لم يعد السؤال في لبنان اليوم: كم خسر الاقتصاد؟ بل أصبح: هل ما زال قادراً على النهوض؟ فمنذ اندلاع الانهيار المالي عام 2019، تعرّض البلد لسلسلة من الضربات المتلاحقة، بدأت بانهيار النظام المصرفي، مروراً بانفجار مرفأ بيروت، ثم الأزمات السياسية والفراغات الدستورية، وصولاً إلى الحرب والتوترات الأمنية التي أصابت الجنوب ومناطق واسعة من البلاد، لتتحول الأزمة الاقتصادية إلى واحدة من أعمق الأزمات التي شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفق توصيف البنك الدولي.
واليوم، ومع حلول موسم الصيف، تعود الأنظار إلى القطاع السياحي باعتباره الرئة الوحيدة القادرة على ضخ الدولارات في الاقتصاد اللبناني، فيما يترقب أصحاب الفنادق والمطاعم والمؤسسات التجارية عودة المغتربين والسياح العرب والأجانب لإنقاذ موسم يعدّ الأكثر أهمية خلال العام.
لكن، هل تكفي السياحة وحدها لإنقاذ الاقتصاد؟ وما هو الحجم الحقيقي للخسائر التي تكبدها لبنان حتى الآن؟ وهل يحمل صيف هذا العام بداية التعافي أم مجرد هدنة اقتصادية مؤقتة؟
تشير أحدث التقديرات الدولية إلى أن الاقتصاد اللبناني تكبّد خسائر هائلة خلال السنوات الأخيرة. فالبنك الدولي قدّر أن الحرب التي امتدت بين عامي 2023 و2024 وحدها خلّفت كلفة اقتصادية تقارب 14 مليار دولار، منها نحو 6.8 مليارات دولار أضرار مباشرة بالبنية التحتية والمباني، وما يقارب 7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية ناتجة عن تراجع الإنتاج، وتوقف الأعمال، وانخفاض الإيرادات. كما قدّر حاجات إعادة الإعمار والتعافي بحوالي 11 مليار دولار.
غير أن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من الصورة، إذ إن الانهيار المالي الذي بدأ في عام 2019 أدى إلى خسائر أكبر بكثير. فقد فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها، وتراجع الناتج المحلي بشكل حاد، وارتفعت معدلات الفقر، فيما انهارت القدرة الشرائية للمواطنين، وتراجعت الاستثمارات، وأغلقت آلاف المؤسسات التجارية أبوابها، بينما هاجر عشرات آلاف الشباب وأصحاب الكفاءات بحثاً عن فرص أفضل في الخارج.
ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن عام 2025 شهد بعض المؤشرات الإيجابية، إذ سجّل الاقتصاد اللبناني نمواً متواضعاً بلغ نحو 3.5% بعد سنوات طويلة من الانكماش، مدعوماً باستقرار نسبي في سعر الصرف، وتحسن الإيرادات الضريبية، وعودة جزء من النشاط السياحي، إضافة إلى استمرار تحويلات اللبنانيين في الخارج التي ما تزال تشكل أحد أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد. إلا أن البنك الدولي وصف هذا التحسن بأنه “تعافٍ هش” يمكن أن يتبدد سريعاً إذا توقفت الإصلاحات أو عاد التصعيد الأمني.

أما بالنسبة للسياحة، فإنها تبقى الورقة الأقوى في يد الاقتصاد اللبناني. فقبل الأزمات، كانت تساهم بما يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان لبنان يستقبل ملايين الزوار سنوياً، خصوصاً من دول الخليج، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للسياحة الفاخرة وللقطاعات الفندقية والمطاعم والأسواق التجارية. إلا أن الأزمات الأمنية والسياسية دفعت عدداً من الدول إلى فرض تحذيرات أو قيود على السفر، ما تسبب بانخفاض كبير في أعداد الزائرين خلال السنوات الماضية.
ومع بداية موسم الصيف الحالي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فمن جهة، هناك عودة ملحوظة لآلاف المغتربين اللبنانيين الذين يصرون سنوياً على تمضية عطلتهم في وطنهم مهما كانت الظروف، وهو ما ينعش الأسواق، ويزيد الطلب على الفنادق والمطاعم وتأجير السيارات، ويضخ سيولة بالدولار في الاقتصاد المحلي.
ومن جهة أخرى، لا تزال حركة السياح العرب والأجانب مرتبطة بعامل أساسي هو الاستقرار الأمني. فكلما هدأت الأوضاع، ارتفعت الحجوزات، وكلما تصاعدت التوترات، سارعت شركات الطيران والسياحة إلى تعديل برامجها، وتراجع الإقبال بشكل مباشر.
وتشير تقارير دولية إلى أن الحكومة اللبنانية تعمل على إعادة استقطاب السياح الخليجيين، خصوصاً بعد تحسن العلاقات مع عدد من الدول العربية، في حين رفعت بعض الدول الخليجية قيود السفر إلى لبنان، وهو ما أعاد شيئاً من التفاؤل لدى العاملين في القطاع السياحي. إلا أن الخبراء يؤكدون أن السياحة، مهما كانت قوية، لا تستطيع وحدها معالجة الأزمة البنكية أو إصلاح المالية العامة أو إعادة بناء الاقتصاد، بل تبقى وسيلة لتخفيف الضغوط وليس لحل المشكلة من جذورها.
ويرى اقتصاديون أن لبنان يمتلك جميع المقومات التي تسمح بعودة السياحة بقوة؛ فالموقع الجغرافي، والطبيعة، والمناخ، والمطبخ اللبناني، والحياة الليلية، والمنتجعات الجبلية والبحرية، والخدمات الطبية والتعليمية، كلها عناصر تجعل لبنان من أكثر الوجهات جاذبية في الشرق الأوسط عندما تستقر الأوضاع.

لكن في المقابل، لا تزال التحديات كبيرة، أبرزها ضعف البنية التحتية، والانقطاع المستمر للكهرباء، وارتفاع أسعار الخدمات، وتراجع ثقة المستثمرين، إضافة إلى غياب الإصلاحات المالية والإدارية التي يطالب بها المجتمع الدولي منذ سنوات.
كما أن استمرار التوترات الأمنية قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، أبرزها إلغاء الحجوزات السياحية، وانخفاض تحويلات المغتربين، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وتوسع البطالة، وتأجيل مشاريع إعادة الإعمار، وهو ما قد يعيد الاقتصاد إلى دوامة الانكماش بعد بوادر التعافي الأخيرة. وقد حذرت تقارير دولية بالفعل من أن أي تصعيد جديد قد يقضي على المكاسب الاقتصادية المحدودة التي تحققت خلال العام الماضي.
أما إذا نجح لبنان في الحفاظ على الاستقرار، واستمر بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وعزز الشفافية، وأعاد هيكلة القطاع المالي، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية استعادة تدريجية لثقة المستثمرين، وزيادة أعداد الزوار، وتحسن أداء الفنادق والمطاعم والأسواق، وعودة الرساميل اللبنانية والعربية للاستثمار في قطاعات السياحة والعقارات والخدمات.
وفي النهاية، تبدو معادلة لبنان واضحة أكثر من أي وقت مضى: السياحة قادرة على إنعاش الاقتصاد… لكنها ليست العلاج الكامل. فالمغتربون سيعودون لأن لبنان وطنهم، والسياح سيعودون عندما يشعرون بالأمان، أما المستثمرون فلن يعودوا إلا عندما يرون دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وقضاءً مستقلاً، وإصلاحات حقيقية تعيد الثقة بالاقتصاد.
ويبقى السؤال الذي يرافق كل صيف لبناني: هل يكون هذا الموسم بداية العودة إلى الحياة الاقتصادية الطبيعية، أم محطة مؤقتة تسبق أزمة جديدة؟ الإجابة لن تحددها أعداد الطائرات القادمة إلى مطار بيروت فحسب، بل ستحددها أيضاً قدرة الدولة على تحويل هذا الأمل الموسمي إلى نهضة اقتصادية مستدامة تعيد للبنان مكانته كواحد من أهم المراكز السياحية والاقتصادية في المنطقة.


























































