دائرة آثار ريف دمشق قصر قديم آخر ما عمل به الآثاري إبراهيم خلايلي
د. غالب خلايلي
ضحى الإثنين السابع والعشرين من تموز 2026 اتصل بي الأستاذ ياسين من مطبعة اليازجي بدمشق والممثل لدار دلمون الجديدة للنشر والتوزيع، يبشرني بصدور كتابي (جبر الخاطر في الأدب الساخر).
سررتُ جدا لهذا الخبر، واكتشفت أنني لم أفقد شغفي بعد أربعين عاما من الكتابة والنشر، وأين؟ في عالم (أمّي) يدفع المرء نحو اليأس.
نعم، فمع علمي بهذه التجارة البائرة (وما أقسى هذه الكلمة عند من يقدرها)، ما زالت رائحة الحبر والورق تنعشني، وما زالت طزاجة الموقف (وكأنه مقالي الأول) تضفي عليّ شعورا جميلا، تشبه طزاجة أرغفة الخبز الشهية الخارجة لتوها من الفرن، في الأول غذاء للعقل والروح، وفي الثاني غذاء للجسم.
ترى هل مات الروح فينا وبتنا أمة أجسام بلا حتى أحلام العصافير؟
والحق أنني لم أنتظر طويلا، فجهزت نفسي بسرعة، حاملا معي رزم كتب قديمة لي، من الزمن الذي كنت أطبع به عددا أكبر من النسخ، بغرض توزيعها، وركبت سيارة معتمدا على تطبيق محلي عجيب يسمى (يللا غو YallaGo) ومصدر العجب أمران، أولهما: غرابة الاسم في بلد عريق يعتز بالعربية، وثانيهما – وأراه الأهم- لطف السائق وتقيده بالتسعيرة المقترحة على الرغم من “عجقة” الطريق في هذا اليوم، بسبب حادث أمام إشارة عرنوس (نهاية شوارع الشعلان والحمراء والصالحية)، ناهيك عن إيقاف المرور في عدة طرق حيوية لسبب طارئ. السائق الطيب، تعطل كثيرا، وسيارته خلاف أكثرية السيارات مكيفة، ولولا ذلك، وحسن حديثه، لكانت رحلة مقيتة، لأعطيه ما يستحق عن طيب خاطر. تقفز على الفور قصة طازجة لسائق آخر ركب معه صديقي الآتي من بريطانيا، فأخذ ثمانية أضعاف المطلوب، بحجة أن هذه هي القيمة بالعملة الجديدة!!.
كانت صاحبة الدار المهندسة عفراء هدبا تنتظرني ظهرا، وحضّرت لي (غلاية) قهوة عربية عندما عرفت أنني أمقت القهوة الأجنبية المجففة الشهيرة (ولا أدري سر ولع كثيرين بها)، فكان احتفالا بهيجا متواضعا وسط كم كبير من العناوين، ما لبثتُ أن حملتُ بعده ثلاثين نسخة في حقيبتين معي، ورحت أكرر رحلة عرفتها مرات ومرات في شوارع الشام مشيا، على الرغم من الحر، المقبول بالنسبة لي، حتى وصلت بيتي بعد مسيرة نصف ساعة وملابسي كلها مبللة بالعرق، وهذه هي حالي في الشام أنى خرجت، ولو في الجو اللطيف في الصباح، وأحمد الله أن غسالة الملابس لم تملّ غسيلنا مرة يوميا على الأقل.

احتفالية والأصدقاء في الحديقة البيئية
كان اجتماعي وعدد من الأصدقاء المختارين (الأطباء الأدباء أو المحبين للأدب) مقررا سلفا قبل معرفتي بصدور الكتاب، على أن نجتمع في الحديقة البيئية الجميلة التي بدأ إنشاؤها عام 2003، بالتعاون مع السفارة السويسرية التي مولت جزءا لا بأس به، وافتتحت عام 2005 بحذاء قلعة دمشق الشهيرة وسورها القديم، وعلى مسافة أقل من كيلو متر من الجامع الأموي وضريح صلاح الدين الأيوبي وقصر العظم وسوق الحميدية. وهذه الحديقة غنية بالأنواع النباتية ونباتات الزينة المسورة بالياسمين، وهي الوحيدة التي يمنع التدخين فيها في سوريا.

وهكذا رأيتها مناسبة جميلة لتقديم كتابي في احتفالية بسيطة تتضمن تقديم بعض المشروبات كالشاي والقهوة والعصير الطازج، مع قالب غاتو اختارته زوجتي بعناية، فيما قرر أخوها المهندس سيزار مدفعي تقديم هدايا من العطور التي ينتجها إذ رغب بمشاركتنا جلستنا وقد سرقته الأعمال من مثل هذه اللقاءات. وكذا حضر الصديق نضال عنان ابن المعرة المسروق أيضا في عالم الأعمال، وقريباه الآثاريان اللذان أتحفانا بحديث مدهش عن كيفية الحفاظ على الآثار السورية لاسيما في المعرة وإدلب وتدمر. وفيما قام صديقنا الجراح حازم العجيلي بتقطيع الكعكة، كان سرور الجميع واضحا، وأخص الدكتور منقذ حقي الولوع بالتاريخ والآثار، والدكتور الشاعر نزار بني المرجة الذي لا يقل ولعا واهتماما.
بقي أن أقول: إن دمشق الماضي كانت بغوطتيها كلها حديقة بيئية، قبل أن يغزوها العمران والدخان وتلوث الأنهار، وليت الزمان يعود.

رحلة تاريخية في ربوع دمشق
عصر الخميس 30 تموز 2026 قررت وزوجتي التجول مشيا في شوارع دمشق باتجاه الجنوب نحو أربعة كيلومترات. قطعنا منطقة الروضة باتجاه حديقة السبكي، ثم الشعلان، ثم التجهيز، مرورا بفندق الفورسيزون الشهير، فجسر فكتوريا قرب فندق سمير أميس التاريخي، ثم صعودا قرب البريد المركزي مواجه مكتبة النوري، لنصل تحت أشعة الشمس الى محطتنا الأولى: الحجاز.
ومحطة الحجاز إنجاز تاريخي للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني بكلفة خمسة آلاف ليرة ذهبية عثمانية. وقد ولدت فكرته عام 1864م لأهمية دمشق منطلقا للحج، إذ كان طريق القوافل القديم يأخذ أربعين يوماً. كانت خطة السلطان للتمويل هي اقتطاع عُشر من رواتب موظفي السلطنة، ولم يعترضوا إذ عدّوا ذلك واجبا وطنيا، وكان من ضمن المقترحات، منح ألقاب بيك وباشا بنحو مئتي ليرة ذهبية، واستصدار طوابع للبيع، وإرسال رسائل تحث على دعم المشروع، فاستجاب والي مصر عباس حلمي، كما استجاب مسلمو الهند. بدأ التنفيذ عام 1900، من دمشق إلى المزيريب – درعا -الزرقاء – عمان – حيفا- معان – تبوك – مدائن صالح (ومدن أخرى) وأخيرا المدينة المنورة، وابتدأت الرحلات عام 1908، وتوقفت عام 1917 مع (المنجز التاريخي!) سايكس بيكو.
والمحطة إنجاز معماري مذهل ما زال يحتفظ بعبق التاريخ وجمال المعمار وجودته حتى اليوم، علما أن مخططه هو المعماري الإسباني فرناندو دي أراندا الذي أنجز أهم المعالم التاريخية الدمشقية (مبنى العابد، جامعة دمشق، المصرف التجاري السوري…).

مطعم الصدٌيق في زقاق ضيق في القنوات
تابعنا المسير لنصل في الخامسة عصرا إلى أقدم محل شاورما في دمشق، مطعم الصدّيق. في ركن ضيق معتم في منطقة القنوات، دخلنا بيتا عربيا جميلا مبرّدا، مليئا بالزبائن من عرب وأجانب مميزين. كنا بلا ميعاد، ما هي إلا دقائق حتى خصصت لنا طاولة صغيرة، وجاء الماء البارد، ثم طلبان هما نفساهما لكل الزبائن: صحن سلطة بسيط من بندورة وخيار وخس وخل، وصحن متبل باذنجان وآخر من مسحوق الحمص، ثم حبة كبة مقلية وأخرى مشوية، مع رغيف صغير حديث الصنع فصحن شاورما لحم مع ثلاثة أرغفة صغيرة، وكأس عيران. فيما يمكن، لمن يحب، طلب صحن بطاطا مقلية مع برك الجبنة، وكنا في غنى عنها.
والحق أن أهم ميزات هذا المكان التاريخي: البساطة، والطعام اللذيذ، وحسن الخدمة، فلا تشعر أن النادل داخل في عظام جمجمتك وفي قلب صحنك بتصنع مريب، وكأنه سيقبض عليك بعد قليل كما في باقي المطاعم، لا سيما المصنفة أكابرية، ولا تخلو أطعمتها من عيوب، ولا أجواؤها من غيوم الأراجيل.

يقول صاحب المطعم: «منذ أكثر من مئة عام، سافر والد جدي “صدّيق الخباز” إلى اسطنبول من أجل العمل، وتعلم أسرار هذه الصنعة، ثم عاد إلى دمشق، وافتتح عام 1906 مطعماً في ساحة “المرجة” ليكون بذلك أول من قدم وجبة اللحم المشوي على الفحم “الشاورما” في المدينة، ثم افتتحنا فرع هذا المطعم في “القنوات” عام 1995».
وقفة عند أهم معلم طبي في التاريخ (بيمارستان النوري):
تابعنا المشي إلى منطقة الحريقة القريبة وسوق مدحت باشا، فإذا نحن أمام أول مستشفى ومدرسة طبية في دمشق القديمة، بناه الملك العادل نور الدين زنكي عام 1154 ميلادي. تحول اليوم إلى متحف للطب والعلوم عند العرب.
أما لماذا وصفته بالأهم في التاريخ، فهذه قصة طويلة، وهذا رأيي. والسبب الرئيس هو أن هذا المستشفى بتفاصيله المدهشة يعد الأول بعد عصور من جهل طبي، وإذا لم يخرّج غير الطبيب العالم علاء الدين علي بن النفيس الدمشقي (1210- 1288 م) لكفاه فخرا، فابن النفيس عالم موسوعي، من أبرز أطباء العصر المملوكي، اكتشف الدورة الدموية الصغرى قبل أوروبا بثلاثة قرون، كما وصف الدورة الدموية الكبرى ولم يسمّها، وأبدع في تشريح الجسم، وألف موسوعات طبية هائلة.
ترى ألابن النفيس أحفاد اليوم؟ أم انقطع نسله وغابت أخلاقه في عالم لم يعد يرى ويسمع ويستجيب بغير المادة؟ هذا ما سنترك مناقشته إلى وقت لاحق إن شاء الله.

جولة حذرة في سوق الحميدية
تابعنا المشي إلى سوق الحميدية الشهير المغطى، وكان يغص بالناس من الأشكال كافة، مما يتطلب بعض الحذر. لم يستوقفنا محل بوظة شهير إذ رأيت أنه فقد إتقان الماضي، ومع ذلك كان مزدحما جدا، إنما استوقفنا بائع شاب متجول لطيف يحمل فساتين تراثية. أخبرنا عن الثمن، واستدرجنا إلى محل عال بين أدراج متداخلة، يضيع بها المرء، حيث المعلم الكبير الذي حلف الأيمان أن السعر الحقيقي هو عشرة أضعاف، ثم نزل قليلا وزوجتي تجادله بالحق، كل ما في الأمر أنه ظننا نرويجيين أو سويديين، وسأل بصراحة إن كنا كذلك، ليرفع السقف، دون أن يدري أنه بذلك يهدم كل الأعمدة.
توجهنا بعدها نحو الجامع الأموي، وكانت حوله وفيه أمم، فيما يقف قربه رجل يبيع العرقسوس يشبه شخصية (غوار)، ويبدو سعيدا مطمئنا بذلك، لنتوجه بعدها إلى البزورية حيث أنواع البهارات العجيبة، وكان الليل قد حل، فعدنا أدراجنا إلى الحديقة البيئية في جو جميل، ثم جلسنا قليلا للراحة والارتواء مع كأس من التوت الشامي، حتى إذا ما شعرنا ببعض لدغ البعوض، حملنا أنفسنا في طريق العودة، مصادفين معظم ما رأيناه أثناء رحلة القدوم.

وصلنا البيت نحو العاشرة والنصف ليلا، وكان التعب قد هدّنا وأرهق مفاصلنا، إنما في رحلة من أجمل رحلات العمر.
دمشق 31 تموز 2026


























































