ل بوشبي… 28 عاماً يمشي حول العالم
من مغامرة بدأت بـ12 عاماً إلى رحلة ابتلعت ربع قرن من العمر… المرض، الجراح، الجوع، الوحدة، الإيمان والتأمين في أطول طريق إلى المنزل
في الأول من تشرين الثاني عام 1998، خرج البريطاني كارل بوشبي من بونتا أريناس في أقصى جنوب تشيلي، حاملاً حقيبته، واضعاً أمامه حلماً بدا في ذلك الوقت أقرب إلى الجنون منه إلى المغامرة: أن يمشي حول العالم ويعود إلى بريطانيا سيراً على قدميه.
كان يعتقد أن الرحلة ستستغرق نحو 12 عاماً.
لكن السنوات الاثنتي عشرة تحولت إلى عشرين، والعشرون إلى خمس وعشرين، ثم إلى 28 عاماً كاملة، قبل أن يصل أخيراً إلى مسقط رأسه هال في إنكلترا في تشرين الثاني 2026.
28 عاماً من المشي.
28 عاماً من الحدود والصحارى والغابات والثلوج والبحار ومناطق النزاعات والأمراض والإصابات والوحدة ونقص المال والانتظار.
والأهم: 28 عاماً من الحياة التي لم تعد فيها الرحلة جزءاً من حياته، بل أصبحت حياته نفسها.
لم يكن بوشبي يبحث عن رقم قياسي فحسب. كان يبحث عن اختبار شخصي لقدرة الإنسان على الاستمرار عندما يبدو الطريق أطول من العمر نفسه.
كان قد خدم 12 عاماً في كتيبة المظليين الثالثة في الجيش البريطاني، وكان معتاداً على الانضباط والتحمل والمخاطر. لكنه عندما بدأ رحلته لم يكن يعرف أن أصعب ما سيواجهه لن يكون الجليد أو الصحراء أو الحدود، بل الزمن نفسه.
كان برنامجه اليومي في كثير من المراحل بسيطاً إلى حد القسوة: يستيقظ، يأكل، يحزم أغراضه، يمشي ساعات طويلة، يتوقف للراحة، ثم يبحث قبل حلول الظلام عن مكان يمكن أن ينصب فيه خيمته. كان يمشي في بعض الفترات سبع أو ثماني ساعات يومياً، ويقطع عشرات الكيلومترات، ثم يطبخ وجبته وينظف أغراضه ويجفف ملابسه وينام، قبل أن يبدأ كل شيء من جديد في اليوم التالي.
لا فنادق فاخرة، ولا طائرات، ولا سيارات ترافقه لتختصر الطريق.
كانت هناك حقيبة، وخيمة، وموقد، وقدمان.
وكانت هناك قاعدة أساسية لم يكن يريد كسرها: لا يستخدم وسيلة نقل للتقدم في رحلته.
حتى عندما كان البحر أو الحدود أو الظروف السياسية تقف في وجهه، كان عليه أن يجد طريقة تظل وفية لفكرة الرحلة الأصلية.
وهكذا أصبح الطريق سلسلة من المستحيلات الصغيرة.
في بيرو، كاد المرض أن ينهي الرحلة. أصيب بالتهابات ومشكلات صحية خطيرة، ووصل إلى مرحلة شعر فيها بأنه قد يموت. لكن المفارقة التي ستتكرر كثيراً في حياته كانت أن إنساناً غريباً ظهر في اللحظة المناسبة. استضافه شخص في منزله، وكانت زوجته طبيبة، فتولت علاجه وساعدته على استعادة عافيته.
وفي مناسبة أخرى، تعرض لإصابة عميقة في معصمه، فاضطر إلى التعامل معها بنفسه، حتى إنه قام بخياطة الجرح.
كان جسده، بالنسبة إليه، أداة العمل الوحيدة. وإذا تعطلت هذه الأداة، توقفت الرحلة.
لكن جسد الإنسان له حدوده.
الجليد له حدوده.
الجوع له حدوده.
الوحدة لها حدود.
والخوف أيضاً.
ومع ذلك استمر.
مشى في أميركا الجنوبية، وعبر أميركا الشمالية، ثم روسيا وآسيا وأوروبا. واجه درجات حرارة قاسية، وعبر مضيق بيرينغ المتجمد، ثم اضطر في مراحل لاحقة إلى السباحة لعبور بحر قزوين والقنال الإنكليزي.
لم يكن الطريق مجرد تضاريس. كان عليه أن يتعامل مع الحدود والسياسة والحروب والبيروقراطية والمال.
وفي بعض المراحل لم يكن يملك حتى المال الكافي للاستمرار.
عمل نادلاً في المكسيك، واشتغل في أعمال مختلفة، واعتمد على دعم الآخرين وتمويل مشروعه، فيما كانت الرحلة التي ظن أنها ستنتهي خلال 12 عاماً تزداد طولاً عاماً بعد عام.
وهنا تظهر واحدة من أكثر زوايا القصة إثارة: كيف يمكن تأمين مغامرة لا يعرف صاحبها متى ستنتهي؟
فالتأمين التقليدي يحب التواريخ المحددة: بداية الرحلة، نهايتها، الوجهة، مدة الإقامة، طبيعة الخطر.
أما بوشبي، فلم يكن يعرف أين سيكون بعد أشهر، ولا ما إذا كان سيصل إلى وجهته التالية، ولا متى سيعود إلى بريطانيا.
كان يعيش عملياً في حالة خطر مفتوحة.
مرض، إصابة، حادث، حدود مغلقة، منطقة حرب، غرق، طقس قاسٍ أو فقدان القدرة على المشي… أي واحد من هذه الاحتمالات كان يمكن أن ينهي مشروعاً استمر 28 عاماً.
ومن هنا تصبح رحلة بوشبي مثالاً غريباً على أحد أكبر تحديات التأمين الحديث: كيف تؤمّن إنساناً لا يعيش وفق الجداول التقليدية للخطر؟
لكن المال والتأمين لم يكونا وحدهما المشكلة.
كان هناك الثمن العائلي.
عندما بدأ بوشبي رحلته، كان ابنه صغيراً. كان يعتقد أنه قد يعود بعد نحو 12 عاماً، عندما يكون ابنه في العشرين تقريباً.
لكن 12 عاماً لم تكن كافية.
عاد بعد 28 عاماً، ليجد أن ابنه أصبح في السادسة والثلاثين، وأن هناك جيلاً جديداً في العائلة أيضاً.
لقد عاد إلى البيت، لكن الزمن الذي كان يتخيل أنه سيجده هناك لم يعد موجوداً.
وهنا يتحول السؤال من: هل نجح في الوصول؟
إلى سؤال أكثر قسوة:
ماذا يخسر الإنسان أحياناً وهو يحقق أكبر حلم في حياته؟
أما الإيمان، فله قصة أخرى.
كان بوشبي مسيحياً في طفولته، لكنه أصبح لاحقاً ملحداً. وبعد كل ما عاشه خلال الرحلة، لم يعد إلى الإيمان الديني بالمعنى التقليدي، لكنه قال إن تجربته جعلته يؤمن بالإنسان أكثر من أي وقت مضى.
والسبب كان الغرباء.
أشخاص لم يعرفهم من قبل فتحوا له أبواب منازلهم. طبيبة أنقذته من المرض. أشخاص ساعدوه بالطعام أو المال أو المأوى عندما كان في أمسّ الحاجة إليهم.
في عالم قضى فيه سنوات وهو يمشي وحيداً، اكتشف أن الإنسان قد يكون أحياناً أفضل شبكة أمان يمكن أن يجدها إنسان آخر.
وهذه ربما واحدة من أجمل مفارقات الرحلة كلها.
خرج كارل بوشبي إلى العالم ليختبر قدرته على البقاء وحده، فعاد وهو يتحدث عن قيمة الآخرين.
لكن الوصول نفسه حمل معه مشكلة لم تكن في حساباته.
طوال 28 عاماً كان لديه هدف واحد واضح: المشي إلى الأمام.
كل صباح كان يعرف ماذا عليه أن يفعل.
يمشي.
وكلما قطع كيلومتراً اقترب من الهدف.
كلما عبر حدوداً اقترب من النهاية.
حتى جاء اليوم الذي انتهى فيه الطريق.
فماذا يفعل رجل عاش 28 عاماً وهو يطارد هدفاً واحداً عندما يتحقق الهدف؟
هذه ليست مشكلة صغيرة.
فبوشبي نفسه تحدث عن صعوبة تخيل الحياة بعد انتهاء الرحلة، لأن الرحلة لم تعد مشروعاً لديه، بل أصبحت هويته.
ربما كانت أصعب خطوة في حياته هي الخطوة الأخيرة.
فطوال 28 عاماً كان يعرف كيف يبدأ يومه.
أما الآن، فعليه أن يعرف كيف يبدأ حياته الجديدة.
لقد خرج شاباً في التاسعة والعشرين من عمره، وعاد رجلاً في السابعة والخمسين تقريباً.
بين نقطة الانطلاق ونقطة الوصول لم تكن هناك مسافة جغرافية فقط.
كانت هناك حياة كاملة.
مرض فيها، وجُرح، وجاع، وخاف، وضحك، وعمل، ووثق بغرباء، وخسر سنوات من عمر ابنه، واكتشف حدود جسده، واختبر إيمانه، وتعلم أن المخاطر ليست دائماً ما نتوقعه منها.
وعندما وصل إلى هال، لم يكن قد أكمل أطول رحلة مشي في حياته فحسب.
كان قد أثبت شيئاً أكثر عمقاً:
أن الإنسان يستطيع أن يمشي آلاف الكيلومترات، لكن أصعب طريق قد يكون الطريق الذي يقطعه داخل نفسه.
بدأ كارل بوشبي رحلته بحثاً عن العالم.
وبعد 28 عاماً، عاد وقد اكتشف الإنسان.
وربما لهذا السبب تحديداً، فإن قصة بوشبي ليست قصة مغامر بريطاني مشى حول العالم.
إنها قصة رجل أمضى نصف عمره تقريباً وهو يتحرك إلى الأمام، ليكتشف في النهاية أن السؤال لم يكن يوماً: إلى أين سيصل؟
بل:
من سيصبح عندما يصل























































