• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

الجيوش غادرت واللصوص بقوا:
كيف خسر لبنان دولته ومؤسساته؟
د. الياس ميشال الشويري معلّقا:
آثار عقود من المحاصصة و الفساد
لا تزال حاضرة في الإقتصاد المنهار...

2026/06/08
- بحث
الجيوش غادرت واللصوص بقوا:كيف خسر لبنان دولته ومؤسساته؟د. الياس ميشال الشويري معلّقا:آثار عقود من المحاصصة و الفسادلا تزال حاضرة في الإقتصاد المنهار...

لبنان بين أنقاض الماضي وأمل المستقبل

د. الياس ميشال الشويري

ليس أخطر على الأوطان من أن تتحول المآسي الخارجية إلى ذريعة لإخفاء الكوارث الداخلية، وليس أشد فتكاً بالدول من أن يُختزل مفهوم الوطنية بالشعارات فيما تُنهب المؤسسات وتُستباح مقدرات الشعوب تحت عناوين مختلفة. لقد عرف لبنان عبر تاريخه الحديث الاحتلال والحرب والتدخلات الأجنبية والوصايات الإقليمية، ودفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه ومن استقراره السياسي والاقتصادي. غير أن التجربة اللبنانية كشفت حقيقة أكثر مرارة، وهي أن الأوطان لا تسقط فقط بفعل الجيوش الغازية، بل قد تنهار أيضاً عندما تتفكك مؤسساتها من الداخل وتُستبدل دولة القانون بدولة المحاصصة والمصالح والنفوذ.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة المقارنة بين الاحتلال الإسرائيلي للبنان خلال الفترة الممتدة بين عامي 1982 و2000، وبين مرحلة الوصاية السورية التي فرضت حضورها على القرار اللبناني لعقود، إضافة إلى دور القوى والأحزاب اللبنانية التي تولت إدارة الدولة بعد الحرب الأهلية. فالقضية لا تتعلق فقط بتحديد المسؤوليات التاريخية، بل بفهم الآليات التي أوصلت لبنان إلى الانهيار الكبير الذي يعيشه اليوم. وإذا كانت الحروب قد دمرت الحجر، فإن الفساد وسوء الإدارة دمرا الثقة والدولة والمؤسسات، وإذا كانت الاعتداءات الخارجية قد استهدفت الأرض، فإن منظومات المصالح استهدفت مستقبل الوطن نفسه.

إن البحث في هذه الإشكالية لا يهدف إلى تبرئة طرف أو إدانة آخر بقدر ما يسعى إلى قراءة التجربة اللبنانية بعيون النقد والتحليل، بعيداً عن الاصطفافات السياسية والانفعالات الآنية، للوصول إلى حقيقة جوهرية مفادها أن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأخطار الخارجية، بل أيضاً بقدرتها على حماية نفسها من الانهيار الداخلي، لأن الأمم التي تهزمها الجيوش تستطيع أن تنهض من جديد، أما الأمم التي تنهار مؤسساتها وقيمها فغالباً ما تدفع أثماناً أشد قسوة وأطول أمداً.

1. لبنان بين الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية

لفهم طبيعة الجدل القائم حول تأثير الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية على لبنان، لا بد من العودة إلى السياقات التاريخية والسياسية التي سبقت ظهور كل منهما. فقد دخل لبنان منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 في مرحلة من الانقسام الحاد والانهيار التدريجي لمؤسسات الدولة، الأمر الذي فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية متعددة حولت الأراضي اللبنانية إلى ساحة صراع مفتوحة بين قوى خارجية ومحلية متنافسة. وفي ظل هذا الواقع، برز الدور السوري من جهة، والتدخل الإسرائيلي من جهة أخرى، كعاملين أساسيين في تشكيل المشهد اللبناني خلال العقود اللاحقة.

بدأ الوجود السوري في لبنان عام 1976 تحت مظلة ما عُرف بقوات الردع العربية التي أُقرت خلال القمم العربية بهدف الحد من توسع الحرب الأهلية وإعادة الاستقرار إلى البلاد. إلا أن هذا الوجود تحول تدريجياً من مهمة مؤقتة إلى نفوذ سياسي وأمني دائم، خصوصاً مع تراجع دور بقية الدول العربية المشاركة في تلك القوات. ومع مرور الوقت، أصبحت دمشق اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً في الشؤون اللبنانية، مستفيدة من الانقسامات الداخلية ومن حاجة العديد من القوى السياسية إلى الدعم الخارجي في مواجهة خصومها المحليين.

في المقابل، كان التوتر بين لبنان وإسرائيل يتصاعد منذ أواخر ستينيات القرن العشرين نتيجة العمليات العسكرية المتبادلة ووجود الفصائل الفلسطينية المسلحة في الجنوب اللبناني. وقد شهدت الحدود الجنوبية مواجهات متكررة دفعت إسرائيل إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة داخل الأراضي اللبنانية، بلغت ذروتها في اجتياح عام 1982 الذي أدى إلى وصول القوات الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

تميز الوجود الإسرائيلي بطابع عسكري مباشر وواضح المعالم. فقد كانت أهدافه الأساسية مرتبطة بالأمن الحدودي ومواجهة الفصائل الفلسطينية ثم لاحقاً مواجهة القوى اللبنانية المسلحة التي نشأت خلال سنوات الاحتلال. ورغم أن القوات الإسرائيلية أقامت إدارة أمنية في المناطق التي سيطرت عليها، فإنها لم تتولَّ إدارة الدولة اللبنانية أو مؤسساتها المركزية، ولم تتحكم بشكل مباشر بالسياسات المالية أو الاقتصادية أو الإدارية للدولة على المستوى الوطني.

أما النفوذ السوري فقد اتخذ مساراً مختلفاً تماماً. فبدلاً من السيطرة العسكرية المباشرة على أجزاء محددة من الأراضي اللبنانية فقط، امتد تأثيره إلى مختلف مفاصل الدولة. ومع نهاية الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف عام 1989، ازدادت قدرة سوريا على التأثير في القرارات اللبنانية نتيجة التفاهمات الإقليمية والدولية التي أعطتها دوراً مركزياً في إدارة المرحلة الانتقالية. وأصبحت معظم الاستحقاقات السياسية الكبرى، بما فيها تشكيل الحكومات وانتخاب رؤساء الجمهورية وتعيين كبار المسؤولين، مرتبطة بدرجات متفاوتة بالموافقة السورية أو بالتوازنات التي كانت ترعاها دمشق.

وخلال التسعينيات، تطور هذا النفوذ ليشمل أجهزة الأمن والإدارة العامة والقطاعات الاقتصادية المختلفة. وقد أدى ذلك إلى نشوء شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية بين مسؤولين سوريين ولبنانيين، ما جعل النفوذ السوري يتجاوز الإطار العسكري التقليدي ليصبح جزءاً من البنية السياسية اللبنانية نفسها. وبذلك لم يعد الحديث يدور فقط حول وجود قوات عسكرية أجنبية على الأراضي اللبنانية، بل حول منظومة متكاملة من التأثير السياسي والإداري والأمني.

ومن أبرز الفوارق بين الحالتين أن الاحتلال الإسرائيلي كان يُنظر إليه داخلياً وخارجياً باعتباره احتلالاً عسكرياً أجنبياً واضحاً ومحدداً زمنياً وجغرافياً، في حين أن الوجود السوري كان يقدم نفسه رسمياً باعتباره وجوداً شرعياً يستند إلى اتفاقات سياسية وإلى طلبات صادرة عن السلطات اللبنانية في مراحل مختلفة. إلا أن هذا الطابع الرسمي لم يمنع تصاعد الانتقادات اللبنانية التي اعتبرت أن النفوذ السوري تجاوز حدود التعاون بين دولتين مستقلتين ووصل إلى مستوى الوصاية الفعلية على القرار الوطني اللبناني.

كما تختلف التجربتان من حيث طبيعة العلاقة مع المجتمع اللبناني. فقد بقيت العلاقة مع إسرائيل قائمة على أساس الصراع والمواجهة العسكرية في معظم مراحلها، بينما نشأت خلال مرحلة النفوذ السوري تحالفات سياسية لبنانية واسعة ارتبطت بدمشق واستفادت من دعمها، في مقابل قوى أخرى عارضت هذا النفوذ واعتبرته انتقاصاً من السيادة الوطنية. وقد أدى هذا الانقسام إلى نشوء رؤيتين متعارضتين حول الدور السوري في لبنان استمر تأثيرهما حتى بعد انسحاب القوات السورية عام 2005. وعند دراسة آثار المرحلتين على الدولة اللبنانية، يلاحظ أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتحول إلى مرجعية لإدارة الدولة اللبنانية ومؤسساتها. أما النفوذ السوري فقد ارتبط بشكل مباشر بعملية صنع القرار داخل الدولة، الأمر الذي جعل تأثيره أكثر عمقاً واستمرارية على المستوى المؤسسي والسياسي.

ومن هنا تنبع أهمية المقارنة بين التجربتين، إذ إن الاختلاف لا يقتصر على هوية الطرف الخارجي أو أهدافه السياسية، بل يشمل أيضاً طبيعة النفوذ وآليات ممارسته ومدى تأثيره على مؤسسات الدولة. فالاحتلال العسكري يترك عادة آثاراً مرتبطة بالحرب والدمار والمواجهة الأمنية، بينما يؤدي النفوذ السياسي طويل الأمد إلى تشكيل أنماط حكم وشبكات مصالح قد تستمر آثارها حتى بعد انتهاء الوجود العسكري المباشر. وقد كان لبنان خلال العقود الأخيرة نموذجاً واضحاً لتداخل هذين النوعين من التأثيرات الخارجية مع الأزمات البنيوية الداخلية التي ساهمت بدورها في إضعاف الدولة وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية.

إنهيار العملة من إنهيار الإقتصاد

2. التأثير الاقتصادي للاحتلال الإسرائيلي

يشكل تقييم التأثير الاقتصادي للاحتلال الإسرائيلي للبنان بين عامي 1982 و2000 أحد أكثر المواضيع تعقيداً في دراسة التاريخ اللبناني المعاصر، نظراً لتداخل العوامل العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية خلال تلك المرحلة. فمن جهة، لا يمكن إنكار حجم الخسائر التي نتجت عن الاجتياحات العسكرية والقصف والعمليات الأمنية التي نفذتها إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، ومن جهة أخرى يميز عدد من الباحثين بين الأضرار الناتجة عن الحرب والاحتلال العسكري وبين السيطرة المباشرة على الموارد الاقتصادية والمؤسسات المالية والإدارية للدولة.

عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان عام 1982 كانت البلاد تعيش أصلاً ظروفاً اقتصادية صعبة نتيجة سنوات طويلة من الحرب الأهلية التي أدت إلى تراجع الاستثمار والإنتاج وإضعاف مؤسسات الدولة. وقد ساهم الاجتياح في تعميق هذه الأزمة من خلال تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، بما في ذلك الطرق والجسور وشبكات الاتصالات والمرافق العامة. كما أدى القتال إلى تعطيل الحركة التجارية في العديد من المناطق اللبنانية وإلى إغلاق عدد من المؤسسات الاقتصادية والصناعية.

وشهدت العاصمة بيروت خلال فترة الحصار أضراراً كبيرة أثرت على النشاط التجاري والمالي الذي كان يمثل أحد أهم ركائز الاقتصاد اللبناني. فقد تعرضت مناطق واسعة للقصف والدمار، كما تراجعت الثقة بالاقتصاد الوطني نتيجة عدم الاستقرار الأمني والسياسي. وأدى ذلك إلى هروب جزء من رؤوس الأموال وتراجع معدلات الاستثمار المحلي والأجنبي خلال فترات طويلة من الصراع.

أما في الجنوب اللبناني، الذي بقيت أجزاء منه تحت الاحتلال حتى عام 2000، فقد تأثر الاقتصاد المحلي بصورة مباشرة. إذ واجه السكان قيوداً على الحركة والتنقل، كما تضررت الأنشطة الزراعية والتجارية نتيجة الأوضاع الأمنية المستمرة. وأدت المواجهات العسكرية المتكررة إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان نحو بيروت ومناطق أخرى، الأمر الذي انعكس سلباً على التنمية المحلية وأدى إلى تفريغ العديد من القرى من قسم مهم من طاقاتها البشرية والاقتصادية.

كما تسببت العمليات العسكرية المتبادلة بين إسرائيل وما يسمّى بالمقاومة في خلق حالة دائمة من عدم اليقين الاقتصادي. فالمزارعون والتجار وأصحاب المؤسسات كانوا يعملون في بيئة تتسم بالمخاطر الأمنية المرتفعة، وهو ما حد من فرص التوسع والاستثمار والإنتاج. وأصبحت العديد من المناطق الجنوبية تعتمد بشكل متزايد على التحويلات المالية والمساعدات الخارجية لتعويض التراجع الاقتصادي الذي فرضته ظروف الاحتلال.

إلا أن طبيعة التأثير الاقتصادي الإسرائيلي تختلف عن النماذج التقليدية لبعض الاحتلالات التي سعت إلى السيطرة المباشرة على اقتصاد الدول المحتلة وإدارة مواردها الوطنية. فإسرائيل لم تتول إدارة المالية العامة اللبنانية، ولم تتحكم بالمصرف المركزي اللبناني أو بوزارة المالية أو بالمؤسسات الاقتصادية الوطنية الكبرى. كما لم تكن مسؤولة عن وضع السياسات الاقتصادية العامة أو إعداد الموازنات أو إدارة الدين العام اللبناني. ولذلك فإن الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالاحتلال تمثلت بصورة أساسية في آثار الحرب والدمار وعدم الاستقرار أكثر من ارتباطها بإدارة الموارد الوطنية أو استغلالها بصورة مؤسساتية واسعة.

وفي هذا السياق، يلاحظ أن الاقتصاد اللبناني خلال فترة التسعينيات شهد عمليات إعادة إعمار واسعة النطاق قادتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة، خصوصاً في بيروت ومناطق أخرى من البلاد. وقد جرى تمويل هذه العمليات عبر الاقتراض الداخلي والخارجي، ما أدى إلى ارتفاع الدين العام بصورة متسارعة. ورغم استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب خلال تلك الفترة، فإن السياسات المالية والاقتصادية التي اتبعتها الحكومات اللبنانية كانت مستقلة عنه من الناحية الإدارية، الأمر الذي يجعل تحميل الاحتلال وحده مسؤولية التدهور الاقتصادي الشامل أمراً لا يعكس الصورة الكاملة للواقع اللبناني.

ومن القضايا التي يثيرها بعض الباحثين مسألة الموارد الطبيعية اللبنانية. فعلى الرغم من الاتهامات السياسية المتكررة لإسرائيل بمحاولة الاستفادة من بعض الموارد المائية الحدودية، فإن التأثير الاقتصادي المباشر للاحتلال لم يتمثل في السيطرة الشاملة على الثروات الوطنية اللبنانية أو على القطاعات الإنتاجية الرئيسية للدولة. ولذلك يرى عدد من المحللين أن الخسائر الكبرى التي خلفها الاحتلال كانت خسائر غير مباشرة تمثلت في تعطيل التنمية وتدمير البنية التحتية وإضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني.

وقد ترتبت على هذه الأوضاع آثار اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد. فالنزوح الداخلي الذي شهدته المناطق الجنوبية ساهم في زيادة الضغوط على المدن الكبرى، كما أدى تراجع النشاط الاقتصادي المحلي إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر في العديد من المناطق المتضررة. وأصبح جزء كبير من الاقتصاد المحلي مرتبطاً بالمساعدات والتحويلات بدلاً من الاعتماد على التنمية الإنتاجية المستدامة.

كما أن استمرار الصراع العسكري حتى عام 2000 خلق بيئة استنزاف اقتصادي متواصل للدولة اللبنانية. فقد اضطرت الحكومات إلى تخصيص موارد إضافية لمواجهة تداعيات الحرب وإعادة الإعمار وتعويض المتضررين، في وقت كانت فيه الإيرادات العامة محدودة والقدرات الاقتصادية الوطنية تعاني أصلاً من آثار الحرب الأهلية.

وعند إجراء مقارنة بين تأثير الاحتلال الإسرائيلي وتأثير العوامل الداخلية على الاقتصاد اللبناني، يتبين أن الاحتلال ألحق أضراراً مادية وأمنية جسيمة وأسهم في إبطاء التنمية وإعاقة الاستقرار الاقتصادي، لكنه لم يتحكم بالبنية المالية والإدارية للدولة اللبنانية ولم يكن المسؤول المباشر عن إدارة مواردها أو رسم سياساتها الاقتصادية. ولذلك فإن العديد من الدراسات تميز بين الخسائر الناجمة عن الحرب والاحتلال من جهة، وبين الأزمات البنيوية المرتبطة بالفساد وسوء الإدارة والديون العامة والمحاصصة السياسية من جهة أخرى.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن التأثير الاقتصادي للاحتلال الإسرائيلي كان مؤذياً وعميقاً من حيث نتائجه التنموية والإنسانية، لكنه اتخذ بصورة أساسية شكل الخسائر الناتجة عن الصراع العسكري وعدم الاستقرار الأمني. أما عملية استنزاف مؤسسات الدولة والمالية العامة وإدارة الموارد الوطنية فقد ارتبطت بدرجة أكبر بالخيارات السياسية والاقتصادية التي اتخذتها السلطات اللبنانية وبالبيئة السياسية التي تشكلت خلال العقود اللاحقة، وهو ما يجعل فهم الأزمة الاقتصادية اللبنانية يتطلب النظر إلى الاحتلال كعامل مؤثر ضمن مجموعة أوسع من العوامل الداخلية والخارجية التي ساهمت في تشكيل الواقع اللبناني المعاصر.

مهما تعرض لبنان إلى مأسٍ، فعلمه سيبقى مرفرفاً

3. الوصاية السورية وشبكات النفوذ الاقتصادي

يعد البعد الاقتصادي للوصاية السورية على لبنان من أكثر الجوانب إثارة للنقاش في الدراسات السياسية والاقتصادية التي تناولت مرحلة ما بعد الحرب الأهلية. فبينما يركز البعض على الدور الذي لعبته سوريا في إنهاء الحرب وإعادة تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار الأمني، يرى عدد كبير من الباحثين والمراقبين أن تلك المرحلة شهدت أيضاً نشوء منظومة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة بين مسؤولين سوريين وقوى نافذة داخل لبنان، ما أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعزيز أنماط من الفساد والمحسوبيات كان لها تأثير طويل الأمد على الاقتصاد اللبناني.

بعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989 وانتهاء الحرب الأهلية عملياً، دخل لبنان مرحلة إعادة الإعمار وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وقد تزامن ذلك مع تعاظم النفوذ السوري الذي أصبح العامل الأكثر تأثيراً في الحياة السياسية اللبنانية. وخلال هذه المرحلة لم يقتصر الدور السوري على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل امتد ليشمل التأثير في القرارات السياسية والاقتصادية والإدارية الأساسية للدولة.

أصبحت الحكومات اللبنانية المتعاقبة تعمل ضمن توازنات سياسية كانت دمشق تمارس فيها دوراً محورياً. كما ارتبطت العديد من التعيينات في الإدارات العامة والمؤسسات الأمنية والعسكرية بموافقات أو تفاهمات سياسية مرتبطة بالنفوذ السوري. وقد أدى ذلك إلى تراجع استقلالية العديد من المؤسسات الرسمية وإلى تعزيز منطق الولاء السياسي على حساب معايير الكفاءة والخبرة المهنية.

في المجال الاقتصادي، ساهمت هذه البيئة في تكوين شبكات واسعة من المصالح المشتركة بين شخصيات سياسية ورجال أعمال ومسؤولين نافذين من الجانبين اللبناني والسوري. وقد استفادت هذه الشبكات من غياب الرقابة الفعالة وضعف أجهزة المحاسبة والتفتيش، ما أتاح لها تحقيق مكاسب كبيرة من خلال العقود العامة والصفقات الحكومية والامتيازات الاقتصادية المختلفة.

وخلال التسعينيات، شهد لبنان مشاريع إعادة إعمار ضخمة شملت قطاعات البنية التحتية والاتصالات والطاقة والنقل والخدمات العامة. ورغم أهمية هذه المشاريع في إعادة تأهيل البلاد بعد سنوات الحرب، فإن العديد من الانتقادات وجهت إلى آليات تنفيذها وإلى غياب الشفافية الكافية في إدارة الأموال العامة والعقود الحكومية. وقد اعتبر كثير من المراقبين أن البيئة السياسية السائدة آنذاك ساعدت على تكريس نمط من الاقتصاد الريعي الذي استفادت منه مجموعات محددة على حساب التنمية المستدامة والإنتاج الحقيقي.

كما شهدت تلك المرحلة توسعاً ملحوظاً في ظاهرة الوساطات السياسية في منح التراخيص والعقود والاستثمارات. وأصبح النفوذ السياسي في كثير من الأحيان عاملاً حاسماً في الوصول إلى الفرص الاقتصادية، الأمر الذي ساهم في إضعاف المنافسة العادلة وفي خلق شعور متزايد لدى المواطنين بأن النجاح الاقتصادي بات مرتبطاً بالعلاقات السياسية أكثر من ارتباطه بالكفاءة والإنتاجية.

ومن الظواهر التي برزت خلال مرحلة الوصاية أيضاً تنامي الاقتصاد غير الرسمي في بعض القطاعات الحدودية. فقد تحولت بعض المعابر والمناطق الحدودية إلى مراكز لنشاطات اقتصادية وتجارية استفادت من ضعف الرقابة ومن التداخل بين المصالح السياسية والأمنية. وأدى ذلك إلى خسائر مالية للدولة اللبنانية نتيجة تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على ضبط حركة السلع والرسوم الجمركية بالشكل المطلوب.

وفي الوقت نفسه، ساهمت طبيعة النظام السياسي اللبناني القائم على التوازنات الطائفية والمحاصصة في توفير بيئة مناسبة لاستمرار هذه الممارسات. فالكثير من القوى السياسية اللبنانية لم تكن مجرد ضحية للنفوذ السوري، بل أصبحت شريكاً في منظومة المصالح التي تشكلت خلال تلك الفترة. ولهذا السبب فإن دراسة الفساد الاقتصادي في مرحلة الوصاية السورية لا يمكن أن تقتصر على دور المسؤولين السوريين وحدهم، بل يجب أن تشمل أيضاً دور النخب السياسية والإدارية اللبنانية التي شاركت في إدارة الدولة واستفادت من الواقع القائم.

كما انعكست هذه السياسات على الإدارة العامة التي شهدت توسعاً في التوظيف السياسي على حساب الحاجات الفعلية للمؤسسات. وقد أدى ذلك إلى تضخم القطاع العام وزيادة الأعباء المالية على الخزينة، في وقت لم تكن فيه الإنتاجية الحكومية ترتفع بالمستوى نفسه. وأصبح التوظيف في العديد من الإدارات أداة لتعزيز النفوذ السياسي وكسب الولاءات الانتخابية بدلاً من كونه وسيلة لتحسين الخدمات العامة.

وعلى المستوى المالي، تزامنت مرحلة الوصاية مع الارتفاع المتواصل في الدين العام اللبناني. ورغم أن أسباب هذا الارتفاع متعددة ومعقدة وترتبط بخيارات اقتصادية داخلية وإقليمية ودولية، فإن ضعف الرقابة المؤسسية وانتشار المحسوبيات والإنفاق غير المنتج ساهمت جميعها في تفاقم الاختلالات المالية التي بدأت تتراكم تدريجياً داخل الاقتصاد اللبناني.

ومن النتائج المهمة لهذه المرحلة ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على تبادل المنافع بين السلطة والقطاع الاقتصادي. فقد أصبح رجال الأعمال بحاجة إلى الغطاء السياسي للحصول على الامتيازات والفرص، بينما احتاجت القوى السياسية إلى الدعم المالي لتعزيز نفوذها الشعبي والانتخابي. وأدى هذا التداخل بين الاقتصاد والسياسة إلى إضعاف قواعد المنافسة والحوكمة الرشيدة وإلى تقليص قدرة الدولة على ممارسة دورها الرقابي بصورة مستقلة.

كما أسهمت هذه البيئة في إضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة. فكلما ازدادت الانطباعات بوجود فساد ومحسوبيات وتدخلات سياسية في إدارة الاقتصاد، تراجعت ثقة المجتمع بقدرة الدولة على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص. وقد انعكس ذلك لاحقاً في تصاعد الانتقادات الشعبية للنظام السياسي برمته، خصوصاً مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية في العقود اللاحقة.

وعندما انسحبت القوات السورية من لبنان عام 2005 بعد اغتيال رفيق الحريري وما تلاه من تحولات سياسية كبرى، لم تختفِ شبكات المصالح التي تشكلت خلال سنوات الوصاية. بل استمرت أجزاء كبيرة منها في العمل داخل المؤسسات السياسية والاقتصادية اللبنانية، الأمر الذي يؤكد أن المشكلة لم تكن مرتبطة فقط بوجود القوات السورية، بل أيضاً بالبنية الداخلية التي سمحت بتجذر تلك الممارسات وتحولها إلى جزء من النظام السياسي والاقتصادي.

ومن هنا يرى العديد من الباحثين أن أخطر آثار الوصاية السورية لم تكن عسكرية أو أمنية فحسب، بل مؤسساتية واقتصادية أيضاً. فقد ساهمت تلك المرحلة في ترسيخ نماذج من الإدارة السياسية والاقتصادية التي أضعفت استقلالية الدولة وشجعت على انتشار الفساد والمحاصصة. كما أدت إلى نشوء شبكات نفوذ استمرت آثارها لسنوات طويلة بعد انتهاء الوجود العسكري السوري، وهو ما جعل تداعيات تلك المرحلة تتجاوز حدودها الزمنية لتصبح جزءاً من التحديات البنيوية التي ما زال لبنان يواجهها حتى اليوم.

عندما تغيب عينا الدولة…

4. مسؤولية الأحزاب اللبنانية في الانهيار الداخلي

إذا كانت التدخلات الخارجية والاحتلالات والوصايات قد لعبت أدواراً مهمة في تشكيل الواقع اللبناني المعاصر، فإن تحميل هذه العوامل وحدها مسؤولية الانهيار الذي أصاب الدولة اللبنانية يبقى قراءة غير مكتملة للمشهد. فالأحزاب والقوى السياسية اللبنانية التي تعاقبت على السلطة منذ انتهاء الحرب الأهلية تتحمل بدورها قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الأزمات المتراكمة التي أوصلت البلاد إلى واحدة من أخطر الانهيارات الاقتصادية والمالية والمؤسساتية في تاريخها الحديث. وقد أصبح هذا الأمر موضع توافق بين عدد متزايد من الباحثين والخبراء الاقتصاديين، الذين يرون أن الأزمة اللبنانية ليست مجرد نتيجة لضغوط خارجية، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لعقود من سوء الإدارة والفساد والمحاصصة السياسية.

مع انتهاء الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف، كان لبنان يمتلك فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة وفعالة. فقد كانت البلاد بحاجة إلى إدارة رشيدة، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية قوية، وخطط اقتصادية مستدامة قادرة على معالجة آثار الحرب الطويلة. إلا أن معظم القوى السياسية التي شاركت في الحكم فضلت اعتماد نموذج قائم على تقاسم النفوذ والمواقع بدلاً من بناء دولة المؤسسات. وهكذا تشكل تدريجياً نظام سياسي يعتمد على توزيع المناصب والموارد العامة بين الأحزاب والطوائف والقوى النافذة.

أدى هذا الواقع إلى تحويل العديد من مؤسسات الدولة إلى ساحات نفوذ سياسي. فبدلاً من أن تكون الإدارات العامة أجهزة مهنية تعمل لخدمة المواطنين، أصبحت في كثير من الأحيان خاضعة للتوازنات الحزبية والطائفية. وتكررت حالات التوظيف السياسي التي لم تستند إلى حاجات فعلية أو معايير كفاءة واضحة، بل إلى اعتبارات انتخابية وزبائنية هدفت إلى تعزيز النفوذ الشعبي للأحزاب المختلفة.

كما ساهمت هذه السياسات في تضخم القطاع العام بشكل كبير. فقد ارتفع عدد الموظفين في العديد من المؤسسات بصورة تجاوزت احتياجاتها الفعلية، ما أدى إلى زيادة النفقات التشغيلية للدولة دون تحقيق تحسن موازٍ في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. وأصبحت الرواتب والتقديمات الاجتماعية تشكل عبئاً متزايداً على المالية العامة، في وقت كانت فيه الإيرادات الحكومية غير كافية لتغطية هذا الإنفاق المتنامي.

وفي قطاع الكهرباء، الذي يعد من أبرز الأمثلة على فشل الإدارة العامة في لبنان، أنفقت الحكومات المتعاقبة مليارات الدولارات على مدى عقود دون التوصل إلى حل مستدام للأزمة. وقد تحولت مؤسسة الكهرباء إلى رمز للهدر وسوء التخطيط وغياب المساءلة، حيث استمرت الانقطاعات اليومية في التيار الكهربائي رغم الإنفاق الضخم الذي تحملته الخزينة العامة. وأدى ذلك إلى استنزاف الموارد المالية للدولة وإلى تحميل المواطنين أعباء إضافية نتيجة اعتمادهم على المولدات الخاصة.

أما في قطاع الاتصالات والمياه والنقل والبنية التحتية، فقد تكررت المشكلات نفسها بدرجات متفاوتة. فقد غابت الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، وحلت مكانها سياسات ظرفية مرتبطة بالمصالح السياسية الآنية. كما أدى ضعف الرقابة إلى انتشار شبهات الفساد في العديد من المشاريع والعقود العامة، ما أضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية وقدرتها على إدارة الموارد الوطنية بكفاءة.

ومن العوامل الأساسية التي ساهمت في تعميق الأزمة اعتماد الاقتصاد اللبناني على نموذج ريعي قائم على الخدمات والقطاع المالي والتحويلات الخارجية، مع إهمال القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة. وقد استمرت الحكومات المتعاقبة في تبني هذا النموذج دون إجراء إصلاحات هيكلية حقيقية تعزز الإنتاج الوطني وتخلق فرص عمل مستدامة. ومع مرور الوقت، أصبح الاقتصاد أكثر هشاشة وأكثر عرضة للصدمات الداخلية والخارجية.

كما ساهمت الأحزاب السياسية في تكريس ثقافة الزبائنية السياسية التي ربطت جزءاً كبيراً من المواطنين بشبكات الخدمات الحزبية بدلاً من مؤسسات الدولة. وأصبح الحصول على وظيفة أو خدمة أو معاملة في بعض الأحيان مرتبطاً بالانتماء السياسي أو الطائفي، الأمر الذي أضعف مفهوم المواطنة وعزز الولاءات الضيقة على حساب الانتماء الوطني الشامل.

وفي المجال المالي، استمرت الحكومات في تمويل الإنفاق العام عبر الاقتراض المتزايد دون تنفيذ إصلاحات جذرية تعالج أسباب العجز المزمن. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الدين العام إلى مستويات غير مسبوقة، فيما بقيت المشكلات البنيوية نفسها من دون معالجة فعلية. ومع تراجع التدفقات المالية الخارجية وازدياد الضغوط الاقتصادية، بدأت الاختلالات المتراكمة تظهر بصورة أكثر وضوحاً.

وجاءت الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019 لتكشف حجم التدهور الذي أصاب النظام الاقتصادي اللبناني. فقد انهارت العملة الوطنية، وتراجعت القدرة الشرائية للمواطنين، وفقدت الودائع المصرفية جزءاً كبيراً من قيمتها، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة بصورة حادة. وأظهرت هذه الأزمة أن المشكلات لم تكن طارئة أو مرتبطة بحدث واحد، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة من السياسات الخاطئة وسوء الإدارة وضعف الرقابة والمحاسبة.

ومن المهم الإشارة إلى أن مسؤولية هذا الواقع لا تقتصر على حزب أو تيار سياسي واحد. فمعظم القوى التي شاركت في الحكم منذ أوائل التسعينيات وحتى اليوم أسهمت بدرجات مختلفة في إدارة النظام السياسي والاقتصادي القائم. وقد استفادت أطراف متعددة من بنية المحاصصة التي وفرت لها النفوذ والموارد والمكاسب السياسية، فيما تحمل المجتمع اللبناني كلفة هذه السياسات على المدى الطويل.

كما أن العديد من الأحزاب التي رفعت شعارات الإصلاح أو مكافحة الفساد وجدت نفسها في مراحل مختلفة جزءاً من السلطة التنفيذية أو التشريعية، ما جعلها عرضة للانتقادات المتعلقة بأدائها الفعلي وقدرتها على ترجمة شعاراتها إلى سياسات ملموسة. وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع العملي، وإلى تراجع الثقة الشعبية بمعظم القوى السياسية التقليدية.

وقد ساهم هذا الوضع في اندلاع موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية التي بلغت ذروتها في انتفاضة عام 2019، حيث عبر مئات الآلاف من اللبنانيين عن رفضهم للطبقة السياسية بأكملها وعن استيائهم من الفساد وسوء الإدارة والانهيار الاقتصادي. وقد عكست تلك الاحتجاجات شعوراً عاماً بأن الأزمة اللبنانية لم تعد مرتبطة فقط بالتدخلات الخارجية أو بالأزمات الإقليمية، بل أصبحت أيضاً نتيجة مباشرة لفشل النخب الحاكمة في بناء دولة فعالة وعادلة.

ومن هنا يمكن القول إن الأحزاب اللبنانية تتحمل مسؤولية محورية في الانهيار الداخلي الذي أصاب الدولة. فبينما لعبت العوامل الخارجية أدواراً مؤثرة في إضعاف لبنان وإرباك مساره السياسي، فإن الإخفاق في بناء مؤسسات قوية وشفافة، واستمرار المحاصصة والفساد والهدر والزبائنية، ساهم بصورة مباشرة في استنزاف مقدرات الدولة وتآكل ثقة المواطنين بها. ولذلك فإن أي محاولة لفهم الأزمة اللبنانية أو البحث عن سبل الخروج منها تظل ناقصة ما لم تتناول بجدية مسؤولية القوى السياسية المحلية عن المسار الذي قاد البلاد إلى الانهيار الشامل الذي تعيشه اليوم.

المظاهرات: حركة بلا بركة

5. إشكالية خطاب المقاومة والدولة

تُعد العلاقة بين مفهوم المقاومة ومفهوم الدولة من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل في الحياة السياسية اللبنانية المعاصرة. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما تلاه من نشوء حركات مقاومة متعددة، تشكل في الوعي اللبناني والعربي خطاب سياسي يرتكز على فكرة مواجهة الاحتلال والدفاع عن الأرض والسيادة الوطنية. وقد اكتسب هذا الخطاب زخماً كبيراً مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان حتى عام 2000، ثم مع استمرار الصراع على الحدود الجنوبية في المراحل اللاحقة. إلا أن نجاح تجربة ما يسمّى بالمقاومة في تحقيق أهداف عسكرية معينة لم يُنهِ النقاش حول العلاقة بين العمل المقاوم وبين بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها.

في جوهر هذا الجدل تبرز مسألة أساسية تتمثل في السؤال الآتي: هل يمكن أن تتعايش دولة قوية ومؤسساتية مع وجود قوى مسلحة تمتلك استقلالية نسبية عن مؤسسات الدولة الرسمية؟ لقد انقسم اللبنانيون حول الإجابة عن هذا السؤال إلى رؤيتين مختلفتين. فهناك من يرى أن ما يسمّى بالمقاومة شكلت ضرورة وطنية فرضتها ظروف الاحتلال والعجز الرسمي عن تحرير الأراضي المحتلة وحماية الحدود، وأنها نجحت في تحقيق إنجازات لم تكن الدولة اللبنانية قادرة على تحقيقها بمفردها. وفي المقابل يرى آخرون أن استمرار أي قوة عسكرية خارج الإطار المؤسسي للدولة يؤدي بصورة تدريجية إلى إضعاف مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة ويخلق ازدواجية في القرار الأمني والسيادي.

وقد تعمق هذا النقاش بعد انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000. ففي حين اعتبر فريق واسع أن التحرير يمثل انتصاراً وطنياً ومناسبة لتعزيز الوحدة الداخلية، رأى فريق آخر أن المرحلة الجديدة كان يفترض أن تشهد انتقالاً تدريجياً نحو تعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية بوصفها المرجعية الوحيدة في القضايا السيادية. ومنذ ذلك الحين أصبح الجدل حول دور ما يسمّى بالمقاومة جزءاً ثابتاً من النقاش السياسي اللبناني.

كما أن إشكالية العلاقة بين ما يسمّى بالمقاومة والدولة لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالدولة الحديثة تقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها وحدة القرار السياسي، وسيادة القانون، والمساواة بين المواطنين، وخضوع جميع المؤسسات لرقابة دستورية وقانونية موحدة. وعندما تتداخل الأدوار بين المؤسسات الرسمية والقوى السياسية أو العسكرية غير الرسمية، تبرز تساؤلات حول حدود الصلاحيات والمسؤوليات وآليات اتخاذ القرار الوطني.

وفي التجربة اللبنانية، ارتبط خطاب ما يسمّى بالمقاومة في كثير من الأحيان بخطاب الدفاع عن السيادة والاستقلال الوطني. غير أن منتقدي هذا الخطاب يشيرون إلى أن السيادة لا تقتصر على مواجهة التهديدات الخارجية فحسب، بل تشمل أيضاً بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة الاقتصاد ومكافحة الفساد وتقديم الخدمات العامة وضمان العدالة بين المواطنين. ومن هذا المنطلق، برزت انتقادات تتعلق بأداء مختلف القوى السياسية التي رفعت شعارات وطنية كبيرة لكنها شاركت في الوقت نفسه في نظام سياسي اتُهم بالعجز عن تحقيق الإصلاحات المطلوبة.

ومن جهة أخرى، يرى مؤيدو خطاب ما يسمّى بالمقاومة أن التركيز الحصري على بناء الدولة دون معالجة التهديدات الأمنية الخارجية قد يؤدي إلى تعريض البلاد لمخاطر استراتيجية. ويستند هذا الرأي إلى التجارب التاريخية التي شهد فيها لبنان اعتداءات وحروباً متكررة، ما يجعل مسألة الدفاع الوطني جزءاً أساسياً من أي مشروع لبناء الدولة. وبالتالي فإنهم يعتبرون أن النقاش يجب ألا يُختزل في معادلة الدولة أو ما يسمّى بالمقاومة، بل في كيفية تحقيق التكامل بين متطلبات الأمن الوطني ومتطلبات بناء المؤسسات.

لكن الإشكالية الأساسية تكمن في أن الدولة اللبنانية نفسها عانت لعقود طويلة من الضعف والانقسام وعدم القدرة على فرض سلطتها الكاملة على مختلف الأراضي والقطاعات. وقد أدى هذا الضعف إلى بروز قوى سياسية وطائفية لعبت أدواراً تتجاوز الوظائف التقليدية للأحزاب، فأنشأت شبكات خدمات اجتماعية واقتصادية وصحية وتعليمية خاصة بها. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الشبكات تشكل بديلاً جزئياً عن الدولة في بعض المناطق، الأمر الذي زاد من تعقيد العلاقة بين السلطة الرسمية والقوى الحزبية.

كما أن تجربة لبنان كشفت أن امتلاك خطاب وطني أو مقاوم لا يضمن بالضرورة نجاحاً في إدارة الشأن العام. فالمواطن اللبناني يقيس أداء القوى السياسية ليس فقط من خلال مواقفها من القضايا السيادية، بل أيضاً من خلال قدرتها على معالجة الأزمات المعيشية وتحسين الخدمات ومكافحة الفساد. وعندما تتراجع هذه الجوانب، يصبح من الطبيعي أن تتصاعد الأسئلة حول مدى التوازن بين الأولويات الوطنية المختلفة.

وقد ازدادت حدة هذا الجدل بعد الانهيار المالي والاقتصادي الذي أصاب لبنان منذ عام 2019. فقد رأى العديد من اللبنانيين أن الأزمة كشفت ضعف الدولة وعجزها عن حماية مواطنيها ومدخراتهم ومستقبلهم الاقتصادي. وفي ظل هذه الظروف، عادت إلى الواجهة تساؤلات تتعلق بمدى نجاح مختلف القوى السياسية، بما فيها تلك التي ترفع شعارات ما يسمّى بالمقاومة أو السيادة أو الإصلاح أو التغيير، في بناء نموذج حكم قادر على تحقيق الاستقرار والتنمية.

ويشير العديد من الباحثين إلى أن التجارب الدولية الناجحة أظهرت أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو الأمنية، بل أيضاً بقدرتها على فرض القانون وإدارة الموارد العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات. ولذلك فإن التحدي الحقيقي في الحالة اللبنانية لا يتمثل فقط في مواجهة الأخطار الخارجية، بل أيضاً في بناء مؤسسات فعالة تستطيع أن تكون المرجعية الجامعة لجميع اللبنانيين بعيداً عن الانقسامات الطائفية والسياسية.

ومن هنا تبرز إشكالية مركزية في النقاش اللبناني المعاصر، وهي أن الدفاع عن الوطن وبناء الدولة ليسا مشروعين متعارضين بالضرورة، بل ينبغي أن يكونا جزءاً من رؤية وطنية واحدة. فالدولة القوية تحتاج إلى القدرة على حماية حدودها وسيادتها، كما تحتاج في الوقت نفسه إلى إدارة رشيدة واقتصاد منتج وقضاء مستقل ومؤسسات شفافة. وأي اختلال في أحد هذين البعدين ينعكس سلباً على البعد الآخر.

لذلك فإن النقاش حول ما يسمّى بالمقاومة والدولة لا ينبغي أن يقتصر على السجالات السياسية الآنية، بل يجب أن يتحول إلى حوار وطني أوسع حول طبيعة الدولة التي يريدها اللبنانيون ومستقبل النظام السياسي الذي يمكنه تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في آن واحد. فالتجربة اللبنانية خلال العقود الماضية أظهرت أن الانتصارات العسكرية وحدها لا تكفي لبناء دولة قوية، كما أن المؤسسات الاقتصادية والإدارية لا تستطيع الازدهار في بيئة تفتقر إلى الأمن والاستقرار. ومن ثم فإن التحدي الأكبر يبقى في إيجاد صيغة وطنية متوازنة تجمع بين مقتضيات الدفاع الوطني ومتطلبات الدولة الحديثة، بما يضمن حماية لبنان من الأخطار الخارجية ويؤسس في الوقت نفسه لدولة قادرة على خدمة مواطنيها وصون حقوقهم وتحقيق تطلعاتهم المستقبلية.

الليرة اللبنانية: أحجام والقيمة وزن الريشة

6. مقارنة بين الخسائر العسكرية والخسائر المؤسسية

عند دراسة التجربة اللبنانية خلال العقود الأخيرة، تبرز ضرورة التمييز بين نوعين مختلفين من الخسائر التي تعرض لها لبنان، هما الخسائر العسكرية المباشرة الناتجة عن الحروب والاحتلالات والاعتداءات الخارجية، والخسائر المؤسسية الناتجة عن الفساد وسوء الإدارة والمحاصصة السياسية وتآكل مؤسسات الدولة. ورغم أن النوعين ألحقا أضراراً عميقة بالبلاد، فإن المقارنة بينهما تكشف اختلافاً جوهرياً في طبيعة التأثير وفي المدى الزمني للنتائج المترتبة عليهما.

الخسائر العسكرية تكون عادة واضحة وملموسة. فهي تظهر في عدد الضحايا والجرحى، وفي تدمير المنازل والطرق والجسور والمصانع والمدارس والمستشفيات، كما تظهر في النزوح السكاني والخسائر الاقتصادية المباشرة التي ترافق الحروب. وقد تعرض لبنان منذ سبعينيات القرن الماضي لسلسلة طويلة من الحروب والاجتياحات والاعتداءات التي ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية وبحياة المواطنين. وكان الاحتلال الإسرائيلي وما رافقه من عمليات عسكرية أحد أبرز أسباب هذه الخسائر خلال فترة امتدت لما يقارب العقدين.

وقد دفعت المناطق الجنوبية والبقاع الغربي والضاحية الجنوبية لبيروت ثمناً باهظاً نتيجة المواجهات العسكرية المتكررة. فآلاف العائلات اضطرت إلى النزوح من قراها، وتعرضت منشآت حيوية للتدمير، كما تعطلت قطاعات اقتصادية كاملة بسبب الظروف الأمنية غير المستقرة. وكانت الدولة اللبنانية مضطرة بصورة مستمرة إلى تخصيص موارد مالية لإعادة الإعمار وتعويض المتضررين وإصلاح الأضرار التي خلفتها الحروب.

إلا أن ما يميز الخسائر العسكرية هو أنها غالباً ما تكون قابلة للحصر والتقدير وإعادة المعالجة مع مرور الزمن. فالمنزل المدمر يمكن إعادة بنائه، والجسر المنهار يمكن ترميمه، والمصنع المتضرر يمكن إعادة تشغيله إذا توفرت الموارد والاستقرار. وحتى المجتمعات التي تتعرض لحروب مدمرة تستطيع أن تستعيد عافيتها تدريجياً عندما تنتهي الأعمال العسكرية وتتوفر الإرادة السياسية لإعادة البناء.

في المقابل، تختلف الخسائر المؤسسية بطبيعتها ونتائجها. فهي لا تصيب الحجر فقط، بل تضرب الأسس التي تقوم عليها الدولة نفسها. وعندما تتعرض المؤسسات العامة للضعف أو التسييس أو الفساد، فإن الضرر لا يقتصر على فترة زمنية محددة، بل يمتد إلى أجيال متعاقبة ويؤثر في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

لقد شهد لبنان خلال سنوات طويلة تراجعاً تدريجياً في فعالية مؤسساته العامة نتيجة تغليب المصالح الحزبية والطائفية على المصلحة الوطنية. وأصبحت التعيينات الإدارية في كثير من الأحيان مرتبطة بالتوازنات السياسية بدلاً من معايير الكفاءة والاختصاص. كما تعرضت الأجهزة الرقابية والقضائية لضغوط متعددة حدّت من قدرتها على محاسبة المخالفات ومكافحة الفساد بصورة فعالة.

ومع مرور الوقت، أدى هذا الواقع إلى إضعاف ثقة المواطنين بالدولة. فعندما يشعر المواطن أن القانون لا يطبق بالتساوي، وأن الفرص توزع وفق النفوذ السياسي لا وفق الكفاءة، تتراجع ثقته بالمؤسسات العامة ويزداد اعتماده على شبكات الولاء الحزبي أو الطائفي. وهنا يبدأ الضرر المؤسسي بالتغلغل في البنية الاجتماعية والسياسية للدولة.

ومن أخطر مظاهر الخسائر المؤسسية أنها تنتج أزمات متراكمة لا تظهر نتائجها فوراً. فالدين العام لم يصل إلى مستوياته المرتفعة خلال سنة أو سنتين، بل نتيجة سياسات استمرت لعقود. وأزمة الكهرباء لم تنشأ بسبب قرار واحد، بل نتيجة تراكم طويل من سوء التخطيط والهدر والفساد وغياب المحاسبة. وكذلك الأمر بالنسبة لتراجع التعليم الرسمي والبنية التحتية والخدمات العامة.

وقد كشفت الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019 حجم الضرر الذي أصاب المؤسسات اللبنانية. فبينما كانت آثار الحروب السابقة ظاهرة في الأبنية المدمرة والقرى المتضررة، ظهرت آثار الانهيار المؤسسي في فقدان الودائع المصرفية وتدهور العملة الوطنية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وهجرة الكفاءات والشباب. وهي خسائر يصعب قياسها بالأرقام وحدها لأنها تمس مستقبل المجتمع بأكمله.

كما أن الخسائر المؤسسية تتميز بقدرتها على إعادة إنتاج الأزمات. فالدولة الضعيفة تصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية، وأكثر هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية، وأقل قدرة على مواجهة التحديات الأمنية. وبذلك تتحول المشكلات المؤسسية إلى عامل مضاعف للخسائر الوطنية في مختلف المجالات.

ومن هنا يرى عدد من الباحثين أن الضرر الناتج عن الفساد والمحاصصة قد يكون في بعض الحالات أكثر خطورة من الضرر العسكري المباشر. فالحرب تدمر جزءاً من الدولة، أما الفساد المنهجي فيدمر قدرة الدولة على إعادة بناء نفسها. والحرب قد تنتهي باتفاق أو انسحاب أو تسوية سياسية، بينما يستمر الفساد في استنزاف الموارد عاماً بعد عام إذا لم تتم مواجهته بإصلاحات جذرية.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة الاحتلالات أو الاعتداءات العسكرية، فهذه الأحداث تركت جروحاً عميقة في الذاكرة الوطنية اللبنانية وألحقت أضراراً بشرية ومادية كبيرة. غير أن التجربة اللبنانية أظهرت أيضاً أن الدول تستطيع النهوض من آثار الحروب عندما تمتلك مؤسسات قوية وفعالة. أما عندما تكون المؤسسات نفسها منهارة أو عاجزة، فإن عملية النهوض تصبح أكثر صعوبة وتعقيداً.

وتبرز هنا مفارقة لافتة في الحالة اللبنانية. فبعد انتهاء معظم مراحل الاحتلال المباشر وتراجع الحروب الكبرى، لم يشهد لبنان مرحلة ازدهار واستقرار مستدام كما كان متوقعاً، بل دخل تدريجياً في أزمات مالية وإدارية وسياسية متلاحقة. ويشير ذلك إلى أن المشكلة لم تكن مرتبطة فقط بالعوامل الخارجية، بل أيضاً بضعف البنية المؤسسية الداخلية التي كان يفترض أن تقود عملية التعافي وإعادة البناء.

إن المقارنة بين الخسائر العسكرية والخسائر المؤسسية لا تهدف إلى تبرئة أي طرف أو التقليل من شأن أي معاناة وطنية، بل إلى فهم طبيعة التحديات التي واجهها لبنان خلال العقود الماضية. فالاحتلالات والحروب ألحقت أضراراً جسيمة بالبلاد، لكن سوء الإدارة والفساد والمحاصصة ساهمت بدورها في إضعاف قدرة الدولة على تجاوز تلك الأضرار وتحويل فرص إعادة البناء إلى مشاريع تنمية حقيقية.

وفي المحصلة النهائية، تكشف التجربة اللبنانية أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأعداء الخارجيين، بل أيضاً بقدرتها على حماية مؤسساتها من التآكل الداخلي. فالدولة التي تمتلك قضاء مستقلاً وإدارة كفوءة واقتصاداً سليماً تستطيع أن تتعافى من الحروب مهما كانت قاسية، أما الدولة التي تنهار مؤسساتها من الداخل فإنها تبقى عرضة للأزمات حتى في غياب الحروب والاحتلالات. ومن هنا يمكن فهم لماذا يعتبر كثير من اللبنانيين أن معركة بناء الدولة ومكافحة الفساد لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى خاضها لبنان دفاعاً عن أرضه وسيادته، بل ربما تشكل الشرط الأساسي لضمان عدم تكرار المآسي التي عاشها الوطن في مراحله المختلفة.

مركبات عسكرية إسرائيلية في موقع تجمّع بجوار الحدود

7. الخاتمة

بعد عقود من الحروب والاحتلالات والوصايات والصراعات الداخلية، يقف لبنان اليوم أمام حصيلة تاريخية ثقيلة لا يمكن تجاهلها أو الهروب منها. فقد أثبتت التجربة أن الاحتلال العسكري مهما كان مؤلماً ومدمراً يبقى خطراً ظاهراً يمكن تحديده ومقاومته وإنهاء وجوده، أما انهيار المؤسسات وانتشار الفساد وتحول الدولة إلى غنيمة تتقاسمها القوى النافذة فهو خطر صامت يتسلل إلى أعماق الوطن حتى يفرغه من مقومات بقائه.

لقد خرج الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة في العام 2000، وانسحبت القوات السورية من لبنان في العام 2005، لكن آثار عقود طويلة من المحاصصة وسوء الإدارة والفساد ما زالت حاضرة في الاقتصاد المنهار والمؤسسات العاجزة والعملة المتهاوية وهجرة الشباب وفقدان الثقة بالدولة. وهذه الحقيقة تكشف أن أزمة لبنان لم تكن فقط أزمة احتلال أو وصاية، بل كانت أيضاً أزمة طبقة سياسية أخفقت في بناء دولة حديثة تحكمها الكفاءة والعدالة وسيادة القانون.

إن الدرس الأكبر الذي تقدمه التجربة اللبنانية هو أن الدفاع الحقيقي عن الوطن لا يقتصر على حماية الحدود، بل يبدأ بحماية القضاء من التدخلات، والإدارة من الفساد، والمال العام من الهدر، والدستور من العبث، والمواطن من الفقر والإذلال. فالأوطان لا تُقاس بعدد الشعارات التي تُرفع باسمها، بل بعدد المؤسسات التي تعمل لخدمة شعبها. وعندما تصبح الدولة أقوى من الأحزاب، والقانون أقوى من النفوذ، والمصلحة الوطنية أعلى من المصالح الفئوية، عندها فقط يستطيع لبنان أن يطوي صفحات ماضيه المؤلم ويبدأ مسيرة الخلاص الحقيقي نحو دولة تستحق تضحيات أبنائها وآمال أجيالها القادمة.

أخبار ذات صلة

لبنان:حين تحوّل رجالات الدولةإلى تجّار وطن وجلّادي شعب..د.الياس ميشال الشويري معلّقاً:السلطة تحمي الاقوياءو تترك الضعفاء يواجهونمصيرهم وحدهم...
بحث

لبنان:حين تحوّل رجالات الدولة
إلى تجّار وطن وجلّادي شعب..
د.الياس ميشال الشويري معلّقاً:
السلطة تحمي الاقوياء
و تترك الضعفاء يواجهون
مصيرهم وحدهم...

09/06/2026

...

"الناس السيئون لا يموتونبل يعيشون أكثر مما يجبلكي يفسدوا حياة الآخرين"-عبد الرحمن منيف-د. الياس ميشال الشويري معقباً...والأوطان لا تُبنى بالزعماء الأبديين!
بحث

"الناس السيئون لا يموتون
بل يعيشون أكثر مما يجب
لكي يفسدوا حياة الآخرين"
-عبد الرحمن منيف-
د. الياس ميشال الشويري معقباً
...والأوطان لا تُبنى بالزعماء الأبديين!

05/06/2026

...

"أميركا عظيمة لأنها طيّبة؛وإذا توقفت عن أن تكون طيّبة،فلن تبقى عظيمة"..Alexis de Tocquevilleد. الياس ميشال الشويري معقّباً:الانسان يحتاج إلى دولة تحترم عقله...
بحث

"أميركا عظيمة لأنها طيّبة؛
وإذا توقفت عن أن تكون طيّبة،
فلن تبقى عظيمة"..
Alexis de Tocqueville
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
الانسان يحتاج إلى دولة تحترم عقله...

04/06/2026

...

زعماءٌ ذوو عمىووطنٌ يسير بين الخراب والانهيار..د. الياس ميشال الشويري:المنظومة استهلكت الدولة حتى التفريغثم طالبت الشعب بالصبر على نتائجها...
بحث

زعماءٌ ذوو عمى
ووطنٌ يسير بين الخراب والانهيار..
د. الياس ميشال الشويري:
المنظومة استهلكت الدولة حتى التفريغ
ثم طالبت الشعب بالصبر على نتائجها...

01/06/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
بسبب زيادة أنشطة التأمينونمو عائدات المحافظ الاستثمارية..17 شركة سعودية تحقّق أرباحاًو 9 تتكبّد خسائر في "الربعية"ما يعزّز التوقّعات بحصول اندماجاتبين الشركات المتراجعة...

بسبب زيادة أنشطة التأمين ونمو عائدات المحافظ الاستثمارية.. 17 شركة سعودية تحقّق أرباحاً و 9 تتكبّد خسائر في "الربعية" ما يعزّز التوقّعات بحصول اندماجات بين الشركات المتراجعة...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups