د. غالب خلايلي
بينما يكون طبيب الأطفال منهمكاً بفحص مريضه، سواء أكان رضيعاً ضعيفاً أم طفلاً متألماً، يأتيه نداء مُلِحّ على الهاتف يسأله عن كيفية إطعام رضيع، فيجيب باقتضاب في محاولة منه للعودة إلى مريضه، لكن السائل يصرّ على طريقة سلق الرز وكمّيته وربما طريقة صنع المهلّبية، ومقدار الكوسا والبطاطا والجزر في مهروس (بيوريه) الخضار، ويوقع الطبيب في شبكةٍ معقدة من الأسئلة لا يعرف كيف يخرج منها، خاصة إذا قال السائل: إنه سمع أن الأكل لا يجوز قبل سن معينة، ويريد توضيحاً!!!.
وقد يكون حصار الأسئلة في مرضٍ افتراضي، أي لم يحدث، لكن السائل العزيز سمع عنه في وسائل التواصل، أو أنّ أحداً من الجيران أصيب به، أو من تحليل الدم أبدى زيادة الكريات البيض أو نقص الصفيحات، ليستوضح السائل عن الأسباب والأمراض والمضاعفات إذا حدثت، وهل لها من علاج، وما مخاطر الدواء، إن لم يخبرك أيضاً أن الأدوية مواد كيماوية ضارة يستحسن تجنبها!!، فيضعك في دوامة أسئلة يتفرع بعضها عن بعض، لتصبح متاهة.
وهنا يسأل الطبيب نفسه: ما جدوى هذه الأسئلة إن كان المريض بهذا الوعي كله؟ وما جدواها إن كان يستطيع الحصول على إجاباتها بسؤال تشات جي بي تي؟
أما أخطر المرضى فالذين يسألونك عن وحمة صغيرة لا معنى لها من الناحية المرضية، ثم يوصلونك بأسئلتهم إلى السرطان، فتحلف لهم أغلظ الأيمان أن مريضهم سليم، وهنا يبدؤون بالبحث عن أية علامة أخرى في جسده من فروة رأسه حتى أخمص قدميه، ثم يغوصون في تلافيف الدماغ بحثاً عن سؤال عقيم، فإذا ما انتهيت من مريضك على خير، سألوك عن أخيه أو أخته التي ترافقه (على البيعة كما يقال) سؤالاً قد يستفزك من الأعماق.
على أن المسألة تصبح أصعب إذا لم يعرف الطبيبُ محدّثَه، ولم يعالجْه من قبل، ثم سأل أسئلة فيها تحميل مسؤولية، لما في الإجابة من خطورة إذا اعتمدها المريض من غير فحص وتشخيص.
والسبب الرئيس لمثل هذه المقاربات هو محاولة التوفير على الأغلب، أو الكسل، أو كلاهما معا، وتلعب الوساوس والمخاوف دورها، لتبدو المحادثة مع الطبيب وكأنها حبة الأسبرين الشافية من كل داء.
إن لبعض المرضى أو ذويهم (مواجهةً أو على الهاتف) موهبةً (قدرةً) فائقة على إخراج الطبيب عن طوره أو حتى من ثيابه مهما بلغ من الحكمة والحلم والصبر، ويقوم بعضهم بهذه المهمّة القاتلة بدم بارد، وكأنه أخذ أنفاساً عميقة من حشيش أو تناول مادة مكيّفة، فغدا بلا شعور.
فإذا قلت لأم: إن إعطاء فيتامين (د) لولدها ضروري وسألتك: لماذا؟ فهذا حق لا تُجادل فيه، وتجيب: إنه مفيد للعظام والمناعة والذكاء.
وهنا قد تقتنع هذه الأم بحسن أسلوبك وهذا خير، ووقى الله المؤمنين شر القتال، أو تبدأ دوّامة من الجدل المقيت، تبيّن لك فيه أنها ربّت أولادها من دون أدوية، وأنها تحب الأشياء الطبيعية!.. وما عليك هنا سوى الاستعانة بالرحمن وإعادة الشرح، لأشهد لك بطول الباع وسعة الصدر، وما أندر ذلك، أو تترك مريضك على كيفه إن لم تجد فائدة، ليفعل ما يشاء في حرثه وزرعه.
ومع الأسف هناك نمط أشد خطراً من المراجعين، وهم الذين يستمعون إلى أي شخص عدا الطبيب، فيرفضون تناول أدوية الأمراض لا سيما المزمنة، بعدما أخبرهم شخصٌ ما أنها ضارة (أو قرأ عن ذلك)، وفي المقابل لا يستغنون عن عاداتهم الضارة ومنها تبغهم ودخانهم ونهمهم للطعام…، لأنها (تفيدهم ومرضاهم)، علماً أنني لا أستبعد قلّة حيلة الطبيب عندما لا يستطيع التأثير في مرضاه، وإن كنت لا أفترض أن كل طبيب يجيد فنون التمثيل والأخذ والرد، أو أن عليه أن يكون كذلك، فهناك زمرة من البشر، لا “يقطع” بعقلها شيء.
إن الطبيب (الإنسان) يستحي أن يهمل الاستجابة لأي طلب أو سؤال، لكن طبيعة بعض الأمراض، وتوقيت بعض الأسئلة يجعل كثيراً من الأطباء لا يستجيبون، خاصة وأن بعض الناس قد يحمّلون الطبيب مسؤولية مريض لم يره.
لكن، لمّا كان التيسير خيراً من التعسير، لا أراكم الله شدة، فلا حرجَ من الإجابة على أسئلة المرضى، غائبين أو حاضرين، شريطةَ ألا يضعوا طبيبهم في دوار، فمثل هذه التصرفات ومثل هذا الجدل ممكن مع طبيب صبور ذي أعصاب مطّاطة، وفي وقت يناسب التسلية، لكنه يصبح قتلاً للنفس عندما يوجد مرضى مُتْعَبون ينتظرون على الباب، تسمع بكاءهم وأنينهم…وهنا أقول للذين يريدون أن يتسلّوا: غيّروا طبيبكم، أو اتقوا الله فيه وفي مرضاه.
وفي الجهة المقابلة: كم هم رائعون أولئك الذين يستفسرون بأدب عن توفّر الوقت المناسب للكلام .هؤلاء يثلجون الصدر، ويجعلون الطبيب محبّاً للعطاء، ما دام الطرف الآخر متفهّماً وشاكراً، ولا مانع من أن يتحول لبعض الوقت من الطبّ إلى الطبخ.
العين في 3 تشرين الثاني 2026





















































