• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

عندما يصبح الحاكم خادماً يُبنى الوطن…
وعندما يصبح سيداً يُنهب الوطن

2026/08/12
- بحث
عندما يصبح الحاكم خادماً يُبنى الوطن…وعندما يصبح سيداً يُنهب الوطن

(FILES) A picture taken on February 11, 1990 shows Nelson Mandela (C) and his then-wife Winnie raising their fists and saluting cheering crowd upon Mandela's release from the Victor Verster prison near Paarl. Rolihlahla Dalibhunga Mandela, affectionately known by his clan name "Madiba", became commander-in-chief of Umkhonto weSizwe (Spear of the Nation), the armed underground wing of the African National Congress, in 1961, and the following year underwent military training in Algeria and Ethiopia. After more than a year underground, Mandela was captured by police and sentenced in 1964 to life in prison during the Rivonia trial, where he delivered a speech that was to become the manifesto of the anti-apartheid movement. Mandela started his prison years in the notorious Robben Island Prison, a maximum security prison on a small island 7Km off the coast near Cape Town. In April 1984 he was transferred to Pollsmoor Prison in Cape Town and in December 1988 he was moved the Victor Verster Prison near Paarl. While in prison, Mandela flatly rejected offers made by his jailers for remission of sentence in exchange for accepting the bantustan policy by recognising the independence of the Transkei and agreeing to settle there. Again in the 'eighties Mandela rejected an offer of release on condition that he renounce violence. Prisoners cannot enter into contracts. Only free men can negotiate, he said, according to ANC reports. AFP PHOTO FILES / ALEXANDER JOE (Photo credit should read ALEXANDER JOE/AFP/Getty Images)

نيلسون مانديلا، أول رئيس من ذوي البشرة السمراء يحكم جنوب أفريقيا في تسعينيات القرن الماضي، لشعبه: “أقف أمامكم لا كرسول، بل كخادمٍ لشعبه، فلولا تضحياتكم لما كنت هنا“. وفي كلمته أمام الحشود التي احتفلت بخروجه من السجن في 11 شباط 1990، قال أيضاً: “أقف هنا أمامكم لا كرسول، بل كخادمٍ ذليل أمام الشعب. إن تضحياتكم الدؤوبة والتاريخية هي التي جعلت من الممكن أن أقف هنا اليوم، ولهذا أضع ما تبقّى من سنوات عمري بين أيديكم“. بهذه الكلمات، قدّم نيلسون مانديلا نموذجاً استثنائياً في التواضع السياسي، مؤكداً أن الزعامة الحقيقية لا تقوم على التسلّط أو الامتياز، بل على خدمة الشعب والتعبير عن تضحياته. فقد جسّد فكرة أن القائد ليس فوق الناس، بل منهم ولهم.

د. الياس ميشال الشويري

يصنع التاريخ أمماً عظيمة، لكنه لا يصنع قادة عظماء إلا نادراً. فمن بين آلاف الحكام الذين تعاقبوا على السلطة، بقيت أسماء قليلة خالدة لأنها لم تعتبر الحكم امتيازاً، بل رسالة، ولم ترَ في الكرسي غاية، بل وسيلة لخدمة الإنسان. وكان نيلسون مانديلا أحد هؤلاء القادة الاستثنائيين الذين أثبتوا أن الزعامة الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في الحكم، بل بعمق الأثر الذي يتركه القائد في وطنه وشعبه.

خرج مانديلا من سبعةٍ وعشرين عاماً من السجن وهو قادر على إشعال حرب أهلية لا تنتهي، لكنه اختار أن يطفئ نار الأحقاد. ووصل إلى الرئاسة وهو قادر على الانتقام ممن اضطهدوه، لكنه اختار العدالة والمصالحة. وكان يستطيع أن يبقى في السلطة سنوات طويلة مستنداً إلى شعبيته الجارفة، لكنه غادرها بإرادته، مؤمناً بأن الأوطان تبقى بينما يرحل الحكام، وأن المؤسسات يجب أن تكون أقوى من الأشخاص.

وفي المقابل، يقف لبنان اليوم شاهداً على أزمة قيادة قبل أن يكون ضحية أزمة اقتصاد أو سياسة. فالمشكلة لم تعد في نقص الإمكانات أو غياب الكفاءات، بل في غياب ثقافة رجل الدولة، وهي الثقافة التي تجعل المسؤول خادماً للشعب لا سيداً عليه، وتجعل المنصب تكليفاً لا غنيمة، وتجعل الوطن غاية لا وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية.

إن المقارنة بين نيلسون مانديلا والطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت لبنان لعقود ليست مقارنة بين شخصيات مختلفة، بل بين فلسفتين متناقضتين في الحكم. فلسفة تعتبر السلطة أمانة ومسؤولية أخلاقية، وفلسفة أخرى كثيراً ما حوّلت السلطة إلى أداة للنفوذ والمحاصصة والنهب والصراع على المواقع. وبين هذين النموذجين، يتحدد مصير الأوطان؛ فهناك قادة يكتبون أسماءهم في ضمير شعوبهم لأنهم بنوا الدول، وهناك آخرون لا يتركون خلفهم إلا الأزمات والانقسامات والفرص الضائعة.

ومن هنا، تأتي أهمية هذا المقال، لأنه لا يتناول سيرة رجل استثنائي فحسب، بل يطرح سؤالاً مصيرياً على لبنان: لماذا استطاع مانديلا أن يحوّل معاناة شعبه إلى مشروع دولة، بينما عجزت الطبقة السياسية اللبنانية، رغم كل الفرص التي أُتيحت لها، عن بناء دولة عادلة وقادرة؟ ولماذا بقي اسم مانديلا رمزاً عالمياً للنزاهة والقيادة، فيما ارتبطت أسماء كثير من الحكام في منطقتنا بالأزمات والانهيارات وفقدان ثقة شعوبهم؟

  1. التواضع في القيادة… مانديلا خادم لشعبه والسياسة في لبنان بين خدمة الوطن وخدمة السلطة

عندما خرج نيلسون مانديلا من سجنه في الحادي عشر من شباط عام 1990، كان يستطيع أن يتحدث بلغة المنتصر الذي هزم سجّانه، أو بلغة الزعيم الذي يطالب شعبه بالولاء بعد سبعة وعشرين عاماً من المعاناة. لكنه اختار لغة لم يألفها عالم السياسة كثيراً، فقال: “أقف أمامكم لا كرسول، بل كخادم للشعب… إن تضحياتكم هي التي جعلت من الممكن أن أقف هنا اليوم“. بهذه الكلمات، اختصر مانديلا فلسفة القيادة الحقيقية، فالزعيم في نظره لا يصنع الشعب، بل الشعب هو الذي يصنع الزعيم، ولا يمنح القائد شرعيته لنفسه، بل يستمدها من ثقة المواطنين وتضحياتهم.

إن هذه العبارة ليست مجرد تعبير عن التواضع الشخصي، بل تمثل مدرسة كاملة في ممارسة السلطة. فمانديلا لم يعتبر نفسه بطلاً فوق البشر، ولم يقدّم نفسه باعتباره المخلّص الذي لا بديل عنه، بل أكد منذ اللحظة الأولى أن مكانه الطبيعي هو بين أبناء وطنه، وأن مسؤوليته الأولى هي خدمتهم، لا مطالبتهم بخدمته. ولهذا السبب، بقي محبوباً حتى من خصومه السياسيين، لأن التواضع كان جزءاً أصيلاً من شخصيته السياسية، لا مجرد وسيلة لكسب التعاطف الشعبي.

لقد كان مانديلا يدرك أن المنصب لا يمنح الإنسان قيمة، بل يكشف قيمته الحقيقية. فكلما ارتفع المسؤول في سلم السلطة، ازدادت مسؤوليته الأخلاقية تجاه شعبه، وازداد تواضعه أمام معاناة الناس. ولذلك، لم يستخدم موقعه لبناء عبادة شخصية، ولم يحيط نفسه بهالة القداسة السياسية، ولم يسمح بتحويل اسمه إلى بديل عن الدولة، بل عمل على ترسيخ فكرة أن المؤسسات هي التي يجب أن تبقى، أما الأشخاص فهم عابرون مهما بلغت مكانتهم.

وفي المقابل، تكشف التجربة اللبنانية عن أزمة عميقة في مفهوم القيادة السياسية. فبدلاً من أن يكون المسؤول خادماً للمواطن، أصبح المواطن، في كثير من الأحيان، مضطراً إلى طرق أبواب الزعماء للحصول على أبسط حقوقه. وتحولت الخدمات العامة التي يفترض أن تقدمها الدولة بصورة متساوية إلى وسائل نفوذ سياسي، وأصبح بعض المسؤولين يتصرفون وكأنهم يمنحون المواطنين حقوقاً من جيوبهم الخاصة، لا من خزينة الدولة التي يمولها الشعب نفسه.

لقد غابت في الحياة السياسية اللبنانية، إلى حد بعيد، ثقافة الاعتراف بأن السلطة تكليف لا تشريف. وأصبح المنصب في كثير من الأحيان هدفاً بحد ذاته، يُدافع عنه بكل الوسائل، حتى لو كان الثمن تعطيل المؤسسات أو تأخير الاستحقاقات الدستورية أو تعميق الانقسامات الوطنية. وفي مثل هذا المناخ، لم تعد الأولوية لبناء الدولة، بل للحفاظ على مواقع النفوذ وموازين القوى، وهو ما انعكس سلباً على أداء المؤسسات وثقة المواطنين بها.

والفرق الجوهري بين مانديلا وكثير من السياسيين في لبنان لا يكمن فقط في أسلوب الخطاب، بل في فلسفة الحكم نفسها. فمانديلا كان يبدأ حديثه بكلمة “الشعب“، بينما يبدأ كثير من السياسيين حديثهم بكلمة “أنا“. كان يتحدث عن مستقبل الأمة، بينما ينشغل آخرون بحسابات الانتخابات المقبلة، وتقاسم الحصص، وتعزيز المواقع السياسية. وكان يرى أن نجاحه يقاس بقدرة المواطنين على العيش بكرامة، بينما أصبحت النجاحات السياسية في بعض الأحيان تُقاس بحجم النفوذ الذي يحققه الزعيم داخل منظومة السلطة.

كما أن مانديلا لم يجعل من حزبه أو من شخصه مرجعية أعلى من الدولة، بل كان يؤمن بأن الدولة هي الإطار الجامع الذي يحتضن الجميع. أما في لبنان، فقد أدى تغليب الولاءات الحزبية والطائفية في كثير من الأحيان إلى إضعاف الانتماء الوطني، حتى باتت مؤسسات الدولة أسيرة التجاذبات السياسية، وأصبح القرار العام خاضعاً لموازين القوى أكثر مما هو خاضع للمصلحة الوطنية.

ولم يكن تواضع مانديلا ضعفاً أو تنازلاً عن هيبة الدولة، بل كان مصدر قوته الأخلاقية. فالزعيم الواثق من نفسه لا يحتاج إلى تمجيد دائم، ولا إلى إحاطة نفسه بالمظاهر والامتيازات، لأنه يدرك أن احترام الناس يُكتسب بالخدمة الصادقة لا بالخوف، وبالإنجاز لا بالدعاية، وبالصدق لا بالشعارات. ولهذا بقي اسمه رمزاً عالمياً للقيادة الرشيدة، بينما اختفت أسماء كثير من الحكام الذين ظنوا أن السلطة وحدها كفيلة بتخليدهم.

إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد تغيير في الوجوه، بل تغيير جذري في مفهوم القيادة السياسية. فهو يحتاج إلى مسؤولين يقفون أمام المواطنين كما وقف مانديلا أمام شعبه، معترفين بأن الشعب هو مصدر الشرعية وصاحب الفضل، وأن المسؤول ليس سيداً على الناس، بل موظف في خدمتهم، وأن الدولة لا تُبنى بالتباهي بالمناصب، بل بالتواضع أمام المسؤولية.

ولعل أعظم درس يقدمه مانديلا للبنان هو أن الزعيم الحقيقي لا يطلب من شعبه أن يصفق له، بل يعمل حتى لا يضطر الشعب إلى الصراخ من الألم. فالسياسة ليست فناً للبقاء في السلطة، بل رسالة لخدمة الإنسان. وعندما يدرك الحاكم أن كرامته تأتي من كرامة شعبه، وأن عظمته تُقاس بما يقدمه لوطنه لا بما يأخذه منه، عندها فقط تبدأ الدولة بالنهوض، ويصبح المنصب وسيلة للبناء لا باباً للامتيازات، وتتحول القيادة من سلطة فوق الناس إلى أمانة في خدمة الناس.

  1. التضحية من أجل الوطن… بين سبعة وعشرين عاماً في السجن وعقود في التمسك بالسلطة

قليلون هم القادة الذين دفعوا من أعمارهم ثمناً لحريّة أوطانهم كما فعل نيلسون مانديلا. فقد أمضى سبعةً وعشرين عاماً في السجن، حُرم خلالها من حريته، ومن رؤية أسرته بصورة طبيعية، ومن أبسط حقوقه الإنسانية، لأنه رفض المساومة على قضية شعبه. كان بإمكانه أن يختار السلامة الشخصية مقابل التخلي عن نضاله، لكنه آثر أن يدفع عمره ثمناً لمبدأ آمن به، مؤمناً بأن حرية الإنسان لا تُشترى، وأن الأوطان لا تُبنى بالتنازلات عن الكرامة، بل بالصمود في وجه الظلم.

ولم تكن تضحيات مانديلا بحثاً عن بطولة شخصية أو طريقاً إلى السلطة، بل كانت تعبيراً عن إيمان عميق بأن القائد الحقيقي يسبق شعبه في دفع الثمن، ولا يدفع شعبه ثمن بقائه. ولهذا، عندما خرج من السجن، لم يقدّم نفسه بطلاً يستحق المكافأة، بل مواطناً عاد ليكمل رسالته في خدمة وطنه. لقد اعتبر أن سنوات السجن لم تكن تضحية فردية، بل جزءاً من تضحيات شعب بأكمله، ولذلك نسب الفضل دائماً إلى أبناء جنوب أفريقيا، لا إلى نفسه.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين رجل ضحّى بحياته من أجل أن يعيش وطنه، وبين أنماط سياسية تجعل الوطن يدفع ثمن بقائها في السلطة. فالتاريخ لا يخلّد من جلسوا على الكراسي طويلاً، بل يخلّد الذين حملوا أوطانهم على أكتافهم في أصعب اللحظات. فالقيمة الحقيقية للقائد لا تُقاس بعدد السنوات التي حكم فيها، بل بعدد السنوات التي ضحّى بها قبل أن يحكم، وبما قدّمه لشعبه بعد وصوله إلى السلطة.

أما في لبنان، فقد عرف اللبنانيون، خلال عقود طويلة، طبقة سياسية تمسكت بمواقعها أكثر مما تمسكت بمشروع بناء الدولة. ففي كثير من المحطات المفصلية، طغى الصراع على النفوذ على المصلحة الوطنية، وأصبحت الأولوية لدى بعض القوى السياسية الحفاظ على مواقعها وتوازناتها، حتى ولو أدى ذلك إلى تعطيل المؤسسات الدستورية، وتأخير انتخاب الرؤساء، وشل عمل الحكومات، وتعميق الانهيار الاقتصادي والمالي الذي دفع المواطن وحده ثمنه.

لقد شهد اللبنانيون مسؤولين يرفضون التنازل خطوة واحدة من أجل إنقاذ الدولة، بينما تنازل مانديلا عن سنوات عمره، وعن حريته، ثم عن السلطة نفسها، كي تنجو بلاده. وهناك فارق أخلاقي هائل بين من يضحي بمنصبه لإنقاذ وطنه، ومن يضحي بوطنه للحفاظ على منصبه. ففي الحالة الأولى يولد رجال الدولة، وفي الثانية تتراكم الأزمات حتى تصبح الدولة نفسها رهينة الحسابات السياسية.

إن التضحية في مفهوم مانديلا كانت مسؤولية، أما في كثير من الممارسات السياسية اللبنانية، فقد تحولت المسؤولية إلى امتياز. فبدلاً من أن يكون المنصب عبئاً ثقيلاً، أصبح في أحيان كثيرة وسيلة للحصول على النفوذ، وتوسيع دائرة المصالح، وتعزيز الحضور السياسي. وعندما يتحول المنصب من أمانة إلى مكسب، يفقد معناه الأخلاقي، وتفقد الدولة تدريجياً قدرتها على خدمة مواطنيها.

كما أن مانديلا لم يستخدم تاريخه النضالي ليمنح نفسه حصانة سياسية أو أخلاقية، بل ظل يقبل النقد ويخضع للقانون، مدركاً أن الشرعية تُجددها خدمة الشعب لا أمجاد الماضي. أما في بعض التجارب السياسية، فإن التاريخ الشخصي أو الحزبي يُستخدم أحياناً لتبرير الاستمرار في السلطة أو لتجنب المحاسبة، وكأن الإنجازات السابقة تمنح أصحابها حقاً دائماً في الحكم، وهو ما يتعارض مع جوهر الديمقراطية والدولة الحديثة.

ولم يكن مانديلا يطلب من شعبه أن يضحّي من أجله، بل كان يرى أن واجب القائد هو أن يضحي أولاً. أما عندما يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف دائماً، يدفع ثمن الانهيارات الاقتصادية، وغياب الخدمات، وتراجع المؤسسات، فيما يبقى أصحاب القرار بعيدين عن نتائج السياسات التي اتخذوها، فإن ميزان المسؤولية يكون قد اختل، وتكون فكرة الخدمة العامة قد فقدت معناها.

إن التجارب العظيمة تُظهر أن الأوطان تنهض عندما يقدّم القادة مصلحة الدولة على مصالحهم، وعندما يكون الاستعداد للتضحية أكبر من الرغبة في المكاسب. وهذا هو الدرس الذي تركه مانديلا للأجيال: أن الزعيم الحقيقي لا يقيس نجاحه بما يحتفظ به من سلطة، بل بما يتركه من وطن أكثر عدلاً واستقراراً.

ومن هنا، فإن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات عن الوطنية، بل إلى ممارسات تُجسدها. يحتاج إلى مسؤولين يعتبرون المنصب تكليفاً لا غنيمة، ويؤمنون بأن التضحية من أجل الدولة ليست شعاراً انتخابياً، بل أساس الشرعية السياسية. فبين رجلٍ أمضى سبعةً وعشرين عاماً في السجن ليحرر وطنه، ورجالٍ تشبث بعضهم بالسلطة رغم الانهيارات المتلاحقة، تتجلى المسافة بين القيادة التي يصنعها التاريخ، والسياسة التي تستهلكها المصالح.

  1. بناء المؤسسات أم بناء الزعامات؟ لماذا بقيت جنوب أفريقيا دولة وبقي لبنان رهينة الأشخاص؟

من أعظم الإنجازات التي حققها نيلسون مانديلا أنه لم يسعَ إلى بناء مجده الشخصي، بل إلى بناء دولة تستطيع أن تعيش بعده. فقد أدرك أن القائد الحقيقي لا يُقاس بحجم التصفيق الذي يحظى به، ولا بعدد الصور التي تُرفع له، بل بقدرته على إنشاء مؤسسات قوية تستمر في أداء دورها حتى بعد رحيله. لذلك، لم يسمح بأن تتحول جنوب أفريقيا إلى “دولة مانديلا“، بل جعلها دولة الدستور، والقانون، والمؤسسات، والمواطنة.

لقد كان مانديلا يؤمن بأن الأشخاص زائلون، أما المؤسسات فهي الباقية. ولذلك، لم يعمل على تكريس عبادة الشخصية، ولم يربط مستقبل الدولة باسمه أو بحزبه، بل سعى إلى ترسيخ استقلال القضاء، وتعزيز البرلمان، واحترام الدستور، وإقامة إدارة عامة تستطيع أن تؤدي واجبها بعيداً عن أهواء السياسيين. وكان يدرك أن قوة الدولة لا تكمن في قوة رئيسها، بل في قوة مؤسساتها، لأن المؤسسة العادلة تستطيع تصحيح أخطاء الأفراد، أما الفرد، مهما بلغت حكمته، فلا يستطيع أن يحل محل الدولة.

وفي التجربة الجنوب أفريقية، لم يكن الرئيس هو الدولة، ولم يكن الحزب هو الوطن، ولم تكن الحكومة هي النظام بأكمله، بل كانت جميعها تخضع لسلطة الدستور والقانون. ولهذا السبب، استمرت الدولة بعد رحيل مانديلا، وبقيت المؤسسات تعمل، وتناوب على الحكم رؤساء آخرون، لأن الرجل أسّس نظاماً لا يعتمد على وجوده الشخصي، بل على قواعد ثابتة تحكم الجميع.

أما في لبنان، فإن الأزمة الكبرى لم تكن فقط في ضعف المؤسسات، بل في تغليب الزعامات عليها. فمنذ عقود، تحولت الحياة السياسية إلى شبكة من الولاءات الشخصية والطائفية والحزبية، وأصبح كثير من المواطنين يشعرون بأن الوصول إلى حقوقهم يمر عبر الزعيم، لا عبر الدولة، وأن حل مشاكلهم يحتاج إلى وساطة سياسية، لا إلى مؤسسة عامة تطبق القانون على الجميع.

وهكذا، تراجعت هيبة الدولة أمام نفوذ الأشخاص، وأصبحت بعض المؤسسات عاجزة عن القيام بدورها باستقلالية، لأنها خضعت لتوازنات القوى السياسية أكثر مما خضعت للقانون. وعندما تصبح المؤسسة رهينة الزعيم، تفقد قدرتها على خدمة المواطن، لأن قرارها لم يعد يصدر وفق المصلحة العامة، بل وفق الحسابات السياسية.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً لهذا النهج، إذ إن كل استحقاق وطني تقريباً أصبح مرتبطاً بتوافق الزعماء، لا بعمل المؤسسات. فانتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل الحكومات، وإقرار الإصلاحات، وحتى التعيينات الإدارية، كثيراً ما أصبحت رهينة التجاذبات، بينما بقيت مصالح المواطنين معلقة بانتظار تسويات سياسية قد تطول أشهراً أو سنوات.

وكان مانديلا يعلم أن احترام المؤسسات يعني احترام الشعب، لأن المؤسسة هي الضامن الوحيد للمساواة بين المواطنين. أما عندما تُختزل الدولة في أشخاص، فإن العدالة تصبح نسبية، والحقوق تصبح مرتبطة بالنفوذ، وتضيع فكرة المواطنة لصالح الولاءات الضيقة. وهنا تبدأ الدولة بالتآكل من الداخل، حتى وإن بقيت أبنيتها قائمة.

ومن الفوارق الجوهرية أيضاً أن مانديلا كان يعمل على إعداد جيل جديد من القادة، ولم يخشَ ظهور شخصيات وطنية قد تتفوق عليه في المستقبل، لأنه كان يعتبر نجاحها نجاحاً للدولة. أما في كثير من التجارب السياسية، فإن الزعامة تُبنى أحياناً على احتكار القرار، ومنع بروز القيادات الجديدة، والإبقاء على الحياة السياسية أسيرة الأسماء نفسها، وهو ما يؤدي إلى جمود النظام السياسي وفقدانه القدرة على التجدد.

كما أن المؤسسات في فكر مانديلا لم تكن مجرد دوائر إدارية، بل كانت تجسيداً لإرادة الشعب، ولذلك دافع عن استقلالها، وعن حقها في العمل بعيداً عن الضغوط. بينما يؤدي تسييس المؤسسات إلى إضعافها، ويحوّلها إلى أدوات في الصراع السياسي، فتفقد ثقة المواطنين بها، وتصبح عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية.

إن بناء المؤسسات يحتاج إلى قادة مستعدين للتخلي عن جزء من نفوذهم من أجل تقوية الدولة، أما بناء الزعامات فيحتاج إلى إضعاف المؤسسات حتى يبقى المواطن محتاجاً دائماً إلى الوسيط السياسي. وهنا يكمن الفارق بين رجل دولة ورجل سلطة؛ فرجل الدولة يقوي المؤسسات ولو على حساب نفوذه الشخصي، أما رجل السلطة فيقوي نفوذه ولو على حساب الدولة.

ولذلك، بقي اسم مانديلا عظيماً لأنه لم يحاول أن يكون أكبر من وطنه، بل جعل وطنه أكبر من الجميع. أما الدول التي تُبنى على الأشخاص، فإنها تدخل في أزمة كلما غاب أحدهم، لأن المؤسسات لم تُمنح الفرصة لتكون المرجعية الحقيقية. وهذا ما يجعل استقرارها هشاً، ومستقبلها مرهوناً بتوازنات الأفراد لا بثبات القواعد.

إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى زعيم جديد بقدر ما يحتاج إلى دولة جديدة، دولة يكون فيها الدستور هو المرجع الأعلى، والقضاء مستقلاً، والإدارة محايدة، والوظيفة العامة قائمة على الكفاءة، لا على الولاء. وعندما تصبح المؤسسة أقوى من الزعيم، والقانون أقوى من النفوذ، والدولة أقوى من الطائفة والحزب، عندها فقط يمكن للبنان أن يبدأ مسيرة التعافي الحقيقي.

وهكذا، فإن أعظم إرث تركه مانديلا لم يكن رئاسة جنوب أفريقيا، بل دولة استطاعت أن تستمر بعده. أما أعظم مأساة تصيب أي وطن، فهي أن تصبح مؤسساته ضعيفة إلى درجة أن مصيره يبقى معلقاً بمزاج الزعماء، لا بإرادة القانون والشعب. فالدول تُخلَّد بمؤسساتها، أما الزعامات، مهما طال عمرها، فمصيرها إلى الزوال.

  1. المصالحة الوطنية عند مانديلا والانقسام الدائم في الحياة السياسية اللبنانية

عندما خرج نيلسون مانديلا من سجنه بعد سبعة وعشرين عاماً، كان العالم كله يتوقع أن يقود ثورة انتقام ضد الذين سلبوه حريته وأذلوا شعبه لعقود طويلة. وكانت كل الظروف مهيأة لحرب أهلية مدمرة بين الأغلبية السوداء والأقلية البيضاء التي حكمت البلاد بنظام الفصل العنصري. لكن مانديلا فاجأ العالم بأسره عندما أعلن أن بناء الوطن أهم من الانتقام، وأن المستقبل لا يمكن أن يُشيَّد على أنقاض الكراهية، وأن السلام الحقيقي لا يولد من الثأر، بل من المصالحة القائمة على الاعتراف بالحقائق والعدالة واحترام الكرامة الإنسانية.

لقد امتلك مانديلا شجاعة من نوع مختلف؛ فلم تكن شجاعة حمل السلاح، بل شجاعة كبح الغضب، ولم تكن بطولة الانتصار على الخصوم، بل الانتصار على الرغبة في الانتقام. وكان يدرك أن الحاكم الذي يحكم بعقلية الثأر سيورث بلاده حروباً لا تنتهي، أما القائد الذي يحكم بعقلية الدولة، فإنه يحول الجراح إلى قوة تدفع المجتمع نحو المستقبل. ولذلك دعا البيض والسود إلى بناء وطن واحد، لا إلى تأسيس وطن للمنتصرين وآخر للمهزومين.

ومن هنا جاءت فكرة “لجنة الحقيقة والمصالحة“، التي أصبحت واحدة من أهم التجارب السياسية والقانونية في العصر الحديث. فقد قامت على مبدأ كشف الحقيقة، والاعتراف بالانتهاكات، وتحقيق العدالة دون الانزلاق إلى دوامة الانتقام. لقد أراد مانديلا أن يتعلم شعبه من الماضي، لا أن يبقى أسيراً له، وأن يُحاسَب المسيء وفق القانون، لا وفق منطق الكراهية، لأن الدول التي تعيش على الثأر لا تعرف الاستقرار.

أما في لبنان، فإن الواقع السياسي يقدم صورة مختلفة إلى حد بعيد. فمنذ عقود، بقيت الانقسامات السياسية والطائفية حاضرة في معظم الاستحقاقات الوطنية، وغالباً ما طغت لغة التخوين والتخويف والاستقطاب على لغة الحوار والتفاهم. وأصبح الخلاف السياسي، في كثير من الأحيان، يتحول إلى انقسام مجتمعي، فتتراجع فكرة المواطنة أمام الاصطفافات المتعددة، ويصبح الولاء للطائفة أو الحزب أقوى من الولاء للدولة.

لقد دفعت الحروب اللبنانية أثماناً بشرية واقتصادية واجتماعية هائلة، وكان يفترض أن تتحول تلك التجربة الأليمة إلى حافز لبناء مصالحة وطنية عميقة تعالج أسباب الصراع وتؤسس لثقافة جديدة. إلا أن المصالح السياسية كثيراً ما غلبت على مشروع المصالحة الحقيقية، فتم وقف القتال، لكن كثيراً من أسباب الانقسام بقيت قائمة، وانتقلت من ساحات الحرب إلى مؤسسات الدولة، لتظهر في كل أزمة سياسية أو دستورية.

إن الفرق بين مانديلا وكثير من الممارسات السياسية في لبنان أن الأول كان يبحث عن القواسم المشتركة التي تجمع أبناء وطنه، بينما يغلب على الخطاب السياسي اللبناني، في محطات عديدة، التركيز على عناصر الاختلاف والانقسام. وكان مانديلا يرى في التنوع مصدر غنى، بينما تتحول الاختلافات في لبنان أحياناً إلى أدوات تعبئة سياسية وانتخابية، تُستحضر كلما اقترب استحقاق أو اشتدت المنافسة.

كما أن مانديلا لم يستثمر معاناة شعبه لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية، بل جعلها أساساً لبناء مشروع وطني جامع. أما في الحياة السياسية اللبنانية، فقد استُخدمت ذاكرة الحرب والانقسامات، في بعض الأحيان، لتعزيز الاصطفافات وإعادة إنتاج المخاوف التاريخية، بدلاً من تحويلها إلى درس وطني يمنع تكرار المأساة.

وكان مانديلا يدرك أن المصالحة لا تعني نسيان الماضي، بل تعني التعلم منه. ولذلك، لم يطلب من الضحايا أن ينسوا آلامهم، بل طلب من الجميع أن يمنعوا تلك الآلام من أن تتحول إلى وقود لصراعات جديدة. أما المجتمعات التي تبقى أسيرة الماضي، فإنها تعجز عن بناء المستقبل، لأن كل خلاف جديد يعيد فتح جراح قديمة لم تُعالج بصورة صحيحة.

ومن الدروس الكبرى التي قدمها مانديلا أن الوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوة، ولا تُشترى بالصفقات السياسية، بل تُبنى بالثقة والعدالة والمساواة. فكل مواطن يجب أن يشعر بأن الدولة تحميه بوصفه مواطناً، لا بوصفه تابعاً لهذه الجهة أو تلك. وعندما يشعر الجميع بأن القانون هو المرجعية الوحيدة، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالطائفة أو الحزب أو الزعيم.

أما في لبنان، فإن استعادة الثقة بين المواطنين والدولة تبقى من أكبر التحديات، لأن الانقسامات السياسية والطائفية انعكست على مؤسسات الدولة، وأضعفت قدرتها على لعب دور الحكم العادل بين جميع أبنائها. ولا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أو مالي أن ينجح إذا بقيت الوحدة الوطنية هشّة، وإذا بقيت الثقة مفقودة بين مكونات المجتمع.

إن تجربة مانديلا تؤكد أن القائد الحقيقي لا يربح عندما يهزم خصومه، بل عندما يحولهم إلى شركاء في بناء الوطن. وأن الانتصار الحقيقي ليس إسكات الطرف الآخر، بل إقناعه بأن مستقبله مرتبط بمستقبل الدولة نفسها. فهذه هي القيادة التي تصنع الأمم، لا القيادة التي تعيش على الانقسامات.

واليوم، يحتاج لبنان إلى استلهام هذه الروح أكثر من أي وقت مضى. يحتاج إلى خطاب سياسي يخفف الاحتقان بدلاً من تغذيته، ويبحث عن المشتركات الوطنية بدلاً من تعظيم الانقسامات، ويؤمن بأن لا طائفة تستطيع أن تبني لبنان وحدها، ولا حزب يستطيع أن يحتكر الوطن، ولا زعيم يستطيع أن يكون أكبر من الدولة.

وهكذا، يبقى مانديلا مثالاً خالداً لرجل أدرك أن أعظم انتصار يمكن أن يحققه القائد ليس الوصول إلى الحكم، بل إعادة توحيد شعبه. أما الأوطان التي يبقى قادتها أسرى الانقسامات، فإنها تبقى تدور في الحلقة نفسها، تؤجل أزماتها لكنها لا تحلها، وتستهلك مستقبلها في صراعات كان يمكن تجاوزها لو قُدِّمت مصلحة الوطن على كل اعتبار آخر.

  1. النزاهة والمال العام… عندما تكون الدولة أمانة لا غنيمة

لم يكن نيلسون مانديلا زعيماً عظيماً لأنه قاد شعبه إلى الحرية فحسب، بل لأنه أثبت بعد وصوله إلى السلطة أن النزاهة ليست شعاراً انتخابياً، بل أسلوب حياة وفلسفة حكم. فقد كان يدرك أن الشعوب تستطيع أن تغفر أخطاء الإدارة، لكنها لا تغفر خيانة الأمانة، وأن الدولة التي يُهدر فيها المال العام أو يُستغل لمصلحة أصحاب النفوذ تفقد تدريجياً شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد استقرارها السياسي.

لقد تعامل مانديلا مع السلطة باعتبارها تكليفاً وطنياً، لا فرصة للإثراء الشخصي أو لتوزيع المكاسب على المقربين. ولم يُعرف عنه أنه استخدم موقعه لبناء إمبراطورية مالية، أو لتوريث النفوذ، أو لتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة مصالحه الخاصة. بل ظل طوال حياته مثالاً للمسؤول الذي يفرّق بين المال العام، الذي هو ملك لجميع المواطنين، وبين المصالح الشخصية التي يجب أن تبقى خارج مؤسسات الدولة.

وكان يؤمن بأن أول واجبات الحاكم هو حماية ثروة الشعب، لأن المال العام ليس ملكاً للحكومة، ولا للحزب، ولا للرئيس، بل هو حق للأجيال الحاضرة والقادمة. وكل فلسفة الحكم لديه كانت تقوم على أن المسؤول مؤتمن على مقدرات الدولة، وأن أي اعتداء عليها هو اعتداء على مستقبل الأمة بأكملها.

ولذلك، لم يكن الفساد بالنسبة إليه مجرد مخالفة قانونية، بل كان خيانة أخلاقية للوطن. فالسياسي الذي يمد يده إلى المال العام لا يسرق أموالاً فقط، بل يسرق مدرسة كان يمكن أن تُبنى، ومستشفى كان يمكن أن يُجهَّز، وطريقاً كان يمكن أن يُعبد، وفرصة عمل كانت ستمنح لشاب يبحث عن مستقبل كريم. إن الفساد في نظر القادة الكبار ليس قضية محاسبية، بل قضية تتعلق بكرامة الدولة وعدالتها.

وفي المقابل، عاش لبنان خلال العقود الماضية واحدة من أعقد الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخه الحديث، بعد سنوات طويلة من الهدر وسوء الإدارة وضعف الرقابة وتراجع المحاسبة. وقد أدى ذلك إلى استنزاف المالية العامة، وتفاقم الدين العام، وانهيار العملة الوطنية، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وانهيار قطاعات أساسية كانت تشكل ركائز الدولة.

ولم تكن الأزمة الاقتصادية التي انفجرت في لبنان نتيجة ظرف مفاجئ، بل جاءت بعد تراكم طويل من السياسات غير المستدامة، وغياب الإصلاحات البنيوية، وضعف الحوكمة، وتراجع الشفافية في إدارة المال العام. وكل ذلك ساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، لأن المواطن لم يعد يرى أن أمواله تُدار بالكفاءة المطلوبة أو بما يحقق المصلحة العامة.

إن الفرق بين مانديلا والعديد من التجارب السياسية المتعثرة يكمن في أن الأول كان يرى أن المنصب مسؤولية تجاه دافع الضرائب، بينما تحولت الدولة في تجارب أخرى إلى مساحة تتداخل فيها المصالح العامة والخاصة، فتضعف الحدود الفاصلة بين خدمة المجتمع وتحقيق المكاسب السياسية. وعندما تضيع هذه الحدود، تبدأ الدولة بفقدان قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.

وكان مانديلا يدرك أن النزاهة تبدأ من رأس السلطة، لأن المسؤول الأعلى هو الذي يحدد الثقافة السائدة في الإدارة العامة. فإذا كان الحاكم يحترم المال العام، انعكس ذلك على مؤسسات الدولة، وإذا كان يتسامح مع الهدر أو المحاباة، انتقلت هذه الثقافة إلى مختلف مستويات الإدارة. ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالقدوة قبل القوانين.

كما أن النزاهة لا تعني فقط الامتناع عن الفساد، بل تعني أيضاً حسن إدارة الموارد، ووضع الكفاءة فوق الولاء، والمصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشخصية أو الحزبية. وهي تعني أن تكون الوظيفة العامة خدمة للمواطن، لا وسيلة للنفوذ أو الامتياز، وأن تُدار الدولة بمنطق التخطيط والشفافية، لا بمنطق الصفقات والتوازنات.

إن المال العام هو العمود الفقري لأي دولة، وعندما يُستنزف، لا ينهار الاقتصاد وحده، بل تنهار معه الثقة والاستقرار والعدالة الاجتماعية. فكل ليرة أو دولار يُهدر من خزينة الدولة ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، سواء في التعليم أو الصحة أو البنية التحتية أو فرص العمل. ولهذا، فإن حماية المال العام ليست قضية مالية فقط، بل قضية وطنية بامتياز.

ويؤكد تاريخ الدول الناجحة أن النهضة لا تبدأ بوفرة الموارد، بل بحسن إدارتها. فكثير من الدول الفقيرة في الموارد الطبيعية حققت إنجازات كبرى لأنها امتلكت مؤسسات نزيهة وإدارة كفوءة، بينما تعثرت دول غنية بسبب الفساد وسوء الإدارة. وهذا ما يجعل النزاهة أحد أهم عناصر قوة الدولة، لا مجرد فضيلة أخلاقية.

واليوم، يحتاج لبنان إلى استعادة هذا المفهوم الجوهري، بحيث يصبح المال العام خطاً أحمر لا يُمس، وتصبح الشفافية قاعدة لا استثناء، والمحاسبة ممارسة فعلية لا شعاراً سياسياً. فالدولة التي لا تحمي أموال شعبها، لا تستطيع أن تحمي مستقبله، والدولة التي يتراجع فيها احترام الأمانة العامة، تتراجع معها كل مقومات التنمية والاستقرار.

وهكذا، يبقى نيلسون مانديلا نموذجاً للقائد الذي فهم أن أعظم ثروة يتركها الحاكم لشعبه ليست الأموال، بل الثقة. فالثقة هي العملة التي تبني الأوطان، وهي الأساس الذي تقوم عليه المؤسسات، وهي الضمانة الوحيدة لاستمرار الدولة. وعندما يقترن الحكم بالنزاهة، يصبح المال العام وسيلة للنهوض، أما عندما يقترن بالفساد، فإنه يتحول إلى الطريق الأسرع نحو انهيار الدول، مهما بلغت مواردها أو تعددت شعاراتها.

  1. تداول السلطة واحترام الدستور… مانديلا الذي غادر بإرادته والسياسي الذي يتمسّك بالكرسي

من أعظم الدروس التي قدّمها نيلسون مانديلا للعالم أنه أثبت أن عظمة القائد لا تُقاس بكيفية وصوله إلى السلطة، بل بكيفية مغادرته لها. فبعد أن أمضى سبعةً وعشرين عاماً في السجن، وقاد بلاده إلى أول انتخابات ديمقراطية، وانتُخب رئيساً يحظى بمحبة شعبه واحترام العالم، كان يستطيع بسهولة أن يبقى في الحكم سنوات طويلة، وأن يغيّر الدستور أو يستثمر شعبيته الجارفة ليحكم ما شاء له الزمن. لكن الرجل الذي ناضل من أجل الحرية لم يشأ أن يتحول هو نفسه إلى قيد على الديمقراطية.

لقد اتخذ مانديلا قراراً تاريخياً بعدم الترشح لولاية رئاسية ثانية، رغم أن الدستور كان يتيح له ذلك، ورغم أن غالبية أبناء جنوب أفريقيا كانت مستعدة لتجديد الثقة به. وكان هذا القرار رسالة أخلاقية وسياسية إلى العالم كله، مفادها أن الدولة لا تُبنى على الأشخاص، وأن الزعيم الحقيقي هو الذي يعرف متى يغادر، كما يعرف متى يتقدم لتحمل المسؤولية. لقد أراد أن يرسخ في الوعي الوطني أن المؤسسات يجب أن تكون أقوى من القادة، وأن تداول السلطة هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الديمقراطية.

ولم يكن خروجه من الحكم انسحاباً من الحياة الوطنية، بل انتقالاً من موقع السلطة إلى موقع الحكمة. فقد بقي مرجعاً أخلاقياً لوطنه، دون أن يتدخل في إدارة الدولة أو ينافس خلفاءه أو يحاول إدارة البلاد من وراء الستار. لقد احترم المؤسسات التي أسهم في بنائها، وأدرك أن نجاحها الحقيقي يبدأ عندما تستطيع أن تعمل من دونه، لا عندما تبقى معلقة بوجوده.

أما في كثير من التجارب السياسية، فإن السلطة تتحول إلى غاية بحد ذاتها، ويصبح المنصب جزءاً من الهوية السياسية والشخصية للمسؤول، فيتعامل معه كما لو أنه حق مكتسب لا وظيفة عامة مؤقتة. وعندما يترسخ هذا المفهوم، تبدأ الدولة بفقدان قدرتها على التجدد، لأن التداول الطبيعي للسلطة يُستبدل بالسعي الدائم إلى البقاء، مهما كانت الظروف أو النتائج.

وفي الحالة اللبنانية، عانى النظام السياسي، على امتداد عقود، من أزمات متكررة في الاستحقاقات الدستورية، سواء في انتخاب رئيس الجمهورية، أو تشكيل الحكومات، أو إجراء الإصلاحات الأساسية. وكثيراً ما تحولت هذه الاستحقاقات إلى ساحات صراع سياسي طويل، انعكس شللاً في عمل المؤسسات، وأثّر بصورة مباشرة في حياة المواطنين، الذين كانوا يدفعون ثمن التعطيل من استقرارهم الاقتصادي والاجتماعي.

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن تعطيل المؤسسات لا يضر بالخصوم السياسيين بقدر ما يضر بالدولة نفسها. فكل تأخير في انتخاب رئيس، أو تشكيل حكومة، أو إقرار إصلاحات، ينعكس تراجعاً في ثقة المواطنين، واهتزازاً في الاقتصاد، وإضعافاً لموقع لبنان في المجتمع الدولي. والدولة التي تبقى رهينة الخلافات السياسية تفقد تدريجياً قدرتها على اتخاذ القرار، حتى في القضايا المصيرية.

وكان مانديلا يدرك أن احترام الدستور ليس مجرد التزام قانوني، بل هو التزام أخلاقي تجاه الشعب. فالدستور في نظره ليس ورقة يمكن تعديلها وفق رغبات الحاكم، بل عقد وطني يضمن حقوق الجميع ويمنع استبداد أي طرف. ولذلك، لم يسعَ إلى توسيع صلاحياته، ولم يستخدم شعبيته لتجاوز المؤسسات، بل كان أول الملتزمين بها.

وفي المقابل، فإن أي نظام سياسي تُصبح فيه النصوص الدستورية خاضعة للتفسيرات المتناقضة أو للتجاذبات السياسية، يفقد جزءاً كبيراً من استقراره. فالدستور لا يحقق غايته إذا بقي أسير المصالح الآنية، بل عندما يُطبَّق بروحه ونصه على الجميع، ويصبح المرجعية التي تحتكم إليها القوى السياسية مهما بلغت خلافاتها.

ومن أبرز ما ميّز مانديلا أيضاً أنه لم يربط مصير الدولة بمصيره الشخصي. فلم يقل يوماً إن البلاد ستنهار إذا غادر، أو إن الاستقرار مرهون ببقائه. بل على العكس، أثبت أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه القائد هو أن يجعل غيابه أمراً طبيعياً لا أزمة وطنية. أما الدول التي تتوقف فيها المؤسسات عند غياب المسؤول، فهي دول لم تنجح بعد في بناء نظام سياسي سليم، لأنها ما زالت قائمة على الأشخاص لا على المؤسسات.

إن تداول السلطة ليس خسارة لأي قائد، بل هو انتصار للدولة. فكل انتقال سلمي ومنظم للحكم يؤكد أن النظام السياسي قادر على التجدد، وأن الشرعية تُستمد من الدستور وإرادة الشعب، لا من قوة النفوذ أو طول البقاء في المنصب. ولهذا السبب، أصبحت تجربة مانديلا مرجعاً عالمياً في القيادة الديمقراطية، لأنها أثبتت أن احترام حدود السلطة يزيد من مكانة القائد ولا ينتقص منها.

أما لبنان، فهو اليوم بحاجة إلى ترسيخ ثقافة دستورية تجعل احترام المهل والاستحقاقات والمؤسسات فوق أي اعتبار سياسي أو حزبي أو طائفي. فالدولة لا يمكن أن تنهض إذا بقيت مؤسساتها رهينة التعطيل، ولا يمكن أن تستعيد ثقة مواطنيها إذا بقيت مصالح الناس مرتبطة بالتجاذبات بين القوى السياسية.

إن مانديلا لم يترك لشعبه قصوراً ولا ثروات، بل ترك لهم تقليداً سياسياً عظيماً: أن الحاكم يرحل وتبقى الدولة، وأن الكرسي ليس ملكاً لأحد، وأن السلطة وسيلة لخدمة الأمة لا غاية للتشبث بها. وهذه هي الرسالة التي يحتاج لبنان إلى استيعابها أكثر من أي وقت مضى، لأن الأوطان لا يحميها بقاء الأشخاص، بل يحميها احترام الدستور، واستقلال المؤسسات، والإيمان بأن الوطن أكبر من كل زعيم، وأبقى من كل سلطة، وأقدس من كل كرسي.

  1. ماذا يحتاج لبنان؟… من دولة الزعماء إلى دولة المواطنين

إذا كانت تجربة نيلسون مانديلا قد أثبتت أن الشعوب تستطيع أن تنهض بعد عقود من الظلم والانقسام، فإنها أثبتت أيضاً أن النهضة لا تبدأ بتغيير الوجوه، بل بتغيير الثقافة السياسية التي تحكم الدولة. فجنوب أفريقيا لم تتغير لأن رئيساً جديداً وصل إلى السلطة، بل لأنها تبنت رؤية جديدة للحكم، تقوم على أن المواطن هو أساس الدولة، وأن المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن القانون أعلى من الجميع. وهذه هي الرسالة التي يحتاج لبنان إلى استيعابها إذا أراد أن يخرج من دوامة الأزمات المتلاحقة.

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن تبديل الحكومات أو تبدل التحالفات السياسية لم يكن كافياً لإحداث التحول المطلوب، لأن المشكلة ليست فقط في الأشخاص، بل في طريقة إدارة الدولة وفي الثقافة السياسية التي تحكمها. فعندما يبقى المنصب وسيلة لتعزيز النفوذ، وتبقى الدولة ساحة لتقاسم الحصص، وتبقى الكفاءة خاضعة للولاءات، فإن أي تغيير في الأسماء لن يؤدي إلى تغيير حقيقي في النتائج.

إن لبنان لا يحتاج إلى زعيم جديد يُضاف إلى قائمة الزعامات، بل يحتاج إلى رجال ونساء دولة يؤمنون بأن المنصب مسؤولية لا امتياز، وأن قيمة المسؤول تُقاس بما يقدمه للوطن لا بما يحصل عليه من نفوذ. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالخطابات الرنانة، بل بالإدارة الكفوءة، والقرار الشجاع، والنزاهة، والالتزام الصارم بالدستور والقانون.

كما يحتاج لبنان إلى إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، بحيث يصبح اللبناني مواطناً كامل الحقوق والواجبات، لا تابعاً لزعيم أو حزب أو طائفة للحصول على حقه. فلا يمكن لدولة أن تستقر إذا بقي المواطن يشعر أن كرامته مرتبطة بوساطة سياسية، أو أن مستقبله يتوقف على انتمائه لهذا الفريق أو ذاك. فالمواطنة هي الأساس الذي تبنى عليه الدول العادلة، وهي الضمانة الوحيدة للمساواة بين جميع أبناء الوطن.

ومن أهم الدروس التي يقدمها مانديلا للبنان أن الدولة لا تُدار بعقلية الغلبة، بل بعقلية الشراكة الوطنية. فكل فريق يحاول أن ينتصر على بقية شركائه في الوطن، إنما يساهم في إضعاف الدولة التي تجمعهم جميعاً. أما القائد الحقيقي، فهو الذي يبحث عن مساحة اللقاء، ويقدم التنازلات المتبادلة من أجل المصلحة الوطنية العليا، لا من أجل تسجيل الانتصارات السياسية المؤقتة.

ويحتاج لبنان أيضاً إلى ثورة حقيقية في الإدارة العامة، تقوم على اختيار أصحاب الكفاءة والخبرة، بعيداً عن المحسوبيات والاعتبارات الضيقة. فالدول لا تتقدم لأن لديها موارد أكبر، بل لأنها تحسن إدارة مواردها البشرية والاقتصادية، وتضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وعندما تصبح الكفاءة هي معيار التعيين والترقية، تبدأ المؤسسات باستعادة دورها الطبيعي، ويشعر المواطن بأن الدولة تعمل لخدمته لا لخدمة النافذين.

كما أن إعادة بناء الاقتصاد اللبناني تتطلب استعادة الثقة، والثقة لا تُبنى بالوعود، بل بالإنجازات. فلا استثمارات من دون استقرار، ولا استقرار من دون قضاء مستقل، ولا قضاء مستقلاً من دون إرادة سياسية تحترم القانون، ولا قانون فعّالاً من دون مساواة بين جميع المواطنين. إنها سلسلة مترابطة تبدأ بالإصلاح الحقيقي، ولا تنتهي إلا بقيام دولة حديثة تحترم نفسها قبل أن تطلب احترام الآخرين.

ويحتاج لبنان كذلك إلى قيادة تمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، لأن الأمم لا تتقدم بإنكار أزماتها، بل بمواجهتها. وكان مانديلا أول من اعترف بأن بناء جنوب أفريقيا الجديدة لن يكون سهلاً، لكنه أقنع شعبه بأن الحقيقة هي نقطة البداية، وأن الإصلاح يبدأ من الاعتراف بالخلل، لا من البحث عن المبررات أو تعليق المسؤوليات على الآخرين.

ومن الدروس الكبرى أيضاً أن الوطن لا يُختزل في الحاكم، ولا في الحزب، ولا في الطائفة. فمانديلا لم يقل يوماً: “أنا جنوب أفريقيا“، بل جعل جنوب أفريقيا أكبر من الجميع. أما عندما يصبح الوطن مرادفاً للزعيم، وتصبح الدولة امتداداً للحزب، فإن المؤسسات تضعف، وتصبح البلاد رهينة التوازنات الشخصية والسياسية، لا رهينة الدستور والقانون.

إن مستقبل لبنان لن يُصنع بالشعارات ولا بالمزايدات، بل ببناء عقد وطني جديد، يكون أساسه احترام الإنسان، وصون المال العام، واستقلال القضاء، وتعزيز التعليم، وحماية الحريات، وترسيخ مفهوم الدولة المدنية التي تعامل جميع مواطنيها على قدم المساواة. فهذه هي الأسس التي بنت عليها الأمم الناجحة نهضتها، وهي نفسها الأسس التي يحتاجها لبنان للخروج من أزماته.

لقد ترك مانديلا لشعبه أعظم وصية سياسية عندما قال إنه يقف أمامهم خادماً لا رسولاً. ففي هذه العبارة تختصر فلسفة الحكم الرشيد كلها، لأنها تجعل المسؤول في خدمة المواطن، لا المواطن في خدمة المسؤول. ولو تحولت هذه الفلسفة إلى ثقافة سياسية في لبنان، لتبدلت صورة الدولة، ولأصبحت المؤسسات ملاذاً للمواطن لا عبئاً عليه، ولتحول المنصب العام إلى أمانة وطنية لا وسيلة لتحقيق المكاسب.

وفي النهاية، فإن لبنان لا تنقصه الإمكانات ولا العقول ولا الطاقات البشرية، بل تنقصه القيادة التي تؤمن بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن التاريخ لا يخلّد من حكموا طويلاً، بل يخلّد من خدموا بإخلاص. وبين مانديلا الذي غادر السلطة تاركاً خلفه دولة أقوى، وبين تجارب سياسية أبقت الدولة ضعيفة حفاظاً على النفوذ، تتجلى الحقيقة التي لا يختلف عليها التاريخ: الأمم العظيمة لا يصنعها حكام يبحثون عن المجد لأنفسهم، بل قادة يجعلون مجدهم في نهضة أوطانهم، ويكتبون أسماءهم في ذاكرة الشعوب لا على جدران القصور.

  1. الخاتمة

في نهاية هذا المقال، لا تبدو المقارنة بين الزعيم نيلسون مانديلا والسياسيين الذين تعاقبوا على حكم لبنان مجرد مقارنة بين رجل وآخر، بل بين فلسفتين متناقضتين في الحكم: فلسفة ترى السلطة تكليفاً لا تشريفاً، والدولة أكبر من الحاكم، والشعب مصدر الشرعية؛ وفلسفة أخرى جعلت الكرسي غايةً بحد ذاته، حتى لو كان الثمن انهيار الاقتصاد، وشلل المؤسسات، ونهب مدخرات المواطنين، وإغراق الشباب في براثن المخدرات، ودفعهم إلى الهجرة، وضياع مستقبل وطن بأكمله.

خرج مانديلا من السجن من دون أن يحمل حقداً، ووصل إلى الحكم من دون أن يسعى إلى الانتقام، وغادر السلطة من دون أن يتشبث بها، فدخل التاريخ من أوسع أبوابه. أما كثير من حكام منطقتنا، فقد دخلوا السلطة تحت رايات الإصلاح، لكنهم غادروها، أو ما زالوا يتشبثون بها، تاركين خلفهم دولاً مثقلة بالأزمات والديون والانقسامات، لأنهم تعاملوا مع الدولة بوصفها وسيلةً للبقاء، لا مسؤوليةً تجاه المواطنين.

إن لبنان لا يحتاج إلى زعيم جديد بقدر ما يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة، يكون فيها المسؤول خادماً للمصلحة العامة، لا سيداً عليها، ويُنظر إلى المنصب على أنه مسؤولية مؤقتة لا امتياز دائم. فالمجد لا تصنعه سنوات البقاء في الحكم، بل المؤسسات التي تبقى بعد رحيل الحاكم، والعدالة التي يشعر بها المواطن، والازدهار الذي يورَّث للأجيال.

ولعل أعظم درس يقدمه مانديلا ليس كيف ينتصر القائد على خصومه، بل كيف ينتصر على نفسه؛ على أنانيته، وعلى شهوة السلطة، وعلى إغراء البقاء فيها. فالقائد الحقيقي هو الذي يرحل تاركاً دولةً أقوى مما تسلّمها، لا أزمةً أكبر مما ورثها.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل لبناني: كيف كان سيبدو لبنان لو أن من حكمه أحب الوطن أكثر مما أحب السلطة؟ وكم من الانهيارات كان يمكن تجنبها لو اعتُبرت الدولة أمانة لا غنيمة، والمنصب خدمة لا ملكية؟

إن الأوطان لا تموت بسبب قلة الثروات، بل بسبب ندرة القادة الذين يضعون الوطن فوق مصالحهم. لذلك سيبقى نيلسون مانديلا رمزاً لرجل عاش من أجل وطنه، بينما لن يرحم التاريخ من جعلوا أوطانهم تعيش من أجل بقائهم.

وفي لبنان، يبدو أن بعض السياسيين ابتكروا معادلةً فريدة في علم السياسة: كلما ضعفت الدولة، ازدادوا إصراراً على أنهم وحدهم القادرون على إنقاذها، وكلما تعطلت المؤسسات، ارتفعت أسهمهم بوصفهم “صمام الأمان”. أما الإصلاح الحقيقي، فيبقى بالنسبة إليهم مشروعاً مؤجلاً، لأنه يهدد منظومةً اعتادت أن تزدهر في الفوضى والنهب أكثر مما تزدهر في النظام.

والمفارقة التي تكاد تكون كوميدية سوداء أن المواطن يُطالَب في كل أزمة بالصبر، والتضحية، وشد الأحزمة، بينما لا يُطلب من الطبقة السياسية سوى شيء واحد: ألا تغادر مواقعها. تتبدل أسعار العملات، وتتغير الحكومات، ويهاجر الشباب، وتتآكل المدخرات، لكن الوجوه نفسها تبقى، حتى ليخيّل للمرء أن المشكلة الوحيدة التي لا يعانيها لبنان هي شغور الكراسي السياسية.

وهكذا، لا يُقاس الفرق بين مانديلا وكثير من السياسيين اللبنانيين بعدد سنوات الحكم، بل بالأثر الذي تركه كل منهم. فهناك من غادر المنصب فبقي حاضراً في ضمير أمته، وهناك من بقي في المنصب حتى غابت الدولة عن حياة مواطنيها. أما التاريخ، فهو أقل اهتماماً بمن أطال الجلوس على الكرسي، وأكثر وفاءً لمن جعل وطنه يقف بثبات على قدميه.

أخبار ذات صلة

بحث

10/08/2026

...

بحث

07/08/2026

...

بحث

06/08/2026

...

ينبغي للقاضي أن يكون يوماً في القضاء ويوماً في البكاء على نفسه” الفضيل بن عياض، أحد أعلام أهل السنة في القرن الثاني الهجري
بحث

ينبغي للقاضي أن يكون يوماً في القضاء ويوماً في البكاء على نفسه” الفضيل بن عياض، أحد أعلام أهل السنة في القرن الثاني الهجري

05/08/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
روجيه زكاريضع شركته كومن للتأمينفي خدمة السياحة والإصطياففي لبنان...

روجيه زكار يضع شركته كومن للتأمين في خدمة السياحة والإصطياف في لبنان...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups