حين يسأل الكاتب السياسي سام منسى: “ألم تسمعوا آلة الحفر؟” فهو لا يسأل عن ضجيج آلةٍ ميكانيكية فحسب، بل يطرح سؤالاً سياسياً ووطنياً عميقاً عن دولةٍ تعاقب عليها أربعة رؤساء جمهورية وستة رؤساء حكومة، بينما كانت تحت أرضها تُبنى منشآت وأنفاق مرتبطة بما يُسمّى “المقاومة“. فكيف يمكن لدولةٍ كاملة المؤسسات أن لا تسمع، أو تسمع ولا تتحرك، أو تعرف ولا تستطيع أن تفعل؟
د. الياس ميشال الشويري
في لبنان، لم تعد قضية السلاح الموازي للدولة مجرد مسألة أمنية أو عسكرية، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بمفهوم السيادة ووجود الدولة نفسها. فحين تمتلك جهة سياسية ـ عسكرية منظومة من الأنفاق والتحصينات والقدرات القتالية والتمويل المستقل عن الدولة، يصبح السؤال مشروعاً: أين تبدأ سلطة الدولة وأين تنتهي، ومن يملك فعلياً قرار الحرب والسلم؟
لقد تعاقبت الحكومات والعهود، وتبدلت التحالفات والوجوه، لكن معادلة السلاح خارج القرار الرسمي بقيت عصية على الحسم. وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة اللبنانية تزداد ضعفاً مالياً ومؤسساتياً، كان ما يُسمّى “المقاومة” يحافظ على منظومة عسكرية متطورة تحتاج إلى إنفاق هائل وإدارة متكاملة، ما جعل لبنان يعيش عملياً بين دولة رسمية محدودة القدرة وقوة موازية تملك أدوات تفوق قدرة الدولة في بعض المجالات.
ومن هنا يصبح سؤال سام منسى أكثر إيلاماً: إذا كانت آلة الحفر قد سُمعت، فلماذا لم تُسمع إرادة الدولة؟ وإذا كانت الدولة قد عرفت، فلماذا لم تستطع أن تمنع؟ وإذا كانت قد عجزت، فمن المسؤول عن هذا العجز المتراكم؟ إن القضية ليست فقط في الأنفاق التي حُفرت تحت الأرض، بل في منظومة سياسية كاملة سمحت بأن يصبح السلاح خارج الدولة أمراً واقعاً، وأن تتحول السيادة من ممارسة فعلية إلى شعار، وأن يدفع اللبنانيون ثمن قرارات لا يملكون دائماً القدرة على اتخاذها أو منعها.
- “ألم تسمعوا آلة الحفر؟” من السؤال الصحفي إلى السؤال الوطني
تحمل عبارة “ألم تسمعوا آلة الحفر؟” قوة رمزية كبيرة لأنها تنقل النقاش من التفاصيل التقنية إلى جوهر المشكلة السياسية. فآلة الحفر ليست شيئاً خفياً بالمعنى الحرفي، ولا يمكن أن تتحول عملية إنشاء أنفاق أو منشآت عسكرية واسعة إلى حدث عابر لا يترك أثراً. ولذلك يصبح السؤال موجهاً إلى الدولة بكل مؤسساتها: الأجهزة الأمنية، الجيش، الحكومات، السلطات المحلية، والأجهزة الرقابية والسياسية التي يفترض أن تتابع ما يجري على الأرض.
لكن المشكلة اللبنانية أعمق من مجرد اكتشاف نفق هنا أو منشأة هناك. فلبنان عاش طوال عقود في ظل واقع أمني مركب، تداخلت فيه الدولة مع قوى الأمر الواقع، وتداخل فيه القرار الوطني مع قرارات إقليمية ودولية. وفي مثل هذه البيئة يصبح الصمت السياسي جزءاً من المعادلة، إذ قد تعرف بعض المؤسسات شيئاً ولا تستطيع مواجهته، وقد يعرف بعض المسؤولين ولا يريدون تحمل تبعات المواجهة، وقد يفضل آخرون تأجيل المشكلة أملاً في أن يتغير ميزان القوى.
وهنا تتحول عبارة “ألم تسمعوا؟” إلى مرآة لثقافة سياسية كاملة. فالمشكلة ليست دائماً في غياب المعلومات، بل في غياب القدرة على تحويل المعلومات إلى قرار. وقد تكون الدولة قادرة على الرصد لكنها غير قادرة على الفعل، أو قادرة على الفعل لكنها تفتقر إلى الإرادة السياسية، أو تملك الإرادة لكنها تصطدم بواقع أقوى من مؤسساتها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من حفر؟ بل: من امتلك القدرة على الحفر دون أن يخشى سلطة الدولة؟ ومن امتلك قرار بناء منظومة عسكرية مستقلة؟ ومن سمح بتحول هذا الواقع إلى أمر طبيعي؟ إن هذه الأسئلة تقود مباشرة إلى جوهر الأزمة اللبنانية: أزمة السيادة المنقوصة، لا مجرد أزمة أنفاق.
- أربعة رؤساء جمهورية وستة رؤساء حكومة ومسؤولية الدولة المتراكمة
حين يُقال “أربعة رؤساء جمهورية وستة رؤساء حكومة“، فإن الرقم يحمل دلالة سياسية قبل أن يكون مجرد إحصاء. فمرور عدة عهود وحكومات يعني أن القضية، إذا كانت صحيحة في جوهرها، لا يمكن اختزالها في شخص واحد أو حكومة واحدة. المسؤولية السياسية في الدول لا تسقط بتغيير الوجوه، لأن المؤسسات مستمرة، والملفات الأمنية والسيادية لا تبدأ مع كل حكومة ولا تنتهي برحيلها.
وهنا ينبغي التمييز بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية السياسية والمسؤولية المؤسساتية. ليس من المنهجي افتراض أن كل رئيس أو رئيس حكومة كان يعلم كل التفاصيل، كما ليس من العدل تحميل شخص بعينه مسؤولية قرار لم يشارك فيه. لكن استمرار واقع عسكري خارج السيطرة الكاملة للدولة عبر سنوات طويلة يطرح حكماً سؤالاً عن فعالية المؤسسات المتعاقبة وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها الدستورية.
لقد عرف لبنان عهوداً رئاسية وحكومات متعددة، وتغيرت التحالفات السياسية، وتبدلت الخطابات، لكن ملف السلاح خارج إطار الدولة بقي من أكثر الملفات استعصاءً. وفي كل مرة كانت الدولة تتقدم خطوة في اتجاه معالجة المسألة، كانت الحسابات الداخلية والإقليمية تعيدها إلى نقطة التردد، فيتحول الاستثناء إلى حالة دائمة.
وهكذا تصبح مسؤولية الدولة تراكمية. فليس المطلوب البحث عن “المذنب الوحيد” بقدر ما ينبغي البحث عن الآلية التي جعلت العجز يتوارث نفسه. وإذا كانت الحكومات المتعاقبة قد عجزت عن فرض رقابة كاملة على بنى عسكرية موجودة داخل الأراضي اللبنانية، فإن السؤال يتجاوز الأسماء إلى النظام السياسي نفسه: ما قيمة القرارات الرسمية إذا كانت قوة موازية تستطيع تجاهلها أو تعطيل تنفيذها؟

- أنفاق ما يُسمّى بالمقاومة بين الوظيفة العسكرية وغياب الدولة
لا يمكن تناول موضوع الأنفاق من دون الاعتراف بأن “المقاومة” في الخطاب اللبناني ارتبطت تاريخياً بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وأن هذا التاريخ شكّل جزءاً أساسياً من الوجدان السياسي لدى شرائح واسعة من اللبنانيين. غير أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول المقاومة من مفهوم مرتبط بظرف الاحتلال إلى منظومة عسكرية دائمة تمتلك أسلحة وبنية تحتية وقراراً مستقلاً عن الدولة.
فالأنفاق، من منظور عسكري، ليست مجرد ممرات تحت الأرض. إنها جزء من مفهوم دفاعي يعتمد على التخفي والحركة وتخزين المعدات وحماية العناصر وتجنب الرصد. ولذلك فإن وجودها يعكس مستوى من التنظيم والتخطيط والموارد لا يمكن التعامل معه باعتباره نشاطاً عفوياً أو فردياً.
غير أن السؤال السياسي يبقى أكثر أهمية من السؤال العسكري: لمن تعود هذه المنشآت؟ ومن يملك قرار استخدامها؟ ومن يراقبها؟ ومن يتحمل مسؤولية الحرب إذا تحولت هذه المنشآت أو الأسلحة المرتبطة بها إلى عامل في نزاع واسع؟ في الدولة الطبيعية، تكون الإجابة واضحة: الجيش والمؤسسات الشرعية وحدها، وفق قرار سياسي دستوري ورقابة مؤسساتية.
أما عندما توجد منظومة عسكرية تعمل خارج القيادة الرسمية للدولة، فإن مفهوم “القرار الوطني” يصبح ملتبساً. وقد تستطيع هذه المنظومة أن تقول إنها تحمي لبنان، لكن الدولة تسأل بدورها: من يحمي الدولة من أن تتحول أرضها إلى ساحة مواجهة دائمة؟ ومن يضمن ألا تُتخذ قرارات مصيرية باسم اللبنانيين من دون إجماعهم أو مؤسساتهم؟
- إنفاق “المقاومة” والدولة التي تدفع ثمن الاقتصاد الموازي
لا يمكن فصل الحديث عن البنية العسكرية والأنفاق عن سؤال التمويل. فالمؤسسات العسكرية السرية أو شبه المستقلة تحتاج إلى موارد مالية كبيرة للبناء والتجهيز والصيانة والتدريب والتخزين والاتصالات والحماية. وبالتالي فإن السؤال عن “آلة الحفر” يقود بالضرورة إلى سؤال آخر: من أين جاءت الأموال التي سمحت ببناء هذه المنظومة، ومن يتحمل آثارها الاقتصادية والسياسية؟
هنا تظهر مفارقة لبنان. فالدولة تعاني من أزمات مالية خانقة، ومؤسساتها تعاني من ضعف الموارد، والجيش والقوى الأمنية يحتاجون إلى دعم مستمر، فيما توجد في المقابل منظومة عسكرية تملك قدرات وموارد مستقلة عن الموازنة العامة للدولة. وهذه المفارقة تخلق اقتصادين متوازيين: اقتصاد دولة منهك، واقتصاد قوة منظمة تستطيع تمويل احتياجاتها خارج آليات الدولة المالية التقليدية.
ولا يعني ذلك أن كل دولار يُنفق على المقاومة هو بالضرورة مال مسروق من الدولة أو أن كل مصادر التمويل يمكن إثباتها بصورة واحدة. لكن المبدأ السياسي يبقى واضحاً: الإنفاق العسكري في الدولة يجب أن يخضع للرقابة والشرعية والمساءلة. أما حين يصبح هناك إنفاق عسكري واسع خارج الموازنة العامة وخارج الرقابة البرلمانية والحكومية الكاملة، فإن ذلك يخلق مشكلة سيادية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.
والأخطر أن استمرار هذا الوضع يرسخ فكرة أن الدولة ليست المرجعية الوحيدة في لبنان. فالمواطن يدفع الضرائب للدولة، والدولة تعجز عن تأمين الكهرباء والمياه والخدمات والاقتصاد المستقر، بينما توجد قوة أخرى تمتلك منظومتها الخاصة في الأمن والسلاح والتمويل. وهنا لا يعود السؤال: كم أنفقت “المقاومة”؟ بل يصبح: كم كلف وجود منظومة موازية للدولة لبنانَ من استقرار واقتصاد وفرص استثمار وثقة دولية؟
- من “المقاومة” إلى الدولة الموازية
تكمن خطورة السلاح خارج الدولة في أنه لا يبقى سلاحاً لفترة طويلة، بل يتحول تدريجياً إلى منظومة سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية. وعندما تتكامل هذه العناصر يصبح الحديث عن “قوة مقاومة” أقل دقة من الحديث عن واقع سياسي وعسكري موازٍ للدولة، خصوصاً عندما تكون لهذه القوة قدرة على التأثير في القرارات الوطنية الكبرى.
الدولة الموازية لا تعني بالضرورة وجود حكومة أخرى أو مؤسسات مكتملة تحمل الاسم نفسه. يكفي أن توجد جهة تستطيع اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية مستقلة، وأن تمتلك القدرة على فرض معادلاتها على المؤسسات الرسمية، لكي يصبح مفهوم احتكار الدولة للقوة موضع سؤال.
وقد عاش لبنان نماذج متعددة من ازدواجية السلطة، لكن استمرارها في الزمن يجعل آثارها أكثر خطورة. فالدستور يقول شيئاً، وموازين القوى تقول شيئاً آخر؛ والمؤسسات الرسمية تعلن سياسة، بينما الواقع الميداني قد يفرض سياسة مختلفة. وبين النص والواقع تتآكل هيبة الدولة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن ليس فقط أن يمتلك طرف واحد سلاحاً خارج الدولة، بل أن يعتاد المجتمع وجود هذا السلاح إلى درجة أن يصبح الاعتراض عليه هو الاستثناء. عندها تتغير المعايير: يصبح ما هو غير شرعي أمراً واقعاً، ويصبح السؤال عن السيادة استفزازاً، ويصبح الدفاع عن الدولة اتهاماً بالعداء للمقاومة.
- بين الحفر تحت الأرض وبناء الدولة فوقها
إن عبارة “ألم تسمعوا آلة الحفر؟” تصلح في النهاية لأن تكون سؤالاً عن لبنان كله. فالمشكلة ليست فقط ما حُفر تحت الأرض، بل ما جرى حفره في الوعي السياسي اللبناني: أخاديد من الخوف والصمت والتسويات والانقسامات، جعلت الدولة عاجزة عن الوصول إلى إجابة واضحة عن أبسط الأسئلة السيادية.
لقد أثبت التاريخ اللبناني أن استمرار الأزمات لا يؤدي إلى حلها تلقائياً. وما لم تُحسم العلاقة بين الدولة وأي قوة مسلحة خارج مؤسساتها، سيبقى لبنان معرضاً لتكرار الدائرة نفسها: سلاح خارج الدولة، قرار عسكري خارج الدولة، حرب أو مواجهة لا تستطيع الدولة منعها، ثم فاتورة اقتصادية واجتماعية يدفعها اللبنانيون جميعاً.
والحل لا يكون بتبديل المصطلحات ولا بإطلاق شعارات جديدة. لا يكفي أن نقول “مقاومة” أو “دولة” إذا بقي الواقع على حاله. المطلوب هو دولة واحدة تملك القرار الأمني والعسكري، وجيش واحد يتولى الدفاع عن الحدود، ومؤسسات دستورية تملك حق الرقابة والمساءلة، وسياسة دفاعية تُناقش علناً وتُقر عبر المؤسسات الشرعية، بحيث لا يبقى أي قرار مصيري خارج إرادة الدولة.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر إيلاماً من “ألم تسمعوا آلة الحفر؟” هو: ماذا فعلتم بعدما سمعتم؟ فلبنان لم يعد يحتمل أن تبقى السيادة مجرد كلمة في الخطب، ولا أن تتحول الدولة إلى شاهد على ما يحدث فوق أرضها وتحتها. إن الأنفاق يمكن ردمها، والمنشآت يمكن تفكيكها، لكن إعادة بناء الدولة أصعب بكثير؛ لأنها تحتاج إلى استعادة الثقة والهيبة والقرار. وإذا كان لبنان يريد فعلاً أن يخرج من دولة التسويات إلى دولة المؤسسات، فعليه أن يحسم القاعدة التي لا تقوم دولة من دونها: لا سلاح فوق سلطة الدولة، ولا قرار حرب وسلام خارج مؤسساتها، ولا إنفاق عسكري خارج الرقابة الشرعية.
إن آلة الحفر قد تكون توقفت، لكن صوتها السياسي لا يزال يتردد. وهو صوت يسأل أربعة رؤساء جمهورية وستة رؤساء حكومة، وكل من تعاقب على إدارة هذا البلد: كيف استطاعت دولة كاملة بمؤسساتها وأجهزتها وجيوشها وأحزابها ووزرائها ونوابها أن تعيش طويلاً فوق واقع لم تستطع أن تضع له حداً؟ والسؤال ليس بحثاً عن انتقام سياسي، بل عن الحقيقة التي لا يمكن بناء دولة من دونها.
فالمشكلة في لبنان ليست أن أحداً حفر تحت الأرض فحسب؛ المشكلة أن الدولة سمحت، بالعجز أو الصمت أو التسوية أو الخوف، بأن يصبح ما تحت الأرض أقوى من الدولة التي يفترض أن تكون فوق الأرض. وهذه هي المأساة الحقيقية.

- الخاتمة
وفي النهاية، لم يعد السؤال: هل سمعتم آلة الحفر؟ بل أصبح السؤال: لماذا صمتّم بعدما سمعتموها؟ أربعة رؤساء جمهورية وستة رؤساء حكومة مرّوا على لبنان، وتعاقبت البيانات الوزارية والعهود والتسويات والوعود، بينما كانت تحت الأرض تُبنى منظومة عسكرية يفترض، في أي دولة تحترم سيادتها، أن تكون تحت سلطة مؤسساتها الشرعية ورقابتها. فإذا كانت الدولة لم تعرف، فتلك مصيبة؛ وإذا كانت تعرف ولم تستطع أن تفعل، فالمصيبة أكبر؛ أما إذا كانت تعرف وتختار الصمت، فهنا تتحول المسألة من عجز إلى مسؤولية تاريخية.
لقد سئم اللبنانيون دولةً ترى وتسمع ثم تتفرج، ودولةً تُطالب المواطن بالالتزام بالقانون بينما تعجز عن فرض القانون على الأقوى. لا يمكن أن تكون هناك دولتان فوق أرض واحدة، ولا جيشان، ولا قراران للحرب والسلم، ولا خزانتان للإنفاق العسكري، ولا سلطة رسمية تُحاسب الناس على أفعالهم بينما توجد قوة سياسية ـ عسكرية لا تخضع بالقدر نفسه لمنظومة المساءلة الوطنية.
أما شعار “المقاومة“، مهما كانت شرعيته في ذاكرة بعض اللبنانيين، فلا يمكن أن يتحول إلى شيك على بياض يلغي الدولة ويبرر قيام بنية عسكرية مستقلة عنها. فالمقاومة التي لا تعود إلى كنف الدولة تتحول، مع مرور الزمن، من وسيلة دفاع إلى سلطة أمر واقع؛ والإنفاق الذي لا يخضع للرقابة يصبح جزءاً من اقتصاد موازٍ؛ والسلاح الذي لا يخضع للقرار الوطني يصبح في النهاية صاحب القرار نفسه.
لقد انتهى زمن الأسئلة المؤجلة. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الأنفاق تحت الأرض، بل إلى طريق واضح فوقها؛ لا يحتاج إلى مزيد من السلاح الموازي، بل إلى دولة واحدة؛ لا يحتاج إلى مزيد من التبريرات، بل إلى الحقيقة والمساءلة. ومن حق اللبناني أن يعرف: من حفر؟ من موّل؟ من عرف؟ من سكت؟ ومن منع الدولة من أن تكون دولة؟
فليكن السؤال الأخير مدوياً: إذا كانت آلة الحفر قد دوّت تحت أقدام أربعة رؤساء جمهورية وستة رؤساء حكومة، فكيف لم يهتز عرش الدولة؟ وكيف لم يتحرك أحد؟ إن أخطر ما في الحكاية ليس صوت الآلة التي حفرت الأنفاق، بل صوت الصمت الذي سمح لها أن تحفر.
وسيظل التاريخ يسأل الجميع، لا ليحاكمهم بالكلام، بل بما تركوه للبنان: هل كنتم دولةً فوق الأرض، أم مجرد شهود على دولةٍ كانت تُحفر تحت أقدامكم؟ آن الأوان أن تتوقف آلة الحفر، لا تحت الأرض فحسب، بل في جسد الدولة نفسها. آن الأوان أن يُردم خندق ازدواجية السلطة، وأن يُستعاد القرار الوطني، وأن يعود السلاح إلى مكانه الطبيعي: تحت سلطة الدولة، لا فوقها. فلبنان لا يُنقذ بالمقاومات المتعددة والعبثية، بل بدولة واحدة؛ ولا يُحمى بالسلاح المنفلت، بل بسيادة لا ينازعها أحد.

























































