• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

لبنان بين منطق الدولة ومنطق الساحة:
إذا اعتمد الثاني بقي رهينة النار..
د. الياس ميشال الشويري:
الحياد سياسة وقائية تحمي الداخل
من ارتدادات الخارج...

2026/03/09
- بحث
لبنان بين منطق الدولة ومنطق الساحة:إذا اعتمد الثاني بقي رهينة النار..د. الياس ميشال الشويري:الحياد سياسة وقائية تحمي الداخلمن ارتدادات الخارج...

د. الياس ميشال الشويري

ليس أخطر على وطنٍ صغير محاطٍ بالعواصف من أن يظنّ أن صوته العالي يكفي ليحميه، أو أن سلاحه وحده يكفل له البقاء. إن الردع الحقيقي لا يولد من ضجيج الشعارات، بل من صلابة الدولة. لبنان لا يُحمى بخطابٍ مشتعل، بل بمؤسسات لا تنكسر، وبقرارٍ واحد لا يتشظّى، وبسيادةٍ لا تُساوَم. في مواجهة كيانٍ بحجم إسرائيل، لا يكون التحدي في مجاراة منطق القوة المجردة، بل في إثبات أننا دولة كاملة الأركان، تعرف ما تريد، وتملك إرادة فرضه. فالدولة التي تحترم نفسها تُجبِر الآخرين على احترامها، والدولة التي تتقن إدارة بيتها الداخلي تصنع من استقرارها سورًا أعلى من كل الأسوار.

1. الردع بين القوة المادية وهيبة الدولة

حين نتأمل في معنى الردع، نكتشف أنه ليس مجرد امتلاك أدوات القتال، بل امتلاك القدرة على تنظيم هذه الأدوات ضمن رؤية وطنية جامعة. فالقوة العسكرية، مهما بلغت من تطور، تتحول إلى عنصر هشّ إذا لم تستند إلى شرعية سياسية واضحة. السلاح من دون دولة يشبه طاقة بلا نظام؛ قد يُخيف لحظة، لكنه لا يؤسس لاستقرار طويل الأمد. أما حين يكون السلاح جزءًا من بنية دستورية واضحة، تخضع لقرار مركزي واحد يصدر باسم الأمة كلها، فإن الردع يتحول إلى معادلة عقلانية تُحسب نتائجها بدقة قبل أي مغامرة.

الردع في جوهره عملية نفسية قبل أن يكون عملية ميدانية. هو قدرة على التأثير في حسابات الطرف الآخر، وجعله يعيد تقدير كلفة أي اعتداء محتمل. هذه القدرة لا تنبع فقط من عدد الصواريخ أو حجم الترسانة، بل من وضوح صورة الدولة المقابلة: هل هي دولة مستقرة؟ هل قرارها موحد؟ هل مؤسساتها تعمل بانسجام؟ عندما يكون الجواب نعم، يصبح الإقدام على أي اعتداء مغامرة محفوفة بعواقب سياسية وعسكرية ودبلوماسية واضحة. أما حين تبدو الدولة منقسمة، وقرارها موزعًا بين مراكز متعددة، فإن صورة الردع تتشوش، وتتحول القوة إلى عنصر تجاذب داخلي بدل أن تكون عنصر حماية خارجية.

إن احتكار الدولة لحق استخدام القوة ليس تفصيلًا قانونيًا، بل هو حجر الزاوية في مفهوم الردع الحديث. فالدولة التي تحتكر العنف المشروع وفق دستورها وقوانينها تملك القدرة على توظيف القوة ضمن استراتيجية شاملة، تراعي التوازنات الداخلية والحسابات الإقليمية. هذا الاحتكار لا يُضعف القدرة الدفاعية، بل يعززها، لأنه يربط القوة بهدف وطني محدد، ويمنع استخدامها خارج إطار المصلحة العليا. وعندما يكون قرار الحرب والسلم صادرًا عن سلطة دستورية واحدة، فإن الرسالة التي تصل إلى الخارج تكون واضحة: أي مواجهة لن تكون مع فئة أو تنظيم، بل مع دولة بكامل مؤسساتها وشعبها.

ثم إن الردع لا يقتصر على البعد العسكري؛ إنه يتكامل مع الردع السياسي والاقتصادي. فالدولة القادرة على إدارة أزماتها الداخلية، وعلى الحفاظ على استقرار مؤسساتها، وعلى اتخاذ قرارات صعبة دون انهيار، تملك عنصرًا إضافيًا في معادلة الردع. الخصم يقرأ مؤشرات الاقتصاد، ووحدة الخطاب السياسي، وانضباط المؤسسات، تمامًا كما يقرأ حجم الترسانة العسكرية. وحين يرى دولة متماسكة قادرة على الصمود، يدرك أن أي صراع لن يؤدي إلى انهيار سريع، بل إلى مواجهة طويلة مكلفة.

كما أن هيبة الدولة في الداخل تنعكس مباشرة على صورتها في الخارج. الدولة التي يُطبَّق فيها القانون بلا استثناء، والتي تُحترم فيها القرارات القضائية، والتي تخضع فيها السلطة للمساءلة، تبعث برسالة ضمنية بأنها كيان منظم يمكن التنبؤ بسلوكه. وهذه القدرة على التنبؤ عنصر أساسي في الردع؛ لأن الغموض الناجم عن الفوضى يخلق بيئة قابلة للاختراق، بينما الوضوح المؤسسي يفرض حسابات دقيقة على أي طرف يفكر في التعدي.

من هنا، يصبح بناء مؤسسة عسكرية وطنية قوية، خاضعة لقيادة سياسية شرعية، جزءًا لا يتجزأ من مشروع استعادة الردع. ليست المسألة في تضخيم الخطاب أو استعراض القوة، بل في ترسيخ معادلة بسيطة وعميقة في آن: الدولة هي صاحبة القرار، والدولة وحدها تمثل الإرادة الوطنية. وعندما تترسخ هذه القناعة في الداخل أولًا، تنتقل تلقائيًا إلى الخارج، فيتحول الردع من شعار يُرفع إلى حقيقة تُحسب لها الحسابات.

2. السيادة بوصفها ممارسة يومية لا شعارًا

السيادة ليست علمًا يُرفع على السارية ولا نشيدًا يُتلى في المناسبات؛ إنها فعل يومي متراكم، يبدأ من أصغر تفصيل إداري وينتهي عند أكبر قرار استراتيجي. الدولة التي تمارس سيادتها حقًا لا تكتفي بإعلانها، بل تجسّدها في ضبط حدودها، وفي فرض قوانينها، وفي احتكارها الكامل لقرارها الأمني والاقتصادي والدبلوماسي. السيادة ليست خطابًا موجّهًا إلى الخارج فحسب، بل هي قبل كل شيء رسالة إلى الداخل مفادها أن لا سلطة تعلو فوق سلطة القانون.

في بلد كلبنان، حيث الحدود الجنوبية تتماس مباشرة مع إسرائيل، تصبح مسألة ضبط الحدود مسألة وجودية. فالحدود ليست خطًا جغرافيًا فقط، بل هي تعبير عن إرادة الدولة في حماية أراضيها ومنع تحويلها إلى ساحة مفتوحة. حين تكون الحدود مضبوطة بقرار وطني واضح، وتحت إشراف مؤسسات شرعية، فإن الدولة تعلن أنها صاحبة الكلمة الفصل في كل ما يدخل ويخرج من أرضها. أما إذا تحولت الحدود إلى مساحات رمادية، فإن مفهوم السيادة نفسه يتآكل، ويصبح الكيان عرضة للاختراق السياسي والأمني.

لكن السيادة لا تختزل في الجغرافيا. إنها تمتد إلى سيادة القرار. الدولة ذات السيادة هي التي لا يُملى عليها موقفها، ولا يُختطف قرارها من قبل قوى داخلية أو إقليمية. استقلال القرار السياسي هو جوهر السيادة، وهو ما يمنح الدولة قدرتها على التفاوض من موقع الندّية. عندما يكون القرار الوطني منسجمًا مع مصلحة البلاد وحدها، غير مرتهن لمحاور أو حسابات خارجية، تتحول السيادة إلى عنصر قوة تفاوضية، لا إلى عبء.

كما أن السيادة تُقاس بمدى قدرة الدولة على تطبيق قوانينها بالتساوي. الدولة التي تتسامح مع مناطق خارجة عن القانون، أو مع استثناءات دائمة بحجة التوازنات، تضعف صورتها أمام مواطنيها قبل أن تضعفها أمام العالم. فالسيادة لا تتجزأ؛ إما أن تكون شاملة أو تكون منقوصة. وعندما يشعر المواطن أن الدولة حاضرة في حياته اليومية عبر مؤسسات عادلة وفعالة، يترسخ لديه الإيمان بكيان جامع يستحق الدفاع عنه.

البعد الاقتصادي للسيادة لا يقل أهمية عن البعد الأمني. فالارتهان المالي أو العجز المزمن يقيّدان القرار السياسي، ويجعلان الدولة عرضة للضغوط. الاقتصاد المنتج، والإدارة الرشيدة للموارد، ومكافحة الفساد، كلها عناصر تعيد للدولة قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة. السيادة المالية تعني أن تكون للدولة القدرة على رسم سياساتها الاقتصادية دون أن تكون رهينة لأزمات متكررة أو تدخلات مشروطة.

ثم هناك السيادة القانونية والدبلوماسية. الدولة التي تلتزم بالقانون الدولي، وتوثّق حقوقها، وتخوض مفاوضاتها وفق أطر شرعية، تكرّس حضورها ككيان معترف به ومحترم. وعندما تُنتهك سيادتها، يكون لديها السند القانوني والسياسي لرفع الصوت والمطالبة بالحقوق. السيادة هنا تتحول إلى شبكة حماية دولية، لأن العالم يتعامل مع دولة واضحة المعالم لا مع واقع ملتبس.

في النهاية، السيادة ليست لحظة بطولية عابرة، بل مسار طويل من الانضباط المؤسسي. هي قدرة الدولة على أن تكون المرجعية النهائية في كل شأن يتعلق بأرضها وشعبها. وعندما تصبح هذه المرجعية ثابتة غير قابلة للتشكيك، تتبدل نظرة الخارج إليها. فالكيان الذي يحترم نفسه ويمارس سيادته بثبات، يفرض على الآخرين احترامه، ويحوّل حدوده من خطوط قابلة للاختبار إلى خطوط محمية بإرادة وطنية صلبة.

3. احترام المواطن أساس الأمن الوطني

إن الدولة التي تطمح إلى ردع الخارج لا تستطيع أن تفعل ذلك إذا كانت عاجزة عن احتضان الداخل. فالأمن الوطني لا يبدأ عند الحدود فقط، بل يبدأ في قلب المجتمع، في العلاقة اليومية بين المواطن ومؤسساته. حين يشعر الفرد أن كرامته مصونة، وأن حقوقه غير قابلة للمساومة، وأن صوته مسموع في صناعة القرار، يتحول من متلقٍ سلبي للسياسات إلى شريك فعلي في حماية الكيان. أما إذا شعر بأن الدولة غائبة أو منحازة أو عاجزة، فإن الرابط بينه وبينها يضعف، ويصبح مفهوم الدفاع عن الوطن مجرد شعار لا جذور له في الواقع.

العدالة هي الركيزة الأولى في هذا السياق. فالقضاء المستقل والنزيه لا يحفظ الحقوق الفردية فحسب، بل يرسّخ الإيمان العام بأن الدولة ليست أداة بيد فئة، بل إطارًا جامعًا للجميع. حين يُحاسَب الفاسد مهما علا شأنه، ويُحترم القانون مهما كان موقع المخالف، يتكوّن وعي جمعي بأن الدولة كيان عادل يستحق الولاء. هذا الولاء ليس عاطفة مجردة، بل طاقة اجتماعية هائلة تُترجم تماسكًا في وجه أي تهديد خارجي.

الكرامة المعيشية بدورها عنصر لا يقل أهمية عن العدالة القانونية. المواطن الذي يعاني الفقر المدقع أو البطالة المزمنة أو فقدان الخدمات الأساسية، ينشغل بمعركة البقاء اليومية أكثر من انشغاله بقضايا السيادة الكبرى. لذلك فإن بناء اقتصاد منتج، وتوفير فرص العمل، وضمان الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتعليم، ليست ملفات اجتماعية منفصلة عن الأمن الوطني، بل هي صلبه. الدولة التي تضمن لمواطنيها مقومات الحياة الكريمة تبني جدارًا من الثقة يحميها من الداخل، ويجعل أي محاولة لزعزعة استقرارها أقل قابلية للنجاح.

كما أن الشفافية في الإدارة العامة تعمّق هذا الشعور بالشراكة. حين يعرف المواطن كيف تُنفق أمواله، وكيف تُدار موارده، وكيف تُتخذ القرارات التي تمس حياته، يتراجع الشعور بالغربة عن الدولة. المشاركة السياسية الفعلية، عبر انتخابات نزيهة وآليات مساءلة واضحة، تعيد الاعتبار لفكرة أن السلطة تنبع من الشعب وتعود إليه. وعندما تتجدد الشرعية بهذه الطريقة، تصبح الدولة أكثر قوة في مواجهة الخارج، لأنها تستند إلى قاعدة شعبية صلبة لا إلى توازنات هشة.

البعد الثقافي والاجتماعي له دور أساسي أيضًا. تعزيز الانتماء الوطني فوق الانتماءات الضيقة، وترسيخ مفهوم المواطنة في المناهج التعليمية والخطاب العام، يخلق هوية جامعة تتجاوز الانقسامات. الهوية الوطنية المشتركة ليست مجرد رمز، بل عنصر ردع معنوي؛ لأنها تمنع التفكك الداخلي الذي قد يستغله أي طرف خارجي. المجتمع المتماسك أقل عرضة للاختراق، وأكثر قدرة على الصمود في الأزمات.

وفي النهاية، يصبح احترام المواطن معيارًا حقيقيًا لقياس قوة الدولة. فالدولة التي تكرّم إنسانها، وتحمي حقوقه، وتستثمر في مستقبله، تبني حصنًا داخليًا لا يُرى بالعين لكنه يفوق في صلابته كثيرًا من التحصينات المادية. وعندما يتكامل هذا الحصن مع مؤسسات شرعية فاعلة، يتحول الشعب نفسه إلى عنصر أساسي في معادلة الردع، لأن الدفاع عن الوطن يصبح دفاعًا عن حياة كريمة عاشها ويطمح إلى استمرارها. هكذا يلتقي الأمن الاجتماعي بالأمن القومي، ويتحول احترام الإنسان إلى أساس متين لحماية الكيان بأسره.

4. الحياد كخيار استراتيجي لا كحياد سلبي

الحياد، في السياق اللبناني، ليس انكفاءً عن التاريخ ولا تخلّيًا عن القضايا العادلة، بل هو إعادة تموضع عقلاني في منطقة تعيش على إيقاع المحاور المتصارعة. إن الحياد الذي يُطرح بوصفه خيارًا وطنيًا لا يعني اللامبالاة، بل يعني تحرير القرار اللبناني من ارتهانات تتجاوز قدرته وإمكاناته. هو انتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة، ومن دور المنفعل إلى دور الفاعل الذي يحدد أولوياته وفق مصلحته العليا لا وفق إيقاع الآخرين.

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الانخراط غير المحسوب في صراعات إقليمية يحمّل لبنان أثمانًا تفوق طاقته. فكلما تحوّل البلد إلى خط تماس بين مشاريع متنازعة، تآكل استقراره الداخلي واهتز اقتصاده وازدادت هشاشته الاجتماعية. الحياد، في هذا المعنى، هو سياسة وقائية تهدف إلى حماية الداخل من ارتدادات الخارج. إنه ليس انسحابًا من محيطه العربي أو الدولي، بل إعادة تعريف لعلاقته به على قاعدة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

غير أن الحياد لا يكون فعّالًا إلا إذا كان حيادًا نشطًا، مبنيًا على توافق وطني واسع. لا يمكن فرضه بقرار فئوي أو اعتباره شعارًا سياسيًا عابرًا؛ بل يحتاج إلى حوار داخلي عميق يحدد معناه وحدوده وضماناته. الحياد الاستراتيجي يفترض أن تلتزم الدولة بعدم الانخراط في أحلاف عسكرية أو محاور صدامية، مقابل التزام واضح بحماية سيادتها بكل الوسائل المشروعة. فهو حياد في الصراعات، لا حياد في الدفاع عن النفس.

كما أن الحياد يمنح لبنان فرصة استعادة دوره كجسر تواصل بدل أن يكون خندق مواجهة. موقعه الجغرافي وتنوعه الثقافي يؤهلانه لأن يكون مساحة حوار بين الشرق والغرب، وبين العرب والمجتمع الدولي. لكن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق إذا بقي أسير الاستقطابات الحادة. الحياد يفتح الباب أمام دبلوماسية نشطة تركز على الوساطة والتقريب، وتعيد إلى لبنان صورة الدولة المنفتحة لا الدولة المنخرطة في صراعات تتجاوزها.

اقتصاديًا، يشكل الحياد عنصر جذب للاستثمار والثقة. فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة، لا عن بلد مهدد دائمًا بالانفجار. حين يترسخ الانطباع بأن لبنان اختار طريق الاستقرار والابتعاد عن المحاور، تتحسن صورته في الأسواق العالمية، ويستعيد قدرته على بناء شراكات متوازنة. الاستقرار السياسي الناتج عن الحياد ينعكس مباشرة على الاستقرار المالي والاجتماعي، ما يعزز مناعته في وجه الضغوط.

لكن الحياد لا يعني التغاضي عن أي اعتداء أو انتهاك. الدولة المحايدة تملك الحق الكامل في الدفاع عن أراضيها، بل إن التزامها الحياد يجعل أي اعتداء عليها أكثر وضوحًا في أعين المجتمع الدولي. فهي لم تبادر بالعداء، ولم تنخرط في محور هجومي، وبالتالي يصبح الدفاع عن سيادتها دفاعًا مشروعًا غير ملتبس. بهذا المعنى، الحياد يعزز شرعية الردع ولا يضعفه، لأنه يضع الدولة في موقع أخلاقي وقانوني صلب.

في المحصلة، الحياد خيار شجاع يتطلب ثقة بالنفس وبالقدرة على إدارة المصالح الوطنية بعيدًا عن الانفعالات. هو إعلان بأن لبنان يريد أن يعيش وفق منطقه الخاص، لا وفق منطق الآخرين. وعندما يقترن هذا الخيار بدولة قوية ومؤسسات فاعلة وإجماع داخلي، يتحول من فكرة نظرية إلى استراتيجية بقاء، تحفظ الكيان من أن يكون وقودًا لصراعات غيره، وتمنحه فرصة أن يكون وطنًا مستقرًا لا ساحة مستباحة.

5. الشرعية الدولية وتعزيز موقع لبنان

في عالم تتشابك فيه المصالح وتُدار فيه النزاعات ضمن أطر قانونية ودبلوماسية معقدة، لم تعد القوة وحدها كافية لضمان الحماية. الشرعية الدولية أصبحت عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع، لأنها تمنح الدولة سندًا سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا يتجاوز حدودها الجغرافية. الدولة التي تحترم التزاماتها، وتتمسك بالقانون الدولي، وتدير خلافاتها عبر القنوات المعترف بها، تبني لنفسها شبكة أمان يصعب اختراقها.

لبنان، بحكم موقعه الجيوسياسي وحساسية حدوده، يحتاج إلى هذا الغطاء أكثر من أي وقت مضى. إن التزامه بالقرارات الدولية المتعلقة بحدوده وسيادته، وفي مقدمتها القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، يعزز صورته كدولة تسعى إلى الاستقرار لا إلى التصعيد. هذا الالتزام لا يعني الارتهان، بل يعني توظيف القانون الدولي كأداة حماية، بحيث يتحول أي خرق لسيادته إلى مسألة موثقة ضمن منظومة أممية، لا إلى مجرد اتهام سياسي متبادل.

الشرعية الدولية ترفع كلفة الاعتداء. فعندما يكون بلد ما ملتزمًا بالقواعد، فإن أي طرف يتعدى عليه يعرّض نفسه لضغوط دبلوماسية وعقوبات محتملة وعزلة سياسية. هذه الكلفة المعنوية والسياسية تضاف إلى الكلفة العسكرية، فتُعيد تشكيل حسابات الخصم. الردع هنا لا يقوم فقط على توازن القوة، بل على توازن الصورة أيضًا: صورة دولة منضبطة تحترم القانون في مواجهة صورة دولة تنتهك المعايير الدولية.

كما أن تعزيز الموقع الدولي للبنان يمر عبر دبلوماسية نشطة واحترافية. فالسفارات ليست مجرد بعثات بروتوكولية، بل منصات دفاع عن المصالح الوطنية. الحضور الفاعل في المحافل الدولية، وبناء التحالفات المتوازنة، والمشاركة في المبادرات الإقليمية والدولية، كلها عناصر تكرّس لبنان كدولة حاضرة لا هامشية. وكلما كان صوته مسموعًا في المنابر الدولية، ازدادت قدرته على حشد الدعم عند الحاجة.

البعد الاقتصادي للشرعية الدولية لا يقل أهمية. فالدول المانحة والمؤسسات المالية العالمية تنظر إلى مدى التزام أي بلد بالمعايير الدولية في الشفافية والإصلاح والحوكمة. عندما يثبت لبنان جديته في الإصلاح واحترام التزاماته، يصبح أكثر قدرة على جذب الدعم والاستثمارات، ما يعزز استقراره الداخلي ويقوي مناعته. الاستقرار الاقتصادي المدعوم دوليًا يضيف طبقة جديدة من الردع، لأنه يقلل من هشاشة الدولة ويمنع استغلال أزماتها.

ثم إن الشرعية الدولية تمنح لبنان مساحة للتحرك القانوني في حال النزاعات الحدودية أو البحرية. اللجوء إلى الآليات القانونية الدولية، سواء عبر التفاوض المباشر أو عبر الوساطات أو عبر التحكيم، يرسّخ صورة الدولة التي تؤمن بالقانون كمرجعية عليا. هذا المسار، وإن كان بطيئًا أحيانًا، يوفّر حلولًا مستدامة ويجنب البلاد مغامرات غير محسوبة.

في النهاية، الشرعية الدولية ليست بديلاً عن القوة الذاتية، بل مكملًا لها. هي البعد الذي يمنح القوة معناها القانوني والأخلاقي، ويحوّل الدفاع عن السيادة من معركة محلية إلى قضية تحظى بتفهم ودعم أوسع. وعندما ينجح لبنان في الجمع بين التزامه الدولي وصلابته الداخلية، يتحول من دولة تُختبر حدودها إلى دولة تُحترم إرادتها، ويصبح أي مساس بسيادته مغامرة مكلفة سياسيًا قبل أن تكون مكلفة ميدانيًا.

6. منطق الدولة فوق منطق الفئة

إن أخطر ما يواجه الكيانات الصغيرة في البيئات المضطربة ليس ضعفها المادي بقدر ما هو انقسامها الداخلي. فحين يتقدّم منطق الفئة على منطق الدولة، تتشظّى الإرادة الوطنية، ويتحوّل القرار السيادي إلى حصيلة توازنات هشّة لا إلى تعبير صريح عن مصلحة عامة. الدولة ليست مجرد مساحة جغرافية يتقاسمها متنازعون، بل إطار جامع يُفترض أن يسمو فوق الانتماءات الطائفية والحزبية والمحورية. وعندما يختلّ هذا السمو، يصبح الكيان كله عرضة للاهتزاز.

منطق الدولة يعني أن المرجعية النهائية في كل شأن وطني هي المؤسسات الدستورية، لا القوى الموازية ولا الاصطفافات العابرة للحدود. إنه يعني أن الجيش جيش وطني لا ذراعًا لفئة، وأن القضاء مرجعية عدالة لا أداة ضغط، وأن الإدارة العامة خدمة للمواطن لا غنيمة للمحاصصة. حين تترسخ هذه القاعدة، تتكوّن بنية صلبة قادرة على اتخاذ القرار باسم الجميع، لا باسم جزء منهم. أما حين يُدار البلد بمنطق التوازن بين قوى متنافسة خارج إطار الدولة، فإن أي أزمة تتحول إلى اختبار وجودي.

تغليب منطق الدولة يقتضي إعادة الاعتبار للدستور باعتباره العقد الجامع. فالدستور ليس نصًا احتفاليًا، بل هو مرجعية تنظيم العلاقة بين السلطات وضبط آليات الحكم. احترام المهل الدستورية، وانتظام عمل المؤسسات، والفصل الحقيقي بين السلطات، كلها عناصر تعيد الثقة إلى النظام السياسي. وعندما يشعر المواطن أن قواعد اللعبة واضحة ومستقرة، يتراجع منسوب التوتر، ويصبح الخلاف السياسي تنافسًا مشروعًا لا صراعًا على الكيان.

كما أن منطق الدولة يتطلب ثقافة سياسية جديدة تتجاوز عقلية الغلبة. الدولة القوية لا تُبنى بإقصاء فريق أو بإلغاء آخر، بل بدمج الجميع في إطار قانوني عادل. هذا الدمج لا يعني تذويب الخصوصيات، بل تنظيمها ضمن سقف وطني واحد. فالتنوع اللبناني يمكن أن يكون مصدر غنى إذا أُحسن إدارته، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف إذا استُخدم لتبرير ازدواجية السلطة أو تعدد المرجعيات.

في البعد العملي، يتجسد منطق الدولة في احتكارها الكامل لقرار الحرب والسلم، وفي قدرتها على رسم سياسات خارجية وأمنية موحّدة. لا يمكن لأي بلد أن يفرض احترامه إذا كان صوته منقسمًا أو إذا كانت سياساته تُصاغ في أكثر من غرفة قرار. وحدة القرار لا تعني الاستبداد، بل تعني أن الاختلاف يُحسم داخل المؤسسات، ثم يخرج القرار إلى الخارج موحدًا. هذه الوحدة تمنح الموقف اللبناني ثقلًا تفاوضيًا، وتمنع استغلال الانقسامات الداخلية.

ومن زاوية اجتماعية، فإن ترسيخ منطق الدولة يعيد تعريف الهوية الوطنية. فالمواطنة تصبح الرابط الأساس بين الفرد والكيان، لا الانتماء الضيق. وعندما تتقدم المواطنة على سواها، يشعر الجميع بأنهم متساوون أمام القانون ومتساوون في الواجبات والحقوق. هذا الشعور بالمساواة هو ما يصنع التضامن الحقيقي في أوقات الشدة، ويحوّل المجتمع إلى جبهة داخلية متماسكة.

في الخلاصة، منطق الدولة ليس شعارًا إصلاحيًا بل شرط بقاء. إنه الحاجز الذي يمنع الانقسام من التحول إلى تفكك، ويمنع التعدد من التحول إلى تنازع. وعندما ينتصر هذا المنطق، يصبح لبنان كيانًا واضح المعالم، لا ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين. عندها فقط تتكامل عناصر الردع: دولة موحدة القرار، شرعية في الداخل، وموقع محترم في الخارج. فالدولة التي تتقدّم على الفئة لا تُبتز بسهولة، ولا تُختبر حدودها بلا ثمن، لأنها تتكلم بصوت واحد هو صوت الوطن.

7. خاتمة نارية

لبنان لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى قرارٍ شجاع يعيد الاعتبار لمنطق الدولة فوق كل منطق. حين تتوحد الإرادة، ويُحسم القرار داخل المؤسسات، وتُصان كرامة المواطن، ويُلتزم الحياد الواعي، وتُستثمر الشرعية الدولية بذكاء، يتحول الوطن من ساحةٍ مستباحة إلى دولةٍ مهابة. الردع ليس وعدًا بالمواجهة، بل قدرة على منعها. وليس تهديدًا بالصوت، بل ثقة بالنفس. وعندما يصبح لبنان دولةً فعلية لا اسمية، سيكتشف الجميع أن هيبة القانون أقوى من فوضى السلاح، وأن الدولة حين تقف على قدميها لا يستطيع أحد أن يُسقطها، لأن قوة الحق حين تتجسد في مؤسسات، تصبح وطنًا لا يُقهَر.

أخبار ذات صلة

مأساة لبنان المعاصريكمن في فراغ قيادي يسمح بالفساد..د. الياس ميشال الشويري:رَحَلَ رجال الدولةهيمَنت سماسرة السلطة...
بحث

مأساة لبنان المعاصر
يكمن في فراغ قيادي يسمح بالفساد..
د. الياس ميشال الشويري:
رَحَلَ رجال الدولة
هيمَنت سماسرة السلطة...

06/03/2026

...

مقولة للشاعر العراقي احمد مطرتكاد تنطبق على الواقع اللبناني...د. الياس ميشال الشويري:الواقع اللبناني انعكاس عميقلإختلال الأولويات...
بحث

مقولة للشاعر العراقي احمد مطر
تكاد تنطبق على الواقع اللبناني...
د. الياس ميشال الشويري:
الواقع اللبناني انعكاس عميق
لإختلال الأولويات...

05/03/2026

...

حين يُفرّغ معنى الوطنية من محتواهيُصبح الفساد بطولةويُقدّم الإجرام بوجه مقدّس...د. الياس ميشال الشويري:آن لنا أن نُسمي الأشياء بأسمائها...
بحث

حين يُفرّغ معنى الوطنية من محتواه
يُصبح الفساد بطولة
ويُقدّم الإجرام بوجه مقدّس...
د. الياس ميشال الشويري:
آن لنا أن نُسمي الأشياء بأسمائها...

04/03/2026

...

الفساد مثل ذنب الكلبيبقى الإعوجاج فيه قائماًو لو وُضع في قالب أربعين عاماً..د. الياس ميشال الشويري:نهوض لبنان يبدأ حين يُقطعذنب الكلب السياسي...
بحث

الفساد مثل ذنب الكلب
يبقى الإعوجاج فيه قائماً
و لو وُضع في قالب أربعين عاماً..
د. الياس ميشال الشويري:
نهوض لبنان يبدأ حين يُقطع
ذنب الكلب السياسي...

26/02/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
شركات إعادة التأمينترفع البطاقة الحمراء: "إشعار الإلغاء"!الجهات المتخصصة في لندن تحدّد"المناطق عالية الخطورة"وفي دول الخليج بدأت ورشةتحديث بنود عقود النقل البحري...

شركات إعادة التأمين ترفع البطاقة الحمراء: "إشعار الإلغاء"! الجهات المتخصصة في لندن تحدّد "المناطق عالية الخطورة" وفي دول الخليج بدأت ورشة تحديث بنود عقود النقل البحري...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups