• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

"الناس السيئون لا يموتون
بل يعيشون أكثر مما يجب
لكي يفسدوا حياة الآخرين"
-عبد الرحمن منيف-
د. الياس ميشال الشويري معقباً
...والأوطان لا تُبنى بالزعماء الأبديين!

2026/06/05
- بحث
"الناس السيئون لا يموتونبل يعيشون أكثر مما يجبلكي يفسدوا حياة الآخرين"-عبد الرحمن منيف-د. الياس ميشال الشويري معقباً...والأوطان لا تُبنى بالزعماء الأبديين!

“لبنان بين قبضة الزعامات وصرخة المواطن… وطنٌ يبحث عن دولة”

ليست المأساة دائماً في وجود الأشرار، بل في طول أعمار الخراب التي يفرضونها على الأوطان والناس. فحين قال عبد الرحمن منيف، الكاتب والروائي السعودي والذي يُعدّ واحداً من أبرز الروائيين العرب في القرن العشرين، حين قال إن “الناس السيئون لا يموتون، بل يعيشون أكثر مما يجب لكي يفسدوا حياة الآخرين”، لم يكن يتحدث فقط عن أفراد عابرين في حياة البشر، بل عن نماذج تتجذّر في المجتمعات حتى تتحول إلى أنظمة كاملة من الفساد والقهر والاستغلال. فهناك أشخاص لا يكتفون بإفساد حاضر الناس، بل يعملون على تسميم المستقبل أيضاً، ويتركون وراءهم أوطاناً منهكة، ومجتمعات مفككة، وأجيالاً فقدت ثقتها بكل شيء. وفي لبنان، تبدو هذه العبارة وكأنها كُتبت لوصف طبقة كاملة من المتحكمين بمصير الوطن. فكم من مسؤول سقطت الدول تحت قدمَيْه وبقي هو في مكانه؟ وكم من زعيم تبدلت الوجوه من حوله، فيما بقي جالساً على كرسي الطائفة والمصلحة والنفوذ، يقتات من تعب الناس وخوفهم وانقسامهم؟ لقد تحوّل بعض الذين حكموا لبنان إلى ما يشبه الكارثة المستمرة؛ لا يرحلون رغم الخراب، ولا يتراجعون رغم الفشل، بل يزدادون تشبثاً بالسلطة كلما ازداد الوطن انهياراً. من هنا، لا تبدو عبارة عبد الرحمن منيف مجرد حكمة أدبية، بل تشخيصاً مريراً لحال لبنان؛ بلدٌ أنهكه الذين طال بقاؤهم أكثر مما يجب، حتى أصبح الخراب فيه مزمناً، وأصبح التغيير حلماً مؤجلاً في وطن يستهلكه الذين لا يموتون سياسياً مهما ماتت أحلام الناس من حولهم.

د. الياس ميشال الشويري

ليست الكارثة الحقيقية في لبنان أنّه بلد صغير محاصر بالأزمات، بل أنّه وطن أُنهك لعقود تحت سلطة زعماء أتقنوا البقاء أكثر مما أتقنوا بناء الدولة. رجالٌ يتغيّر الزمن من حولهم ولا يتغيّرون، يسقط الشعب ويبقون، تجوع الناس وتستمر خطاباتهم، ينهار الوطن وتبقى كراسيهم محمية بالطائفية والخوف والانقسام. وكأن لبنان لم يعد دولةً يعيش فيها المواطن، بل ساحةً يتقاتل عليها زعماء يعتبرون السلطة حقاً أبدياً لا مسؤولية وطنية.

قال عبد الرحمن منيف: “الناس السيّئون لا يموتون، يعيشون أكثر مما يجب لكي يفسدوا حياة الآخرين“. وفي لبنان، لم تعد هذه العبارة مجرّد وصف أدبي، بل تحوّلت إلى حقيقة يومية يعيشها اللبناني في خبزه ودوائه وكهربائه وكرامته ومستقبله. فكم من زعيم عاش سياسياً فوق أنقاض وطنه؟ وكم من قائد رفع الشعارات الكبرى بينما كان الشعب يغرق في الفقر والهجرة واليأس؟ وكم من مرة دفع اللبناني ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، فقط لأن أهل السلطة قرروا أن الوطن يجب أن يبقى رهينة لمصالحهم وحروبهم وخطاباتهم؟

لقد تحوّل لبنان مع الوقت إلى بلد يشيخ تحت حكم الطبقة نفسها، الطبقة التي نجحت في تحويل الطائفية إلى سجن جماعي، والخوف إلى أداة حكم، والانقسام إلى تجارة سياسية مربحة. طبقة لا تعيش من نجاح الدولة، بل من ضعفها، ولا تخاف من انهيار الوطن بقدر خوفها من سقوط نفوذها. ولهذا لم يكن غريباً أن ينهار الاقتصاد، وأن تُسرق أعمار الشباب، وأن تتحول الهجرة إلى حلم جماعي، بينما بقي الزعماء أنفسهم يتبادلون المواقع والخطب وكأن شيئاً لم يحدث.

إنّ أخطر ما فعله بعض زعماء لبنان أنهم لم يسرقوا المال فقط، بل سرقوا فكرة الوطن نفسها. جعلوا المواطن يشكّ بالقانون، ويخاف من الآخر، ويؤمن بأن الطائفة أهم من الدولة، وبأن الزعيم أقوى من العدالة. وهكذا أصبح اللبناني يعيش داخل جمهورية من التعب والخوف والإحباط، فيما تستمر الطبقة السياسية في إعادة إنتاج نفسها فوق ركام الناس.

هذا المقال ليس مجرد قراءة سياسية، بل محاولة لفهم كيف يستطيع السيئون البقاء كل هذا الوقت، وكيف يتحول الزعيم أحياناً من ممثل للشعب إلى عبء على وجوده ومستقبله. إنه بحث في خراب السياسة حين تصبح تجارة، وفي خراب المجتمع حين يعتاد الظلم، وفي خراب الوطن حين يتحول إلى مزرعة يتقاسمها الأقوياء بينما يُترك المواطن وحيداً في مواجهة الجوع والخذلان والانهيار.

1. الشرّ السياسي حين يتحوّل إلى نظام حياة

الشرّ السياسي لا يبدأ دائماً بالرصاص ولا بالدبابات، بل يبدأ غالباً بفكرة صغيرة وخطيرة تقول إن السلطة أهم من الإنسان، وإن بقاء الزعيم أهم من بقاء الوطن. وعندما تتحوّل هذه الفكرة إلى ممارسة يومية، يصبح الشرّ جزءاً من الحياة العامة، لا حدثاً استثنائياً. وهنا تكمن المأساة اللبنانية الحقيقية، لأن كثيراً من اللبنانيين اعتادوا على رؤية الفساد والانقسام والكذب حتى باتت هذه الأمور تبدو طبيعية في المشهد السياسي.

في لبنان، لم يعد المواطن يتفاجأ حين يسمع عن صفقة مشبوهة أو سرقة مال عام أو تعطيل مؤسسة أو خطاب تحريضي. فالبلاد عاشت لعقود تحت سلطة منظومة سياسية جعلت من الأزمات وسيلة للبقاء. وكلما اشتدت الأزمة، ازدادت حاجة الناس إلى الزعيم، لا إلى الدولة. وهكذا تحوّل الشرّ السياسي من سلوك فردي إلى نظام متكامل قائم على التخويف والابتزاز والتبعية.

الزعيم السيّئ لا يحكم فقط عبر القوة، بل عبر صناعة الخوف. يخيف الناس من الطوائف الأخرى، ومن الحرب، ومن الفوضى، ومن سقوط “الحقوق“، ثم يقدّم نفسه باعتباره الحامي الوحيد. وبهذه الطريقة يصبح المواطن أسيراً دائماً لمعادلة مرعبة: إمّا القبول بالفساد، وإمّا الخوف من الانهيار الأكبر. لذلك بقي كثير من اللبنانيين يدورون في الحلقة نفسها، ينتقدون زعماءهم في السرّ ثم يعودون إليهم عند كل استحقاق خوفاً من المجهول.

لقد نجحت الطبقة السياسية في لبنان في تحويل الطائفية إلى أداة حكم دائمة. فالطائفة لم تعد مجرّد انتماء ديني أو اجتماعي، بل أصبحت وسيلة للسيطرة السياسية والاقتصادية والنفسية. فالزعيم لا يريد مواطناً حرّاً يفكر بعقله، بل تابعاً يشعر دائماً بأنه مهدد، وبأن خلاصه مرتبط ببقاء الزعيم نفسه. ومن هنا نفهم لماذا يتم إحياء الخطابات القديمة كلما اقتربت الانتخابات أو اشتدت الأزمات، لأن الخوف هو الوقود الحقيقي لاستمرار المنظومة.

إنّ أخطر ما فعله بعض زعماء لبنان أنهم قتلوا فكرة الدولة تدريجياً. فالدولة القوية تشكل خطراً على الزعيم الطائفي، لأنها تساوي بين المواطنين وتفرض القانون وتحاسب الفاسدين. أما الزعيم التقليدي فيحتاج إلى دولة ضعيفة كي يبقى هو المرجعية الأساسية للناس. لذلك جرى إضعاف القضاء، وتهميش المؤسسات، وربط الوظائف والخدمات بالولاءات السياسية لا بالكفاءة.

ومع مرور الوقت، لم يعد اللبناني يراجع الدولة للحصول على حقه، بل أصبح يبحث عن واسطة حزبية أو طائفية. الكهرباء تحتاج إلى تدخل سياسي، والوظيفة تحتاج إلى ولاء، والاستشفاء يحتاج إلى محسوبية، وحتى العدالة أحياناً تحتاج إلى غطاء من زعيم نافذ. وهكذا تحوّل الوطن إلى شبكة من الإقطاعيات السياسية التي تتقاسم الناس كما تتقاسم النفوذ والمصالح.

الشرّ السياسي يظهر أيضاً حين يصبح الكذب ممارسة يومية بلا خجل. فكم من مرة سمع اللبنانيون وعوداً بالإصلاح ومحاربة الفساد وبناء الدولة، ثم اكتشفوا أن شيئاً لم يتغيّر؟ لقد تحوّلت الخطابات السياسية إلى عروض متكررة، مليئة بالشعارات الكبيرة والبطولات الوهمية، بينما الواقع يزداد انهياراً وفقراً وعجزاً.

والأسوأ أن بعض الزعماء نجحوا في إقناع جماهيرهم بأن أي انتقاد لهم هو مؤامرة على الطائفة أو استهداف للجماعة. وهنا يصبح الزعيم فوق المحاسبة، لأن الدفاع عنه يتحوّل إلى قضية وجودية عند بعض الأنصار. وبهذه الطريقة يتم خنق أي محاولة حقيقية للإصلاح، لأن الحقيقة تضيع وسط الضجيج الطائفي والتحريض الإعلامي.

لقد عاش لبنان سنوات طويلة تحت حكم التسويات الهشة، حيث تُدفن المشاكل بدل حلّها، وتُؤجّل الانفجارات بدل معالجتها. وكل زعيم كان يحاول حماية حصته لا حماية الوطن. لذلك تراكمت الأزمات فوق بعضها البعض حتى وصل البلد إلى الانهيار الكبير. فالديون تضخمت، والاقتصاد انهار، والبنية التحتية تفككت، والمؤسسات فقدت ثقة الناس، لكن أحداً لم يتحمل المسؤولية الحقيقية.

إنّ الشرّ السياسي لا يقتل الناس فقط بالجوع والفقر، بل يقتل فيهم الشعور بالكرامة. فالمواطن الذي يقف مذلولاً أمام مصرف ليستعيد ماله، أو أمام محطة وقود، أو أمام مستشفى يرفض استقباله، يشعر أن وطنه تخلى عنه. وهذه من أبشع نتائج المنظومة الفاسدة: تحويل الإنسان إلى رقم مهمل داخل دولة عاجزة.

وفي لبنان، لم يعد الخراب مجرد أزمة اقتصادية، بل أصبح أزمة ثقة شاملة. فالشباب فقدوا إيمانهم بالمستقبل، وكثيرون باتوا يرون الهجرة الحل الوحيد. الجامعات تخرّج آلاف الكفاءات، لكن البلاد تخسر أبناءها لأن النظام السياسي لا يوفّر لهم حياة طبيعية. وهكذا يصبح الوطن طارداً لأفضل طاقاته، بينما تبقى الطبقة نفسها متمسكة بالسلطة وكأن شيئاً لم يحدث.

لقد تحوّل الشرّ السياسي في لبنان إلى حالة مزمنة لأن المحاسبة غائبة. فكم من فضيحة مرّت بلا عقاب؟ وكم من مسؤول فشل ثم عاد أقوى؟ وكم من كارثة وقعت ثم ضاعت الحقيقة بين الحسابات السياسية؟ حين تغيب العدالة، يشعر الفاسد بالأمان، ويشعر المواطن بالعجز، ويصبح القانون مجرد شعار فارغ.

ومن أخطر مظاهر هذا الشرّ أيضاً تحويل الناس إلى جماهير متصارعة بدل مواطنين متعاونين. فالسياسي الذي يفشل في بناء مدرسة أو مستشفى قد ينجح بسهولة في إثارة الغضب الطائفي، لأن الانقسام أسهل من الإصلاح. لذلك بقي اللبنانيون عالقين في صراعات الهوية والخوف، بينما تُنهب الدولة أمام أعينهم.

إنّ بعض زعماء لبنان لم يكتفوا بإدارة الأزمات، بل أصبحوا يعيشون منها. فالأزمة بالنسبة إليهم ليست كارثة وطنية فقط، بل فرصة لتعزيز النفوذ والسيطرة. ففي أوقات الانهيار، يزداد اعتماد الناس على المساعدات الحزبية والخدمات الزبائنية، ويصبح المواطن أكثر ضعفاً وحاجة، وبالتالي أكثر قابلية للخضوع.

وهكذا تحوّل الشرّ السياسي في لبنان إلى نظام حياة كامل، يتغذّى من الفقر والانقسام والخوف والجهل. نظام لا يريد مواطناً حراً، بل تابعاً مرهقاً يبحث عن الحماية. ولا يريد دولة قوية، بل دولة ضعيفة تُدار من خلف الستار. ولا يريد مستقبلاً أفضل، بل حاضراً مأزوماً يضمن استمرار الزعيم في موقعه.

لكن رغم كل هذا، تبقى الحقيقة الأساسية أن أي نظام قائم على الظلم والخوف يحمل بذور سقوطه داخله. فالشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تنسى إلى الأبد. والتاريخ مليء بأنظمة ظنّت أنها خالدة ثم سقطت عندما اكتشف الناس أن الوطن أكبر من الزعيم، وأن الكرامة أهم من الخوف، وأن الشرّ مهما طال عمره لا يستطيع أن يمنع الفجر إلى الأبد.

عبد الرحمن منيف

2. الزعيم الذي ينجو دائماً… والشعب الذي يدفع الثمن دائماً

في معظم دول العالم، يُفترض أن تكون السياسة مسؤولية، وأن يكون الحكم مرتبطاً بالمحاسبة والنتائج. فالمسؤول الذي يفشل في حماية الاقتصاد أو الأمن أو كرامة الناس يُفترض أن يرحل، أو على الأقل أن يخضع للمساءلة الشعبية والقانونية. أما في لبنان، فقد انقلبت المعادلة بشكل يكاد يكون مأساوياً، إذ أصبح الشعب هو الذي يدفع ثمن الفشل، بينما ينجو الزعيم دائماً، وكأن السلطة في هذا البلد محصّنة ضد المحاسبة مهما بلغت الكوارث.

هذه الظاهرة ليست تفصيلاً عابراً، بل واحدة من أخطر أزمات الحياة السياسية اللبنانية. فمنذ عقود طويلة، تتكرر الانهيارات نفسها، وتتبدل التحالفات والخطابات، لكن الوجوه الأساسية تبقى حاضرة في المشهد كأن الزمن لا يمرّ عليها. الحكومات تسقط ثم تعود، الأزمات تنفجر ثم تُرمَّم شكلياً، والناس تخسر مدّخراتها وأعصابها ومستقبلها، بينما يبقى الزعيم محاطاً بالمصفقين والحمايات والخطابات الرنانة.

لقد مرّ لبنان بحروب واغتيالات وانهيارات مالية وأزمات معيشية خانقة، ومع ذلك لم نشهد محاسبة حقيقية بحجم الكارثة. فمن دمّر الاقتصاد لم يُحاسب، ومن ساهم في إضعاف الدولة بقي في السلطة، ومن شارك في نظام المحاصصة الطائفية لا يزال يقدّم نفسه كمنقذ للبلاد. وهكذا يشعر اللبناني أن هناك طبقة سياسية تعيش فوق القانون، وأن الوطن بالنسبة إليها مجرد مساحة لتقاسم النفوذ لا أكثر.

الزعيم اللبناني التقليدي لا يقيس نجاحه بعدد المدارس التي بُنيت، ولا بعدد فرص العمل التي خُلقت، ولا بحجم التقدم الاقتصادي، بل بقدرته على البقاء داخل السلطة مهما تغيّرت الظروف. لذلك نراه ينتقل بسهولة من خطاب إلى نقيضه، ومن خصومة إلى تحالف، ومن شعارات الثورة إلى مصالح التسوية، شرط أن تبقى حصته محفوظة وموقعه قائماً.

أما الشعب، فهو الحلقة الأضعف دائماً. المواطن اللبناني يدفع الضرائب، ثم يُحرم من أبسط حقوقه. يعمل سنوات طويلة، ثم يكتشف أن مدّخراته في المصارف أصبحت رهينة الانهيار والفساد. يرسل أبناءه إلى الجامعات على أمل مستقبل أفضل، ثم يراهم يغادرون البلد لأن الوطن لم يعد يتسع لأحلامهم.

لقد عاش اللبناني خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر التجارب قسوة في تاريخه الحديث. انهارت العملة الوطنية بشكل مرعب، فتآكلت رواتب الناس ومدّخراتهم. أصبح الموظف عاجزاً عن تأمين أساسيات الحياة، وتحولت الطبقة الوسطى إلى طبقة مهددة بالفقر. كثير من العائلات اضطرت إلى بيع ممتلكاتها أو الاستدانة أو الهجرة من أجل البقاء، بينما استمرت الطبقة السياسية في تبادل الاتهامات وكأنها غير معنية بما يحدث.

إنّ مأساة اللبناني لا تكمن فقط في الفقر، بل في الإحساس العميق بالإهانة. فالمواطن يرى كيف يتم إنقاذ السياسيين دائماً، بينما يُترك الناس لمصيرهم. المصارف حجزت أموال المودعين، لكن كبار النافذين وجدوا طرقاً لحماية ثرواتهم. المؤسسات انهارت، لكن الزعماء حافظوا على امتيازاتهم وحصصهم ونفوذهم. حتى في أكثر اللحظات سواداً، بقيت السلطة قادرة على حماية نفسها، لا على حماية الشعب.

وفي كل مرة يقترب فيها البلد من الانفجار الكامل، تبدأ لعبة التخويف من جديد. يُقال للناس إن البديل أخطر، وإن أي تغيير قد يقود إلى الفوضى أو الحرب أو انهيار الطائفة. وهكذا يُدفع المواطن دفعاً إلى العودة نحو الزعيم نفسه الذي شارك في صنع الأزمة، فقط لأنه يخاف من المجهول أكثر من خوفه من الواقع الحالي.

لقد أتقن بعض زعماء لبنان فنّ تحويل الضحية إلى متهم. فبدلاً من الاعتراف بالفشل، يجري تحميل المسؤولية للناس أنفسهم، أو للظروف الخارجية، أو للمؤامرات الدولية، أو للخصوم السياسيين. أما الحقيقة الأساسية، وهي أن نظام المحاصصة والفساد هو الذي دمّر الدولة، فتُدفن تحت أكوام الخطابات والانقسامات.

إنّ أخطر ما في هذه المعادلة هو أنها تخلق شعوراً عاماً بالعجز. فحين يرى المواطن أن الفساد لا يُعاقب، وأن الفاشلين يبقون في مواقعهم، يبدأ بفقدان الثقة بكل شيء: بالقضاء، بالانتخابات، بالإصلاح، وحتى بفكرة الوطن نفسها. وهذا ما جعل كثيراً من اللبنانيين يشعرون أن الهجرة ليست خياراً اقتصادياً فقط، بل هروباً نفسياً من واقع ميؤوس منه.

وفي لبنان، لا يعيش الزعيم نتائج الانهيار كما يعيشها المواطن العادي. فالسياسي محاط بالحماية والخدمات والنفوذ، بينما الناس تواجه يومياً الذلّ في تفاصيل حياتها الصغيرة. المواطن يقف في طوابير طويلة من أجل الدواء أو البنزين أو المعاملات الرسمية، فيما الزعيم يتحدث عن “الصمود” من خلف المكاتب الفخمة والمواكب الأمنية.

حتى الكوارث الوطنية الكبرى تحوّلت إلى مادة للاستثمار السياسي. فبدلاً من أن تكون المأساة سبباً للمحاسبة والوحدة الوطنية، أصبحت مناسبة لتبادل الاتهامات وحماية المصالح. وهذا ما عمّق جرح اللبنانيين، لأنهم شعروا أن دماء الضحايا وآلام الناس لا تكفي لإيقاظ ضمير السلطة.

ومن المؤلم أيضاً أن بعض الزعماء نجحوا في إقناع جماهيرهم بأن معاناتهم دليل “وفاء للقضية” أو “ثمن للصمود“، وكأن الفقر والحرمان والانهيار قدر مقدّس يجب التعايش معه. وهكذا يتحوّل الألم الشعبي إلى أداة تعبئة سياسية بدل أن يكون دافعاً للتغيير والمحاسبة.

لقد تحوّل المواطن اللبناني إلى رهينة دائمة لصراعات سياسية لا يملك قرارها. فهو يدفع ثمن العقوبات، وثمن الانقسامات، وثمن الحروب الإعلامية، وثمن التعطيل السياسي، وثمن التسويات الفاشلة. أما الزعماء، فيملكون دائماً القدرة على النجاة وإعادة التموضع والاستمرار.

وهنا تتجلى المأساة الحقيقية لعبارة عبد الرحمن منيف: “الناس السيئون لا يموتون“. ففي لبنان، لا يموت السيئون سياسياً مهما فعلوا، بل غالباً ما يعودون بوجوه جديدة وخطابات جديدة وتحالفات جديدة. أما الذي يموت فعلاً فهو المواطن البسيط: يموت قهراً، أو فقراً، أو غربة، أو اختناقاً داخل وطن لم يعد يشبه أحلامه.

لكن رغم هذا السواد، تبقى هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا سلطة تدوم إلى الأبد. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تتعب، لكنها لا تستسلم نهائياً. وكل منظومة تبني قوتها على الخوف والانقسام والفساد تحمل داخلها بذور سقوطها. والسؤال الذي يواجه لبنان اليوم ليس فقط كيف نُنهي الانهيار، بل كيف نكسر هذه الحلقة التي تجعل الزعيم ينجو دائماً، بينما يُترك الشعب وحده تحت الركام.

يكفي أن يأتي أمرٌ ما حتى ينفّذ الأتباع الأوامر بالحذافير

3. كيف يفسد الزعيم السيّئ روح المجتمع؟

ليست أخطر نتائج الزعيم السيّئ أنه يسرق المال العام أو يدمّر الاقتصاد فقط، بل أن ينجح مع الوقت في إفساد روح المجتمع نفسه. فالأوطان لا تنهار مادياً وحسب، بل تنهار أخلاقياً ونفسياً عندما تتحول القيم الفاسدة إلى جزء من الحياة اليومية. وعندما يصبح الكذب أمراً عادياً، والفساد وسيلة نجاح، والطائفية أسلوب عيش، يبدأ المجتمع بخسارة إنسانيته تدريجياً حتى لو بقيت الأبنية واقفة والمؤسسات مفتوحة شكلياً.

في لبنان، لم يقتصر تأثير بعض الزعماء على السياسة، بل امتد إلى طريقة تفكير الناس ونظرتهم إلى بعضهم البعض وإلى الدولة وإلى المستقبل. فالسياسي الفاسد لا يعمل وحده، بل يحتاج دائماً إلى بيئة تتقبّل الفساد أو تتعايش معه أو تبرّره. ومن هنا بدأت المأساة الكبرى: تحوّل الانهيار الأخلاقي إلى حالة عامة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية.

حين يرى المواطن أن الوصول إلى الوظيفة يحتاج إلى واسطة لا إلى كفاءة، يبدأ بالإيمان بأن التعب والاجتهاد لا يكفيان. وحين يشاهد الفاسدين يزدادون نفوذاً وثروة بينما يعيش الشرفاء بصعوبة، يشعر أن النزاهة أصبحت عبئاً لا قيمة له. ومع مرور الوقت، تتآكل الثقة بالعدالة، ويصبح الالتزام بالقانون نوعاً من السذاجة في نظر كثيرين.

لقد ساهم بعض زعماء لبنان في تكريس ثقافة المحسوبية بطريقة خطيرة جداً. فلم يعد المواطن يشعر أنه ينتمي إلى دولة ترعاه وتحميه، بل إلى زعيم يملك القدرة على تأمين الخدمات والوظائف والحماية. وهكذا تراجعت فكرة المواطنة لصالح الولاءات الضيقة، وتحول الإنسان من صاحب حق إلى تابع ينتظر رضى الزعيم أو الحزب أو الطائفة.

هذه الثقافة دمّرت الشعور بالمساواة بين اللبنانيين. فبدلاً من أن يكون الجميع متساوين أمام القانون، أصبح النفوذ السياسي والطائفي هو الذي يحدد قيمة الفرد ومكانته وفرصه. وهذا الأمر خلق شعوراً عميقاً بالظلم والإحباط، خصوصاً لدى الشباب الذين رأوا أحلامهم تُسحق أمام منظومة لا تكافئ إلا الموالين لها.

الزعيم السيّئ لا يكتفي بإفساد الإدارة، بل يفسد اللغة أيضاً. ففي لبنان، تحولت الشتائم السياسية والتخوين والتحريض إلى جزء يومي من الخطاب العام. وأصبح كثير من الناس يتحدثون بلغة العنف والانقسام نفسها التي يسمعونها من قادتهم وإعلامهم الحزبي. وهكذا انتقل التوتر السياسي من الشاشات إلى الشوارع والمنازل والعلاقات الاجتماعية.

لقد لعب الإعلام الحزبي دوراً أساسياً في هذا الانهيار الأخلاقي. فبدلاً من أن يكون الإعلام مساحة للحقيقة والنقاش المسؤول، تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة تعبئة وتحريض وتبرير للزعيم مهما ارتكب من أخطاء. وكل جماعة باتت تملك “حقيقتها” الخاصة، حتى ضاعت الحقيقة الوطنية الجامعة وسط الضجيج والانقسامات.

ومن أخطر ما أصاب المجتمع اللبناني أن الطائفية لم تعد مجرد انتماء ديني أو سياسي، بل أصبحت عدسة ينظر الناس من خلالها إلى كل شيء. فالوظيفة تُقاس طائفياً، والعدالة تُفسَّر طائفياً، وحتى الكوارث الوطنية يجري التعامل معها أحياناً بمنطق الانتماء لا بمنطق الإنسانية. وهذا ما ساهم في تدمير الثقة بين اللبنانيين وتحويل المجتمع إلى جزر خائفة ومتباعدة.

إنّ الزعيم السيّئ يعيش على الانقسام، لأنه يدرك أن المجتمع الموحد يشكل خطراً على سلطته. لذلك تُستحضر باستمرار ذاكرة الحرب والخوف والكراهية القديمة، حتى يبقى المواطن مشغولاً بالخصومة مع الآخر بدل الانتباه إلى من ينهب الدولة ويعطّل مستقبل البلاد.

وفي ظل هذا الواقع، بدأت تظهر ظواهر اجتماعية خطيرة. فالكثير من الناس فقدوا إيمانهم بقيمة العمل الشريف، وازداد الشعور باليأس واللامبالاة، وانتشرت العصبية والغضب والإحباط في الحياة اليومية. المواطن الذي يعيش تحت ضغط اقتصادي ونفسي دائم يصبح أكثر توتراً وانفعالاً، والمجتمع الذي يفقد الأمل يتحول تدريجياً إلى بيئة خصبة للعنف والكراهية والانهيار الأخلاقي.

لقد دمّر بعض الزعماء فكرة القدوة داخل المجتمع. ففي الدول الطبيعية، يُفترض أن يكون المسؤول نموذجاً للنزاهة والانضباط وخدمة الناس. أما حين يصبح السياسي رمزاً للكذب والفساد والاستعراض الفارغ، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال الجديدة تكون مدمّرة: النجاح لا يحتاج إلى أخلاق، بل إلى نفوذ ومال وتحالفات.

وهذا ما جعل كثيراً من الشباب اللبناني يشعرون بالغربة داخل وطنهم. فهم يرون أن الكفاءة وحدها لا تكفي، وأن الأحلام تُخنق تحت ثقل المحاصصة والطائفية. لذلك أصبح السفر بالنسبة إلى كثيرين ليس مجرد فرصة عمل، بل هروباً من بيئة تقتل الطموح وتكافئ الرداءة.

حتى العلاقات الاجتماعية تأثرت بهذا الانهيار. فالتوتر السياسي والطائفي انعكس على الصداقات والعائلات والجامعات وأماكن العمل. وأصبح من السهل أن تتحول أي قضية عامة إلى مواجهة حادة مليئة بالتخوين والانفعال، لأن الناس تشربوا لغة الانقسام من الحياة السياسية نفسها.

ومن أخطر نتائج الزعيم السيّئ أيضاً أنه يجعل الناس تعتاد القبح. فحين يعيش المواطن سنوات طويلة وسط الفساد والفوضى والانهيار، يبدأ بالتأقلم معها وكأنها قدر طبيعي. وهذه مرحلة خطيرة جداً، لأن أخطر أنواع الخراب هو الخراب الذي يتوقف الناس عن مقاومته.

لقد اعتاد اللبناني على انقطاع الكهرباء، وعلى انهيار الخدمات، وعلى الفساد الإداري، وعلى الإذلال اليومي في المؤسسات، حتى أصبح كثيرون يتعاملون مع هذه الأمور باعتبارها جزءاً ثابتاً من الحياة اللبنانية. وهنا يتحقق الانتصار الحقيقي للمنظومة الفاسدة: حين يقتنع الناس أن التغيير مستحيل.

لكن رغم كل هذا، لا تزال هناك مقاومة أخلاقية داخل المجتمع اللبناني. فما زال هناك أساتذة يعلّمون بضمير، وأطباء يضحّون، وصحافيون يواجهون الضغوط، وشباب يرفضون الاستسلام للطائفية والكراهية. وهذه الفئات تشكل الأمل الحقيقي للبنان، لأنها تحاول حماية ما تبقى من روح الوطن وسط هذا الخراب الطويل.

فالمجتمع لا يموت دفعة واحدة، بل يموت عندما يفقد قدرته على التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، وبين الزعيم الحقيقي وتاجر الأزمات. ولذلك فإن معركة لبنان ليست اقتصادية أو سياسية فقط، بل أخلاقية أيضاً. إنها معركة لاستعادة الإنسان اللبناني من الخوف والطائفية واليأس، وإعادة بناء فكرة الوطن القائم على الكرامة والمواطنة لا على عبادة الزعماء.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأخطر: ماذا يحدث لو استمر هذا الانهيار الأخلاقي جيلاً بعد جيل؟ عندها لن تكون المشكلة فقط في دولة مفلسة، بل في مجتمع يفقد ثقته بنفسه وبقيمه وبقدرته على النهوض. ولهذا فإن مواجهة الزعيم السيّئ لا تبدأ فقط في صناديق الاقتراع، بل تبدأ أيضاً داخل الوعي والثقافة والتربية، لأن إصلاح الأوطان يبدأ أولاً بإصلاح الروح التي يحاول الفساد قتلها كل يوم.

الهجرة سبيل من سبل الهرب من الحروب المدمّرة

4. لبنان بين عبادة الزعيم وغياب الدولة

من أخطر الأزمات التي عاشها لبنان عبر تاريخه الحديث أنّ فكرة الدولة لم تنجح يوماً في التفوق الكامل على فكرة الزعيم. فبدلاً من أن يكون القانون هو المرجعية العليا، تحوّل كثير من اللبنانيين إلى أسرى لزعامات طائفية وحزبية وشخصية، حتى أصبحت صورة الزعيم في أذهان البعض أقوى من صورة الوطن نفسه. وهكذا وُلدت معادلة مدمّرة: كلما قوي الزعيم، ضعفت الدولة، وكلما ضعفت الدولة، ازداد الناس تعلقاً بالزعيم خوفاً من الضياع.

إنّ عبادة الزعيم ليست مجرد إعجاب سياسي عادي، بل حالة نفسية واجتماعية عميقة تجعل بعض الناس مستعدين للدفاع عن القائد مهما ارتكب من أخطاء. فالزعيم في لبنان لا يُقدَّم دائماً كمسؤول يمكن محاسبته، بل كرمز مقدّس للطائفة أو التاريخ أو “الكرامة” أو “القضية“. ومن هنا يصبح نقده أشبه بالخيانة، وتتحول المحاسبة إلى تهديد وجودي بالنسبة إلى جماهيره.

لقد نجحت الطبقة السياسية اللبنانية، عبر عقود طويلة، في بناء علاقة عاطفية وخوفية مع جمهورها. فهي لا تريد مواطنين أحراراً يفكرون بعقلانية، بل جماهير مرتبطة بها نفسياً ومصلحياً. ولذلك جرى تكريس فكرة أنّ الزعيم هو الحامي الوحيد للطائفة، وأن سقوطه يعني سقوط الجماعة نفسها. وبهذه الطريقة أُغلقت أبواب النقد، لأن الخوف دائماً أقوى من المنطق.

في الدول الطبيعية، يلجأ المواطن إلى مؤسسات الدولة عندما يحتاج إلى حقه أو حمايته أو خدماته الأساسية. أما في لبنان، فكثير من الناس يلجأون أولاً إلى الزعيم أو الحزب أو المرجعية الطائفية. الوظيفة تحتاج إلى تدخل سياسي، والاستشفاء يحتاج إلى واسطة، والتعليم أحياناً يحتاج إلى نفوذ، وحتى القضاء قد يصبح عاجزاً أمام قوة الغطاء السياسي. وهكذا يشعر المواطن أن الدولة بعيدة وضعيفة، بينما الزعيم حاضر وقادر على التدخل في كل شيء.

لقد تحوّلت الدولة اللبنانية مع الوقت إلى هيكل هشّ محاصر بالمصالح الطائفية. فكل مؤسسة باتت تُقاس بحجم النفوذ السياسي داخلها، وكل قرار يحتاج إلى توازنات معقدة بين الزعماء. ولم تعد الكفاءة هي الأساس في بناء الإدارة، بل الولاءات والمحاصصات وتقاسم النفوذ. وبهذا الشكل، ضاعت فكرة الدولة الحديثة القائمة على القانون والمساواة.

الزعيم التقليدي لا يريد دولة قوية فعلاً، لأن الدولة القوية تعني وجود مؤسسات مستقلة قادرة على المحاسبة. أما حين تكون المؤسسات ضعيفة، يصبح الزعيم هو الباب الإجباري لكل شيء. لذلك رأينا كيف جرى تعطيل القضاء حين اقترب من ملفات حساسة، وكيف تُشلّ الحكومات عندما تتعارض المصالح، وكيف يُستخدم الشارع والطائفية للضغط على أي محاولة إصلاحية.

إنّ أخطر ما فعلته عبادة الزعيم أنها حوّلت المواطن من شريك في الوطن إلى تابع داخل جماعة مغلقة. فبدلاً من التفكير بالمصلحة الوطنية العامة، بات كثيرون يفكرون بمنطق حماية الزعيم والطائفة حتى لو انهارت الدولة بأكملها. وهكذا أصبح الانتماء الوطني ضعيفاً أمام الانتماءات الضيقة، وتحول لبنان إلى مجموعة جزر سياسية متصارعة تعيش داخل حدود دولة واحدة.

وقد لعبت الذاكرة الجماعية للحرب الأهلية دوراً كبيراً في ترسيخ هذه الحالة. فالخوف من العودة إلى الحرب استُخدم مراراً لتبرير بقاء الزعامات نفسها. وكان يُقال للناس دائماً إن أي تغيير قد يفتح أبواب الفوضى والاقتتال، وكأن الوطن محكوم إلى الأبد بالاختيار بين الزعيم أو الانهيار. وهذه المعادلة جعلت كثيراً من اللبنانيين يقبلون بالفساد خوفاً من المجهول.

الإعلام الحزبي بدوره ساهم في صناعة صورة شبه أسطورية لبعض القادة. فالزعيم يُقدَّم كمنقذ تاريخي، وكصاحب حكمة استثنائية، وكشخص لا يخطئ أبداً. وكل فشل يتم تبريره بالمؤامرات الخارجية أو بخيانة الآخرين، بينما تختفي المسؤولية الحقيقية خلف الضجيج الإعلامي والتحريض العاطفي.

ومع الوقت، أصبح كثير من الناس يدافعون عن زعمائهم حتى ضد مصالحهم الشخصية. المواطن الذي يعاني من الفقر والبطالة وانهيار الخدمات قد يهاجم أي انتقاد لزعيمه، لأنه يشعر أن هويته مرتبطة به. وهذه واحدة من أخطر نتائج النظام الطائفي: تحويل العلاقة السياسية إلى علاقة انتماء عاطفي أعمى يتجاوز المنطق والواقع.

لقد أنتج هذا الواقع دولة عاجزة عن اتخاذ قرارات مصيرية. فكل مشروع إصلاحي يصطدم بحسابات الزعماء، وكل محاولة لبناء مؤسسات مستقلة تواجه جدار المصالح الطائفية. ولذلك بقي لبنان يدور في الحلقة نفسها: أزمات متكررة، تسويات مؤقتة، تعطيل دائم، وانهيارات متتالية.

وفي ظل غياب الدولة القوية، توسعت سلطة الأحزاب والزعامات على حساب المؤسسات الرسمية. بعض المناطق باتت تُدار فعلياً وفق نفوذ القوى السياسية لا وفق سلطة الدولة. وهذا الأمر جعل المواطن يشعر أن العدالة ليست واحدة للجميع، وأن النفوذ أهم من القانون.

كما ساهمت هذه الثقافة في قتل روح المواطنة. فبدلاً من الشعور بأن اللبنانيين متساوون داخل وطن واحد، ترسخ شعور دائم بأن كل جماعة تعيش داخل خوفها وحساباتها الخاصة. وأصبح من السهل إشعال التوترات الطائفية كلما احتاج الزعماء إلى شدّ عصب جمهورهم أو الهروب من مسؤولياتهم.

حتى الانتخابات، التي يُفترض أن تكون مناسبة للمحاسبة الديمقراطية، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى تجديد للولاءات نفسها. فالناس تصوّت أحياناً بدافع الخوف أو العصبية أو الحاجة للخدمات، لا بناءً على البرامج والكفاءة. وهكذا تُعاد إنتاج الطبقة السياسية نفسها جيلاً بعد جيل.

إنّ عبادة الزعيم لا تقتل الدولة فقط، بل تقتل أيضاً فكرة المواطن الحر. فالمواطن الحقيقي هو من يملك حق السؤال والمحاسبة والرفض، لا من يصفق دائماً ويبرر دائماً. لكن الأنظمة الطائفية لا تريد أفراداً مستقلين، بل جماهير تابعة تتحرك وفق الخطاب السياسي والعاطفي.

ورغم كل هذا، بدأت تظهر داخل المجتمع اللبناني أصوات ترفض هذه المعادلة القديمة. فالكثير من الشباب لم يعد مقتنعاً بأن الزعيم أهم من الوطن، ولا بأن الطائفة يجب أن تكون بديلاً عن الدولة. وهناك وعي متزايد بأن لبنان لن ينهض طالما بقيت المؤسسات رهينة الأشخاص.

لقد أدرك كثير من اللبنانيين بعد الانهيار الكبير أن الزعامات التي وعدت بالحماية لم تستطع حماية الناس من الجوع والبطالة وانهيار العملة. وعندما انهارت المصارف والمؤسسات والخدمات، اكتشف المواطن أن الولاء للزعيم لا يبني دولة، ولا يحفظ الكرامة، ولا يؤمن المستقبل.

إنّ معركة لبنان الحقيقية ليست فقط ضد الفساد المالي، بل ضد الثقافة السياسية التي جعلت الأشخاص أكبر من المؤسسات. فالدولة لا يمكن أن تقوم طالما بقي القانون خاضعاً للتوازنات الطائفية، وطالما بقيت الطوائف تبحث عن زعمائها بدل أن تبحث عن وطن عادل للجميع.

ولهذا فإن أي مشروع لإنقاذ لبنان يبدأ أولاً بتحرير الوعي من عبادة الزعيم. يبدأ عندما يفهم المواطن أن السياسي موظف عام لا زعيم مقدّس، وأن الولاء يجب أن يكون للدستور والقانون لا للأشخاص، وأن الكرامة الوطنية لا تُبنى بالشعارات والخطب، بل بدولة تحترم الإنسان وتحاسب الفاسد مهما كان اسمه أو طائفته أو نفوذه.

وفي النهاية، لا يمكن للبنان أن يتحول إلى دولة حقيقية ما دام يعيش بعقلية القبائل السياسية. فالأوطان تُبنى بالمؤسسات، بينما الزعامات العابرة مهما بدت قوية تترك خلفها دائماً بلداً ضعيفاً وشعباً مرهقاً وانقسامات لا تنتهي.

الإقتصاد المتدحرج

5. حين يصبح الرحيل السياسي ضرورة وطنية

في الحياة السياسية الطبيعية، لا يُعتبر الرحيل عن السلطة هزيمة، بل قد يكون أحياناً أرقى أشكال المسؤولية الوطنية. فالقائد الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرته على الوصول إلى الحكم، بل أيضاً بقدرته على معرفة اللحظة التي يجب أن يتنحّى فيها حفاظاً على الدولة والمجتمع. غير أنّ المأساة اللبنانية تكمن في أنّ كثيراً من الزعماء تعاملوا مع السلطة وكأنها ملكية خاصة لا وظيفة عامة، وكأن الوطن وُجد ليضمن استمرارهم لا العكس.

لقد تحوّل التمسك بالمناصب في لبنان إلى ظاهرة مرضية تكشف حجم الخلل داخل النظام السياسي. فبدلاً من الاعتراف بالفشل بعد كل كارثة، نشهد غالباً المزيد من التشبث بالمواقع والنفوذ. السياسي الذي يسقط الاقتصاد لا يعتذر، والذي يعطّل المؤسسات لا ينسحب، والذي يساهم في الانهيار يظهر مجدداً بخطابات جديدة وتحالفات جديدة، وكأن ذاكرة الناس يجب أن تُمحى عند كل أزمة.

إنّ أخطر ما في الزعيم الذي يرفض الرحيل أنه يبدأ تدريجياً بالنظر إلى الدولة باعتبارها امتداداً لذاته الشخصية. وهنا يصبح أي تغيير تهديداً مباشراً له، لا فرصة لإنقاذ الوطن. لذلك نرى كيف تتحول المؤسسات إلى رهائن للصراعات الشخصية والطائفية، وكيف تُعطَّل الحكومات والانتخابات والإصلاحات عندما يشعر بعض القادة أن نفوذهم مهدد.

في لبنان، لم يكن الفشل السياسي سبباً كافياً للاستقالة، بل أحياناً كان يتحول إلى ذريعة لمزيد من السيطرة. فكلما اشتدت الأزمة، ظهر الزعيم كمنقذ لجمهوره، مستفيداً من خوف الناس ومن هشاشة الدولة. وهكذا أصبحت الكارثة نفسها وسيلة للبقاء، لا سبباً للمحاسبة.

لقد عاش اللبنانيون سنوات طويلة تحت سلطة وجوه سياسية تكررت حتى تحولت إلى جزء من المشهد اليومي، رغم أن البلاد كانت تتراجع باستمرار على كل المستويات. البنية التحتية انهارت، الاقتصاد سقط، الخدمات تفككت، الشباب هاجروا، الثقة بالدولة اختفت، ومع ذلك بقيت الطبقة السياسية نفسها تتبادل المواقع والخطابات وكأنها غير معنية بما جرى.

إنّ المشكلة ليست فقط في الأعمار السياسية الطويلة، بل في العقلية التي تعتبر أنّ لا أحد يستطيع قيادة البلد سوى الزعيم نفسه. وهذه الذهنية تقتل الحياة الديمقراطية، لأنها تمنع تداول السلطة وتحوّل الأحزاب والتيارات إلى مؤسسات مرتبطة بشخص واحد بدل أن تكون مشاريع وطنية قائمة على البرامج والرؤى.

الزعيم الذي يرفض الرحيل يخلق أيضاً جيلاً سياسياً مشوهاً. فبدلاً من تشجيع الكفاءات الجديدة وفتح المجال أمام الطاقات الشابة، يتم تكريس ثقافة التوريث السياسي والولاء الأعمى. وهكذا تبقى الحياة السياسية مغلقة أمام التجديد الحقيقي، ويتحول الحكم إلى دائرة مغلقة تتوارث النفوذ والمصالح.

وفي لبنان، ارتبطت هذه الظاهرة بالنظام الطائفي الذي يمنح الزعيم قدرة هائلة على التحكم بجمهوره. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالمحاسبة، يتم استحضار خطاب الخوف: “الطائفة مستهدفة“، “الزعيم يحمي الوجود“، “الوقت ليس مناسباً للتغيير“. وبهذه الطريقة يتم خنق أي محاولة لإعادة بناء الحياة السياسية على أسس وطنية سليمة.

لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لهذا التمسك المرضي بالسلطة. فبدلاً من انتقال هادئ نحو دولة حديثة، بقي البلد أسير الحسابات الشخصية والطائفية. وكل زعيم كان يخشى أن يؤدي إصلاح الدولة إلى تقليص نفوذه، لذلك جرى تعطيل الكثير من المشاريع الإصلاحية التي كان يمكن أن تنقذ البلاد قبل الانهيار الكبير.

إنّ القائد الحقيقي يرحل عندما يشعر أن وجوده أصبح عبئاً على الوطن، أما الزعيم الذي يربط مصير الدولة بمصيره الشخصي فإنه يدفع البلاد نحو الاختناق. وهذا ما عاشه لبنان مراراً، حين تحولت الخلافات بين الزعماء إلى شلل كامل في المؤسسات، وكأن ملايين المواطنين مجرد رهائن داخل معارك النفوذ.

كما أنّ طول البقاء في السلطة يولّد غالباً حالة من الانفصال عن الواقع. فالسياسي الذي يعيش سنوات طويلة داخل دائرة النفوذ والحماية والمجاملات يفقد تدريجياً القدرة على الشعور بمعاناة الناس الحقيقية. المواطن الذي يقف في طوابير الذلّ من أجل الدواء أو الكهرباء أو راتبه لا يشبه السياسي المحاط بالحراس والمكاتب والمواكب والخطابات.

ومن أخطر نتائج هذا الانفصال أنّ بعض القادة باتوا يتعاملون مع الانهيار وكأنه مجرد تفصيل عابر يمكن احتواؤه بالشعارات والخطب. بينما الحقيقة أن المجتمع اللبناني كان يتفكك من الداخل: طبقة وسطى تنهار، شباب يهاجرون، مؤسسات تعليمية وصحية تتراجع، وعائلات تفقد قدرتها على الحياة الكريمة.

لقد كشف الانهيار اللبناني أن بقاء الزعماء لا يعني استقرار الأوطان. بل على العكس، أحياناً يكون استمرار الطبقة نفسها سبباً مباشراً في تعميق الكارثة، لأن النظام الذي يرفض التغيير يفقد قدرته على الإصلاح والتجدد. وهكذا يتحول الوطن إلى مساحة معلّقة بين ماضٍ لا ينتهي ومستقبل لا يولد.

إنّ فكرة “الزعيم الأبدي” تتناقض مع أي مفهوم حديث للدولة. فالدول القوية تقوم على تداول السلطة والمؤسسات المستقرة، لا على الأشخاص. أما حين يصبح مصير البلد مرتبطاً ببقاء فرد أو مجموعة ضيقة، فإن الدولة تتحول إلى كيان هشّ قابل للانهيار مع كل أزمة سياسية أو شخصية.

وفي لبنان، أدى غياب ثقافة الاستقالة والمحاسبة إلى ترسيخ شعور عميق باللاعدالة. فالناس يرون أن المسؤول العادي قد يُحاسب على خطأ صغير، بينما تبقى الشخصيات النافذة فوق النقد والعقاب مهما حدث. وهذا ما دمّر الثقة بالحياة العامة وجعل كثيرين يشعرون أن النظام غير قابل للإصلاح من الداخل.

لكن رغم كل هذا، بدأ وعي جديد يتشكل داخل المجتمع اللبناني، خصوصاً لدى الأجيال الشابة التي لم تعد ترى في الزعيم رمزاً مقدساً. فالكثير من الشباب باتوا يطالبون بدولة مؤسسات، وبقضاء مستقل، وبحياة سياسية تقوم على الكفاءة لا على الوراثة والطائفية. وهذا التحول، رغم بطئه، يحمل بذور التغيير الحقيقي.

إنّ لبنان لا يحتاج إلى زعماء خالدين، بل إلى نظام يسمح بتجدد الحياة السياسية بشكل طبيعي وصحي. يحتاج إلى قادة يعرفون أن المنصب مسؤولية مؤقتة لا امتيازاً أبدياً، وأن الوطن أكبر من أي اسم أو حزب أو طائفة.

فالرحيل أحياناً ليس ضعفاً، بل شجاعة أخلاقية وسياسية. والقائد الذي يفسح المجال أمام غيره حين يفشل قد يحفظ كرامته وكرامة وطنه أكثر من الذي يتمسك بالسلطة حتى آخر لحظة بينما ينهار البلد من حوله.

وفي النهاية، لا يمكن لأي وطن أن ينهض إذا بقي أسيراً لطبقة سياسية تخشى التغيير أكثر مما تخشى انهيار الدولة نفسها. فالأوطان لا تموت فقط بسبب الحروب والكوارث، بل تموت أيضاً حين يرفض الذين أوصلوها إلى الخراب أن يرحلوا، وكأن الشعب خُلق ليحملهم على كتفيه إلى الأبد.

من يصدّق؟

6. هل يستطيع لبنان التحرّر من إرث الزعماء؟

السؤال الأكثر إيلاماً في التجربة اللبنانية ليس فقط كيف انهار البلد، بل كيف يمكن له أن يخرج من الحلقة نفسها التي أعادت إنتاج الأزمات والزعماء والانقسامات لعقود طويلة. فلبنان لا يعيش أزمة عابرة يمكن حلّها بتسوية سياسية مؤقتة، بل يعيش أزمة عميقة في مفهوم الدولة والمواطنة والسلطة. ولذلك فإن التحرر من إرث الزعماء لا يعني فقط تغيير أسماء في الحكم، بل يعني تغيير ثقافة سياسية كاملة ترسخت داخل المجتمع اللبناني جيلاً بعد جيل.

لقد نشأ اللبناني منذ سنوات طويلة داخل بيئة تُربطه بالطائفة أكثر مما تربطه بالدولة، وبالزعيم أكثر مما تربطه بالقانون. فالكثير من الناس لم يشعروا يوماً أن الدولة تحميهم أو تؤمّن لهم حقوقهم الأساسية، لذلك لجأوا إلى الطائفة والحزب والزعيم بحثاً عن الأمان والخدمات والهوية. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الأمر إلى علاقة اعتيادية حتى بات كثيرون يرون في الزعيم بديلاً عن الدولة لا مجرد ممثل سياسي.

لكن الانهيار الكبير الذي أصاب لبنان خلال السنوات الأخيرة كشف هشاشة هذه المعادلة. فعندما انهارت العملة وضاعت أموال الناس وتفككت الخدمات الأساسية، اكتشف اللبنانيون أن الزعامات التي وعدتهم بالحماية لم تستطع حماية أبسط مقومات حياتهم. لا الطائفة منعت الجوع، ولا الخطابات أوقفت الانهيار، ولا الولاءات السياسية أعادت الكرامة للمواطن الذي فقد مدخراته ومستقبله.

وهنا بدأت تظهر ملامح وعي جديد، خصوصاً لدى فئة واسعة من الشباب اللبناني. فجيل كامل كبر وسط الأزمات المتلاحقة، وشاهد بأمّ عينه كيف تحوّل الوطن إلى ساحة صراعات ومصالح ومحاصصات. هذا الجيل لم يعد مقتنعاً بسهولة بالشعارات القديمة، ولا بفكرة “الزعيم المنقذ“، لأنه رأى النتائج الكارثية لتقديس الأشخاص على حساب المؤسسات.

لقد بدأت تتشكل قناعة متزايدة بأن لبنان لن ينهض طالما بقيت الدولة رهينة الطوائف والزعامات. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالفساد المالي، بل بنظام كامل قائم على تقاسم النفوذ بدل بناء دولة عادلة. ولذلك أصبح الحديث عن المواطنة والدولة المدنية والقضاء المستقل أكثر حضوراً داخل النقاش العام، حتى لو كانت الطريق نحو هذه الأهداف لا تزال طويلة وصعبة.

إنّ التحرر من إرث الزعماء يبدأ أولاً بتحرير العقل من الخوف. فالخوف كان دائماً السلاح الأقوى الذي استخدمته الطبقة السياسية اللبنانية للبقاء في السلطة. خوف من الحرب، خوف من الطائفة الأخرى، خوف من سقوط الحقوق، خوف من التغيير. وكلما خاف الناس، عادوا إلى زعمائهم بحثاً عن الحماية، حتى لو كانوا يعلمون أن هؤلاء الزعماء أنفسهم جزء من الأزمة.

لكن الشعوب لا تستطيع العيش إلى الأبد داخل دائرة الخوف. ومع تراكم الانهيارات، بدأ كثير من اللبنانيين يدركون أن استمرار الوضع الحالي أخطر من أي تغيير محتمل. فالوطن الذي ينهار اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً لا يمكن إنقاذه بالشعارات نفسها التي أوصلته إلى هذا المصير.

إنّ أحد أهم مفاتيح التحرر هو إعادة بناء مفهوم المواطنة. فالمواطن الحقيقي لا يطلب حقه كمنّة من زعيم، بل يحصل عليه من خلال دولة عادلة تحترم الجميع بالتساوي. وهذا التحول يحتاج إلى ثورة ثقافية وتربوية قبل أن يكون مجرد تغيير سياسي. يحتاج إلى أجيال تؤمن بأن قيمة الإنسان لا تحددها طائفته أو حزبه أو علاقاته، بل كفاءته وحقوقه وواجبه تجاه وطنه.

التعليم يلعب هنا دوراً أساسياً. فلبنان الذي عاش طويلاً تحت تأثير الانقسامات يحتاج إلى نظام تربوي يعزز فكرة الوطن المشترك لا العصبيات الضيقة. لأن الزعيم الطائفي يعيش دائماً على الجهل والخوف والانقسام، بينما المواطن الواعي يشكل تهديداً حقيقياً لأي منظومة فاسدة.

كما أنّ الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المعركة. فالإعلام الذي يغذي التحريض والانقسام يساهم في إطالة عمر الأزمة، أما الإعلام الحرّ والمسؤول فيستطيع أن يعيد توجيه النقاش نحو القضايا الحقيقية: العدالة، الاقتصاد، التعليم، الصحة، حقوق الناس، وبناء المؤسسات.

ورغم قتامة المشهد، لا يمكن إنكار أن المجتمع اللبناني لا يزال يملك عناصر قوة مهمة. فهناك طاقات شبابية هائلة، وكفاءات علمية ومهنية منتشرة داخل لبنان وخارجه، ومجتمع مدني يحاول رغم الصعوبات أن يدافع عن فكرة الدولة. وهذه العناصر تشكل الأمل الحقيقي لأي مشروع إنقاذ مستقبلي.

لقد أثبت اللبنانيون مراراً أنهم قادرون على الإبداع والنجاح حين تتوفر لهم بيئة طبيعية وعادلة. لكن المشكلة كانت دائماً في النظام السياسي الذي استنزف الطاقات بدل أن يحتضنها. ولذلك فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي يجب أن يبدأ بخلق دولة تحترم الكفاءة وتمنح الشباب فرصة للبقاء والعمل والحلم داخل وطنهم.

إنّ التحرر من إرث الزعماء لا يعني أيضاً إلغاء التنوع اللبناني، بل تحرير هذا التنوع من الاستغلال السياسي. فلبنان بلد غني بتعدديته الثقافية والدينية، لكن المشكلة كانت دائماً في تحويل هذا التنوع إلى سلاح للصراع والهيمنة. بينما يمكن لهذا التنوع نفسه أن يكون مصدر قوة إذا وُضع داخل إطار دولة عادلة تحترم الجميع.

غير أنّ الطريق لن يكون سهلاً. فالمنظومة التي حكمت لبنان لعقود لن تتخلى بسهولة عن امتيازاتها ونفوذها. وستستمر في استخدام الخطاب الطائفي والتحريض والتخويف من أجل حماية نفسها. لذلك فإن التغيير الحقيقي يحتاج إلى صبر طويل وإرادة جماعية ووعي متراكم لا ينكسر أمام الإحباط.

كما أنّ الخطر الأكبر يكمن في اليأس. فالأنظمة الفاسدة تنتصر حين يقتنع الناس أن لا شيء يمكن أن يتغير. ولهذا فإن الحفاظ على الأمل يصبح عملاً وطنياً بحد ذاته. لأن الشعوب التي تفقد إيمانها بالمستقبل تصبح أكثر قابلية للخضوع والاستسلام.

ولعلّ أهم درس يمكن للبنانيين أن يتعلموه من أزماتهم هو أن الأوطان لا تُبنى حول الأشخاص، مهما كانت شعاراتهم كبيرة. فالزعيم يرحل عاجلاً أم آجلاً، أما الدولة فهي التي تبقى وتحمي الجميع إذا كانت قوية وعادلة. ولهذا فإن مستقبل لبنان لا يمكن أن يقوم على انتظار “المخلّص“، بل على بناء مؤسسات حقيقية لا ترتبط بمصير فرد أو حزب أو طائفة.

إنّ لبنان يحتاج اليوم إلى مصالحة عميقة مع فكرة الدولة. يحتاج إلى الانتقال من زمن الزعامات إلى زمن المواطنة، ومن ثقافة الولاء للأشخاص إلى ثقافة احترام القانون، ومن منطق الغلبة الطائفية إلى منطق الشراكة الوطنية.

وربما يكون الأمل الحقيقي أن كثيراً من اللبنانيين، رغم الألم والانهيار، بدأوا يفهمون هذه الحقيقة بوضوح أكبر من أي وقت مضى. فالأزمات القاسية قد تدمّر أحياناً، لكنها تكشف أيضاً الأكاذيب التي عاش الناس تحتها طويلاً. وعندما يسقط الوهم، تبدأ أولى خطوات التحرر.

وفي النهاية، يبقى مستقبل لبنان مرتبطاً بقدرة شعبه على كسر الحلقة القديمة التي جعلت الوطن أسيراً للزعامات والانقسامات والخوف. فإذا نجح اللبنانيون في استعادة الدولة من أيدي الطوائف والمصالح، فقد يكون الخراب الذي عاشوه بداية ولادة جديدة لا نهاية وطن.

الانقسامات الداخلية تشّل الوطن

7. الخاتمة

لبنان اليوم ليس وطناً فقيراً فقط، بل وطناً متعباً من كثرة الخيبات. متعب من زعماء يتحدثون باسم الشعب بينما الشعب ينهار، ومن خطابات الانتصار فيما الناس تبحث عن رغيف ودواء وكرامة، ومن طبقة سياسية نجحت في النجاة دائماً بينما كان الوطن هو الضحية الدائمة. لقد عاش كثير من هؤلاء أكثر مما يجب سياسياً، لا لأنهم عظماء، بل لأن النظام الذي صنعوه قائم على الخوف والطائفية وتعطيل الدولة.

إنّ المأساة اللبنانية الحقيقية ليست فقط في الانهيار الاقتصادي أو في الفساد أو في الهجرة، بل في اعتياد الناس على هذا الخراب وكأنه قدر لا يمكن تغييره. وهنا يكمن أخطر انتصار للزعماء السيئين: حين يقنعون الشعب أن لا أمل خارجهم، وأن الوطن لا يستطيع العيش من دونهم، رغم أن الوطن ينهار بسببهم منذ عقود.

لكن التاريخ لا يرحم أحداً. فالسلطات التي تبني مجدها على الخوف والكذب والانقسام قد تعيش طويلاً، لكنها تترك وراءها شعوباً محطمة وأوطاناً منهكة. والزعماء الذين يظنون أن الطوائف ستحميهم إلى الأبد ينسون أن الجوع لا يعترف بالطوائف، وأن الانهيار حين يبتلع الأوطان لا يفرّق بين جمهور وآخر.

لقد دفع اللبنانيون أثماناً مرعبة: أعمار ضاعت في الانتظار، أحلام دُفنت تحت الأزمات، شباب هاجروا لأن الوطن لفظهم، وعائلات سقطت تحت وطأة الفقر والذلّ. ومع ذلك، ما زال بعض أهل السلطة يتصرفون وكأنهم خالدون، وكأن البلاد ليست سوى مسرح دائم لصراعاتهم ومصالحهم.

ومع كل هذا الخراب، تبقى الحقيقة التي لا يستطيع أحد دفنها: الأوطان لا تُبنى بالزعماء الأبديين، بل بالمواطن الحرّ، بالقانون، بالمحاسبة، وبالدولة التي تحترم الإنسان لا الطائفة. ولبنان لن ينهض ما دام أسيراً لعبادة الأشخاص، وما دام الفاسد يجد دائماً من يبرره، والفاشل يجد دائماً من يصفق له، والخائف يجد دائماً من يقوده نحو خوف أكبر.

ربما تأخر التغيير، وربما طال ليل هذا الوطن، لكن لا شيء يبقى إلى الأبد. فالذين عاشوا فوق خراب لبنان سيكتشفون يوماً أن الشعوب قد تصبر كثيراً، لكنها حين تستيقظ تسقط كل الأصنام دفعة واحدة. وعندها فقط، قد يبدأ لبنان بالخروج من جمهورية الزعماء… إلى وطن يشبه أبناءه الشرفاء والأحرار لا سجّانيه.

أخبار ذات صلة

لبنان:حين تحوّل رجالات الدولةإلى تجّار وطن وجلّادي شعب..د.الياس ميشال الشويري معلّقاً:السلطة تحمي الاقوياءو تترك الضعفاء يواجهونمصيرهم وحدهم...
بحث

لبنان:حين تحوّل رجالات الدولة
إلى تجّار وطن وجلّادي شعب..
د.الياس ميشال الشويري معلّقاً:
السلطة تحمي الاقوياء
و تترك الضعفاء يواجهون
مصيرهم وحدهم...

09/06/2026

...

الجيوش غادرت واللصوص بقوا:كيف خسر لبنان دولته ومؤسساته؟د. الياس ميشال الشويري معلّقا:آثار عقود من المحاصصة و الفسادلا تزال حاضرة في الإقتصاد المنهار...
بحث

الجيوش غادرت واللصوص بقوا:
كيف خسر لبنان دولته ومؤسساته؟
د. الياس ميشال الشويري معلّقا:
آثار عقود من المحاصصة و الفساد
لا تزال حاضرة في الإقتصاد المنهار...

08/06/2026

...

"أميركا عظيمة لأنها طيّبة؛وإذا توقفت عن أن تكون طيّبة،فلن تبقى عظيمة"..Alexis de Tocquevilleد. الياس ميشال الشويري معقّباً:الانسان يحتاج إلى دولة تحترم عقله...
بحث

"أميركا عظيمة لأنها طيّبة؛
وإذا توقفت عن أن تكون طيّبة،
فلن تبقى عظيمة"..
Alexis de Tocqueville
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
الانسان يحتاج إلى دولة تحترم عقله...

04/06/2026

...

زعماءٌ ذوو عمىووطنٌ يسير بين الخراب والانهيار..د. الياس ميشال الشويري:المنظومة استهلكت الدولة حتى التفريغثم طالبت الشعب بالصبر على نتائجها...
بحث

زعماءٌ ذوو عمى
ووطنٌ يسير بين الخراب والانهيار..
د. الياس ميشال الشويري:
المنظومة استهلكت الدولة حتى التفريغ
ثم طالبت الشعب بالصبر على نتائجها...

01/06/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
مضيق هرمز عالقبين فكَيْ كماشةيُمسك بهما ترامب وإيران...

مضيق هرمز عالق بين فكَيْ كماشة يُمسك بهما ترامب وإيران...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups