بهمّة السعودية و ولي عهدها
بإزاء ما يحصل في المنطقة من حروب و إقفال لمضيق هرموز، و بالتالي تعطّل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم،ما عرّض سلاسل الإمداد العالمية لاختبارات غير مسبوقة، نجحت السعودية في إيجاد حلّ بل حلول تمثّلت برئة بديلة وشريان حياة يضمن استدامة تدفق التجارة العالمية عن طريق تفعيل هندسة ربط عابرة للقارات، محولةً التحديات الجيوسياسية الراهنة إلى برهان ميداني على جاهزية بنيتها التحتية، مع معدلات نجاح تشغيلية تجاوزت 97 في المئة في إدارة الأزمات والعمليات الإجلائية.
أما كيف جرى ذلك؟ أولا، بالنسبة للنقل الجوي الذي يمثّل المحرك الأساسي للاستجابة الطارئة، فقد إستحوذ على ما بين 70 و80 في المئة من عمليات الإجلاء السريعة، فيما استُخدم النقل البحري للعمليات الجماعية التي تشمل ما بين 500 و2000 شخص، مع زمن استجابة تراوحت بين 24 و72 ساعة، ما عكس جاهزية تشغيلية عالية وبنية تحتية متقدمة.
على أن النقل البحري تصدّر المشهد بوصفه بديلاً جيوسياسياً، إذ تحولت مواني البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء ينبع، إلى شريان استراتيجي فعّال للشحنات التي كانت تمرّ عبر مضيق هرمز. ومع تكامل هذه المواني مع خط أنابيب «شرق – غرب»، أصبحت المملكة قادرة على إعادة توجيه صادراتها بعيداً عن مناطق التوتر دون الإخلال بالإمدادات.
وفي دلالة واضحة على هذه المرونة، بلغ متوسط شحنات النفط الخام المخصّصة للتصدير من محطتي ينبع الجنوبية وينبع الشمالية، 4.4 مليون برميل يومياً خلال الأيام الخمسة الأُولى من الحرب، فيما تسعى المملكة إلى زيادة شحنات التصدير من موانيها على البحر الأحمر إلى 5 ملايين برميل يومياً، وهو هدف بات في متناول اليد.
في المقابل، تراجعت تكاليف النقل بنسبة 58 في المئة نتيجة تمركُز السفن بالقرب من المواني السعودية، واستقبال شحنات استثنائية ضخمة مثل توربينات الرياح التي حُوّل مسارها من الجبيل إلى ينبع لضمان سرعة التنفيذ.

و هكذا، فإن هذا التنويع في مسارات التصدير، خفّض التعرّض لنقاط الاختناق بنسبة تصل إلى 40 في المئة، وهو ما ساعد على امتصاص قفزات تكاليف الشحن العالمي التي بلغت 50 في المئة خلال فترات التصعيد، وفرض رسوم مخاطر جيوسياسية تتراوح بين 0.05 و0.25 في المئة من قيمة الشحنة، أو زيادة في التأمين تتراوح بين 10 و25 في المئة. ورغم زيادة زمن الإبحار وتأخر الشحنات عالمياً بين 3 و10 أيام، فإن كفاءة الموانيء السعودية ومنح الاستثنـاءات المؤقتة للسفن أسهمتا في تقليل زمن التوقف بنسبة 25 في المئة، وخفض تقلبات أسعار الشحن.
و لم يكن النقل البري بمعزل عن هذا الحراك، إذ تحوّلت المملكة إلى ممر رئيسي لإعادة توزيع البضائع نحو دول الخليج، مدعومةً بأسطول يتجاوز 500 ألف شاحنة، ورفع طاقة قطارات «سار» لنقل أكثر من 2500 حاوية يومياً. ونُقلت بالفعل آلاشاحنات السلع إلى الكويت والبحرين، في مشهد يعكس تحوّل المملكة إلى محور توزيع إقليمي فعّال. إن هذا التكامل اللوجيستي لم يضمن تدفق البضائع فحسب، بل عزّز الروابط الإقليمية عبر نقل المواطنين الكويتيين براً من الرياض، واستقبال رحلات جوية عراقية في مطار عرعر. كذلك إمتدّ هذا التحول لتعزيز الربط البحري داخل الخليج بوصفه خياراً استراتيجياً موازياً؛ حيث أطلقت الهيئة العامة للمواني (موانئ) جسراً تجارياً جديداً يربط الدمام بإمارة الشارقة عبر شراكة استراتيجية مع شركة «غلف تينر»، لتوفير حلول نقل متعددة الوسائط تُسهم في تسريع حركة الشحن، كما تعزز الربط مع البحرين عبر خدمة «غولف شوتل» التي تربط ميناء الملك عبد العزيز بالدمام بميناء خليفة بن سلمان، مستفيدةً من البنية التحتية الضخمة للميناء الذي يضم 43 رصيفاً بطاقة تصل إلى 105 ملايين طن سنوياً، ما يجعله لاعباً رئيسياً في ربط المملكة بالاقتصادات العالمية رغم تحديات الممرات المائية.

من ناحية ثانية، أطلقت الخطوط الحديدية السعودية «سار» ممراً لوجيستياً دولياً عبر قطارات البضائع، يربط مواني المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة، في خطوة تستهدف تعزيز الربط مع الأردن والدول شمال المملكة ودعم حركة التجارة الإقليمية.
وبعيداً عن لغة الأرقام التجارية، برزت كفاءة المنظومة في أبعادها الإنسانية والإقليمية، حيث لعبت دوراً محورياً في تسهيل حركة الركاب ونقل العالقين؛ وتجسّد ذلك في نقل مواطنين كويتيين براً من الرياض إلى الكويت في خطوة تعكس عمق الروابط الخليجية. وفي قطاع النقل الجوي، استقبل مطار عرعر الدولي رحلات قادمة من العراق لدعم حركة المسافرين، مع الحفاظ على معدل نجاح تشغيلي يتجاوز 97 في المئة، مما يؤكد أن الجاهزية اللوجيستية السعودية صُممت لتكون مرنة وشاملة للظروف كافة.
وفي المسار التنظيمي، تبنّت الجهات المختصة نهجاً مرناً عبر منح استثناءات مؤقتة للسفن، ما أسهم في تقليل زمن التوقف بنسبة تصل إلى 25 في المئة، وخفض التكاليف التشغيلية دون الإخلال بمعايير السلامة. وساعدت هذه المرونة في خفض تكاليف النقل البحري بنسبة تتراوح بين 8 و18 في المئة، وتقليل تقلبات أسعار الشحن بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المئة، ما حدّ من تأثير التضخم العالمي على السوق المحلية.

امتدت هذه الكفاءة لتشكل صمام أمان للأمن الغذائي الإقليمي، حيث ضمنت المنافذ البرية، وعلى رأسها منفذ أبو سمرة، تدفق السلع إلى الأسواق القطرية واستقرارها، و تنويع مصادر الاستيراد من أكثر من 25 دولة، إلى جانب الحفاظ على مخزون استراتيجي يصل إلى 12 شهراً لبعض السلع، مع توفّر يتجاوز 95 في المئة.
في الختام، فإن كل هذه الإجراءات تثبت أن المملكة لم تكتفِ بالاستجابة لأزمة عابرة، بل عززت موقعها الاستراتيجي ضمن خريطة التجارة العالمية. ومع تكامل المواني، وتطور البنية التحتية، ومرونة الأنظمة التشغيلية، باتت تمتلك منظومة قادرة على إعادة توجيه تدفقات التجارة والطاقة بكفاءة، وتحويل التحديات إلى فرص تعزز مكانتها كمركز لوجيستي يربط بين القارات.

أتى هذا الجهد السعودي،تزامنا مع تحذيرات وزير المالية السعودي محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران وتوسع دائرة الحرب. و أكد خلال جلسة في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي، أن “التوترات الجيوسياسية الراهنة تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي”، مشيراً إلى أن “ضجيج الإعلام قد لا يعكس دائماً الصورة الكاملة لما يجري على أرض الواقع، حيث لا تزال الأنشطة الاقتصادية اليومية مستمرة، رغم وجود تأثيرات محتملة تستدعي الحذر”. أضاف: “إن الأسواق العالمية استوعبت جزءاً من هذه التوترات، لكن استمرارها قد يؤدي إلى تداعيات أوسع”، لافتاً إلى أن “قطاع الطاقة، خصوصاً النفط، يتصدّر المشهد بوصفه الأكثر تأثراً، إلى جانب قطاعات مرتبطة مثل البتروكيماويات وسلاسل الإمداد”، مشددا على “أهمية احتواء النزاعات بسرعة”، محذراً من أن “استمرارها قد يؤدي إلى تأثيرات تتجاوز ما شهده العالم خلال أزمات سابقة، بما في ذلك جائحة «كوفيد-19»، خصوصاً في ما يتعلق باضطرابات سلاسل الإمداد”.



























































