• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

من الجنوب إلى إسرائيل: قصة وطن عاقب أبناءه وعجز عن طيّ صفحة الحرب

2026/08/28
- بحث
من الجنوب إلى إسرائيل: قصة وطن عاقب أبناءه وعجز عن طيّ صفحة الحرب

 تُشكّل قضية اللبنانيين الذين غادروا جنوب لبنان إلى إسرائيل بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ لبنان الحديث، لأنها تتقاطع مع الحرب الأهلية، والاحتلال، والانقسامات الداخلية، ومسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها. كما أن مرور السنوات لم يُنهِ القضية، بل أبقاها معلّقة بين مقتضيات العدالة والمحاسبة من جهة، والاعتبارات الإنسانية وحق العودة من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل معالجتها بحاجة إلى رؤية وطنية وقانونية تتجاوز الانقسام السياسي والطائفي.

د. الياس ميشال الشويري

بعد أكثر من ستة وعشرين عاماً، لا يزال هذا الملف عالقاً بين من يطالب بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أفعال ارتُكبت خلال سنوات الصراع، وبين من يرفض تحويل المسؤولية الفردية إلى إدانة جماعية تشمل كل من غادر الجنوب إلى إسرائيل. فقد كان الانسحاب الإسرائيلي وانهيار المنطقة الأمنية لحظة شديدة التعقيد، وجد فيها آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام واقع أمني وسياسي مضطرب، فغادر بعضهم، ولا سيما عناصر ما كان يُعرف بجيش لبنان الجنوبي وعائلاتهم، بينما غادر آخرون خوفاً من الانتقام أو نتيجة للظروف التي أحاطت بانهيار تلك المرحلة. لكن استمرار القضية طوال هذه السنوات من دون معالجة نهائية يكشف بوضوح عجز الدولة اللبنانية عن حسم واحد من أكثر الملفات حساسية، وتركه أسيراً للتجاذبات السياسية والطائفية ولمنطق العقاب الجماعي.

ولا يمكن لدولة تدّعي احترام القانون أن تبني العدالة على الانتماء العائلي أو الجغرافي أو السياسي، كما لا يمكنها في الوقت نفسه أن تتجاهل جرائم حقيقية أو تمنح حصانة لمن تثبت مسؤوليته عنها. المطلوب هو موقف حاسم لا لبس فيه: من ارتكب جريمة مثبتة يُحاسب أمام قضاء مستقل وفق محاكمة عادلة، ومن لم تثبت بحقه أي مسؤولية جنائية لا يجوز معاملته كمجرم لمجرد انتمائه إلى عائلة أو مجموعة أو منطقة. أما إبقاء آلاف الأشخاص وعائلاتهم معلّقين بين وطن يرفض حسم مصيرهم وماضٍ لم تتم معالجته، فهو ليس عدالة ولا دولة ولا مصالحة. لقد حان الوقت لإخراج هذا الملف من بازار السياسة والطائفية والانتقام، ووضعه حصراً في يد القانون، لأن الدولة القوية لا تنتقم من مواطنيها، ولا تحمي المجرمين، بل تميّز بدقة بين الجاني والبريء، وتمنح الضحية حقها، وتغلق صفحات الحرب بالعدالة لا بالثأر.

  1. بين وصفهم بالمبعدين ووصفهم بالمتعاملين

تعبير المبعدين إلى إسرائيل يحمل بعداً سياسياً وإنسانياً واضحاً، لكنه ليس توصيفاً قانونياً شاملاً لكل الأشخاص المعنيين. فبعض هؤلاء غادروا بإرادتهم نتيجة الخوف من الانتقام أو نتيجة الارتباط السابق بجيش لبنان الجنوبي، بينما قد يكون آخرون قد وجدوا أنفسهم عملياً أمام خيار المغادرة أو مواجهة مصير كانوا يخشونه. ولهذا فإن استخدام وصف واحد لجميع الأشخاص الذين غادروا لبنان يؤدي إلى إلغاء الفروق الجوهرية بينهم. وقد أشار قانون عام 2011 إلى أن اللجوء إلى إسرائيل ارتبط، في بعض الحالات، بخشية الانتقام أو بالارتباط السابق بجيش لبنان الجنوبي.

في المقابل، لا يمكن أن يكون البعد الإنساني ذريعة لإلغاء المسؤولية الجنائية الفردية. فمن ثبت أنه شارك في التعذيب أو القتل أو الاعتداء على المدنيين أو ارتكب جرائم أمنية أو عسكرية، ينبغي أن يخضع لمعايير العدالة والمحاكمة وفق القانون. الدولة التي تريد بناء دولة مؤسسات لا تستطيع استبدال القضاء بالمشاعر السياسية، سواء كانت هذه المشاعر مؤيدة للمتهم أو معادية له. كما أن الضحايا لهم حقوق لا تقل أهمية عن حقوق المتهمين، وأي مصالحة حقيقية يجب أن تحترم هذه الحقوق.

المشكلة اللبنانية الكبرى أن مفهوم الخيانة الوطنية كثيراً ما استُخدم بطريقة سياسية أكثر مما استُخدم بطريقة قضائية. فمن الطبيعي أن تكون للدولة قوانين تعاقب التجسس والتعامل مع العدو، خصوصاً في ظروف الحرب، لكن تطبيق هذه القوانين يجب أن يكون فردياً ومحدداً ومبنياً على أدلة. أما تحويل مجرد الإقامة في إسرائيل إلى قرينة قطعية على ارتكاب جريمة، فهو يخلط بين المكان والفعل وبين الهوية والمسؤولية. وفي الاتجاه المعاكس، فإن اعتبار كل من غادر لبنان ضحية بريئة بصورة تلقائية يلغي أيضاً حقوق من تعرضوا للانتهاكات خلال سنوات الحرب.

وهذا يوضح لماذا بقي الملف عالقاً طوال سنوات. فلبنان لم ينجح في وضع آلية متكاملة للعدالة الانتقالية تتعامل مع إرث الحرب وفق قواعد موحدة. بدلاً من ذلك، عولجت ملفات كثيرة عبر قوانين عفو وتسويات سياسية متفاوتة. وتاريخ قوانين العفو اللبناني يبين أن العفو العام كان أداة متكررة لتسوية آثار الصراعات السابقة، بينما يختلف العفو العام عن العفو الخاص في مفاعيله القانونية؛ فالعفو العام يمكن أن يؤدي إلى سقوط الدعوى العامة ومحو الآثار الجزائية ضمن حدود النص الذي يقرره، في حين أن العفو الخاص يتعلق بالعقوبة ولا يمحو الحكم نفسه.

  1. قانون 194 لعام 2011 ولماذا بقي الملف مفتوحاً

في عام 2011 حاول مجلس النواب معالجة وضع اللبنانيين الموجودين في إسرائيل من خلال القانون رقم 194 المتعلق بمعالجة أوضاع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل. وكان الهدف الأساسي إيجاد إطار قانوني يميز بين الفئات المختلفة ويتيح معالجة أوضاع بعض الموجودين في إسرائيل، لكن القانون بقي عملياً عاجزاً عن تحقيق التسوية النهائية بسبب عدم اكتمال آليات التنفيذ. وتؤكد التقارير الحديثة أن القانون لم يُنفذ بصورة كاملة، ولذلك بقي آلاف اللبنانيين في إسرائيل في وضع قانوني وسياسي غير محسوم.

المفارقة أن الدولة اللبنانية كانت قد اعترفت بصورة غير مباشرة بوجود فئة تحتاج إلى معالجة مختلفة، لكنها لم تترجم ذلك إلى سياسة تنفيذية واضحة. وهكذا بقي المواطن الذي يريد العودة أمام شبكة من الأسئلة: هل هو مطلوب؟ هل صدر بحقه حكم؟ هل يتعلق ملفه بالتعامل العسكري أم بمجرد الدخول إلى إسرائيل؟ هل يحمل الجنسية الإسرائيلية؟ وهل يمكنه الاحتفاظ بها بعد العودة؟ هذه الأسئلة لم تكن دائماً واضحة بالنسبة إلى المعنيين، الأمر الذي جعل العودة مغامرة قانونية بالنسبة إلى كثيرين.

ويكشف هذا الواقع مشكلة أعمق تتعلق بمفهوم المواطنة. فالدولة لا ينبغي أن تتعامل مع مواطنيها بمنطق العقوبة الجماعية أو بمنطق الانتقام السياسي. وإذا كان شخص ما قد ارتكب جريمة، فليحاكم أمام القضاء وفق الأدلة. أما إذا لم يرتكب جريمة، فإن مجرد وجوده في دولة أجنبية، حتى لو كانت دولة عدوة، لا ينبغي أن يحوّل حياته إلى حالة دائمة من انعدام اليقين. وتزداد المسألة حساسية عندما يتعلق الأمر بأطفال ونساء وأفراد لم يشاركوا في القرار السياسي أو العسكري الذي أدى إلى مغادرة عائلاتهم.

ومن هنا يمكن القول إن فشل قانون 2011 لم يكن مجرد فشل تقني في إصدار مراسيم أو تعليمات تنفيذية، بل كان انعكاساً لانقسام سياسي أعمق حول معنى الدولة والمقاومة والخيانة والمصالحة. فبعض القوى أرادت أن يبقى الملف مرتبطاً بمفهوم التعامل مع العدو، بينما أرادت قوى أخرى مقاربته من زاوية المصالحة الوطنية وحق العودة. وبين الاتجاهين بقي الإنسان نفسه عالقاً بين وطن لا يستطيع العودة إليه بسهولة وبلد أقام فيه سنوات طويلة.

  1. قانون العفو العام لعام 2026 وما الذي تغير فعلياً

جاء قانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب في 12 آب 2026 ليعيد ترتيب هذا الملف، لكنه لم يغلقه بصورة مطلقة. فقد شمل القانون فئات واسعة وخفض أو أسقط بعض العقوبات، لكنه استثنى جرائم خطيرة، ومن بينها جرائم تتعلق بالتجسس والتعامل مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه، أدخل معالجة مرتبطة باللبنانيين الذين غادروا إلى إسرائيل بعد انسحاب عام 2000، الأمر الذي فتح الباب أمام استفادة فئات مدنية من العفو وفق الشروط المحددة.

المسألة الأساسية هنا هي أن العفو ليس بالضرورة شاملاً لكل من غادر لبنان. فالتقارير القانونية والإعلامية التي تناولت القانون بعد إقراره تشير إلى تمييز واضح بين المدنيين غير المتورطين في العمل العسكري أو الأمني وبين الأشخاص الذين ارتبطوا بجرائم تعامل أو تجسس أو نشاط عسكري مع إسرائيل. وبحسب القراءة القانونية المنشورة للقانون، فإن العفو العام يمكن أن يؤدي إلى سقوط الدعوى العامة والعقوبات والآثار الجزائية ضمن نطاق الجرائم التي يشملها النص، لكنه لا يعني تلقائياً أن كل شخص موجود في إسرائيل أصبح مشمولاً بالعفو.

وهذا التمييز مهم جداً لأنه يضع حداً لفكرة أن قانون العفو يعني تبرئة جماعية. فالعفو العام، في جوهره، قرار تشريعي لمعالجة مجموعة محددة من الجرائم أو الظروف، وليس شهادة تاريخية بأن كل الأفعال التي وقعت كانت مشروعة. وفي المقابل، فإن استثناء جرائم التعامل والتجسس لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإبقاء المدنيين والأطفال والعائلات أسرى للملف نفسه. المطلوب هو تطبيق واضح وقابل للتحقق، بحيث يعرف كل شخص مسبقاً وضعه القانوني وما إذا كان يستطيع العودة من دون توقيف أو ملاحقة.

وتشير تقارير عن القانون الجديد إلى أن الفئة المدنية التي لم تكن منضوية في جيش لبنان الجنوبي يمكن أن تستفيد من المعالجة القانونية، بينما تبقى الجرائم المرتبطة بالتعاون العسكري أو الأمني مع إسرائيل خارج العفو. كما أن بعض التقارير أشارت إلى أن مسألة العودة العملية قد تتطلب إجراءات تنفيذية ومعالجة لقضايا مثل ازدواجية الجنسية والعبور عبر المعابر الرسمية.

المشكلة إذن لم تعد فقط: هل صدر العفو؟ بل أصبحت: كيف سينفذ؟ ومن سيحدد المستفيد؟ وكيف ستفرز المحكمة العسكرية أو النيابات المختصة الملفات؟ وهل سيعامل كل شخص على أساس ملفه الفردي؟ وهل سيتمكن من العودة من دون مفاجآت قضائية؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان قانون 2026 يمثل تسوية حقيقية أم مجرد خطوة سياسية جديدة تؤجل المشكلة إلى المستقبل.

سعد حداد
  1. الجنسية الإسرائيلية وحق العودة والمواطنة اللبنانية

تمثل الجنسية، في جوهرها، علاقة قانونية وسياسية بين الفرد والدولة، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات وحماية قانونية. ومن هذه الزاوية، فإن المقارنة بين الجنسية الإسرائيلية والجنسية اللبنانية لا ينبغي أن تقتصر على حرية السفر أو مستوى الخدمات، بل يجب أن تشمل مفهوم المواطنة، وسيادة القانون، والحماية القنصلية، والخدمات العامة، والاستقرار الاقتصادي، والحقوق السياسية، وقدرة الدولة على ممارسة مسؤولياتها تجاه مواطنيها.

من حيث الإطار القانوني، يتمتع المواطن الإسرائيلي بمنظومة مؤسساتية متطورة نسبياً تشمل نظاماً قضائياً ومؤسسات أمنية وإدارية وخدمات عامة واسعة، كما أن الجنسية الإسرائيلية تتيح لحاملها الإقامة والعمل والاستفادة من الخدمات التي توفرها الدولة، إضافة إلى حقوق سياسية ومدنية مقررة قانوناً. أما الجنسية اللبنانية، فترتبط أيضاً بحقوق المواطنة الكاملة، بما في ذلك حق العودة إلى لبنان والحصول على الحماية القانونية وممارسة الحقوق السياسية وفقاً للدستور والقوانين. غير أن الفارق الأساسي لا يكمن بالضرورة في النصوص القانونية وحدها، بل في قدرة مؤسسات الدولة على تطبيقها بصورة فعالة ومتساوية.

وتبرز هذه المسألة بصورة أوضح عند الحديث عن الثقة بالدولة. فالمواطن لا يقيس قيمة جنسيته فقط بما تحمله من حقوق نظرية، وإنما أيضاً بمدى شعوره بأن الدولة قادرة على حمايته وتأمين الخدمات الأساسية وصون كرامته وتطبيق القانون بصورة متساوية. وفي هذا المجال، عانى لبنان خلال العقود الأخيرة من أزمات سياسية واقتصادية ومؤسساتية عميقة أضعفت ثقة قطاعات واسعة من المواطنين بالدولة ومؤسساتها. وهذا الواقع يجعل بعض اللبنانيين ينظرون إلى الجنسية الإسرائيلية، بالنسبة إلى من يحملها، باعتبارها توفر درجة أكبر من الاستقرار المؤسسي والاجتماعي، وليس فقط باعتبارها وثيقة سفر.

ومع ذلك، فإن هذه المقارنة تحتاج إلى قدر كبير من الموضوعية. فإسرائيل، شأنها شأن أي دولة، ليست خالية من الأزمات السياسية أو الاجتماعية أو الأمنية، كما أن امتلاك جنسيتها لا يعني بالضرورة أن جميع المواطنين يتمتعون بالمستوى نفسه من الظروف أو الفرص. وفي المقابل، فإن ضعف الدولة اللبنانية لا يعني أن الجنسية اللبنانية فاقدة للقيمة أو أن المواطن اللبناني لا يتمتع بحقوق قانونية؛ بل يعني أن الفجوة بين الحقوق التي ينص عليها القانون والقدرة الفعلية على ضمانها أصبحت واسعة نتيجة ضعف المؤسسات والأزمات المتراكمة.

وفي قضية اللبنانيين الموجودين في إسرائيل تحديداً، تأخذ المقارنة بعداً أكثر حساسية. فبالنسبة إلى شخص عاش هناك منذ عام 2000، قد تصبح الجنسية الإسرائيلية مع مرور السنوات جزءاً من منظومة حياته اليومية، بما في ذلك العمل والسكن والتعليم والرعاية الاجتماعية ومستقبل الأبناء. ولذلك فإن مطالبة بعض هؤلاء بالتخلي عن الجنسية الإسرائيلية من أجل العودة إلى لبنان لا تمثل بالنسبة إليهم مجرد التخلي عن وثيقة قانونية، وإنما قد تعني التخلي عن منظومة كاملة من الحقوق والاستقرار الذي بنوه خلال أكثر من عقدين.

في المقابل، فإن الجنسية اللبنانية تمثل رابطة قانونية ووطنية لا تزول بسهولة بسبب الإقامة في الخارج أو اكتساب جنسية أخرى، وإن كانت القوانين اللبنانية تضع قواعد خاصة بمسألة الجنسية المزدوجة وبعض آثارها. ومن هنا، فإن أي سياسة تهدف إلى إعادة اللبنانيين الموجودين في إسرائيل ينبغي أن تنطلق من مبدأ أن العودة يجب أن تكون نتيجة ثقة بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، لا نتيجة خوف أو إكراه. فالدولة التي تريد استعادة مواطنيها تحتاج إلى أن تجعل العودة خياراً آمناً وقانونياً ومستقراً، وأن تضمن عدم تعرض من لا تثبت عليه جريمة للملاحقة أو العقوبة الجماعية.

وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس أي جنسية أفضل بصورة مطلقة، بل أي دولة تستطيع أن تجعل مواطنيها يشعرون بأن جنسيتهم تعني الحماية والكرامة والاستقرار وسيادة القانون. فالجنسية اللبنانية تمتلك قيمة وطنية وتاريخية عميقة، لكن قيمتها العملية تتعزز بقدر قدرة الدولة اللبنانية على حماية مواطنيها وتأمين حقوقهم. والجنسية الإسرائيلية توفر لحاملها منظومة مؤسساتية وخدماتية متقدمة في جوانب عديدة، لكنها بدورها ترتبط بدولة لها واقعها السياسي والاجتماعي والأمني الخاص. ومن ثم، فإن قضية اللبنانيين في إسرائيل تكشف قبل كل شيء أزمة الثقة بين المواطن والدولة اللبنانية، وتضع أمام لبنان تحدياً أساسياً: بناء دولة تجعل المواطن متمسكاً بجنسيته ووطنه لأنه يجد فيهما القانون والأمان والكرامة، لا لأنه لا يملك بديلاً.

اتيان صقر (أبو أرز)
  1. بين وطنٍ يخذل مواطنيه ودولةٍ تحاسب مسؤوليها: أيّ مستقبل يختار المبعدون؟

عند تقييم الخيارات المتاحة أمام اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، لا يمكن تجاهل الجانب العملي الذي يرتبط بقوة جواز السفر ومستوى الحماية التي توفرها الدولة لمواطنيها. فالجنسية ليست مجرد رابطة قانونية أو عاطفية بالوطن، وإنما تترتب عليها حقوق وفرص فعلية تتعلق بحرية التنقل والعمل والإقامة والحماية القنصلية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذا السياق، يظهر تفاوت كبير بين قوة جواز السفر الإسرائيلي وجواز السفر اللبناني، وهو تفاوت يعكس، بصورة غير مباشرة، اختلافاً واسعاً في العلاقات الدولية والثقة بالمؤسسات والقدرة الاقتصادية والسياسية لكل دولة.

فبحسب بيانات Henley Passport Index، يتيح جواز السفر الإسرائيلي لحامله الوصول إلى نحو 166 وجهة حول العالم من دون الحصول على تأشيرة مسبقة، أو من خلال تأشيرة عند الوصول أو تصريح سفر إلكتروني، ويحتل المرتبة الثامنة عشرة عالمياً وفقاً للبيانات المشار إليها. وفي المقابل، يتيح جواز السفر اللبناني لحامله الوصول إلى نحو 43 وجهة وفق الترتيبات نفسها، من بينها نحو 16 وجهة تسمح بالدخول من دون تأشيرة فعلية، ونحو 23 وجهة تمنح تأشيرة عند الوصول، مع اختلاف الأرقام والتصنيفات بحسب تاريخ تحديث المؤشر وتعريف كل فئة من فئات الدخول. ويعني هذا الفارق أن حامل الجواز الإسرائيلي يتمتع عموماً بهامش أوسع بكثير من حرية التنقل الدولية مقارنة بحامل الجواز اللبناني، وهو عامل عملي قد يكون له وزن كبير بالنسبة إلى شخص يقرر أين يريد أن يعيش ويعمل ويؤسس مستقبل أسرته.

ولا تتوقف المقارنة عند حرية السفر، فالمسألة الأهم بالنسبة إلى أي مواطن هي مدى قدرة الدولة التي يحمل جنسيتها على توفير بيئة مستقرة تحمي حقوقه وتفرض القانون على الجميع. وفي لبنان، أدت الأزمات السياسية والاقتصادية والمؤسساتية المتراكمة، إلى جانب الفساد، ونهب مدخرات المودعين، وانفجار مرفأ بيروت، إلى تراجع كبير في ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ولا سيما في أعقاب الانهيار المالي، والتدهور الحاد في قيمة العملة، وتعثر القطاع المصرفي، وتراجع مستوى الخدمات العامة، واستمرار غياب المساءلة والمحاسبة. وأصبحت المفارقة أكثر قسوة عندما وجد المواطن أن مدخراته وحقوقه يمكن أن تضيع من دون تعويض أو مساءلة فعلية، في حين ظل كثير من المسؤولين عن سوء الإدارة والفساد والانهيار السياسي والمالي بمنأى عن المحاسبة. ومن هنا، فإن السؤال بالنسبة إلى المبعدين لا يتعلق بالحنين إلى الوطن والانتماء إليه فحسب، بل يتصل أيضاً بمدى قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الأمان القانوني والمؤسساتي، وحماية حقوق مواطنيها وممتلكاتهم، وضمان خضوع الجميع، حكاماً ومحكومين، لسيادة القانون.

أما في إسرائيل، فوجود مؤسسات أكثر رسوخاً وقدرة على فرض القانون ومحاسبة مسؤولين سياسيين، بمن فيهم مسؤولون في مواقع عليا، يوفر نموذجاً مختلفاً للعلاقة بين المواطن والدولة. ولا يعني ذلك أن إسرائيل دولة خالية من الفساد أو الأزمات أو الصراعات السياسية والقضائية، ولا أن جميع مواطنيها يتمتعون بالظروف نفسها، وإنما يعني أن وجود مؤسسات رقابية وقضائية فاعلة يخلق، في العديد من المجالات، مستوى أعلى من القدرة على مساءلة السلطة. وهذا الفارق يصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى اللبناني الذي عاش في إسرائيل لأكثر من ستة وعشرين عاماً، وبنى فيها منزله وعمله وعلاقاته الاجتماعية ومستقبل أبنائه، وربما حصل على جنسيتها، إذ إن التخلي عن هذه المنظومة لا يمثل بالنسبة إليه مجرد التخلي عن وثيقة سفر، بل التخلي عن واقع قانوني واجتماعي كامل.

ومن هذه الزاوية، يصبح قرار العودة إلى لبنان أكثر تعقيداً من مجرد دعوة إلى استعادة الجنسية أو إنهاء ملف قانوني. فالشخص الذي يفكر في العودة سيقارن بصورة طبيعية بين ما يضمنه له كل نظام من حقوق وحماية وفرص واستقرار. وسيطرح أسئلة مشروعة: هل ستكون أمواله محمية؟ هل سيحصل على محاكمة عادلة إذا كانت هناك دعوى بحقه؟ هل يستطيع أن يعمل ويؤسس مشروعاً؟ هل يستطيع أبناؤه الحصول على التعليم والرعاية والخدمات؟ وهل ستكون الدولة قادرة على حمايته من التدخل السياسي أو الأمني؟ وفي المقابل، ما الذي سيخسره إذا تخلى عن الجنسية الإسرائيلية أو عن الإقامة التي بناها خلال سنوات طويلة؟ هذه أسئلة واقعية لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات الوطنية وحدها.

  1. مقارنة إسرائيل ولبنان: سيادة القانون والفساد وحقوق الإنسان والخدمات الاجتماعية للمواطن

تُظهر المقارنة بين إسرائيل ولبنان أن الفارق بين الدولتين لا يقتصر على النظام السياسي أو مستوى الفساد، بل يمتد إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن. فالدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة، وحماية الحقوق والحريات، ومحاسبة الفاسدين، وتأمين قضاء مستقل، وتوفير الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والخدمات الأساسية، إضافة إلى حماية المواطن في حالات المرض والبطالة والعجز والشيخوخة. ومن هذا المنطلق، يعرض الجدول التالي مقارنة شاملة بين إسرائيل ولبنان، مع التركيز على ما يحصل عليه المواطن فعلياً من مؤسسات دولته، بعيداً عن الشعارات السياسية والانطباعات الأيديولوجية.

الخلاصة:

وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس أي جنسية أفضل بصورة مطلقة، بل أي دولة تستطيع أن تجعل مواطنيها يشعرون بأن جنسيتهم تعني الحماية والكرامة والاستقرار وسيادة القانون. فالجنسية اللبنانية تمتلك قيمة وطنية وتاريخية عميقة، لكن قيمتها العملية تتعزز بقدر قدرة الدولة اللبنانية على حماية مواطنيها وتأمين حقوقهم. والجنسية الإسرائيلية توفر لحاملها منظومة مؤسساتية وخدماتية متقدمة في جوانب عديدة، لكنها بدورها ترتبط بدولة لها واقعها السياسي والاجتماعي والأمني الخاص. ومن ثم، فإن قضية اللبنانيين في إسرائيل تكشف قبل كل شيء أزمة الثقة بين المواطن والدولة اللبنانية، وتضع أمام لبنان تحدياً أساسياً: بناء دولة تجعل المواطن متمسكاً بجنسيته ووطنه لأنه يجد فيهما القانون والأمان والكرامة، لا لأنه لا يملك بديلاً.

  1. الزعامات اللبنانية ومنظومة نهب الدولة وإفقاد المواطن ثقته بوطنه

لا يمكن فهم أزمة اللبنانيين الذين غادروا إلى إسرائيل، ولا تفسير تردد بعضهم في العودة بعد أكثر من ستة وعشرين عاماً، من دون التوقف عند طبيعة العلاقة التي نشأت بين المواطن والدولة اللبنانية خلال العقود الماضية. فالمشكلة لا تختصر في ضعف الخدمات أو الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، بل ترتبط في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين بنظام سياسي فاسد كرّس الزعامات الشخصية والطائفية، وحوّل مؤسسات الدولة في كثير من الأحيان إلى ساحات للمحاصصة والنفوذ والمنافع. ومع تراكم الأزمات، أصبح المواطن يشعر بأن الدولة التي يفترض أن تحميه تحولت إلى منظومة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية التي تستنزف موارده وتضعف فرصه وتجعله عاجزاً أمام سلطة الزعيم والحزب والطائفة.

لقد تراكمت على مدى سنوات طويلة ملفات شديدة الخطورة، من أزمة الكهرباء إلى إدارة المال العام، ومن التوظيفات السياسية إلى الجمارك والتهرب الضريبي، ومن أزمة القطاع المصرفي إلى انهيار قيمة العملة ومدخرات المواطنين، فضلاً عن سوء إدارة قطاعات حيوية مثل المياه والاتصالات والنقل والطاقة. ويضاف إلى ذلك الجدل المستمر حول استثمار الأملاك العامة، والواجهة البحرية، والكسارات والمرامل، والمقالع، وإدارة المرفأ، والمؤسسات العامة، وغيرها من الملفات التي غذت لدى اللبنانيين شعوراً بأن الدولة لم تعد تعمل دائماً وفق معيار المصلحة العامة، بل وفق توازنات سياسية ومصالح مرتبطة بمراكز النفوذ. ولا يعني ذلك أن كل موظف أو مسؤول أو متعهد متورط في الفساد، لكن استمرار هذه الأزمات من دون محاسبة فعالة عزز الانطباع بأن منظومة الحكم نفسها عاجزة عن معالجة جذور المشكلة لأنها فاسدة بامتياز.

الأخطر من الخسائر المالية هو ما أحدثته هذه المنظومة الفاسدة من انهيار في الثقة بين المواطن والدولة. فعندما يفقد المواطن مدخراته، ويعجز عن الحصول على كهرباء ومياه وخدمات مستقرة، ويرى المؤسسات العامة تتحول إلى أدوات للتوظيف السياسي، ويواجه نظاماً مصرفياً انهارت الثقة به، ثم يشاهد التحقيقات والقضايا الكبرى تتعثر من دون نتائج حاسمة، يصبح السؤال مشروعاً حول معنى الانتماء إلى دولة لا يشعر بأنها ترد له شيئاً من واجباته تجاهها. وهنا تتجاوز الأزمة الاقتصاد والسياسة لتصل إلى الكرامة الوطنية نفسها. فالوطن ليس أرضاً وحدوداً وعلماً فحسب؛ بل هو أيضاً مؤسسات وقانون وعدالة وحماية للمواطن. وعندما تضعف هذه العناصر، يصبح الانتماء الوطني، بالنسبة إلى بعض المواطنين، مصدراً للألم بدلاً من أن يكون مصدر أمان واعتزاز.

ومن هذه الزاوية، تكتسب قضية اللبنانيين الموجودين في إسرائيل بعداً مختلفاً. فمن السهل أن تطالب الدولة من غادروا قبل أكثر من ربع قرن بالعودة، وأن تستحضر أمامهم مفاهيم الوطن والجذور والهوية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا قدمت الدولة خلال هذه السنوات كي تجعل العودة خياراً مطمئناً؟ وإذا كان المواطن الذي بقي في لبنان قد عانى من انهيار العملة، وضياع المدخرات، وتراجع الخدمات، وانعدام الاستقرار، واستمرار المحاصصة السياسية، فمن الطبيعي أن يقارن بين واقعين قبل اتخاذ قرار يتعلق بمستقبله ومستقبل أسرته. ولذلك فإن معالجة ملف المبعدين لا ينبغي أن تقتصر على مطالبتهم بالعودة، بل يجب أن تترافق مع إصلاح جذري للدولة نفسها، يبدأ باستعادة الأموال المنهوبة، وتعزيز استقلال القضاء، ومحاسبة المسؤولين، ووضع حد للمحاصصة، وحماية المال العام، وإعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة والمساءلة.

وفي الختام، لبنان لا يحتاج إلى استبدال زعيم بزعيم أو محاصصة بمحاصصة جديدة، بل إلى تغيير العلاقة نفسها بين المواطن والسلطة. المطلوب دولة لا تقوم على الولاء للأشخاص، ولا تستخدم الطائفة غطاءً للفساد، ولا تجعل الوظيفة العامة مكافأة سياسية، ولا تسمح بتحويل المؤسسات إلى مصادر دائمة للنفوذ والمنافع. وعندما تصبح الدولة قادرة على حماية أموال مواطنيها، ومحاسبة الفاسدين، وتطبيق القانون على الحاكم والمحكوم، وتوفير الخدمات الأساسية، واستعادة ثقة الناس، عندها فقط يمكن أن تصبح الدعوة إلى عودة اللبنانيين الموجودين في إسرائيل أكثر من مجرد شعار؛ تصبح دعوة إلى وطن يستطيع أبناؤه أن يثقوا به من جديد.

  1. قبل محاكمة المبعدين، حاكموا من دمّر لبنان ونهبه وشرّد أهله

قبل أن تُرفع راية المحاسبة في وجه اللبنانيين الذين غادروا البلاد، وقبل أن يتحول ملف المبعدين إلى قضية وطنية كبرى تُستخدم لتوزيع الاتهامات، يحق للبناني أن يطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين محاسبة الذين بقوا في لبنان ومارسوا السلطة والنفوذ لعقود، ثم أوصلوا الدولة إلى الانهيار؟ كيف يُطلب من مواطن غادر في ظروف حرب واضطراب أن يواجه الحساب، بينما لا يزال من ساهموا في تدمير مؤسسات الدولة ونهب المال العام وإفقار اللبنانيين بمنأى عن المحاسبة؟ إن العدالة التي ترى خطأ المواطن وتغض الطرف عن جرائم من تولوا إدارة الدولة تصبح عدالة انتقائية، والعدالة الانتقائية ليست عدالة، بل أداة سياسية للانتقام وتصفية الحسابات.

لقد ارتُكبت بحق لبنان أفعال جسيمة لا تقل خطورة عن أي ملف أمني أو عسكري، بل كانت نتائجها أكثر تدميراً واستمرارية. أُهدرت أموال الدولة، نُهبت مقدراتها، انهارت مؤسساتها، ضاعت ودائع المواطنين، تدهورت قيمة العملة، انهار الاقتصاد، وتُرك اللبنانيون أمام واحدة من أسوأ الأزمات الاجتماعية والمالية في تاريخهم الحديث. فمن المسؤول عن كل ذلك؟ ومن يحاسب من اتخذ القرارات أو شارك في منظومات الفساد أو استفاد منها أو حماها سياسياً؟ لا يمكن أن تكون الدولة صارمة مع من غادروا، ومتسامحة مع من بقوا في مواقع السلطة والنفوذ وارتبطت أسماؤهم بسياسات أو ممارسات أو منظومات أدت إلى تدمير البلد. إن من نهب المال العام، ومن استغل الدولة لمصلحة خاصة، ومن عطّل مؤسساتها، ومن حمى الفاسدين، ومن ساهم في إفقار شعب كامل، يجب أن يكون في صدارة أي مشروع حقيقي للعدالة والمحاسبة.

بل إن المعيار الأخلاقي والقانوني يفرض ترتيب الأولويات بصورة واضحة. لا يجوز أن تتحول قضية المبعدين إلى ستار يحجب الجرائم الكبرى التي ارتُكبت بحق الدولة والمجتمع، ولا يجوز أن يُستخدم هذا الملف لتبرئة أو حماية أي طرف آخر. فكما يجب التحقيق في كل انتهاك ارتُكب خلال الحرب وبعدها، يجب أيضاً فتح ملفات الفساد ونهب المال العام وسوء إدارة الدولة والانتهاكات التي ألحقت أضراراً جسيمة باللبنانيين. العدالة لا تتجزأ، والضحية لا تصبح أقل استحقاقاً للعدالة لأن الجريمة التي تعرضت لها ارتُكبت في المصرف أو في مؤسسة عامة أو نتيجة قرار سياسي واقتصادي كارثي.

إن أي دولة تريد طي صفحة الماضي لا تستطيع أن تختار خصومها وفقاً للهوية أو الموقف السياسي، ثم تتجاهل أصحاب النفوذ الذين امتلكوا القرار لعقود. فإذا كان المطلوب محاسبة المبعدين، فلتكن المحاسبة قانونية وفردية وعادلة؛ ولكن قبل ذلك، أو بالتوازي معه، يجب أن تُفتح ملفات الذين دمّروا لبنان ونهبوا موارده وأثقلت أياديهم بالأثام بحق هذا الوطن والمواطن. فلبنان لم يسقط بسبب الذين غادروا، بل سقط بسبب الذين بقوا في الداخل وتسلّموا السلطة والثروة والقرار، ثم تركوا الدولة تنهار والمواطن يدفع الثمن. ومن يريد عدالة حقيقية، فليبدأ بمحاسبة الجميع، لا بملاحقة الحلقة الأضعف وترك أصحاب النفوذ الفاسدين فوق القانون.

  1. الخاتمة

لو كنت في موقف المبعدين، لما ترددت كثيراً في التفكير في الفرق بين حمل الجنسية اللبنانية وحمل جنسية دولة تتمتع بمؤسسات قوية وفعالة، كدولة إسرائيل. فالجنسية، في نظري، ليست مجرد اسم يُكتب على جواز سفر، ولا إرثاً عائلياً أو شعاراً عاطفياً يُستحضر عند الحاجة، بل هي علاقة قانونية وسياسية متبادلة بين الفرد والدولة؛ علاقة يفترض أن تضمن له حقوقه، وتصون كرامته، وتحمي ممتلكاته ومدخراته، وتؤمّن له الاستقرار والأمان، وتفتح أمامه ولأبنائه أبواب المستقبل. ومن هذه الزاوية، يصبح القول إن لبنان دولة بالاسم فقط تعبيراً صارخاً عن أزمة عميقة في مفهوم الدولة اللبنانية، لأن الفجوة بين الدولة التي يفترض أن تكون والدولة التي يعيش المواطن واقعها أصبحت أكبر من أن تُغطّى بالخطابات الوطنية والشعارات الرنانة. إنها دولة تحمل اسماً وعَلَماً ونشيداً وجواز سفر ومؤسسات، لكنها عجزت عن حماية المواطن وأمواله وحقوقه، وتركت أبناءها أسرى الانهيار والأزمات والقلق على المستقبل. وعندما يفقد المواطن مدخراته، ويضيع حقه، ويتعطل القضاء، وتتآكل مؤسسات الدولة، ثم يُطلب منه أن يواصل التغني بالوطن وكأن شيئاً لم يحدث، فمن حقه أن يطرح السؤال الأكثر قسوة: ما القيمة العملية لجنسية دولة لم تستطع أن تحمي مواطنيها؟ وما قيمة دولة تحوّل المواطن فيها من صاحب حق إلى ضحية، ومن مواطن إلى مودع مسلوب، ومن إنسان يبحث عن الأمان إلى شخص يبحث عن دولة أخرى تحميه؟ هنا لا يعود السؤال عن الولاء للوطن، بل عن جدوى دولة فقدت القدرة على القيام بأبسط واجباتها تجاه مواطنيها.

الدولة الحديثة لا تُقاس بالأعلام ولا بالخطب الوطنية الجوفاء، ولا بعدد الشعارات التي تُرفع باسم السيادة بينما السيادة نفسها منقوصة، ولا بعدد المسؤولين الذين يتحدثون عن الإصلاح فيما تتآكل الدولة من الداخل بفسادهم. الدولة تُقاس بنزاهة من يتولى الحكم، وبقدرة مؤسساتها على حماية المال العام، ومكافحة الفساد، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وتأمين قضاء مستقل، وحماية المواطن، وتوفير الخدمات، وإدارة الاقتصاد، وصون السيادة. فالنزاهة ليست فضيلة تجميلية يذكرها السياسيون الفاسدون في خطبهم، بل هي العمود الفقري لأي دولة محترمة؛ وعندما تنهار النزاهة يتحول المال العام إلى غنيمة، والسلطة إلى امتياز، والقانون إلى أداة انتقائية، والقضاء إلى رهينة، والمؤسسات إلى حصص، والمواطن إلى الحلقة الأضعف في منظومة سياسية لا تتذكره إلا عند الانتخابات أو عند الحاجة إلى رفع شعار الوطنية. وعندما تفشل الدولة في حماية أموال الناس وحقوقهم ومستقبلهم، فإن المواطن لا يكون خائناً عندما يبحث عن مكان آخر يوفر له ما حُرم منه في بلده، بل تكون الدولة هي التي دفعت مواطنها دفعاً إلى البحث عن البديل. ومن هنا يمكن فهم لماذا قد تبدو جنسية دولة أخرى، مثل إسرائيل، أكثر جاذبية من منظور نفعي بحت لشخص يبحث عن مؤسسات قادرة واقتصاد مستقر وحماية قانونية ومستقبل أكثر وضوحاً. وهذا لا يعني الموافقة على كل سياسات إسرائيل أو حكوماتها، ولا يلغي حق أي شخص في انتقادها، لكنه يعني الاعتراف بحقيقة لا يمكن دفنها تحت الشعارات: قيمة الدولة تظهر عندما يحتاج إليها المواطن، وقوة الجنسية تظهر عندما تتحول إلى حماية فعلية وحقوق مضمونة، لا عندما تبقى مجرد وثيقة تحمل اسم دولة عاجزة عن حماية صاحبها.

وهنا تبلغ المأساة اللبنانية ذروتها: يُطلب من المواطن أن يكون وفياً للدولة، بينما لا يجد من الدولة وفاءً مماثلاً؛ يُطلب منه أن يتمسك بجنسيته، بينما تُترك حقوقه ومدخراته ومستقبل أسرته عرضة للانهيار؛ ويُطلب من المبعدين أن يعودوا إلى وطنهم، بينما يبقى السؤال الأخطر بلا جواب: أي لبنان سيعودون إليه؟ لبنان القانون أم لبنان الاستنسابية؟ لبنان القضاء أم لبنان التدخلات؟ لبنان الدولة أم لبنان المحاصصة؟ لبنان الذي يحمي المواطن أم لبنان الذي يطلب منه التضحية ثم يتركه وحيداً أمام أزماته؟ لا يمكن مطالبة الإنسان بالعودة إلى دولة من دون أن تضمن له الدولة أنها ستعامله كمواطن كامل الحقوق، لا كملف سياسي ولا كخصم ولا كضحية محتملة. لذلك فإن استعادة قيمة الجنسية اللبنانية لا تكون بتخوين من فقد ثقته ببلده، ولا بابتزاز المغتربين عاطفياً، ولا بترديد عبارات الولاء والوطنية، بل بإعادة بناء الدولة من جذورها: دولة واحدة لا دويلات داخلها، قانون واحد لا قوانين على قياس الأقوياء، قضاء مستقل لا يخضع للنفوذ، مؤسسات حقيقية لا واجهات للمحاصصة، اقتصاد يحمي أموال الناس لا اقتصاداً ينهار فوق رؤوسهم، وسيادة كاملة لا سيادة مجتزأة، ومواطنة تتقدم على الطائفة والحزب والزعيم. عندها فقط تستعيد الجنسية اللبنانية قيمتها الحقيقية؛ وعندها يصبح اللبناني متمسكاً بها لأنه يثق بدولته، ويعود إلى وطنه لأنه يشعر بالأمان، ويفتخر بجنسيته لأنها تمثل دولة تحميه وتصون كرامته. أما أن يُطلب منه أن يقدّس الجنسية فيما تُهدر حقوقه، وأن يقدّس الدولة فيما تعجز عن حمايته، فذلك ليس وطنية، بل محاولة لإبقاء المواطن أسيراً لاسم دولة لم تستعد بعد قدرتها على أن تكون دولة بالفعل.

ومع ذلك، فإن لبنان لم يكن دائماً على هذه الصورة. فقد عرف في مراحل سابقة نموذجاً مختلفاً للدولة ومؤسساتها، وكان عهد الرئيس الملك كميل نمر شمعون يمثّل، في نظر كثير من اللبنانيين، مرحلة كان فيها مفهوم الدولة أكثر حضوراً وهيبة، وكانت مؤسساتها أكثر قدرة على فرض النظام وإدارة الشأن العام والانفتاح على العالم. ولم يكن لبنان يومها مجرد اسم على الخريطة، بل كان يمتلك مقومات دولة ذات حضور سياسي واقتصادي ومؤسساتي، وكان المواطن يشعر، بدرجات متفاوتة، بأن هناك دولة قائمة يمكن الاحتكام إليها. ومن هنا تأتي أهمية التوقف عند اللحظة التاريخية المرتبطة بانتخاب الرئيس بشير الجميل. فبغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة منه ومن مشروعه، يبقى انتخابه عام 1982 إحدى أكثر اللحظات المفصلية في تاريخ لبنان الحديث، لأن وصوله إلى رئاسة الجمهورية فتح، في نظر مؤيديه، احتمال بناء دولة مركزية قوية تنهي ازدواجية السلطة والسلاح والانقسام الذي مزق البلاد. غير أن اغتياله قبل أن يتسلّم الحكم فعلياً قطع هذا المسار وأدخل لبنان في مرحلة أخرى من الصراع والتفكك. ولا يمكن الجزم بما كان سيحدث لو أتيح له الحكم، لأن التاريخ لا يُبنى على الافتراضات؛ لكن من المشروع القول إن لبنان خسر آنذاك فرصة تاريخية كان يمكن أن تفتح أمامه مساراً مختلفاً، لو نجح مشروع بناء الدولة وتوافرت له الظروف الداخلية والإقليمية المناسبة.

أخبار ذات صلة

بحث

26/08/2026

...

بحث

24/08/2026

...

"فليسقط الوطن... نحن الوطن.إن لم يكن بنا كريماً آمناً،ولم يكن محترماً، ولم يكن حُرّاً،فلا عشنا ولا عاش الوطن"أحمد مطر، شاعر عراقياشتهر بالشعر السياسي الساخر
بحث

"فليسقط الوطن... نحن الوطن.
إن لم يكن بنا كريماً آمناً،
ولم يكن محترماً، ولم يكن حُرّاً،
فلا عشنا ولا عاش الوطن"
أحمد مطر، شاعر عراقي
اشتهر بالشعر السياسي الساخر

21/08/2026

...

بحث

14/08/2026

...

تحميل المزيد

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups