مع إعلان الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق أولي لإنهاء المواجهة العسكرية التي استمرت عدة أشهر، شهد الشرق الأوسط تطويراً سياسياً سينعكس إيجاباً على الإقتصاد، وعلى ملفات عديدة من أمن الملاحة البحرية إلى الأوضاع في لبنان والعراق واليمن وأسواق الطاقة العالمية.
وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن الاتفاق يتضمن وقفاً دائماً للعمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، إلى جانب إطلاق مرحلة جديدة من المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني وقضايا العقوبات الاقتصادية. كما يتوقع أن يُستكمل التوقيع الرسمي خلال الأيام المقبلة في سويسرا. وما لوحظ مباشرة بعد الإعلان عن الإتفاق، رد الفعل السريع على الإعلان؛ إذ تراجعت أسعار النفط بشكل ملحوظ مع انحسار المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة، بينما سجلت أسواق الأسهم الأوروبية والعالمية مكاسب نتيجة التفاؤل بعودة الاستقرار إلى أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
ولكن ماذا عن الانعكاسات على لبنان؟ يكتسب الاتفاق أهمية خاصة بالنسبة للبنان، إذ تشير بعض التصريحات إلى أن وقف الأعمال العسكرية قد يشمل الجبهات المرتبطة بالنزاع الإقليمي، بما فيها الساحة اللبنانية. غير أن استمرار الضربات الإسرائيلية والتوتر مع حزب الله يثير تساؤلات حول قدرة الاتفاق على الصمود وتحقيق تهدئة شاملة. فرغم أجواء التفاؤل، لا تزال هناك ملفات عالقة، أبرزها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وآليات الرقابة والتنفيذ، وطبيعة العقوبات التي قد تُرفع عن طهران. كما أن وجود تفسيرات مختلفة لبعض البنود بين الأطراف المعنية يطرح تحديات قد تؤثر على استدامة الاتفاق.
مع ذلك، يبقى الاتفاق الأميركي – الإيراني يُمثّل فرصة لإعادة رسم المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط بعد فترة من التصعيد غير المسبوق. لكن نجاحه سيعتمد على قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الأولية إلى التزامات عملية قابلة للتنفيذ، وعلى احتواء التوترات المتبقية في ساحات النزاع الإقليمية.
في هذا الجو الضبابي، وبانتظار التوقيع الرسمي لإتفاقية التفاهم، هل صحيح أن لبنان هو الخاسر فعلاً الاكبر،سياسيا واقتصاديا، مع تزايد الصراع عليه كورقة مهمة للإمساك بها من طهران، كما من تل أبيب، وهل سيتمكن الإفلات من هذه القبضة الحديدية؟

إذا نظرنا إلى الاتفاق الأميركي–الإيراني من زاوية المصالح اللبنانية، فهناك بالفعل حجة قوية تقول إن لبنان قد يكون من أكبر الخاسرين سياسياً، لكنه ليس بالضرورة الخاسر الأكبر اقتصادياً على المدى المتوسط.
يُنظر إلى لبنان كخاسر سياسي لأسباب عدة: أولها أنه كان ورقة تفاوض أكثر منه طرفاً مفاوضاً ذلك أن المفاوضات جرت بين واشنطن وطهران، بينما بقي لبنان خارج طاولة القرار الفعلية. وحتى بعد الإعلان عن الاتفاق، أكدت إسرائيل أنها لا تعتبر نفسها ملتزمة بكل تفاصيله، خصوصاً، المتعلقة بلبنان، وأنها ستواصل إجراءاتها الأمنية ضد حزب الله.
أكثر من ذلك، فالملف اللبناني بات وكأنه أصبح أصبح مرتبطاً بالتسويات الإقليمية . فخلال الأشهر الماضية أصرت إيران على ربط الوضع في لبنان بمسار التفاوض مع الولايات المتحدة، ما جعل مستقبل الجبهة اللبنانية جزءاً من صفقة أكبر. والى ذلك، استمرار عدم اليقين الأمني . ورغم الاتفاق، لا تزال مناطق واسعة من الجنوب مدمرة، كما أن عودة النازحين مرتبطة بتطورات ميدانية لم تُحسم بعد. وقد بلغ عدد النازحين خلال الحرب نحو 1.2 مليون شخص وفق تقارير حديثة.
وان نظرنا الى الواقع من منظار إقتصادي، فإننا سنرى الصورة أكثر تعقيداً اذ أن الاقتصاد اللبناني انكمش بشدة بسبب الحرب والأزمة المالية. تشير تقديرات دولية إلى أن اقتصاد لبنان خسر ما يعادل 4.2 مليارات دولار من الاستهلاك والصادرات الصافية خلال 2024 بسبب الحرب بين إسرائيل وحزب الله. هل يعني هذا أنه لن يجني شيئاً من هذا الإتفاق؟
البنك الدولي قدّر نمو الاقتصاد اللبناني بنحو 3.5% في 2025 بعد سنوات من الانكماش، مع توقع استمرار التعافي في 2026 إذا استقرت الأوضاع الأمنية والسياسية، فضلاً عن ذلك، فإن السياحة والتحويلات المالية هما المحركان الأساسيان للاقتصاد اللبناني حالياً.
وتكمن نقطة الضعف الكبرى في أن لبنان يعتمد بشكل استثنائي على تحويلات المغتربين: بلغت التحويلات نحو 33.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2023 وفق بيانات البنك الدولي، وهي من أعلى النسب عالمياً. لذلك فإن أي تباطؤ اقتصادي في الخليج أو تراجع في فرص العمل للبنانيين بالخارج ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني.
لذا إذا سارت الأمور نحو تسوية إقليمية شاملة، فقد يكون لبنان خاسراً سياسياً ورابحاً اقتصادياً نسبياً: خاسر سياسياً لأنه لم يكن شريكاً في صناعة الاتفاق، ولأن القرار الأمني على حدوده ما زال يتأثر بقوى خارجية. لكنه قد يستفيد اقتصادياً من عودة السياحة والاستثمارات وإعادة الإعمار وتحسن الاستقرار، وهو ما يحتاجه اقتصاد ما زال يعتمد على التحويلات والسياحة أكثر من اعتماده على الإنتاج المحلي.


























































