• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

لبنان بين الدمار والإنسانية المهدورة..
د. الياس ميشال الشويري:
أخطر ما تفعله الحرب هو
تحطيم التوازن الطبيعي للإنسان...

2026/03/13
- بحث
لبنان بين الدمار والإنسانية المهدورة..د. الياس ميشال الشويري:أخطر ما تفعله الحرب هوتحطيم التوازن الطبيعي للإنسان...

حاجيات بسيطة مغموسة بالدم

د. الياس ميشال الشويري

الحرب ليست مجرد صراع على الأراضي أو النفوذ، بل هي آلة دمار تحصد الأرواح، وتقتل الإنسان في داخله قبل أن تقتل جسده. كتب إريش ماريا ريمارك، كاتب وروائي الماني، في “كل شيء هادئ في الميدان الغربي“ شهادة قاتمة عن شبابٍ ضاعوا بين خنادق الموت، عن إنسانية ذهبت أدراج الرياح تحت شعارات النصر الزائفة. لبنان، بتاريخه المأساوي من الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية، يعيش هذه الحقيقة بشكل يومي: الشعارات تتعالى، لكن الأرض تمتلئ بالدموع، والأجيال تتوارث جراحاً لم تلتئم. ما يقدمه ريمارك ليس مجرد أدب عن الحرب العالمية، بل مرآة تعكس مأساة كل شعب يُجرّ إلى دوامة العنف، حيث الانتصار مجرد وهم والإنسانية هي الخاسر الأكبر.

1. الحرب وتدمير الإنسان من الداخل

الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش، بل تجربة إنسانية قاسية تغيّر طبيعة الإنسان نفسه. فالإنسان يدخل الحرب بصفته كائناً اجتماعياً يحمل القيم والأخلاق والآمال، لكنه يخرج منها غالباً بإنسانية جريحة أو مشوهة. هذه الفكرة كانت جوهر رؤية الكاتب الألماني إريش ماريا ريمارك، الذي رأى أن الحرب لا تقتل البشر فقط، بل تقتل الإنسان في داخلهم.

في روايته “كل شيء هادئ في الميدان الغربي“، يصور ريمارك جيلاً كاملاً من الشباب الذين دفعوا إلى الحرب وهم في مقتبل العمر. كانوا طلاباً يحلمون بالمستقبل، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة في خنادق مليئة بالموت والدمار. لم تكن المشكلة فقط في احتمال الموت، بل في التحول النفسي العميق الذي تفرضه الحرب على الإنسان. فالجندي الذي يعيش يومياً بين القذائف والجثث لا يستطيع أن يبقى الشخص نفسه الذي كانه قبل الحرب.

تدريجياً يفقد الإنسان في الحرب حساسيته الطبيعية تجاه الحياة. يصبح الموت مشهداً عادياً، والقتل ضرورة للبقاء. هذا التحول القاسي لا يحدث لأن الإنسان شرير بطبيعته، بل لأن الحرب تفرض عليه واقعاً لا يمكن العيش فيه دون التخلي عن جزء من إنسانيته. وهكذا يتحول الشاب الحالم إلى إنسان منهك نفسياً، يعيش على غريزة البقاء فقط.

هذا ما قصده ريمارك عندما قال إن المتورطين في الحرب يصبحون مرضى بطريقة أو بأخرى. فالمرض هنا ليس جسدياً فقط، بل نفسي وأخلاقي أيضاً. فالحرب تخلق جروحاً عميقة في الروح الإنسانية، جروحاً قد لا تُرى لكنها تبقى لسنوات طويلة بعد انتهاء القتال. كثير من الجنود الذين نجوا من الحروب عادوا إلى حياتهم المدنية وهم يعانون من صدمات نفسية، وكوابيس دائمة، وشعور بالاغتراب عن المجتمع.

إن أخطر ما تفعله الحرب هو أنها تحطم التوازن الطبيعي للإنسان. فالقيم التي تربى عليها – مثل الرحمة والعدل والتعاطف – تصبح عبئاً في ساحة المعركة. ومن أجل البقاء، يضطر الإنسان إلى تعطيل هذه القيم مؤقتاً. لكن المشكلة أن هذا التعطيل لا ينتهي بسهولة بعد انتهاء الحرب، بل يستمر في شخصية الإنسان ويؤثر في حياته كلها.

وإذا نظرنا إلى التجربة اللبنانية، نجد أن هذا التحليل ينطبق بدرجة كبيرة على المجتمع اللبناني الذي عاش عقوداً من الحروب والصراعات. فالحرب الأهلية اللبنانية لم تكن مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل كانت تجربة نفسية واجتماعية عميقة تركت آثارها على أجيال كاملة. آلاف الشباب الذين عاشوا تلك المرحلة فقدوا الإحساس بالأمان والاستقرار، وكثير منهم نشأ في بيئة العنف والخوف.

الأطفال الذين ولدوا خلال سنوات الحرب تربوا على أصوات القصف والحواجز المسلحة والانقسامات الطائفية. هذه التجربة المبكرة تركت آثاراً نفسية عميقة، حتى لدى الذين لم يشاركوا في القتال مباشرة. فالحرب لا تصيب الجنود فقط، بل تصيب المجتمع كله، وتعيد تشكيل طريقة تفكير الناس ونظرتهم إلى الحياة.

وفي لبنان، كما في رواية ريمارك، خرج كثير من الناس من الحرب وهم يشعرون بأن شيئاً أساسياً في إنسانيتهم قد تضرر. فقدت الثقة بين الناس، وازدادت العصبيات، وأصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية. حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية رسمياً، بقيت آثارها النفسية والسياسية حاضرة في المجتمع.

وهكذا يتضح أن الحرب ليست مجرد حدث عابر في تاريخ الشعوب، بل زلزال إنساني يغير بنية المجتمع من الداخل. فهي تزرع الخوف بدل الثقة، والعنف بدل الحوار، والانقسام بدل الوحدة. ولذلك فإن أخطر نتائج الحرب ليست الدمار المادي الذي يمكن إعادة بنائه، بل الدمار النفسي الذي يصيب الإنسان نفسه.

إن الإنسان الذي يخرج من الحرب ليس هو الإنسان الذي دخلها. قد ينجو الجسد، لكن الروح تبقى مثقلة بالذكريات والجراح. وهذا ما يجعل الحرب، في نظر ريمارك، حكماً بالإعدام ليس فقط على الجنود، بل على جزء من الإنسانية نفسها.

مشهد ما خلّفته الحرب يصبح عاديا

2. أكذوبة الشعارات: حين يصبح النصر خطاباً بلا واقع

إحدى أبرز الأفكار التي ركز عليها إريش ماريا ريمارك في روايته “كل شيء هادئ في الميدان الغربي” هي التناقض الحاد بين الشعارات الحربية وبين واقع الحرب نفسه. فالحروب غالباً ما تُروَّج للجماهير على أنها معارك شرف وبطولة، بينما الحقيقة على الأرض مغايرة تماماً. الجنود الذين يُستقبلون في البداية كبطلاء وحاملي راية الوطن سرعان ما يكتشفون أن الأعداء بشر مثلهم تماماً، لهم عائلات وأحلام ومخاوف، وأن الحرب ليست صراعاً بين الخير والشر، بل مأساة بشرية تُفرض عليهم من قبل السياسيين والقادة العسكريين.

هذه الفجوة بين الخطاب والواقع ليست مجرد قضية أدبية، بل واقع تاريخي يعيشه كل مجتمع يدخل الحرب. الشعارات الوطنية أو شعارات الانتصار غالباً ما تُستخدم لتعبئة الجماهير، لإخفاء القسوة والعنف الذي سيشهده المقاتل والمواطن العادي. النتيجة أن الشعوب تُغرر بها، والجنود يرسلون إلى الموت، وفي الوقت نفسه يُبنى خطاب الانتصار على وهم، على قصص مبالغ فيها عن البطولة، بينما النتائج الحقيقية هي الخراب والدمار والآلام النفسية والجسدية.

في لبنان، تنعكس هذه الفكرة بوضوح على تاريخ الحروب المتعددة التي عاشها البلد. خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، كانت الشعارات تُرفع عن “الانتصار الطائفي” أو “التحرير الوطني“، لكن الواقع كان أن المدن والقرى دُمرت، الناس شُردوا، والاقتصاد انهار. كل طرف كان يعلن النصر بينما الشعب ككل كان يخسر حياته الطبيعية وهدوءه النفسي. هذا التناقض بين الخطاب والواقع كرّس شعوراً عميقاً بالخيبة، بحيث أصبح اللبناني يراقب الأحداث بقدر كبير من الشك في أي وعد حربي أو خطاب سياسي.

حتى في الحروب مع إسرائيل، ارتفعت شعارات الانتصار الإعلامية والسياسية بشكل متكرر، بينما الواقع كان يوضح تراجع القدرة العسكرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية للبنان. هذه الظاهرة تؤكد ما قاله ريمارك: الشعارات لا تبني السلام ولا تحمي الناس من الحرب، بل قد تخفي الحقيقة وتزيد من حجم المعاناة.

علاوة على ذلك، تخلق هذه الأكذوبة شعوراً بالاغتراب لدى المواطنين. فالناس الذين يعيشون ويلات الحرب ويدفعون الثمن المباشر غالباً ما يشعرون بأن من يرفع الشعارات لا يعرفون ما تعنيه المعاناة الحقيقية. هذا الشعور يزيد الانقسام الاجتماعي ويعمّق الانكسارات النفسية، حتى بعد انتهاء الحرب رسمياً.

من هنا يمكن القول إن درس المحور الثاني هو أن “النصر” الذي تُروّج له الشعارات غالباً ما يكون وهمياً، وأن الواقع الإنساني للبشر الذين يشاركون في الحرب أو يعيشون في مناطق النزاع هو الذي يحدد خسارة الحرب الحقيقية أو فوزها. لبنان، بتاريخه المعاصر، يقدم نموذجاً حياً لهذه الفكرة: شعارات الانتصار لم تمنع البلد من الانحدار في دوامة النزاعات والأزمات، ولم تعدم معاناة الإنسان اللبناني، الذي أصبح شاهداً على تناقض كبير بين الكلام والواقع.

بالتالي، كل خطاب انتصاري بلا تحليل للواقع، وكل شعار حربي بلا مراعاة لمعاناة البشر، يساهم في تكرار مأساة ريمارك في سياق لبناني، حيث تتحول الحروب إلى دوامة من العنف والخيبة والانقسام، ويظل الإنسان هو الخاسر الأكبر.

الواقع الانساني هو الذي يحدّد النصر أو الهزيمة

3. الحرب كمرض يصيب المجتمع

إحدى الرؤى العميقة التي قدمها إريش ماريا ريمارك هي أن الحرب ليست مجرد مأساة للأفراد المشاركين فيها، بل مرض يمتد إلى المجتمع كله، ويترك آثاراً نفسية واجتماعية طويلة الأمد. فالجنود الذين ينجون من المعارك يجدون أنفسهم غريبين عن مجتمعهم، لأن الناس الذين لم يعيشوا الحرب لا يستطيعون فهم حجم المعاناة التي مروا بها. هذا الانفصال يولد شعوراً بالاغتراب، ويزرع جروحاً عميقة في النفوس لا تلتئم بسهولة.

في رواية “كل شيء هادئ في الميدان الغربي“، تظهر هذه الفكرة بوضوح عندما يعود الجنود إلى منازلهم بعد الحرب، ليجدوا أنفسهم غير قادرين على التواصل مع العائلات والأصدقاء. يتحدثون لغة القتل والبقاء، بينما المجتمع من حولهم يعيش حياة طبيعية نسبيًا. هذا الفارق بين تجربة الحرب والحياة المدنية يولد عزلة نفسية، شعوراً بالاغتراب، واضطراباً داخلياً يجعل الإنسان غير قادر على العودة إلى طبيعته السابقة.

إذا انتقلنا إلى السياق اللبناني، نجد تطابقاً كبيراً مع هذا الوصف. الحرب الأهلية اللبنانية لم تنتهِ فقط بتوقيع اتفاق الطائف في 1989، بل استمرت آثارها لسنوات طويلة في المجتمع. آلاف الشباب الذين عاشوا سنوات الحرب المبكرة – سواء كجنود، أو كأطفال في مناطق النزاع – حملوا معهم صدمات نفسية عميقة. الكراهية الطائفية، الانقسامات الاجتماعية، والخوف المزمن أصبحت جزءاً من الوعي الجماعي، حتى بعد انتهاء المعارك المسلحة.

كما أن الحرب تؤثر على أجيال لم تشارك فيها مباشرة. الأطفال الذين نشأوا وسط القصف والحواجز والانقسامات الطائفية تربوا على مناخ من العنف والخوف المستمر، ما جعلهم يحملون صدمات متوارثة نفسياً واجتماعياً. هذا المرض المجتمعي لا يقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية: الثقة بين المواطنين تتراجع، والانقسام بين الطوائف يصبح جزءاً من الحياة اليومية، والمصالحة تصبح أصعب كلما طال زمن الصراع.

الحرب، في هذا الإطار، تشبه وباءً يصيب جسد المجتمع كله. كل طرف فيها يصبح حاملاً للعدوى النفسية: العنف، الخوف، الانقسام، وفقدان الإيمان بالمستقبل. حتى بعد انتهاء الحرب رسمياً، يستمر المجتمع في مواجهة تداعياتها: جراح غير مرئية، صدمات متأصلة، وأزمات ثقة مستمرة بين البشر.

من هذا المنطلق، يصبح درس المحور الثالث واضحاً: الحرب لا تقتصر على قتل الأجساد، بل تزرع مرضاً مستمراً في النفوس والمجتمع. لبنان مثال حي على ذلك، حيث آثار الحروب الماضية لا تزال تؤثر على السياسة، العلاقات الاجتماعية، والذاكرة الجماعية. ومن هنا، فإن الشفاء الحقيقي لأي مجتمع بعد الحرب لا يتحقق إلا بمعالجة هذه الصدمات النفسية والاجتماعية، وليس بمجرد توقيع اتفاقيات سلام أو رفع شعارات النصر.

أطفال تربوا على العنف

4. الطبيعة والوطن: الضحية الصامتة للحروب

إحدى أبعاد الحرب التي سلط عليها ريمارك الضوء في روايته “كل شيء هادئ في الميدان الغربي” هي تأثيرها الكارثي على الطبيعة والبيئة، وعلى الوطن نفسه كمساحة حية تحتضن الإنسان. فالخنادق المليئة بالدمار، والحفر التي تشق الأرض، والمجاري الملوثة، والحقول المحروقة، كل ذلك يترك أثرًا دائمًا على البيئة التي يعيش فيها الإنسان، ويحوّل الأرض الخصبة إلى فضاء قاتم يماثل الجرح البشري. هذه الفكرة تعكس أن الحرب لا تقتل الإنسان فقط، بل تهشم المكان الذي يعيش فيه، وتحول وطنه إلى مرآة لمعاناته.

في الرواية، يظهر المشهد القاسي للحقول المحروقة والأنهار الملوثة والقرى المدمرة، ليصبح الوطن نفسه كائنًا ضحية للقتل الجماعي. الأرض التي كانت مصدر حياة ومأوى تتحول إلى مساحة للخراب والموت، تمامًا كما يتحول الإنسان إلى كائن مكسور داخليًا. الحرب، بهذا المعنى، ليست مجرد صراع بين جيوش، بل مأساة طبيعية وحضارية تهدد التوازن بين الإنسان ووطنه.

لبنان يقدم مثالاً حياً على هذه الفكرة. خلال الحرب الأهلية وما تلاها من حروب إقليمية، دُمّرت مدن وقرى بالكامل. بيروت، العاصمة التي كانت تعرف بـ”باريس الشرق“، تحولت في بعض المناطق إلى أنقاض مليئة بالحفر والدمار. القرى الجنوبية والبقاعية التي شهدت حروباً مع إسرائيل تعرضت لتدمير بنيتها التحتية وحقولها الزراعية، وترك القصف آثاراً بيئية طويلة الأمد، من تلوث المياه إلى اختلال التوازن البيئي. حتى بعد انتهاء المعارك، بقيت بعض الأراضي غير صالحة للزراعة، وبعض المباني التاريخية هشة أو مهددة بالانهيار.

كما أن هذا الدمار الممتد أثر في نفسية اللبنانيين. فالإنسان الذي يرى وطنه يحترق أو يُهدم يفقد شعور الأمان والانتماء، ويشعر بالاغتراب داخل بلده نفسه. كل شبر من الأرض المتضررة يصبح تذكارًا مؤلمًا لمعاناة الناس، ويزيد الشعور بأن الحرب لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل اعتداء على الحياة نفسها.

الحرب في لبنان، كما في رواية ريمارك، لا تترك الإنسان فقط جريحاً، بل تترك الوطن جريحاً أيضاً. الدمار البيئي والاجتماعي والسياسي مرتبط بشكل مباشر، ويؤكد أن أي محاولة للانتقال إلى حياة طبيعية بعد الحرب تتطلب إعادة بناء الوطن بجوانبه المادية والنفسية والثقافية. فاستعادة الوطن بعد الحرب ليست مجرد إعادة بناء مبانٍ، بل إعادة الإنسان إلى إنسانيته، وإعادة الأرض إلى حياتها، وإعادة الثقة إلى المجتمع.

من هنا يظهر درس المحور الرابع بوضوح: الوطن والبيئة ليسا مجرد خلفية للحرب، بل هما جزء من الضحايا. كل معركة تشوه الأرض كما تشوه الإنسان، وكل حرب تترك ندوباً طويلة المدى على طبيعة الحياة نفسها. لبنان، بتاريخ حروبه الطويل، يعلمنا أن حماية الوطن تتطلب أكثر من الانتصار العسكري؛ فهي تتطلب السلام المستدام وإعادة الإنسان والطبيعة إلى حياتهما الكاملة.

الاعتراف بالواقع أولى الخطوات للخروج من المآسي

5. الدرس اللبناني: كيف نخرج من دائرة الحرب؟

إذا كان ريمارك قد رسم صورة قاتمة لما تفعله الحرب بالإنسان والوطن، فإن المحور الخامس يركز على الخلاص من هذه الدائرة المدمرة، ويفتح باب الأمل أمام المجتمعات التي انهكتها الحروب. فالتجربة اللبنانية، بما عانته من حروب أهلية وحروب مع الجوار الإقليمي، تمثل درساً عملياً حول أن الانتصار العسكري أو الشعارات الحماسية لا تكفي لإعادة بناء الإنسان أو الوطن.

أول خطوة للخروج من دائرة الحرب هي الاعتراف بالواقع كما هو. يجب أن تتوقف الشعارات عن تغطية الخسائر الحقيقية للشعب والمجتمع. لبنان، على سبيل المثال، يحتاج إلى مواجهة صريحة بالماضي: الاعتراف بالجرح النفسي للأجيال، الاعتراف بالدمار الذي حل بالمدن والقرى، والاعتراف بانقسام المجتمع الذي أوجدته الحرب. هذه الصراحة هي شرط أساسي لبدء عملية التعافي.

ثانياً، لا يمكن إعادة بناء الوطن دون بناء الإنسان. التجارب الدولية، وكذلك الدروس اللبنانية، تؤكد أن المجتمعات التي تنجح بعد الحروب هي تلك التي تستثمر في تعليم الشباب، وتعالج الصدمات النفسية، وتعيد إنتاج قيم التعايش والتضامن. برامج الدعم النفسي والاجتماعي، فضلاً عن الحوار بين الطوائف والمناطق المختلفة، تساعد على تقليل أثر “مرض الحرب” الذي وصفه ريمارك، وتعيد الثقة بين المواطنين.

ثالثاً، إعادة البنية التحتية والاقتصاد. الحرب لا تدمر الإنسان وحده، بل تدمر المؤسسات والمدن والاقتصاد. لبنان اليوم أمام تحدٍ مزدوج: إعادة تشغيل اقتصاد منهك، وإعادة بناء مدن وقرى دُمرت. الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير المشاريع التي تعيد النشاط الاقتصادي والاجتماعي، هو جزء من العلاج الشامل للحرب. بدون ذلك، يبقى البلد عرضة للانهيار المتكرر، ويصبح الحديث عن “انتصار” أو “نصر سياسي” بلا معنى.

رابعاً، الحياد عن الصراعات الإقليمية. التجربة اللبنانية أظهرت أن التورط في محاور خارجية أو صراعات غير وطنية يفاقم مأساة الحرب ويطيل أمدها. الاستقلال في القرار السياسي والاقتصادي، والتزام لبنان بمصالحه الوطنية أولاً، هو عامل أساسي لوقف دوامة النزاعات. هذا الدرس يرتبط مباشرة بتحذير ريمارك من الشعارات الزائفة: النصر ليس ما يُعلَن إعلامياً، بل ما يحققه الشعب والوطن من سلام واستقرار.

أخيراً، بناء ثقافة السلام والتعايش هو الدواء الأهم. المجتمع اللبناني، بعد عقود من الحرب والانقسام، بحاجة إلى استعادة شعور الانتماء المشترك. التعليم، الإعلام، المؤسسات الثقافية، كلها أدوات لإعادة ترسيخ قيم التعاون، الاحترام المتبادل، وحماية الوطن. هذه العملية تستغرق وقتاً، لكنها الأساس الذي يمكن أن يمنع تكرار مأساة الحرب.

باختصار، الدرس اللبناني من تجربة ريمارك هو أن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بالمعارك أو الشعارات، بل بقدرة الشعب على إعادة الإنسان إلى إنسانيته، والوطن إلى استقراره، والمجتمع إلى وحدته. الحرب قد تترك ندوباً عميقة، لكن الإرادة الوطنية الصادقة، والإصلاح الشامل، والاستثمار في الإنسان، هي الطريقة الوحيدة للخروج من دائرة العنف المستمر وبناء مستقبل مستدام.

يبقى الصمود للوطن

6. الخاتمة

إذا علمتنا رواية ريمارك درساً واحداً، فهو أن الحرب تحكم بالإعدام على الإنسان والوطن والطبيعة معاً. لبنان، كما أوروبا قبل قرن، يواجه تحدياً أصعب من أي معركة: كسر دائرة العنف واستعادة إنسانية شعبه ووطنه. الانتصارات الزائفة لن تعيد الحياة للمدن المدمرة، ولن تمحو الصدمات النفسية للأجيال. النصر الحقيقي هو السلام الذي يُعيد الثقة بين الناس، والإصلاح الذي يُعيد الوطن إلى قلب أبنائه، والاستقرار الذي يُعيد الحياة إلى طبيعتها. أي وطن يخرج من الحرب بلا إنسانية، يبقى خاسراً حتى لو رفعت شعارات الانتصار، وأي شعب يعيد بناء الإنسان قبل المبنى، يعيد كتابة مستقبله من جديد. لبنان اليوم أمام هذا الاختبار: إما أن يبني السلام الحقيقي، أو يبقى أسيراً لأوهام الانتصار التي قتلت أكثر مما أنقذت.

أخبار ذات صلة

لبنان: مأساة مستمرة بلا أفق..د. الياس ميشال الشويري:الحرب لا تنتهي بانتهاء المعاركوسيظل اللبنانيون يدفعون الثمن...
بحث

لبنان: مأساة مستمرة بلا أفق..
د. الياس ميشال الشويري:
الحرب لا تنتهي بانتهاء المعارك
وسيظل اللبنانيون يدفعون الثمن...

11/03/2026

...

لبنان بين منطق الدولة ومنطق الساحة:إذا اعتمد الثاني بقي رهينة النار..د. الياس ميشال الشويري:الحياد سياسة وقائية تحمي الداخلمن ارتدادات الخارج...
بحث

لبنان بين منطق الدولة ومنطق الساحة:
إذا اعتمد الثاني بقي رهينة النار..
د. الياس ميشال الشويري:
الحياد سياسة وقائية تحمي الداخل
من ارتدادات الخارج...

09/03/2026

...

مأساة لبنان المعاصريكمن في فراغ قيادي يسمح بالفساد..د. الياس ميشال الشويري:رَحَلَ رجال الدولةهيمَنت سماسرة السلطة...
بحث

مأساة لبنان المعاصر
يكمن في فراغ قيادي يسمح بالفساد..
د. الياس ميشال الشويري:
رَحَلَ رجال الدولة
هيمَنت سماسرة السلطة...

06/03/2026

...

مقولة للشاعر العراقي احمد مطرتكاد تنطبق على الواقع اللبناني...د. الياس ميشال الشويري:الواقع اللبناني انعكاس عميقلإختلال الأولويات...
بحث

مقولة للشاعر العراقي احمد مطر
تكاد تنطبق على الواقع اللبناني...
د. الياس ميشال الشويري:
الواقع اللبناني انعكاس عميق
لإختلال الأولويات...

05/03/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
جزيرة "خرج" الإيرانية..هل تنزع فتيل الحربفي الشرق الأوسط؟تهديدات ترامب بقصفها جديّةفهل يفعلها و يضرب ضربته القاضيةعلى الإقتصاد العالمي؟

جزيرة "خرج" الإيرانية.. هل تنزع فتيل الحرب في الشرق الأوسط؟ تهديدات ترامب بقصفها جديّة فهل يفعلها و يضرب ضربته القاضية على الإقتصاد العالمي؟

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups