عاد ملف الكهرباء إلى واجهة العلاقات اللبنانية القطرية، وسط آمال بأن يتحوّل الدعم الذي تقدّمه الدوحة إلى خطوات عملية تساعد لبنان على زيادة إنتاج الطاقة، وتخفيف ساعات التقنين، والحدّ من الأعباء المالية التي أثقلت الدولة والمواطنين على مدى سنوات طويلة.
وجاءت الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني إلى بيروت في 16 تشرين الأول الجاري، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون في قطاع الطاقة، بعدما أكد أن بلاده تسعى إلى تقديم حلول متكاملة لأزمة الكهرباء في لبنان، سواء من خلال شركة «قطر للطاقة» الحكومية أو عبر الشركات الخاصة، مشيراً إلى التقدم في المشاريع التي يجري العمل عليها، وإلى مشروع استراتيجي للطاقة يربط لبنان وسوريا والعراق.
وهذا التطور يكتسب أهمية خاصة، لأن الحديث لم يعد مقتصراً على تقديم مساعدات مالية أو تأمين كميات إضافية من الوقود، بل يتصل بإمكانية إعادة بناء جزء أساسي من منظومة الطاقة اللبنانية على أسس أكثر استدامة، من خلال الاستثمار في الإنتاج وتطوير البنية التحتية والاستفادة من التعاون الإقليمي.
400 مليون دولار لدعم قطاع الطاقة
كانت قطر قد أعلنت في 26 كانون الثاني 2026 حزمة دعم للبنان بقيمة إجمالية تبلغ نحو 434.25 مليون دولار، تتضمن مساهمة تصل إلى 400 مليون دولار لدعم قطاع الطاقة، خُصّص 10% منها على شكل منحة، وفق إعلان صندوق قطر للتنمية. ويعكس هذا الالتزام حجم الاهتمام القطري بمساعدة لبنان على معالجة أحد أبرز التحديات الاقتصادية والخدماتية التي تواجهه.
غير أن أهمية هذه الحزمة لا تُقاس بقيمتها المالية وحدها، بل بكيفية تحويلها إلى مشاريع فعلية، وبمدى قدرتها على تحسين التغذية الكهربائية وخفض كلفة الإنتاج وتعزيز استقرار الإمدادات. فالمشكلة اللبنانية تراكمية، ولا يمكن معالجتها بدفعة مالية واحدة مهما بلغت قيمتها، ما لم تترافق مع استثمارات طويلة الأجل وإصلاحات في إدارة القطاع.

خط الغاز إلى دير عمار: خطوة عملية في الاتجاه الصحيح
ومن أبرز التطورات التي سبقت زيارة رئيس الوزراء القطري، إعلان وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي، في 17 أيلول الماضي، أن قطر قدّمت هبة لاستكمال أعمال صيانة خط الغاز في الجانب اللبناني.
وتكتسب هذه المساهمة أهمية عملية، لأن إعادة تأهيل خط الغاز الممتد من منطقة دير عمار باتجاه الحدود السورية تشكّل جزءاً أساسياً من خطة الانتقال إلى تشغيل المعامل بالغاز الطبيعي بدلاً من الاعتماد الكامل على الفيول، الذي ترتفع كلفته وتتأثر أسعاره بالتقلبات العالمية.
وكانت وزارة الطاقة اللبنانية قد أوضحت أن العمل على تأهيل الخط يجري بالتوازي مع التحضير لعقود شراء الغاز واتفاقات عبوره عبر سوريا، بهدف تمكين معمل دير عمار من استخدام الغاز في إنتاج الكهرباء. ومن شأن نجاح هذه الخطوة أن يساهم في تخفيض كلفة الإنتاج، ويفتح المجال أمام استخدام أفضل للموارد المالية المتاحة.
ولا تعني إعادة تأهيل الخط وحدها أن الغاز سيصل تلقائياً، إذ يبقى التنفيذ مرتبطاً باستكمال الأعمال الفنية، وإقرار العقود اللازمة، وضمان توافر الإمدادات وشروط التوريد والعبور. لكنها تمثل خطوة بنيوية تختلف عن المساعدات التي تُستهلك سريعاً في شراء الوقود.
من الربط الكهربائي إلى إنشاء معامل جديدة
أما المسار الثاني، فيتمثل في تطوير الربط الكهربائي الإقليمي. فقد أشار رئيس الوزراء القطري إلى مشروع استراتيجي يربط لبنان وسوريا والعراق، في حين تحدثت تقارير إعلامية عن خطة تتضمن أيضاً الربط الكهربائي بين لبنان وسوريا وإنشاء معامل جديدة لإنتاج الطاقة.
ومن شأن الربط الإقليمي، إذا استُكملت متطلباته الفنية والتجارية، أن يمنح لبنان خيارات إضافية للحصول على الكهرباء، وأن يخفف اعتماده على الإنتاج المحلي وحده. إلا أن نجاح هذا المسار يتوقف على جاهزية شبكات النقل، وتوافر فائض فعلي من الكهرباء لدى الدول المعنية، والاتفاق على الأسعار وكلفة العبور وآليات الدفع.
وفي المقابل، فإن إنشاء معامل حديثة، ولا سيما تلك التي تعمل بالغاز، يمكن أن يرفع القدرة الإنتاجية بصورة أكثر استقراراً. وقد أكد وزير الطاقة اللبناني أن المعامل الحديثة وإشراك القطاع الخاص يشكّلان جزءاً أساسياً من مسار زيادة الإنتاج، في ضوء الفجوة الكبيرة بين الكهرباء المتوافرة وحاجة البلاد الفعلية.
ومن هنا، يمكن للدور القطري أن يتجاوز التمويل إلى الاستثمار المباشر أو المشاركة عبر «قطر للطاقة» وشركات متخصصة، وفق نماذج تعاقدية واضحة تضمن حقوق الدولة والمستثمرين، وتحدّد مسؤوليات كل طرف وكلفة الإنتاج.
هل تستطيع قطر إنهاء أزمة الكهرباء؟
من المبكر القول إن الأزمة باتت قريبة من الحل النهائي. فلبنان لا يعاني نقصاً في الاستثمارات الجديدة فحسب، بل يواجه أيضاً مشكلات مزمنة في الجباية والهدر المالي والفني، وتحصيل مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان، وتأمين الأموال اللازمة لشراء الوقود وتشغيل المعامل وصيانة الشبكات.
ولذلك، فإن أي زيادة في الإنتاج تحتاج إلى آلية تضمن استمراريتها. فلا يكفي إنشاء معمل جديد إذا لم تتوافر الأموال اللازمة لتشغيله، ولا يكفي تأمين الغاز إذا بقيت مشكلات الشبكة والجباية والتحصيل من دون معالجة.
وهنا يمكن أن يؤدي الدعم القطري دوراً مهماً في مساعدة لبنان على تجاوز العقبات التمويلية الأولية، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة، شريطة أن تترافق المشاريع مع رقابة شفافة، وجدول زمني واضح، وتحديد دقيق لما هو منحة وما هو استثمار أو تمويل قابل للاسترداد.
كما أن نجاح التعاون سيعتمد على وضوح الاتفاقات التجارية، وعلى قدرة الدولة اللبنانية على الالتزام بموجباتها المالية، فضلاً عن ضرورة أن تكون كلفة الكهرباء الناتجة عن المشاريع الجديدة مقبولة وقابلة للاستدامة.

الاختبار الحقيقي هو ما سيصل إلى المواطن
إن زيارة رئيس الوزراء القطري، إلى جانب الدعم المعلن لقطاع الطاقة والهبة المخصصة لاستكمال صيانة خط الغاز، تمنح التعاون اللبناني القطري بعداً عملياً مهماً. لكن المرحلة المقبلة ستكون الأهم، لأنها ستكشف كيف ستُترجم التصريحات إلى عقود ومشاريع وتمويلات وجداول تنفيذ.
فالمعيار الحقيقي ليس عدد الاتفاقات المعلنة أو حجم المبالغ المخصصة، بل مقدار الزيادة الفعلية في ساعات التغذية، ومدى انخفاض كلفة الإنتاج، وقدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تأمين الخدمة بصورة منتظمة من دون العودة إلى الاستدانة المتكررة.
وإذا نجحت قطر ولبنان في الجمع بين تأهيل البنية التحتية، وتأمين الغاز، وزيادة القدرة الإنتاجية، وتطوير الربط الإقليمي، فقد تتحول هذه المبادرة إلى فرصة لإعادة تنظيم قطاع الطاقة، لا مجرد معالجة مؤقتة لنقص الكهرباء.
أما إذا بقي التنفيذ معلقاً على التمويل وحده، من دون إصلاحات مالية وإدارية وضمانات للاستدامة، فإن أثر المساعدة سيظل محدوداً مهما كانت أهميتها.
في المحصلة، تبدو الفرصة متاحة أمام لبنان للاستفادة من الدعم القطري في بناء مسار جديد للكهرباء، شرط الانتقال من مرحلة إعلان النيات إلى مرحلة التنفيذ.
فهل تتحول المساهمة القطرية إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء قطاع الكهرباء اللبناني، أم تبقى خطوة إضافية في مسار طويل من الوعود والمشاريع المؤجلة؟
























































