في لحظة توصف بأنها قد تكون مفصلية في تاريخ مكافحة شلل الأطفال، أكدت منظمة الصحة العالمية أن باكستان تقف أمام فرصة تاريخية لوقف انتقال فيروس شلل الأطفال خلال الأشهر الستة المقبلة، داعية إلى مضاعفة الجهود الصحية والميدانية للحفاظ على التقدم الكبير الذي تحقق خلال العقود الماضية.
وجاء هذا التأكيد خلال زيارة المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط الدكتورة حنان بلخي إلى باكستان، ضمن بعثة رفيعة المستوى من مجلس مراقبة شلل الأطفال (POB)، حيث شددت على دعم المنظمة الكامل للجهود الرامية إلى القضاء على المرض، معتبرة أن الفترة المقبلة ستكون “حاسمة” في حصر الفيروس وإنهاء انتقاله.
وقالت الدكتورة بلخي إن باكستان تمتلك اليوم جميع الأدوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف، من لقاحات مثبتة الفعالية، إلى أحدث التقنيات العلمية، وصولاً إلى شبكة واسعة من العاملين الصحيين الذين يواصلون جهودهم في أصعب المناطق، مؤكدة أن القضاء على شلل الأطفال أصبح “في متناول اليد” إذا استمرت الالتزامات الحالية وتكثفت الجهود خلال الأشهر المقبلة.
وأضافت أن تكلفة عدم النجاح في هذه المرحلة ستكون أكبر بكثير من الاستثمارات المطلوبة لإنهاء المهمة، ليس فقط بالنسبة لباكستان، بل للمنطقة والعالم بأسره، لأن استمرار وجود الفيروس في أي منطقة يشكل خطراً على الأطفال في كل مكان.
وتأتي هذه الدعوة في وقت حققت فيه باكستان تقدماً كبيراً خلال السنوات الثلاثين الماضية، إذ انخفض عدد حالات شلل الأطفال بنسبة 99.8%، إلا أن البلاد سجلت حتى الآن 3 حالات إصابة بفيروس شلل الأطفال خلال عام 2026، مع تركّز انتقال العدوى بشكل أساسي في جنوب إقليم خيبر بختونخوا، وهي إحدى المناطق التي ما زالت تواجه تحديات أمنية وجغرافية تعيق الوصول الكامل إلى جميع الأطفال.
وخلال زيارتها، أشادت الدكتورة بلخي بـ”القيادة القوية” للحكومة الباكستانية في مواجهة الفيروس، مؤكدة أن حماية كل طفل من شلل الأطفال تتطلب تعاوناً حكومياً شاملاً، ودعماً مجتمعياً مستمراً، والتزاماً طويل الأمد من العاملين الصحيين والشركاء الدوليين.
وضمت البعثة الدولية عدداً من كبار المسؤولين في المؤسسات العالمية المعنية بالصحة والتنمية، من بينهم رئيس مجلس مراقبة شلل الأطفال ورئيس لجنة Rotary International PolioPlus مايك ماكغفرن، والمدير الإقليمي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف في آسيا والمحيط الهادئ سانجاي ويجيسيكيرا، إلى جانب ممثلين عن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وتحالف اللقاحات Gavi، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس، والمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC).
والتقت البعثة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ووزير الصحة الاتحادي سيد مصطفى كمال، ومسؤولي ملف استئصال شلل الأطفال، إضافة إلى قيادات عسكرية وصحية، كما التقت عدداً من العاملات الصحيات في الخطوط الأمامية اللواتي يشكلن جزءاً أساسياً من أكبر الحملات الوطنية للتطعيم.
وتشارك أكثر من 400 ألف عاملة وعامل صحي في جهود مكافحة شلل الأطفال في باكستان، وتشكل النساء نحو 60% من هذا العدد، حيث يتم حشدهم عدة مرات سنوياً للوصول إلى ملايين الأطفال، خصوصاً في المناطق النائية والصعبة.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن التعاون بين باكستان وأفغانستان يمثل عاملاً أساسياً في القضاء النهائي على الفيروس، باعتبار البلدين آخر دولتين في العالم لا يزال فيهما فيروس شلل الأطفال البري متوطناً.

وكانت البعثة قد زارت أفغانستان قبل توجهها إلى باكستان، حيث سجلت البلاد 7 حالات إصابة بشلل الأطفال خلال العام الحالي، ما يجعل التنسيق بين البلدين ضرورة صحية عالمية، نظراً للحركة المستمرة للسكان عبر الحدود.
وقالت الدكتورة بلخي إن باكستان وأفغانستان تشكلان “كتلة وبائية واحدة”، وإن التعاون الوثيق بين برامج القضاء على شلل الأطفال وبرامج التحصين الروتيني ضروري لضمان توقف انتقال الفيروس بشكل مستدام ومنع عودته مستقبلاً.
ويُعد شلل الأطفال من الأمراض الفيروسية شديدة العدوى التي يمكن أن تسبب شللاً دائماً، ولا يوجد علاج للمرض بعد الإصابة، لكن يمكن الوقاية منه بشكل كامل تقريباً عبر اللقاحات الآمنة والفعالة.
وتستند عمليات مكافحة شلل الأطفال في باكستان إلى واحدة من أكثر شبكات الترصد الصحي حساسية في العالم، تضم أكثر من 12,500 موقعاً للإبلاغ عن حالات الشلل الرخو الحاد، إضافة إلى 127 موقعاً للمراقبة البيئية، بدعم من المختبر الإقليمي المرجعي المعتمد من منظمة الصحة العالمية.
ويرى خبراء الصحة العالمية أن الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة قد تحدد مستقبل المعركة ضد شلل الأطفال، فإما أن تنجح الجهود المتواصلة منذ عقود في إغلاق آخر بؤر الفيروس، أو أن يؤدي أي تراجع في حملات التطعيم والمراقبة الصحية إلى عودة الخطر وانتشاره من جديد.
وفي ظل التقدم الكبير الذي تحقق، تبقى الرسالة الأساسية لمنظمة الصحة العالمية واضحة: لا يمكن حماية أي طفل في العالم ما دام هناك طفل واحد لا يزال معرضاً لخطر شلل الأطفال.

























































