استيقظ السيد الخمسيني (سعيد المنحوس) وقد زخّه العرق، إذ عانى كابوساً مرعباً، رأى نفسه فيه محبوساً بجبائر الجبس في المستشفى، فتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، ودخل يستحمّ بالماء الحار كي تهدأ نفسه، وهو يشطف آثار العرق بالماء والصابون المعطّر.وفيما هو يصفّر ويغني مستعدّاً للخروج من حوض الحمّام، انزلقت قدمه ببقايا الصابون، فوقع على الأرض، فتأثر إصبع قدمه اليمنى بالرضّ، وسبّب له الألم، وإن لم يُعِقْه عن الحركة.
***
لم يعد سعيد قادراً على لبس حذائه أو الحركة دون ألم، فقرّر أن يزور المستشفى القريب، مستغلّاً فرصة يومين باقيين في بطاقته التأمينية الفضّية قبل انتهاء صلاحيتها، وهو الذي لن يكون قادراً على تجديدها، بسبب سوء الأحوال الشخصية والعامة بعد سنتين من وباء عمّ العالم.
قضى سعيد ساعةً في غرفة التمريض، قبل أن يُقاس وزنه وضغطه وحرارته، إذ راح يواجه سيلاً من الأسئلة توجّهها إليه الموظفة الجديدة حديدية الملامح، الخبيرة ببرامج الاستشفاء الذكية، حتى ظنّ نفسه أنه أمام محقّق جرائم وليس صبيّة من لحم ودم، لكنه تحمّل ذلك كلَّه في سبيل حلّ مشكلته.
***
ها هو ذا أخيراً يجلس خلف الحاسوب المخصّص لدكتور العظام (كاسر الجبّاس) الذي لم يرَ المنحوس له وجهاً وهو منهمك بشاشة الحاسوب.
بعد نصف ساعة من التحنّط الذي لحق بحاسوب الطبيب، بسبب عُطل في أنظمة المعلومات (أو System Error كما قال)، أردف الدكتور كاسر قائلاً بثقة عالية:
– يخبرني النظام الذكي عن حالتك أنه يجب كسر الساق أولاًFBL حسب النظام العالمي ICD10 ، ثم تجبّر قدمك مع الساق، وتحلّ المشكلة، بعون الله!.
تجمد الدم في عروق سعيد المنحوس، وهو الذي واجه في حياته عدداً غير هيّن من أخطاء الأنظمة المعلوماتية الذكية أو القائمين عليها، وعانى بسببها الأمرّين، فصرخ في وجه الطبيب:
– معقول؟! تكسرون ساقي لعلاج إصبع قدمي؟ ما هذا الافتراء؟
انتفض الطبيب وصرخ بصوت أعلى:
– صهٍ، أنتَ في مكان محترم، وقد كلّفنا الـ (System) عشرة ملايين دولار. إن لم نفعل ذلك، سوف يغلق النظام، ويتوقف العمل، يعني خسارة مرعبة للمستشفى. ثم من أنت حتى تعترض على نظام أبدعه العباقرة الأجانب، وتبنّته شركات عالمية لها مكانتها في عالم الأعمال؟ إنه لا يخطئ أبداً، وخبرتي الطويلة في عظام الطب، أقصد في طب العظام، تنبئني بذلك.
بدا منحوس متوتراً متعرقاً وهو يصغي، فأردف الطبيب:
– انتبه، سأنادي لك رجال الـ Security إن بقيت ترفض. آاااه، أظنك فزعاً من التكاليف، اطمئن، فسوف أعدّ لك تقريراً لشركة التأمين يبكي الحجر، نعرف مديرها، وسوف يوافق دون تردّد على أي مبلغ نطلبه من أجل عمليتك الإنسانية، بغض النظر عن الزمن المتبقي في بطاقتك. صدّقني حظك من السماء، وأمّك داعية لك، فلو حدثت القصة بعد يومين لكان عليك دفع خمسة وعشرين ألف دولار.
***
أية ورطة أوقع فيها المنحوس نفسه، مع أنه هو الذي يقول لنفسه دائما: “المنحوس منحوس لو على رأسه فانوس“، لكنه قرر هذه المرة ألا يستسلم، ولو أصاب النحس أطباء المستشفى كلهم وماليتهم وخزائن مؤنهم، بل حتى أطباء البلد، فما كان منه إلا أن قال للطبيب:
– دكتور، فتّش هنا وهناك، ابحث في تضاعيف حاسوبك وتلافيف نظامه الذكي، لعلّ هناك حلّاً آخر. مثلا تسجّل يا سيدي أنك أجريت العملية المطلوبة، وتجبّر لي ساقي للتمويه (ولا من شاف أو دري!)، وأنا، تعطيني حبتيّ مسكّن، وتوفّر عليّ الألم. ماذا يهمّكم إذا أخذتم الأجرة كاملة، وتنال بسببي (الأجر) رحمةً بساقي التي يمكن ألا تشفى بعد كسرها. أنا مستعدّ أن أدلّكم على عنوان الطبيب الشعاعي الشهير (نزيه الساكت)، وهو يستطيع تزويركم أقصد تزويدكم بصور تؤكد توجهاتكم الذكية، ويا دار ما دخلك شر.
اشتعل الدكتور كاسر كله، وصار وجهه كالجمر، وهو يقفز ويصرخ بوجه سعيد:
– وتريد يا محترم أن تعلّمنا مبادئ الطب والأخلاق، وأن تسخر من علم مبدعي الأنظمة؟ لا يكون اسمي (كاسر) إذا لم أكسر لك ساقك وهيبتك، حتى لا يبقى سوقيّ مثلك يهين مهنتنا الإنسانية.
وعند هذه اللحظة، أومأ كاسر إلى الممرضة كي تنادي فريق العمليات، وأشعل سيجارته، فإذا بأجهزة الإنذار في المستشفى تقرع بشدة، ويهرع الناس في هرج ومرج، وتبدأ رشاشات الماء بالرش الغزير، فتُغرق كل ما في غرفة الدكتور كاسر، حتى حاسوبه الذكي.
***
استغل سعيد الفرصة الذهبية، وانزلق هارباً خارج الغرفة والمستشفى، ناسياً ألمه، وحامداً الله على ذكاء أجهزة الحريق، وعملها في الوقت المناسب، إذ خلّصته أوّل مرة في حياته من نحسه الملازم له.
13 نيسان/ أبريل 2022

























































