لا تنفصل عن مصلحة الجماعة.

أما عندما تبدأ الأخلاق بالانهيار، فإن أول ما يسقط هو الشعور بالمسؤولية. يصبح الإنسان أكثر استعداداً لتبرير أخطائه، وأكثر ميلاً إلى تحميل الآخرين مسؤولية فشله، وأكثر استعداداً للاستفادة من الفوضى طالما أنها تحقق له منفعة. وفي هذه اللحظة يبدأ الخلل الأخلاقي بالتحول إلى خلل اجتماعي ثم سياسي واقتصادي ومؤسساتي. ولذلك فإن بيت أحمد شوقي ليس مجرد دعوة إلى الحزن على القيم المفقودة، بل تحذير من أن إصابة الأخلاق تعني إصابة المجتمع في أساسه.

وفي لبنان، تبرز هذه المسألة بوضوح شديد، لأن الأزمات المتراكمة أظهرت أن المشكلة لا تتعلق دائماً بغياب الموارد أو الكفاءات، بل كثيراً ما تتعلق بطريقة إدارة الموارد وتوزيع الفرص واستخدام السلطة. لبنان يمتلك طاقات بشرية هائلة، وقطاعاً واسعاً من المتعلمين والمهنيين والمبدعين، لكنه عانى طويلاً من منظومة جعلت العلاقات والنفوذ والولاءات في أحيان كثيرة أقوى من الكفاءة والاستحقاق. ولذلك فإن استعادة لبنان لعافيته تبدأ من إعادة الاعتبار إلى الأخلاق باعتبارها قاعدة للحياة العامة، لا مجرد فضيلة فردية.

أوراقٌ نقدية تتهاوى… واقتصادٌ يلفظ أنفاسه

2. من أزمة القيم إلى أزمة الدولة

الدولة ليست أبنية حكومية ومكاتب ووزارات وقوانين فقط، بل هي قبل كل شيء علاقة أخلاقية بين المواطن والمؤسسات. فالمواطن يدفع الضرائب لأنه يثق بأن المال العام سيُستخدم للصالح العام، ويحترم القانون لأنه يؤمن بأن القانون يطبق على الجميع، ويقبل نتائج الانتخابات لأنه يثق بأن المؤسسات قادرة على حماية إرادته. وعندما تنهار هذه الثقة، تبدأ الدولة بفقدان معناها حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة شكلياً.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يشعر المواطن بأن القانون ليس قاعدة عامة وإنما أداة تختلف فعاليتها بحسب موقع الإنسان ونفوذه وعلاقاته. فإذا كان الضعيف يعاقب على المخالفة بينما يستطيع القوي تجاوزها، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع واضحة: القوة أهم من الحق. وعندما تترسخ هذه القناعة، يصبح احترام القانون نوعاً من السذاجة، ويبدأ المواطن بالبحث عن وسيلة أخرى لحماية نفسه، سواء عبر الواسطة أو النفوذ أو الانتماءات الخاصة.

وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الأخلاق والسياسة. فالسياسي الذي ينظر إلى السلطة باعتبارها ملكاً شخصياً لن يتعامل معها باعتبارها أمانة، والموظف الذي يعتبر الوظيفة العامة امتيازاً لن يتعامل معها باعتبارها مسؤولية، والمسؤول الذي يرى المال العام غنيمة لن يشعر بحرمة حقوق الناس. وعندما تجتمع هذه السلوكيات، تتحول الدولة من مؤسسة لخدمة المواطن إلى شبكة من المصالح المتبادلة التي يعيش فيها الأقوى ويعاني فيها الأضعف.

وفي لبنان، ساهمت منظومة المحاصصة والولاءات المتعددة في تعقيد بناء الدولة الحديثة. فبدلاً من أن يكون المواطن مرتبطاً بالدولة مباشرة، قد يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن وسيط أو زعيم أو جهة سياسية لتأمين أبسط حقوقه. ومع الوقت، يتحول هذا السلوك من استثناء إلى عادة، ومن عادة إلى ثقافة، ومن ثقافة إلى نظام اجتماعي وسياسي يصعب تغييره.

ولا يمكن بناء الدولة اللبنانية الحديثة بتغيير الأشخاص فقط إذا بقيت الثقافة نفسها. فاستبدال مسؤول بآخر لا يكفي إذا بقيت فكرة السلطة باعتبارها امتيازاً، وبقيت الواسطة أقوى من القانون، وبقيت المحاسبة انتقائية. المطلوب هو تغيير مفهوم الحكم نفسه، بحيث يصبح المنصب العام تكليفاً لا تشريفاً، والسلطة مسؤولية لا غنيمة، والقانون مرجعاً أعلى من الأشخاص. وعندها فقط يمكن أن يبدأ لبنان في الانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات.

أحمد شوقي

3. الأخلاق والفساد وانهيار الثقة في لبنان

الفساد ليس مجرد مخالفة مالية أو إدارية، بل هو في جوهره انهيار في العلاقة الأخلاقية بين الإنسان والحق العام. فعندما يستولي شخص على مال لا يملكه، فهو لا يسرق المال فقط، بل يسرق من مدرسة كان يمكن أن تُبنى، ومن مستشفى كان يمكن أن يتطور، ومن طريق كان يمكن أن يُصلح، ومن خدمة كان يمكن أن تصل إلى مواطن يحتاج إليها. ولذلك فإن الفساد اعتداء مباشر على حقوق الناس حتى عندما لا يكون الضحية معروفاً بالاسم.

والأخطر من الفساد نفسه هو تطبيع الفساد. فحين يتحول الفاسد إلى شخصية ناجحة في نظر المجتمع، وحين يُنظر إلى من يستخدم الواسطة باعتباره “يعرف كيف يمشي أموره“، وحين يصبح الحصول على الحق من دون واسطة أمراً استثنائياً، تكون المشكلة قد تجاوزت المؤسسات لتصبح ثقافة اجتماعية. عندها لا يعود الفساد مجرد سلوك فردي، بل يصبح منظومة تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

وفي لبنان، كان لانهيار الثقة بالمؤسسات نتائج اجتماعية ونفسية عميقة. فالمواطن الذي لا يثق بالدولة يبحث بصورة طبيعية عن بديل، وقد يكون هذا البديل عائلته أو طائفته أو حزبه أو شبكته الاجتماعية. وبذلك تتراجع فكرة الدولة الجامعة لصالح هويات أصغر، ويصبح الولاء الخاص أحياناً أكثر تأثيراً من الانتماء الوطني العام.

إن بناء الثقة يحتاج إلى أكثر من الكلام. يحتاج إلى قضاء مستقل، وإدارة شفافة، ومؤسسات رقابية فاعلة، وتكافؤ في الفرص، ومحاسبة حقيقية، ووضوح في إدارة المال العام. فالمواطن لن يقتنع بأن الدولة تغيرت بمجرد سماع خطاب سياسي جديد، بل عندما يرى بأم عينه أن القانون يستطيع الوصول إلى صاحب النفوذ كما يصل إلى المواطن العادي.

ولهذا فإن المعركة ضد الفساد في لبنان هي في الوقت نفسه معركة أخلاقية وثقافية. لا يكفي أن نقول إن الفساد سيئ، بل يجب أن تتغير نظرة المجتمع إلى الفاسد نفسه. ينبغي ألا يكون المال غير المشروع مصدراً للإعجاب، وألا يكون النفوذ معياراً للنجاح، وألا تتحول القدرة على تجاوز القانون إلى علامة على الذكاء. وعندما يصبح الشريف موضع احترام، والفاسد موضع مساءلة اجتماعية وقانونية، يبدأ المجتمع باستعادة مناعته الأخلاقية.

غيير الوجوه لا يعني تغيير النهج

4. سقوط الأخلاق في الحياة اليومية

قد يعتقد البعض أن الحديث عن انهيار الأخلاق يرتبط فقط بالسياسة والفساد والجرائم الكبرى، لكن الحقيقة أن الأخلاق تظهر قبل ذلك بكثير في الشارع والمنزل والمدرسة ومكان العمل. فالإنسان الذي لا يحترم الدور، ولا يلتزم بإشارات السير، ولا يحافظ على النظافة، ولا يحترم العامل أو الموظف، ولا يلتزم بواجباته، يشارك بطريقة مباشرة في إنتاج مجتمع مضطرب مهما كان حديثه عن الوطنية جميلاً.

والمشكلة أن السلوكيات اليومية الصغيرة يمكن أن تتحول إلى ثقافة عامة إذا تكررت من دون اعتراض. عندما يرى الطفل أن تجاوز القانون أمر طبيعي، وأن الصراخ أقصر طريق للحصول على الحق، وأن العلاقات أهم من الاستحقاق، وأن الاعتذار عن الخطأ علامة ضعف، فإنه يتعلم أن القوة أهم من الأخلاق. وهكذا تنتقل الأزمة الأخلاقية من جيل إلى جيل من دون أن يشعر المجتمع بخطورة ما يحدث.

وفي لبنان، تظهر هذه المفارقة في العديد من تفاصيل الحياة اليومية. قد يرفع الإنسان شعار احترام القانون ثم يبحث عن طريقة لتجاوزه، وقد ينتقد الفساد ثم يستخدم الواسطة عندما يحتاج إليها، وقد يتحدث عن كرامة الإنسان ثم يمارس الإهانة بحق من هو أضعف منه. وهذه الازدواجية هي من أخطر مظاهر الأزمة لأنها تجعل الإنسان يرفض الخطأ عندما يكون ضده ويقبله عندما يكون في مصلحته.

إن المجتمع لا يستطيع أن يطالب الدولة بالنزاهة إذا كان بعض أفراده يعتبرون التحايل على القانون أمراً عادياً. ولا يستطيع المواطن أن يطالب المسؤول باحترام المال العام إذا كان هو نفسه لا يحترم الممتلكات العامة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من العلاقة بين الفرد وذاته، ثم ينتقل إلى الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل، وبعد ذلك إلى مؤسسات الدولة.

ومن هنا فإن لبنان يحتاج إلى إعادة بناء التربية الأخلاقية والمواطنة في الحياة اليومية. المطلوب أن يتعلم الإنسان أن احترام القانون ليس خوفاً من الشرطة، وأن المحافظة على الممتلكات العامة ليست فضلاً، وأن احترام الآخر ليس تنازلاً، وأن الاعتذار ليس ضعفاً، وأن الالتزام بالواجب ليس بطولة. فالمجتمع الذي يحترم هذه القيم في تفاصيله الصغيرة يصبح أكثر قدرة على بناء دولة محترمة في تفاصيلها الكبيرة.

لبنان يُصدّر كفاءاته… ويستورد انهياره

5. الإعلام والسياسة ومسؤولية صناعة الوعي

لا يمكن الحديث عن الأخلاق العامة من دون التوقف عند دور الإعلام والسياسة، لأنهما من أكثر القوى تأثيراً في تشكيل الوعي الجماعي. فالإعلام لا ينقل الواقع فقط، بل يساهم في تفسيره وترتيب أولوياته، والسياسة لا تدير المؤسسات فقط، بل تؤثر في صورة النجاح والفشل والقوة والضعف داخل المجتمع. ولذلك فإن أي انحراف أخلاقي في هذين المجالين يمكن أن تكون له نتائج واسعة تتجاوز الأفراد إلى المجتمع بأسره.

حين يتحول الخطاب السياسي إلى تخوين وإهانة وتشويه للخصوم، يصبح المجتمع أكثر توتراً وأقل قدرة على الحوار. وحين يتحول الإعلام إلى منبر للشائعة والإثارة، تصبح الحقيقة أقل قيمة من الخبر الأكثر انتشاراً. وحين تُكافأ الشخصية الأكثر صراخاً بدلاً من الأكثر كفاءة، يتعلم المجتمع أن الضجيج أهم من العقل، وأن الاستفزاز أكثر فاعلية من الحوار.

وفي لبنان، لعبت الانقسامات السياسية والطائفية دوراً كبيراً في تشكيل المجال العام. فالخلاف السياسي يمكن أن يكون صحياً عندما يبقى ضمن حدود الاختلاف الديمقراطي، لكنه يصبح خطراً عندما يتحول إلى كراهية شخصية أو تخوين جماعي. فليس كل من يختلف معنا خائناً، وليس كل من ينتقدنا عدواً، وليس كل من ينتمي إلى جهة مختلفة خصماً للوطن.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المواطن نفسه جزءاً من المنظومة الإعلامية. الكلمة التي يكتبها قد تصل إلى آلاف الأشخاص، والصورة التي ينشرها قد تؤثر في سمعة إنسان، والمعلومة غير الدقيقة قد تساهم في نشر الذعر والانقسام. ولذلك أصبحت المسؤولية الأخلاقية في استخدام الإعلام الرقمي جزءاً من المواطنة الحديثة.

إن لبنان يحتاج إلى ثقافة إعلامية وسياسية جديدة تقوم على احترام الحقيقة والإنسان والاختلاف. يجب أن يصبح النقاش أقوى من الشتيمة، والحجة أقوى من التخوين، والمعلومة أقوى من الشائعة، والمصلحة الوطنية أعلى من المكاسب السياسية. فالإعلام والسياسة يمكن أن يكونا أدوات لهدم المجتمع، لكنهما يستطيعان أيضاً أن يكونا أدوات لإعادة بناء الثقة إذا التزما بالمسؤولية الأخلاقية.

بين إغراء المال وصوت الضمير… تُكشَف حقيقة الإنسان

6. هل يستطيع لبنان استعادة أخلاقه؟

إن السؤال عن إمكانية استعادة الأخلاق في لبنان ليس سؤالاً مثالياً أو بعيداً عن الواقع، بل هو سؤال يتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع. فالأزمات التي عاشها لبنان كشفت هشاشة الكثير من الأنظمة والعادات، لكنها في الوقت نفسه كشفت الحاجة إلى إعادة بناء الأسس التي تقوم عليها الحياة العامة. وأول هذه الأسس هو أن يشعر الإنسان بأن النزاهة ليست عبئاً، وأن الاستقامة ليست غباءً، وأن احترام القانون ليس خسارة.

ولا يمكن استعادة الأخلاق بمجرد إصدار قانون جديد، لأن القانون مهما كان جيداً يحتاج إلى إنسان يحترمه ويطبقه. ولذلك يجب أن يبدأ الإصلاح من التربية، من الأسرة التي تعلّم الطفل معنى الصدق، ومن المدرسة التي تربطه بالمسؤولية، ومن الجامعة التي تعزز التفكير النقدي، ومن الإعلام الذي يحترم الحقيقة، ومن الدولة التي تقدم نموذجاً في النزاهة والمحاسبة.

كما أن إصلاح الأخلاق لا يعني مطالبة الناس بأن يكونوا ملائكة، بل يعني بناء بيئة تجعل السلوك السليم ممكناً ومكافأً، وتجعل الفساد مكلفاً أخلاقياً وقانونياً واجتماعياً. فالإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، وإذا كان يرى الفاسد ناجحاً والنزيه مهمشاً، فمن الصعب أن تقنعه بأن الاستقامة طريق للنجاح. لذلك يجب أن تتغير قواعد اللعبة نفسها.

ولبنان يملك ما يكفي من الطاقات البشرية للقيام بهذه المهمة. ففي الداخل والاغتراب هناك آلاف اللبنانيين الذين أثبتوا قدرتهم على النجاح عندما وجدوا مؤسسات تحترم الكفاءة وتكافئ العمل. وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب الإنسان القادر، وإنما في البيئة التي لا تستثمر دائماً في هذه القدرات بالشكل الصحيح.

إن استعادة الأخلاق ليست مشروعاً موسمياً، بل مشروع وطني طويل الأمد. وهي تبدأ عندما يصبح المواطن مقتنعاً بأن مصلحة الوطن ليست شيئاً منفصلاً عن مصلحته الشخصية، وأن احترام حقوق الآخرين يحمي حقوقه، وأن الدولة القوية لا تهدد المواطن بل تحميه. وإذا نجح لبنان في إعادة بناء هذه العلاقة، فإنه يستطيع أن يستعيد تدريجياً مؤسساته واقتصاده وثقته بنفسه.

فوضى الأفراد… مقبرة الأوطان

7. الخاتمة

إن أخطر ما يمكن أن يصيب لبنان ليس انهيار العملة، ولا إفلاس المؤسسات، ولا هجرة الشباب، ولا حتى الانقسام السياسي؛ لأن كل هذه الكوارث، مهما كانت قاسية، يمكن أن تجد طريقاً إلى الإصلاح. أما الكارثة التي تهدد أساس الوطن فهي أن يصبح الفساد عادياً، والكذب مقبولاً، والواسطة حقاً، والظلم أمراً مألوفاً، والنزاهة سذاجة، والاستقامة ضعفاً. عندها لا يعود الوطن بحاجة إلى عدو خارجي كي ينهار، لأنه يكون قد بدأ بالانهيار من داخله.

لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط فقط عندما تخسر الحروب، بل عندما تخسر معاييرها الداخلية. وحين يفقد المجتمع القدرة على التمييز بين الشريف والفاسد، وبين المسؤول والخادم للمصلحة الخاصة، وبين الحق والباطل، يصبح السقوط مسألة وقت. ولهذا فإن صرخة أحمد شوقي ليست مجرد بيت شعري جميل، بل هي إنذار حضاري: “وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتماً وعويلاً“.

إن لبنان الذي نريده ليس لبناناً يغيّر أسماء المسؤولين ويبقي الثقافة نفسها، ولا لبناناً يبني أبنية جديدة فوق عقلية قديمة. لبنان الذي يستحقه أبناؤه هو لبنان الذي يعيد بناء الإنسان قبل الحجر، والضمير قبل المؤسسة، والقيمة قبل السلطة، والعدالة قبل النفوذ. فإذا استعاد اللبنانيون أخلاقهم، يستطيعون أن يستعيدوا دولتهم، وإذا استعادوا دولتهم، يستطيعون أن يستعيدوا اقتصادهم ومؤسساتهم ومستقبلهم. أما إذا بقيت الأخلاق جريحة، فكل إصلاح آخر سيظل هشاً وقابلاً للانهيار.

أخبار ذات صلة

"وينييّ الدولة" عبارة يردّدها اللبنانيون،فهل شكواهم في محلّها؟د. الياس ميشال الشويري معقّباً:بدلاً من "وينييّ الدولة"،لماذا لا نقول: "من أضعف الدولةومن استفاد من ضعفها؟"
بحث

"وينييّ الدولة" عبارة يردّدها اللبنانيون،
فهل شكواهم في محلّها؟
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
بدلاً من "وينييّ الدولة"،
لماذا لا نقول: "من أضعف الدولة
ومن استفاد من ضعفها؟"

19/10/2026

...

سلامة الخليج العربيضرورة وجودية للبنان..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:متى تنشّط الدولة إقتصادهاكي يتضاءل الإعتماد على الخارج؟
بحث

سلامة الخليج العربي
ضرورة وجودية للبنان..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
متى تنشّط الدولة إقتصادها
كي يتضاءل الإعتماد على الخارج؟

18/10/2026

...

محمد الماغوط:الوطن بخمس ليرات و العروبة بليرتين..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:المشكلة عندما يصبح المجتمع مستعداًلبيع الوطن بثمن بخس...
بحث

محمد الماغوط:
الوطن بخمس ليرات و العروبة بليرتين..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
المشكلة عندما يصبح المجتمع مستعداً
لبيع الوطن بثمن بخس...

16/10/2026

...

المقاومة أنواع، فما أفضلها؟د. الياس ميشال الشويري معقّباً:إنها مقاومة العيش الكريم...
بحث

المقاومة أنواع، فما أفضلها؟
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
إنها مقاومة العيش الكريم...

16/10/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
تقرير حول تصاعد النزاعفي اليمن

تقرير حول تصاعد النزاع في اليمن

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups