حين يفقد المواطن ثقته بالدولة، لا يكون الأمر مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية عابرة، بل يكون دليلاً على خلل عميق في العلاقة بين السلطة والإنسان. فالدولة التي وُجدت لحماية أبنائها قد تتحول، عندما تنحرف عن رسالتها، إلى مصدر خوف ومعاناة، فيشعر المواطن أن المؤسسة التي كان يفترض أن تمنحه الأمان أصبحت سبباً في ضعفه وإحباطه. ومن هنا تبرز المأساة الكبرى عندما تتحول الدولة من بيت يحتضن أبناءها إلى قوة تستنزفهم، فتأكل أحلامهم قبل أن تأكل حاضرهم.
د. الياس ميشال الشويري
كانت الدولة في وجدان الإنسان دائماً الحصن الأخير الذي يلجأ إليه عندما تضيق به الحياة، والبيت الكبير الذي يفترض أن يجمع أبناءه تحت سقف العدالة والأمان. فالدولة لم تُخلق لكي تكون سيفاً فوق رقاب مواطنيها، ولا خزينةً يتقاسمها أصحاب النفوذ، ولا سلطةً تُمارس باسم القانون بينما تُفرغ القانون من معناه. الدولة الحقيقية هي وعدٌ بالكرامة، وعقدٌ بالثقة، ومسؤوليةٌ تاريخية تجاه الإنسان الذي منحها شرعيته.
لكن المأساة تبدأ عندما تنقلب المعادلة، وعندما يصبح المواطن خادماً للدولة بدل أن تكون الدولة خادمة له، وعندما يتحول الحاكم من مؤتمن على الوطن إلى مستفيد منه، وعندما تصبح حقوق الناس مطالب مؤجلة بينما تبقى امتيازات السلطة محفوظة. عندها تظهر الحقيقة القاسية التي عبّر عنها أيمن العتوم بقوله: “من كان يتخيّل يومها: أن الدولة تأكل أبناءها؛ هل كانت الدولة القطّة المرعوبة ونحن صغارها؟!” فالدولة التي تأكل أبناءها لا تحتاج إلى عدو خارجي لكي تنهار، لأنها تبدأ بتدمير نفسها من الداخل عندما تفقد رسالتها الأخلاقية.
ولعل لبنان يقدم صورة مؤلمة لهذه المأساة، حيث عاش المواطن سنوات طويلة بين أزمات متراكمة جعلته يشعر بأن الدولة التي يفترض أن تحميه أصبحت عاجزة عن حمايته، وأن السلطة التي يفترض أن تخدمه تحولت في كثير من الأحيان إلى عبء يثقل حياته. من نهب المال العام، إلى انهيار الاقتصاد، إلى ضياع مدخرات الناس، إلى الإذلال اليومي أمام أبسط مقومات الحياة، وجد اللبناني نفسه يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، ويحمل أعباء قرارات لم يشارك في صنعها.
إن أخطر ما حدث لم يكن فقط خسارة الأموال أو تراجع الخدمات، بل خسارة الثقة. فالشعوب قد تصبر على الفقر، لكنها لا تصبر على الظلم؛ وقد تتحمل الأزمات، لكنها لا تتحمل أن تشعر بأن من يفترض أن يحميها هو نفسه سبب معاناتها. وعندما يصل المواطن إلى مرحلة يسأل فيها: “هل هذه الدولة لنا أم علينا؟” تكون الأزمة قد تجاوزت السياسة والاقتصاد لتصبح أزمة وجود وانتماء.
إن قصة الدولة التي تأكل أبناءها ليست قصة وطن واحد، بل تحذير لكل مجتمع يسمح بتحويل السلطة إلى غنيمة، والقانون إلى أداة انتقائية، والمواطن إلى رقم بلا صوت. فالأوطان لا تنهار فقط عندما تُهزم في الحروب، بل تنهار عندما يفقد أبناؤها الإيمان بأنها تستحق الدفاع عنها. ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة استعادة الدولة قبل أن تفقد أبناءها نهائياً.
- الدولة كفكرة إنسانية وانحرافها عن رسالتها
الدولة في معناها الأسمى ليست مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات إدارية أو أجهزة أمنية، بل هي عقد أخلاقي وإنساني بين الإنسان والسلطة التي تحكمه. فقد نشأت فكرة الدولة أساساً لكي تضع حداً للخوف والفوضى، ولكي تؤمن للمواطن الحماية والعدالة والكرامة، لا لكي تتحول إلى مصدر جديد للخوف والقهر. فالإنسان عندما يقبل بوجود سلطة فوقه لا يفعل ذلك لأنه يحب الخضوع، بل لأنه يؤمن بأن هذه السلطة ستوفر له الأمن والاستقرار وتحفظ حقوقه وتصون مستقبله.
لكن المأساة تبدأ عندما تنحرف الدولة عن رسالتها الأصلية، وعندما تتحول من مؤسسة تخدم المجتمع إلى أداة تخدم فئة محددة من الحكام أو أصحاب النفوذ. عندها يصبح القانون وسيلة لحماية الأقوياء بدل أن يكون درعاً للضعفاء، وتتحول المؤسسات من فضاءات لخدمة المواطن إلى مراكز لتكريس المصالح الخاصة. الدولة التي كان يفترض أن تكون بيتاً جامعاً لأبنائها تصبح بيتاً مغلقاً لا يدخله إلا أصحاب السلطة والامتيازات.

إن عبارة “الدولة تأكل أبناءها” تعبّر عن لحظة سقوط المعنى الأخلاقي للدولة، عندما يصبح المواطن هو الطرف الذي يدفع الثمن دائماً. فهي لا تأكله فقط عبر القمع المباشر، بل أيضاً عبر الفقر، والإهمال، وغياب العدالة، وانهيار الخدمات، وسلبه الشعور بالأمان. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها من الفقر والظلم والفساد تكون قد تخلت عن أهم وظائفها، حتى لو بقيت أعلامها ومؤسساتها قائمة.
وفي الحالة اللبنانية، ظهر هذا الانحراف بوضوح عندما فقد المواطن ثقته بالدولة نتيجة عقود من الأزمات المتراكمة. فبدلاً من أن تكون الدولة المرجعية التي يلجأ إليها الجميع، أصبحت في نظر كثيرين عاجزة عن تأمين أبسط الحقوق، من الكهرباء والماء والطبابة والتعليم إلى حماية المدخرات وتأمين فرص العمل. لقد شعر اللبناني أن الدولة لا تحميه من الأزمات، بل تتركه وحيداً في مواجهتها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يصبح المواطن خائفاً من الدولة بدل أن يشعر بالأمان في ظلها. فالخوف من الدولة يعني انهيار العلاقة الطبيعية بين الحاكم والمحكوم، وتحول المواطنة من شراكة إلى عبء. وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة يشعر فيها أن وطنه لا يمنحه سوى الضرائب والأزمات والقيود، بينما يحرم منه الحقوق والكرامة، تبدأ فكرة الانتماء نفسها بالتآكل.
الدولة الحقيقية لا تُقاس بعدد القوانين التي تصدرها ولا بعدد المباني الحكومية التي تملكها، بل بقدرتها على احترام الإنسان الذي يعيش تحت سلطتها. فالدولة التي تحفظ كرامة مواطنيها تكسب ولاءهم، أما الدولة التي تهينهم وتستنزفهم فإنها تزرع فيهم الإحباط والغربة حتى وهم يعيشون على أرضهم.
ومن هنا فإن إصلاح الدولة لا يبدأ فقط بتغيير الأشخاص، بل بإعادة بناء الفكرة نفسها: أن السلطة أمانة وليست امتيازاً، وأن الحاكم موظف عند الشعب وليس مالكاً للوطن، وأن المواطن ليس رقماً انتخابياً أو مصدراً للضرائب، بل هو جوهر وجود الدولة وسبب قيامها. فحين تنسى الدولة أبناءها، يبدأ الأبناء بفقدان ثقتهم بها، وحين تفقد الدولة ثقة شعبها، تبدأ رحلة الانهيار الحقيقي.
- لبنان والدولة التي فقدت ثقة مواطنيها
لم تكن أزمة الثقة بين المواطن اللبناني والدولة وليدة لحظة واحدة، بل كانت نتيجة تراكم طويل من التجارب المريرة التي جعلت اللبناني يشعر تدريجياً بأن الدولة التي يفترض أن تكون مظلته الحامية أصبحت بعيدة عنه، عاجزة عن تلبية حاجاته، وأحياناً سبباً مباشراً في معاناته. فالثقة بين الشعب والدولة لا تُبنى بالكلمات والخطب، بل تُبنى بالممارسة اليومية، عندما يرى المواطن أن القانون يحميه، وأن المؤسسات تعمل من أجله، وأن المسؤولية تُمارس كخدمة عامة لا كوسيلة للنفوذ والمكاسب.
منذ عقود، عاش لبنان حالة معقدة من ضعف الدولة أمام نفوذ الزعامات والطوائف والمصالح الخاصة، حيث لم تنجح المؤسسات الرسمية في أن تكون المرجعية الوحيدة لجميع المواطنين. فبدلاً من أن يشعر اللبناني بأنه مواطن في دولة واحدة، وجد نفسه في كثير من الأحيان مضطراً للبحث عن حماية أو خدمات عبر شبكات سياسية وطائفية، وكأن الحصول على الحقوق أصبح مرتبطاً بالانتماء لا بالمواطنة.
لقد ساهمت الحروب والانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية في إضعاف مفهوم الدولة، لكن المشكلة لم تكن فقط في العوامل الخارجية، بل أيضاً في الطريقة التي أُدير بها البلد بعد انتهاء الحرب. فقد كان اللبناني يأمل أن تكون مرحلة السلم فرصة لبناء دولة قوية وحديثة، إلا أن ما حدث في مراحل كثيرة كان إعادة إنتاج لنظام يقوم على تقاسم النفوذ بدل بناء المؤسسات، وعلى إدارة الأزمات بدل حل جذورها.
مع مرور السنوات، بدأ المواطن يشعر أن الدولة لا تراه إلا عندما تحتاج إلى واجباته، من دفع الضرائب والالتزام بالقوانين، لكنها تغيب عندما يحتاج إليها للحصول على حقوقه الأساسية. فعندما ينقطع التيار الكهربائي، وتنهار الخدمات الصحية، وتتراجع القدرة الشرائية، ويصبح التعليم والطبابة عبئاً ثقيلاً، يشعر الإنسان أن العقد بينه وبين الدولة قد تم كسره.
لقد وصل فقدان الثقة إلى ذروته مع الانهيار الاقتصادي والمالي الذي أصاب لبنان، حيث وجد المواطن أن سنوات عمله وتعبه ومدخراته أصبحت مهددة، بينما بقيت المسؤولية السياسية موزعة بين أطراف كثيرة دون محاسبة حقيقية. لم تكن الأزمة المالية مجرد انهيار أرقام ومؤشرات اقتصادية، بل كانت انهياراً نفسياً وأخلاقياً لعلاقة المواطن بوطنه، لأن الإنسان عندما يفقد ثمرة عمره يشعر بأن جزءاً من حياته قد سُلب منه.
الأكثر إيلاماً أن المواطن اللبناني لم يشعر فقط بالفقر، بل شعر بالإهانة. فالفقر يمكن للإنسان أن يتحمله عندما يشعر بأن هناك عدالة وأملاً بالمستقبل، لكن عندما يرى أن البعض يعيشون داخل منظومة امتيازات بينما يعاني عامة الناس من أبسط الاحتياجات، يتحول الألم الاقتصادي إلى شعور عميق بالظلم.
إن فقدان الثقة بالدولة اللبنانية لم يكن بسبب ضعف الإمكانيات، فلبنان يمتلك طاقات بشرية وثقافية واقتصادية كبيرة، بل بسبب غياب الإدارة الرشيدة وغياب المحاسبة وتحول الدولة في فترات كثيرة إلى ساحة صراع بين القوى السياسية. فالمشكلة الأساسية لم تكن في الوطن، بل في الطريقة التي أُدير بها هذا الوطن.
ومع ذلك، فإن انهيار الثقة لا يعني نهاية الدولة، لأن الشعوب قادرة على إعادة بناء أوطانها عندما تستعيد مؤسساتها دورها الحقيقي. فلبنان يحتاج إلى دولة يشعر المواطن بأنها دولته هو، لا دولة مجموعة من أصحاب النفوذ. يحتاج إلى دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والمواطنة أقوى من الولاءات الضيقة، والمسؤولية مقدمة على المصالح الخاصة.
إن أخطر ما فعلته الأزمات المتراكمة ليس فقط أنها أضعفت الاقتصاد أو الخدمات، بل أنها دفعت جيلاً كاملاً إلى التساؤل عن معنى الانتماء. فعندما يسأل الشاب اللبناني: “هل لي مستقبل في وطني؟” يكون السؤال موجهاً في الحقيقة إلى الدولة نفسها. لأن الدولة التي تفقد أبناءها لا تفقدهم بسبب نقص حبهم لها، بل لأنها فشلت في أن تمنحهم سبباً للبقاء فيها.
وهنا تكمن المأساة الكبرى: أن لبنان لم يخسر أبناءه لأنهم لا يحبونه، بل لأن كثيرين منهم شعروا أن الوطن الذي أحبوه لم يعد قادراً على حمايتهم. فالدولة التي تفقد ثقة مواطنيها تفقد أهم عناصر قوتها، لأن قوة أي وطن لا تأتي فقط من أرضه أو موارده، بل من الإيمان الذي يحمله أبناؤه بأنه وطن يستحق الدفاع عنه.
- من نهب المال العام إلى سرقة أحلام الناس
إن أخطر أشكال انهيار الدولة ليس فقط عندما تفشل في تأمين الخدمات أو إدارة المؤسسات، بل عندما تتحول مواردها وثرواتها إلى غنائم تتقاسمها قوى النفوذ، وعندما يصبح المال العام الذي يفترض أن يكون ملكاً لكل المواطنين وسيلة لإثراء قلة على حساب الأكثرية. فنهب المال لا يعني فقط اختفاء أرقام من خزينة الدولة، بل يعني سرقة مدارس ومستشفيات وفرص عمل وبنى تحتية ومستقبلاً كاملاً كان يمكن أن يُبنى لو وُجهت هذه الأموال إلى خدمة الناس.
في لبنان، ارتبط مفهوم الدولة عند كثير من المواطنين خلال السنوات الماضية بصورة مؤلمة عن الهدر والفساد وسوء الإدارة. فقد شعر اللبناني أن ثروات وطنه لم تُستخدم لبناء دولة قوية، بل ذهبت في كثير من الأحيان نتيجة سياسات خاطئة وشبكات مصالح متداخلة، بينما بقي المواطن يدفع الثمن عبر الضرائب والرسوم وتراجع الخدمات وانهيار مستوى المعيشة. فالمشكلة لم تكن فقط في حجم الأموال التي ضاعت، بل في الفرص التي ضاعت معها.
إن سرقة المال العام هي في جوهرها سرقة لحق المواطن في الحياة الكريمة. فعندما تُهدر الأموال المخصصة للكهرباء، فإن المواطن لا يخسر أرقاماً في الموازنة، بل يخسر ساعات من الراحة والعمل والتعليم. وعندما تضيع الأموال المخصصة للصحة، فإن المواطن يخسر حقه في العلاج الآمن. وعندما يفشل الاستثمار في الاقتصاد، فإن الشباب يخسرون فرصهم في بناء مستقبل داخل وطنهم.
لكن الأخطر من نهب المال العام هو نهب الثقة. فالمواطن يمكن أن يتحمل أزمة اقتصادية مؤقتة إذا شعر أن هناك عدالة وأن الجميع يتحملون المسؤولية، لكنه يفقد الأمل عندما يرى أن الخسائر تقع دائماً على الطبقات الأضعف، بينما تبقى مراكز النفوذ بعيدة عن المحاسبة. عندها لا يعود الأمر مجرد أزمة مالية، بل يتحول إلى شعور عميق بأن النظام كله غير عادل.
وقد شكل الانهيار المالي والمصرفي في لبنان نقطة تحول كبرى في علاقة المواطن بمؤسسات الدولة والنظام الاقتصادي. فقد وجد آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام واقع لم يتوقعوه، حيث أصبحت مدخرات العمر مهددة، وأصبح المواطن الذي عمل لعقود من أجل تأمين مستقبل عائلته يشعر بأن جهده لم يعد مضموناً. لم تكن الخسارة مالية فقط، بل كانت خسارة للكرامة وللشعور بالأمان الذي يفترض أن توفره المؤسسات.
إن ما حدث كشف أيضاً مشكلة أعمق، وهي غياب مبدأ المسؤولية. فالدول لا تنهار فقط بسبب الأزمات، بل تنهار عندما لا يجد المواطن من يتحمل مسؤولية الأخطاء. فالخطأ الإداري يمكن إصلاحه، والأزمة الاقتصادية يمكن تجاوزها، لكن فقدان العدالة والمحاسبة يجعل الجرح أكثر عمقاً، لأنه يشعر الناس بأنهم يعيشون في نظام لا يعترف بمعاناتهم.
لقد تحولت أحلام كثير من اللبنانيين من بناء حياة مستقرة في وطنهم إلى مجرد البحث عن طريقة للصمود. فبدلاً من أن يفكر الشاب في تطوير نفسه أو تأسيس مشروع أو بناء عائلة، أصبح يفكر في كيفية مواجهة الغلاء والهجرة وتأمين أبسط مقومات الحياة. وهنا يظهر المعنى الحقيقي لعبارة “الدولة تأكل أبناءها“: فهي لا تأكلهم فقط عندما تسلبهم أموالهم في المصارف، بل عندما تسلبهم أحلامهم وطموحاتهم وإيمانهم بالمستقبل.
إن الوطن لا يُبنى فقط بالطرقات والجسور والمباني، بل يُبنى بالثقة التي يشعر بها المواطن بأن تعبه لن يذهب هدراً. وعندما تُسرق ثقة الإنسان بوطنه، يصبح الانهيار أكبر من انهيار اقتصادي؛ يصبح انهياراً في العلاقة بين الإنسان والمكان الذي ينتمي إليه.
إن لبنان لا يحتاج فقط إلى استعادة الأموال المنهوبة أو إصلاح النظام المالي، بل يحتاج إلى استعادة مفهوم الدولة كأمانة عامة. فالدولة التي تحترم أموال مواطنيها تحترمهم، والدولة التي تحمي تعبهم تحمي مستقبلها. أما الدولة التي تسمح بنهب ثرواتها وسرقة أحلام أبنائها، فإنها في النهاية تخسر أغلى ما تملك: شعبها وثقته بها.
- إذلال المواطن كأداة لإخضاع المجتمع
ليس الفقر وحده ما يدمّر علاقة الإنسان بوطنه، بل الإحساس بالذل والعجز وفقدان الكرامة. فالشعوب قد تصبر على الأزمات عندما تؤمن بأن هناك دولة تقف إلى جانبها، وقد تتحمل الصعوبات عندما تشعر بأن المسؤولين يشاركونها المعاناة ويسعون إلى الحل. أما عندما يشعر المواطن بأن الدولة التي يفترض أن تحميه أصبحت سبباً في إذلاله، فإن الجرح يصبح أعمق من أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية.
إن كرامة الإنسان هي الأساس الذي تقوم عليه فكرة الدولة الحديثة. فالمواطن لا يريد من دولته مجرد وثائق رسمية أو شعارات وطنية، بل يريد أن يشعر بأنه محترم، وأن حقوقه ليست منّة من أحد، وأن حصوله على الخدمات الأساسية ليس معركة يومية. لكن عندما يضطر الإنسان إلى الانتظار الطويل للحصول على أبسط حقوقه، أو إلى البحث عن واسطة لإنجاز معاملاته، أو إلى الوقوف عاجزاً أمام انهيار الخدمات، فإن الدولة تتحول في نظره من مصدر أمان إلى مصدر معاناة.
في لبنان، أصبح الإذلال جزءاً من تجربة المواطن اليومية خلال سنوات الانهيار. فقد وجد اللبناني نفسه في مواجهة سلسلة طويلة من الإهانات غير المعلنة: إذلال البحث عن الدواء، إذلال الوقوف أمام محطات الوقود، إذلال فقدان القدرة على دفع الأقساط المدرسية والجامعية، إذلال البحث عن الكهرباء، وإذلال الشعور بأن راتبه الذي عمل من أجله سنوات لم يعد قادراً على تأمين حياة كريمة.
لكن أخطر أنواع الإذلال هو ذلك الذي يصيب علاقة الإنسان بوطنه. فعندما يشعر المواطن أنه غريب في بلده، وأن حقوقه تحتاج إلى معركة، وأن صوته لا يصل إلى أصحاب القرار، يبدأ بفقدان الإحساس بالانتماء. فالإنسان لا يترك وطنه فقط بسبب الفقر، بل يتركه عندما يشعر أن كرامته لم تعد محفوظة فيه.

لقد أدى ضعف المؤسسات في لبنان إلى جعل المواطن في كثير من الأحيان مضطراً للبحث عن حلول فردية لمشاكل يفترض أن تعالجها الدولة. فبدلاً من أن تكون المؤسسات الرسمية هي المرجع الطبيعي، أصبح البعض يعتمد على العلاقات الشخصية أو الولاءات السياسية أو المساعدات الخاصة للحصول على ما هو حق أساسي. وهذا الأمر لا يضعف المواطن فقط، بل يضعف مفهوم الدولة نفسها، لأنه يحول الحقوق إلى امتيازات.
إن إذلال المواطن ليس مجرد نتيجة للفشل الإداري، بل يمكن أن يصبح وسيلة غير مباشرة لإبقاء المجتمع ضعيفاً ومشتتاً. فالمواطن الذي يكافح يومياً لتأمين احتياجاته الأساسية لا يملك دائماً الوقت والطاقة للمطالبة بالإصلاح والمحاسبة. وعندما يصبح همّ الإنسان الأول هو البقاء، يصبح من الأسهل على الفاسدين الاستمرار، لأن المجتمع المنهك يصعب عليه مواجهة منظومات قوية ومتجذرة.
لقد عانى اللبنانيون طويلاً من شعور بأنهم يدفعون ثمن قرارات لم يشاركوا فيها، ويتحملون نتائج أخطاء لم يرتكبوها. المواطن الذي التزم بالقانون، وعمل بجد، ودفع ما عليه من واجبات، وجد نفسه أمام دولة لا تقدم له الحماية نفسها التي يلتزم هو بتقديمها لها. وهذا التناقض هو أحد أسباب الغضب الشعبي وفقدان الثقة بالمؤسسات.
إن الدولة القوية ليست الدولة التي تملك أجهزة كثيرة أو قوانين صارمة فقط، بل الدولة التي تجعل الإنسان يشعر بالأمان والاحترام. فالقوة الحقيقية للدولة تأتي من مواطنين يؤمنون بها، لا من مواطنين يخافون منها. وكلما زاد احترام الدولة للمواطن، زاد استعداد المواطن للدفاع عنها، وكلما زاد إذلالها له، زاد ابتعاده عنها.
إن مأساة لبنان الكبرى ليست فقط في انهيار الاقتصاد أو ضعف المؤسسات، بل في الجرح المعنوي الذي أصاب المواطن عندما شعر أن وطنه لم يعد المكان الذي يحمي كرامته. فالدولة التي تُذل أبناءها تفقد شرعيتها الأخلاقية، لأن الإنسان قد يتحمل الفقر، وقد يتحمل الأزمات، لكنه يصعب عليه أن يتحمل شعور أنه غير محترم في وطنه.
وفي النهاية، فإن استعادة لبنان لا تبدأ فقط بإصلاح الأرقام والميزانيات، بل بإعادة الاعتبار للإنسان اللبناني نفسه. فقبل إعادة بناء الحجر، يجب إعادة بناء الكرامة؛ وقبل إصلاح المؤسسات، يجب إصلاح العلاقة بين المواطن والدولة. لأن الوطن الذي يحترم أبناءه يبقى في قلوبهم، أما الوطن الذي يذلهم فإنه يدفعهم إلى البحث عن وطن آخر يحفظ لهم ما فقدوه.
- الحكام الذين تعاملوا مع الوطن كغنيمة
من أخطر اللحظات التي تمر بها أي دولة هي اللحظة التي يفقد فيها الحاكم إحساسه بأن السلطة مسؤولية، ويتعامل معها باعتبارها فرصة للسيطرة والامتيازات والمكاسب الخاصة. فالحكم في جوهره ليس ملكية شخصية ولا إرثاً يُورّث، بل هو أمانة مؤقتة يمنحها الشعب لمن يثق به لإدارة شؤونه وحماية مصالحه. وعندما تتحول السلطة من خدمة عامة إلى وسيلة لتحقيق النفوذ، تبدأ الدولة بفقدان معناها الحقيقي، ويصبح المواطن أول ضحايا هذا الانحراف.
إن الحاكم الذي يرى الوطن غنيمة لا ينظر إلى الدولة باعتبارها مؤسسة لجميع أبنائها، بل باعتبارها مساحة لتوزيع النفوذ والمكاسب. فهو لا يسأل كيف نبني اقتصاداً قوياً، أو كيف نحسن التعليم والصحة، أو كيف نضمن العدالة، بل يسأل كيف نحافظ على مواقعنا وكيف نزيد من قدرتنا على التحكم. وعندما يسود هذا التفكير، تتحول مؤسسات الدولة من أدوات لخدمة المجتمع إلى أدوات لحماية أصحاب السلطة.
في لبنان، ارتبطت معاناة المواطنين لعقود طويلة بشعور متزايد بأن الدولة لم تُدار دائماً بمنطق بناء المؤسسات، بل بمنطق التسويات السياسية وتقاسم النفوذ. فقد أدى ضعف مفهوم الدولة الجامعة إلى نشوء واقع أصبحت فيه بعض القوى السياسية تتعامل مع مؤسسات الدولة كمساحات نفوذ، مما أضعف قدرتها على العمل باستقلالية وعلى تقديم الخدمات على أساس المواطنة لا على أساس الولاء.
إن أخطر ما تفعله الطبقة الحاكمة عندما تتعامل مع الوطن كغنيمة هو أنها تُضعف فكرة المسؤولية. فالحاكم الذي يعتبر المنصب امتيازاً وليس تكليفاً يفقد القدرة على الاعتراف بالأخطاء، لأن الاعتراف يعني المساءلة، والمساءلة تهدد المصالح التي بُنيت على النفوذ. وهكذا يصبح الدفاع عن السلطة أهم من الدفاع عن الدولة، وتصبح حماية المواقع أهم من حماية المواطنين.
لقد عانى لبنان من نتائج هذا النهج في مراحل مختلفة، حيث دفع المواطن ثمن غياب الرؤية الوطنية طويلة الأمد، وثمن القرارات التي اتُّخذت أحياناً وفق حسابات سياسية ضيقة بدل المصلحة العامة. فبدلاً من بناء اقتصاد منتج، وتعزيز مؤسسات الرقابة، وتطوير الإدارة العامة، بقيت البلاد أسيرة أزمات متكررة تتراكم من دون معالجة جذرية.
إن الوطن لا يُنهب فقط عندما تُسرق أمواله، بل يُنهب أيضاً عندما تُسرق فرصه. فكل شاب اضطر إلى الهجرة بسبب غياب الفرص هو خسارة وطنية، وكل مشروع أُغلق بسبب الفوضى الاقتصادية هو خسارة وطنية، وكل مواطن فقد ثقته بمؤسساته هو خسارة وطنية. فالفساد الحقيقي لا يقاس فقط بما اختفى من الخزينة، بل بما ضاع من إمكانيات كان يمكن أن تجعل الوطن أفضل.
ومن أخطر نتائج حكم العقلية الغنائمية أنها تخلق مجتمعاً يشعر فيه المواطن بأن النجاح لا يعتمد على الكفاءة والعمل، بل على القرب من مراكز القوة. وعندما ينتشر هذا الشعور، تضعف قيمة الاجتهاد والنزاهة، ويبدأ الشباب بفقدان الإيمان بأن وطنهم يمكن أن يكافئهم على تعبهم. وهذا يؤدي إلى هجرة العقول وتراجع روح المبادرة والإبداع.
إن الدولة التي يحكمها منطق الغنيمة تتحول تدريجياً إلى دولة تخدم من هم في داخل دائرة السلطة أكثر مما تخدم الشعب كله. فتتسع الفجوة بين الحاكم والمواطن، ويصبح المواطن يشعر بأنه مجرد أداة انتخابية أو رقم يُستدعى عند الحاجة، ثم يُترك لمواجهة الأزمات وحده بعد انتهاء المواسم السياسية.
لكن التاريخ يثبت أن الدول لا تُبنى بالأشخاص، بل بالمؤسسات. وقد يكون تغيير الحكام ضرورياً، لكنه لا يكفي إذا بقيت الثقافة السياسية نفسها قائمة على المحاصصة وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يعود مفهوم السلطة إلى معناه الصحيح: خدمة الناس لا السيطرة عليهم.
إن لبنان لا يحتاج إلى حكام يرون في الوطن فرصة، بل إلى رجال دولة يرون فيه أمانة. فالوطن ليس شركة خاصة، وليس غنيمة حرب، وليس ملكاً لفئة دون أخرى. إنه ملك أبنائه جميعاً، ومن يتولى قيادته يجب أن يكون حارساً لهذه الأمانة لا مستفيداً منها.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب هو أن يشعر بأن الذين يديرون وطنه لا ينظرون إليه كبيت للجميع، بل كمصدر للنفوذ والثروة. فعندما يصبح الوطن غنيمة في أيدي حكامه، يدفع المواطن الثمن من كرامته ومستقبله وأحلامه. أما عندما يصبح الوطن أمانة في يد المسؤولين، تبدأ الدولة باستعادة دورها الحقيقي: دولة تحمي أبناءها بدلاً من أن تستهلكهم.
- الدولة التي تأكل أبناءها لا تسقط فجأة بل تنهار تدريجياً
إن انهيار الدول لا يحدث عادة في لحظة واحدة، ولا يبدأ دائماً بانفجار كبير أو حدث مفاجئ، بل يبدأ ببطء من الداخل، عندما تتآكل العلاقة بين المواطن ومؤسساته، وعندما يفقد الناس ثقتهم بأن الغد سيكون أفضل من اليوم. فالدولة قد تبقى قائمة من الناحية الشكلية، بوجود الوزارات والقوانين والرموز الرسمية، لكنها تكون قد بدأت بالانهيار الحقيقي عندما يفقد أبناؤها الشعور بأنها تمثلهم وتحميهم.
الدولة التي تأكل أبناءها لا تفعل ذلك دفعة واحدة، بل عبر سلسلة طويلة من الإخفاقات التي تتراكم حتى يصبح المواطن عاجزاً عن رؤية الأمل. تبدأ القصة عندما يشعر الإنسان أن تعبه لا يُكافأ، وأن القانون لا يحميه، وأن مستقبله مرتبط بظروف لا يستطيع التحكم بها. ثم تتحول هذه المشاعر مع الوقت إلى إحباط جماعي، حيث يصبح الرحيل أكثر جاذبية من البقاء، والصمت أكثر أماناً من المطالبة بالإصلاح.
في لبنان، لم يبدأ الانهيار الاقتصادي والاجتماعي فجأة، بل كان نتيجة سنوات طويلة من تراكم الأزمات وسوء الإدارة وضعف المؤسسات. فقد عاش المواطن اللبناني مراحل متتالية شعر خلالها بأن الدولة تتراجع عن أدوارها الأساسية، وأن الخدمات التي يفترض أن تكون حقوقاً أصبحت مطالب صعبة التحقيق. ومع كل أزمة جديدة، كان الإحساس بالعجز يزداد، وكانت المسافة بين المواطن والدولة تتسع أكثر.
إن أخطر ما تخسره الدولة عندما تفشل ليس المال أو الموارد فقط، بل الإنسان نفسه. فالشعوب هي الثروة الحقيقية لأي وطن، وعندما يضطر أبناؤها إلى الهجرة بحثاً عن الاستقرار والكرامة والعمل، فإن الخسارة تكون أكبر من أي خسارة اقتصادية. فخروج الطبيب والمهندس والباحث والشاب الطموح يعني أن الدولة تخسر العقول التي تحتاج إليها لإعادة البناء.
لقد شهد لبنان خلال السنوات الماضية موجات واسعة من الهجرة، خصوصاً بين الشباب والكفاءات، لأن كثيرين شعروا أن وطنهم لم يعد يوفر لهم الحد الأدنى من الفرص. لم يكن قرار الرحيل سهلاً بالنسبة للكثيرين، لأن الإنسان لا يترك أرضه التي تربى فيها بسهولة، لكنه عندما يشعر أن الدولة لا تمنحه إمكانية بناء مستقبل آمن، يصبح البحث عن حياة أفضل خارج الحدود خياراً مؤلماً لكنه مفهوماً.
لكن خسارة الأبناء لا تعني فقط هجرتهم الجغرافية، بل تعني أيضاً فقدان ارتباطهم النفسي بوطنهم. فهناك فرق بين مواطن يعيش خارج بلده ويحمل وطنه في قلبه، ومواطن يشعر أن وطنه خذله ولم يعد يعني له شيئاً. وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، فإنها تكون قد فقدت أهم عنصر من عناصر بقائها: الانتماء.
إن الدولة لا تنهار فقط عندما تعجز عن دفع الرواتب أو إدارة الاقتصاد، بل تنهار عندما يصبح المواطن يرى النجاح خارجها والفشل داخلها. فعندما يعتقد الشاب أن مستقبله لا يمكن أن يتحقق إلا بعيداً عن وطنه، فإن هذه رسالة قاسية عن فشل النظام في منح أبنائه الأمل.
لقد دفع اللبنانيون ثمناً كبيراً ليس فقط من أموالهم، بل من أحلامهم. فهناك أجيال نشأت وهي ترى الأزمات المتتالية، وتتعلم أن الصمود يعني التحمل لا البناء، وأن النجاح قد يكون مرتبطاً بالقدرة على مغادرة البلد لا بتطويره. وهذه من أخطر نتائج انهيار الدولة، لأنها تحول طاقة المجتمع من الإبداع إلى مجرد محاولة النجاة.
ومع ذلك، فإن انهيار الدولة ليس قدراً لا يمكن تغييره. فالتاريخ مليء بدول مرت بأزمات عميقة ثم استعادت قوتها عندما أعادت بناء مؤسساتها وأعادت الثقة بينها وبين مواطنيها. لكن البداية تكون بالاعتراف بأن المشكلة ليست فقط في الاقتصاد أو السياسة، بل في العلاقة المكسورة بين الدولة والإنسان.
إن لبنان لا يحتاج فقط إلى إنقاذ مالي أو حلول مؤقتة، بل يحتاج إلى مشروع يعيد للمواطن إيمانه بأن وطنه يستحق البقاء فيه. فالشعب الذي يفقد الأمل يفقد جزءاً من قوته، أما الشعب الذي يشعر بأن دولته تعمل من أجله فإنه يصبح شريكاً في النهوض.
وفي النهاية، فإن الدولة التي تأكل أبناءها لا تسقط لأن أعداءها أقوى منها، بل لأنها فقدت أبناءها الذين كانوا مصدر قوتها. فالوطن لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل بالناس الذين يؤمنون به. وعندما يعود المواطن ليشعر بأن الدولة تحميه وتحترم كرامته وتصون مستقبله، عندها فقط يبدأ مسار الخروج من الانهيار واستعادة الوطن الذي حلم به أبناؤه.
- بين مسؤولية المواطن ومسؤولية السلطة
إن العلاقة بين المواطن والدولة ليست علاقة طرف قوي بطرف ضعيف، بل هي علاقة شراكة متبادلة تقوم على الحقوق والواجبات. فالدولة لا تستطيع أن تستمر من دون مواطنين يحترمون القانون ويساهمون في بناء المجتمع، والمواطن لا يستطيع أن يعيش بكرامة من دون دولة عادلة تحمي حقوقه وتوفر له الأمن والاستقرار. وعندما يختل هذا التوازن، يبدأ الانهيار لأن أحد الطرفين يصبح مطالباً بكل شيء بينما يُحرم من أبسط حقوقه.
من السهل دائماً تحميل المواطن مسؤولية تراجع الأوضاع، والقول إن المشكلة في سلوك الناس أو في ضعف مشاركتهم، لكن الحقيقة أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق السلطة التي تمتلك أدوات القرار والقدرة على تغيير الواقع. فالمواطن العادي قد يخطئ في سلوكه الفردي، لكنه لا يملك مفاتيح الاقتصاد ولا يضع السياسات العامة ولا يدير مؤسسات الدولة. لذلك فإن محاسبة المواطن على نتائج فشل السلطة هي ظلم إضافي يضاف إلى معاناته.
في لبنان، عاش المواطن سنوات طويلة وهو يسمع دعوات إلى الصبر والتحمل، وكأنه المسؤول عن إصلاح ما لم يكن له دور في إفساده. طُلب منه أن يتحمل ارتفاع الأسعار، وانهيار الخدمات، وفقدان الثقة بالمؤسسات، وتراجع مستوى المعيشة، بينما بقيت الطبقة السياسية عاجزة في كثير من الأحيان عن تقديم حلول جذرية أو تحمل مسؤولية القرارات التي أوصلت البلاد إلى أزماتها.
لكن ذلك لا يعني أن المواطن معفى من المسؤولية الوطنية. فبناء الدولة يحتاج إلى وعي شعبي يرفض الفساد، ويتمسك بالقانون، ويرفض أن يكون أداة في يد أي زعيم أو جهة سياسية. فالمواطن الذي يقبل بالرشوة، أو يبرر الفساد، أو يضع الولاء الشخصي فوق المصلحة العامة، يساهم بطريقة أو بأخرى في استمرار النظام الذي يشتكي منه. فالدولة القوية تحتاج إلى مواطنين أقوياء في وعيهم وحرصهم على المصلحة العامة.
المشكلة في لبنان كانت أن المواطن وجد نفسه في كثير من الأحيان داخل نظام يشجعه على البحث عن الحماية الفردية بدل المطالبة بالدولة. فعندما تصبح الخدمات مرتبطة بالنفوذ السياسي، وعندما يشعر الإنسان أن حقوقه لا تُنال إلا عبر وسيط، فإن النظام يدفع الناس إلى التعامل معه بمنطق الولاءات لا بمنطق المواطنة. وهنا يصبح المواطن جزءاً من دائرة فرضتها عليه ظروف سياسية واجتماعية معقدة.
إن مسؤولية السلطة الأساسية هي أن تعيد بناء الثقة، لأن الدولة لا تُفرض فقط بالقوة، بل تُبنى بالاقتناع. المواطن يلتزم بالقانون عندما يرى أن القانون عادل، ويدفع الضرائب عندما يرى أن أمواله تُستخدم لخدمته، ويدافع عن وطنه عندما يشعر أن وطنه يدافع عنه. أما عندما يرى أن القانون يُطبق على الضعفاء فقط، وأن الفساد لا يُحاسب، فإن العلاقة بينه وبين الدولة تبدأ بالانهيار.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الدولة إلى جهة تطالب المواطن بواجباته فقط، بينما تتجاهل واجباتها تجاهه. فالدولة ليست مجرد سلطة تأمر وتمنع، بل هي مؤسسة عليها التزامات أخلاقية وقانونية تجاه الشعب. الأمن، العدالة، التعليم، الصحة، حماية المال العام، وتأمين بيئة اقتصادية عادلة ليست خدمات تفضيلية، بل هي جوهر وجود الدولة.
وفي الحالة اللبنانية، فإن إعادة بناء الدولة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة. فلا يمكن أن يبقى المواطن تابعاً للزعيم بدل أن يكون شريكاً في الوطن، ولا يمكن أن تبقى الدولة غائبة ثم تطلب الولاء الكامل من شعبها. المواطنة الحقيقية تبدأ عندما يشعر الإنسان أنه متساوٍ مع غيره أمام القانون، وأن صوته له قيمة، وأن مستقبله لا يعتمد على قربه من أصحاب النفوذ.
إن الإصلاح الحقيقي لا يعني فقط تغيير الحكام، بل تغيير الثقافة التي حكمت العلاقة بين السلطة والمجتمع. فالمواطن يجب أن ينتقل من موقع المتلقي للخدمات أو التابع للزعامات إلى موقع الشريك في صناعة القرار، والسلطة يجب أن تنتقل من عقلية السيطرة إلى عقلية الخدمة.
وفي النهاية، فإن الدولة التي تريد أن تستعيد أبناءها عليها أولاً أن تعترف بأنهم ليسوا أرقاماً انتخابية ولا أدوات لتجديد شرعيتها، بل هم السبب الأول لوجودها. فالمواطن الصالح يحتاج إلى دولة عادلة، والدولة العادلة تحتاج إلى مواطنين واعين. وعندما يلتقي وعي الشعب مع مسؤولية السلطة، تبدأ عملية بناء الوطن الحقيقي؛ وطن لا يأكل أبناءه، بل يحميهم ويمنحهم سبباً للبقاء والانتماء.
- استعادة الدولة قبل أن تفقد أبناءها نهائياً
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس فقط انهيار اقتصادها أو ضعف مؤسساتها، بل فقدان الرابط العاطفي والأخلاقي بينها وبين مواطنيها. فالدولة قد تعيد بناء الطرق والجسور والمباني، وقد تصلح أرقام الموازنات والميزانيات، لكنها إذا فقدت ثقة أبنائها فإنها تكون قد خسرت جوهر وجودها. فالوطن ليس مجرد أرض وحدود، بل هو علاقة عميقة بين الإنسان والمكان الذي يشعر فيه بالأمان والانتماء والكرامة.
إن استعادة الدولة ليست مجرد عملية سياسية أو إدارية، بل هي عملية إعادة بناء للثقة. والمواطن اللبناني لا يحتاج إلى خطابات جديدة بقدر ما يحتاج إلى رؤية أفعال حقيقية تثبت أن الدولة عادت لتكون في خدمته. فهو يريد أن يرى قانوناً يطبق على الجميع، ومؤسسات تعمل باستقلالية، ومسؤولين يخضعون للمحاسبة، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة لا على الولاءات.
في لبنان، أصبحت الحاجة إلى استعادة الدولة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن سنوات الأزمات المتراكمة أضعفت الإيمان بالمؤسسات. فقد شعر المواطن أن الدولة غائبة عندما احتاج إليها، وأنه تُرك وحيداً في مواجهة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. لذلك فإن التحدي الأكبر ليس فقط إصلاح النظام المالي أو معالجة الأزمات اليومية، بل إعادة إقناع اللبناني بأن دولته موجودة من أجله وليست عبئاً عليه.
إن بناء الدولة يبدأ من استعادة مفهوم العدالة. فلا يمكن لوطن أن يستقر إذا شعر المواطنون بأن هناك فئة فوق القانون وفئة أخرى تدفع ثمن الأخطاء. فالعدالة ليست فقط محاكم وقوانين، بل هي شعور عام بأن الجميع متساوون أمام الدولة، وأن الحقوق لا تُمنح بناءً على الانتماء السياسي أو الطائفي أو القرب من أصحاب النفوذ.
كما أن استعادة الدولة تتطلب إنهاء منطق الدولة الضعيفة أمام القوى المختلفة، لأن الدولة التي لا تحتكر قرارها ولا تفرض القانون على جميع أراضيها تبقى دولة ناقصة السيادة. فالمواطن يحتاج إلى مرجعية واحدة تحميه وتضمن حقوقه، لا إلى البحث الدائم عن حماية خارج إطار المؤسسات الرسمية.
إن لبنان يمتلك مقومات النهوض، فهو يملك شعباً متعلماً، وانتشاراً اغترابياً واسعاً، وطاقات بشرية قادرة على إعادة البناء. لكن هذه الطاقات تحتاج إلى دولة تؤمن لها البيئة المناسبة. فالشباب اللبناني لا يفتقر إلى القدرة والطموح، لكنه يحتاج إلى وطن يشعر فيه أن النجاح ممكن، وأن المستقبل ليس حكراً على من يملك النفوذ أو القدرة على الرحيل.
إن وقف نزيف الهجرة يجب أن يكون من أولويات أي مشروع وطني حقيقي. فالشباب الذين يغادرون لبنان ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات، بل هم أطباء ومهندسون وباحثون وأصحاب أفكار ومشاريع. وكل شاب يغادر بسبب فقدان الأمل هو رسالة مؤلمة بأن الدولة لم تنجح في حماية أهم ثرواتها.
لكن استعادة الدولة لا تعني فقط مطالبة السلطة بالتغيير، بل تتطلب أيضاً تحولاً في وعي المجتمع. فالشعوب التي تريد دولة قوية يجب أن ترفض ثقافة التبعية والزبائنية، وأن تدعم منطق المؤسسات بدل منطق الأشخاص. فلا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية تجعل الزعيم بديلاً عن القانون، أو تجعل الولاء الشخصي أقوى من المصلحة الوطنية.
إن الدولة الحقيقية لا تخاف من مواطنيها، بل تستمد قوتها منهم. فهي لا تحتاج إلى مواطنين صامتين، بل إلى مواطنين أحرار يراقبون ويسألون ويشاركون. فالنقد البناء ليس عداءً للدولة، بل هو دليل على وجود مواطن يريد إصلاحها والحفاظ عليها.
إن لبنان أمام خيار تاريخي: إما أن يستعيد فكرة الدولة قبل أن يخسر المزيد من أبنائه، أو يستمر في دوامة فقدان الثقة والهجرة والانهيار. فالدول لا تموت فقط عندما تُحتل أراضيها، بل تموت عندما يتوقف أبناؤها عن الإيمان بأنها تستحق البقاء.
وفي النهاية، فإن إنقاذ لبنان يبدأ من قاعدة بسيطة لكنها عميقة: الإنسان يجب أن يكون هدف الدولة وليس وسيلتها. فالدولة التي تحترم أبناءها تستعيد ولاءهم، والدولة التي تصون كرامتهم تستعيد ثقتهم. أما الدولة التي تستمر في إهمالهم ونهب حقوقهم، فإنها لا تخسرهم فقط، بل تخسر المستقبل الذي كان يمكن أن يبنوه لها.
إن الوطن الحقيقي ليس الذي يطلب من أبنائه أن يموتوا من أجله فقط، بل الوطن الذي يجعلهم يريدون أن يعيشوا فيه. وعندما تستعيد الدولة اللبنانية دورها كحامية للإنسان وراعية للعدالة، يعود لبنان إلى ما يجب أن يكون عليه: وطناً لا يأكل أبناءه، بل يحتضنهم ويحمي أحلامهم.
- الخاتمة: الوطن الذي يذل أبناءه يخسر مستقبله
في النهاية، ليست مأساة الشعوب فقط في الفقر أو الأزمات أو انهيار المؤسسات، بل في اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أن وطنه لم يعد المكان الذي يحميه، بل المكان الذي يستنزفه. فالدولة التي تأكل أبناءها لا تهزمهم بالسلاح، بل تهزمهم بالخذلان؛ لا تطردهم بالقوة، بل تدفعهم إلى الرحيل عندما تغلق أمامهم أبواب الأمل.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن أخطر خسارة يمكن أن يتعرض لها الوطن ليست خسارة المال، بل خسارة الإنسان. فالمال يمكن تعويضه، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها، لكن فقدان جيل كامل لثقته بوطنه هو جرح يحتاج إلى سنوات طويلة للشفاء. فالشاب الذي يغادر بحثاً عن مستقبل أفضل، والموظف الذي يفقد قيمة عمله، والعائلة التي تكافح لتأمين أبسط حقوقها، جميعهم يحملون شهادة على أزمة دولة لم تنجح في أداء دورها الأساسي.
لكن الأوطان لا تُبنى باليأس، ولا تموت طالما بقي فيها من يؤمن بإمكانية التغيير. فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من الزعامات التي ترى في الدولة غنيمة، بل إلى رجال دولة يرون فيها أمانة. لا يحتاج إلى سلطة تخاف من شعبها، بل إلى دولة تحترم شعبها. لا يحتاج إلى مواطنين يبحثون عن حماية خارج مؤسساتهم، بل إلى مؤسسات تصبح هي الحماية الأولى والأخيرة لكل إنسان.
إن استعادة الوطن تبدأ عندما تعود الدولة إلى معناها الحقيقي: دولة قانون لا دولة نفوذ، دولة عدالة لا دولة امتيازات، دولة تحمي أبناءها لا دولة تجعلهم ضحاياها. فالمواطن ليس رقماً في صناديق الاقتراع، وليس مصدراً للضرائب، وليس وقوداً للأزمات؛ المواطن هو الغاية التي من أجلها وُجدت الدولة.
فالدولة التي تأكل أبناءها قد تستمر فترة من الزمن، لكنها في النهاية تأكل أساس وجودها. أما الدولة التي تحتضن أبناءها وتحفظ كرامتهم، فإنها لا تحتاج إلى إجبارهم على حبها، لأنهم سيحبونها تلقائياً.
فالوطن الحقيقي ليس هو الذي يطلب من أبنائه أن يموتوا من أجله، بل هو الوطن الذي يجعلهم يريدون أن يعيشوا فيه.

























































