ليست الأوطان ملكًا للطوائف، ولا الدول امتدادًا للمذاهب، ولا المواطنة امتيازًا تمنحه جماعةٌ لجماعة أخرى وفق موازين القوة والنفوذ. الوطن هو المساحة المشتركة التي يلتقي فيها المختلفون على حقوق متساوية، ويحتكمون فيها إلى دولة واحدة، ويحمون فيها مستقبلهم بوصفهم مواطنين لا رعايا لطوائفهم. ومن هذا المنطلق، تكتسب العبارة المنسوبة إلى الإمام موسى الصدر، “لا نريد وطنًا للشيعة، بل نريد شيعةً للوطن”، أهمية تتجاوز معناها الطائفي المباشر، لتلامس جوهر المعضلة اللبنانية: هل نريد طوائف تمتلك دولتها الخاصة داخل الدولة، أم مواطنين ينتمون إلى طوائف متعددة ويجتمعون تحت سقف دولة واحدة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسألة لغوية أو سجالًا سياسيًا عابرًا، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على بناء وطن لا يُختزل في جماعة، ولا يُختطف باسم جماعة، ولا يُدار وفق مصالح زعمائها، بل يقوم على الحرية والعدالة والمساواة وسيادة القانون.
د. الياس ميشال الشويري
يحتل الإمام موسى الصدر مكانة خاصة في التاريخ السياسي والاجتماعي اللبناني، لا بسبب دوره في تنظيم الحياة السياسية والاجتماعية للطائفة الشيعية فحسب، بل أيضًا بسبب الخطاب الذي سعى من خلاله إلى نقل هذه الطائفة من التهميش إلى المشاركة، ومن الحرمان إلى المطالبة بالحقوق، ومن العزلة إلى الانخراط في الحياة الوطنية. وقد ارتبط مشروعه، في جوانب أساسية منه، بفكرة أن إنصاف الشيعة لا ينبغي أن يتحقق على حساب بقية اللبنانيين، وأن الدفاع عن حقوق جماعة محرومة لا يستلزم إقامة وطن منفصل لها، بل يستدعي بناء دولة عادلة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون. وفي هذا السياق، تعبّر العبارة المتداولة “لا نريد وطنًا للشيعة، بل نريد شيعةً للوطن” عن رؤية وطنية يمكن فهمها بوصفها دعوة إلى تقديم الانتماء اللبناني المشترك على منطق الملكية الطائفية، وإلى اعتبار المشاركة في الدولة غايةً تتجاوز حدود الجماعة. غير أن الدقة التاريخية تقتضي الإشارة إلى أن الصيغة الحرفية لهذه العبارة تحتاج إلى توثيق أولي موثوق قبل الجزم بأنها وردت بهذه الكلمات تحديدًا على لسان الإمام الصدر؛ فانتشار الأقوال على وسائل التواصل الاجتماعي، مهما اتسع، لا يكفي وحده لإثبات نصها الأصلي أو تاريخها وسياقها. ومع ذلك، يمكن مناقشة مضمونها في ضوء مواقفه وخطابه المعروفين بشأن الوحدة الوطنية والعيش المشترك وحقوق المحرومين.
تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تضعنا أمام تناقض تاريخي لا يزال يحكم جانبًا كبيرًا من الحياة اللبنانية: فكلما طالبت جماعة بحقوقها، برز خطر تحويل المطالبة المشروعة إلى مشروع نفوذ مغلق، وكلما سعت طائفة إلى حماية وجودها، أمكن أن تتحول الحماية إلى وسيلة لتكريس الانقسام، وكلما رفع حزب شعار الدفاع عن جماعته، أصبح من الضروري التساؤل عما إذا كان يدافع عن المواطنين فعلًا أم عن موقعه داخل النظام السياسي. ولا يقتصر هذا الخطر على الشيعة أو على أي طائفة بعينها، بل يشمل جميع الجماعات عندما تتعامل مع الدولة باعتبارها حصةً تفاوضية، ومع المؤسسات باعتبارها مواقع مخصصة لزعمائها، ومع المواطنين باعتبارهم جمهورًا انتخابيًا ينبغي إخضاعه أو استتباعه. ومن هنا، فإن جوهر المسألة ليس رفض الخصوصيات الدينية والثقافية، ولا مطالبة اللبنانيين بالتخلي عن معتقداتهم، بل التمييز بين الانتماء الطائفي بوصفه حرية شخصية واجتماعية، والطائفية السياسية بوصفها نظامًا لتوزيع السلطة والولاءات والمصالح. فليس المطلوب أن يكون الشيعي أقل اعتزازًا بدينه، ولا المسيحي أقل تمسكًا بإيمانه، ولا السني أقل وفاءً لتراثه، بل أن يكون الجميع أكثر وفاءً لوطنهم، وأكثر تمسكًا بدولة تحميهم بالتساوي، وأشد رفضًا لأي سلطة تضع مصالح الجماعة أو الحزب فوق مصالح لبنان.
- الإمام موسى الصدر بين الدفاع عن المحرومين ومشروع المواطنة
لا يمكن فهم فكر الإمام موسى الصدر بمعزل عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشها لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين، حين كانت مناطق واسعة من الجنوب والبقاع تعاني من الحرمان التنموي وضعف الخدمات العامة، وكانت فئات من المواطنين تشعر بأن حضورها في مؤسسات الدولة لا يعكس حجم حاجاتها أو حقوقها. في هذا السياق، برز الصدر بوصفه شخصية دينية واجتماعية وسياسية عملت على تنظيم المطالب الاجتماعية وتحويلها إلى قضية عامة، بدل تركها حبيسة الشكوى المحلية أو الاستغلال السياسي. وقد أسهم تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سنة 1969 في تعزيز التمثيل المؤسسي للطائفة الشيعية، فيما ارتبطت حركته الاجتماعية والسياسية بالدفاع عن الفئات المحرومة والمطالبة بالتنمية والعدالة والمشاركة. ولم تكن هذه المطالب، في أصلها، خروجًا على فكرة الدولة، بل كانت اعتراضًا على دولة لا تصل خدماتها وفرصها وحقوقها إلى المواطنين بالقدر نفسه. فالمواطن الذي لا يجد مدرسة جيدة أو مستشفى مناسبًا أو طريقًا آمنًا أو فرصة عمل عادلة لا يحتاج إلى دولة طائفية خاصة به، بل إلى دولة عامة تؤدي واجباتها تجاهه بوصفه مواطنًا كامل الحقوق.
إن القيمة الوطنية لمشروع الصدر تظهر بوضوح عندما نفصل بين مطلب إنصاف الطائفة وبين تحويل الطائفة إلى غاية سياسية قائمة بذاتها. فالحرمان لا يُعالج بإنكار الهوية، كما أن الاعتراف بالهوية لا ينبغي أن يتحوّل إلى تبرير للعزلة. وقد كان الدفاع عن المحرومين، في معناه الأوسع، قابلًا للتطوّر نحو مشروع وطني شامل يربط العدالة الاجتماعية بحقوق جميع الفئات التي تعاني من التهميش، سواء كانت في الجنوب أو الشمال، أو في الأطراف أو في قلب العاصمة. فالعدالة التي تُطلب لجماعة واحدة تفقد جانبًا من معناها إذا أصبحت امتيازًا حصريًا لها، بينما تكتسب قوتها الأخلاقية عندما تتحوّل إلى قاعدة عامة يستفيد منها الجميع. وإذا كانت جماعة قد عانت تاريخيًا من الإهمال، فإن معالجة هذا الإهمال لا تكون بإنشاء إهمال مضاد بحق جماعات أخرى، بل بتصحيح الخلل في توزيع الموارد والفرص والخدمات. وهكذا تصبح العدالة جسرًا بين اللبنانيين، لا جدارًا يفصل بينهم، ويصبح الاعتراف بالمظالم التاريخية خطوة نحو بناء الدولة، لا ذريعة لتكريس نظام المحاصصة.
ومن المهم أيضًا التمييز بين الدور التاريخي الذي أداه الصدر في تنظيم التمثيل الشيعي وبين المسارات السياسية التي اتخذتها القوى التي انتسبت لاحقًا إلى إرثه أو رفعت شعاراته. فالتاريخ لا يمنح أي حزب أو حركة تفويضًا أبديًا لاحتكار فكر مؤسسها، كما أن الانتساب الرمزي إلى شخصية وطنية لا يعفي أي تنظيم من المساءلة عن ممارساته وقراراته. وقد تتغير الظروف وتتبدل القيادات وتتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والسلوك السياسي الفعلي. لذلك، لا يجوز التعامل مع اسم الإمام الصدر باعتباره شهادة براءة تمنح تلقائيًا لكل من يتحدث باسمه، ولا باعتباره ملكية فكرية حصرية لحركة سياسية بعينها. إن الإرث الحقيقي لأي شخصية عامة يُقاس بقدرتها على إلهام المؤسسات نحو العدالة والوحدة، لا بمدى نجاح القوى اللاحقة في توظيف اسمها لتعزيز مواقعها. ومن هنا، فإن استعادة البعد الوطني في فكر الصدر تقتضي إخضاع السياسات المعاصرة لمعيار المواطنة والدولة، بدل إخضاع معنى المواطنة والدولة لمصالح القوى التي تدّعي تمثيله.
إذا أردنا قراءة العبارة المنسوبة إلى الإمام الصدر قراءةً عميقة، فينبغي ألا نحصرها في مفاضلة لغوية بين الوطن والطائفة، بل أن نراها دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات السياسية والأخلاقية. فالطائفة، مهما بلغت أهميتها في حياة أبنائها، ليست بديلًا عن الدولة، والحزب، مهما اتسعت قاعدته الشعبية، ليس بديلًا عن المؤسسات الدستورية، والقيادة، مهما اكتسبت من شعبية، ليست صاحبة حق في تقرير مصير المواطنين من دون مساءلة. إن الوطن الذي يتسع للشيعة والسنة والمسيحيين والدروز وسائر المواطنين لا يطلب من أي جماعة أن تتخلى عن نفسها، بل يطلب منها ألا تحتكر نفسها أو وطنها، وألا تجعل من اختلافها مبررًا للانفصال عن القواعد المشتركة. ومن هنا، يصبح الوفاء الحقيقي لفكرة الصدر مرتبطًا بمدى الإسهام في بناء دولة عادلة، لا بمدى إحكام السيطرة على جماعة محددة. فالوطنية ليست شعارًا يرفع عند الحاجة، بل التزام يومي يجعل حقوق المواطنين ومصالحهم العامة أعلى من حسابات الزعماء والأحزاب والطوائف.

- من الطائفة الاجتماعية إلى الطائفة السياسية
ليس الانتماء الطائفي في ذاته مشكلة وطنية، لأن الإنسان قد يجد في دينه ومذهبه وتراثه العائلي والاجتماعي مصدرًا للمعنى والتضامن والطمأنينة. كما أن المجتمعات المتنوعة لا تحتاج إلى محو الاختلافات لكي تعيش معًا، بل تحتاج إلى قواعد عادلة تمنع تحويل الاختلاف إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء. تبدأ المشكلة عندما تنتقل الطائفة من كونها إطارًا اجتماعيًا وروحيًا إلى كونها وحدة سياسية مغلقة، تُختزل فيها مصالح أفرادها في مواقف قيادتها، ويُطلب منهم الالتزام بخياراتها حتى عندما تتعارض هذه الخيارات مع مصالحهم أو مع المصلحة الوطنية العامة. عندئذٍ، لا يعود المواطن حرًا في تحديد موقفه السياسي وفق قناعته، بل يصبح معرضًا لضغط الانتماء والخوف من التخوين أو العزل الاجتماعي. وتتحول الانتخابات من منافسة بين برامج سياسية إلى إحصاء لقوة الجماعات، وتصبح المناصب العامة موضوعًا للتفاوض بين الزعماء بدل أن تكون مسؤوليات تُمنح على أساس الكفاءة والنزاهة. وفي مثل هذا النظام، يُضعف الانتماء المغلق معنى المواطنة، لأنه يجعل الإنسان ممثلًا لطائفته قبل أن يكون صاحب حق مستقل في الدولة.
وقد ساهم النظام السياسي اللبناني، منذ قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920 وتطور المؤسسات الدستورية بعد الاستقلال، في ترسيخ أشكال مختلفة من التمثيل الطائفي، ثم جاء اتفاق الطائف سنة 1989 ليعيد تنظيم جوانب أساسية من تقاسم السلطة، مع التأكيد على مبدأ إلغاء الطائفية السياسية بوصفه هدفًا إصلاحيًا. غير أن استمرار المحاصصة في الممارسة السياسية أبقى الدولة عرضة للتفاوض الدائم بين القوى الطائفية، حتى في الملفات التي يفترض أن تُحسم وفق قواعد إدارية وقانونية واضحة. ولا يعني ذلك أن جميع مظاهر التمثيل الطائفي متساوية في أسبابها أو نتائجها، أو أن التجربة اللبنانية يمكن اختزالها في عامل واحد، لكنه يعني أن النظام الذي يجعل الانتماء الطائفي محورًا لتوزيع النفوذ قد يجد صعوبة في بناء مؤسسات مستقلة عن زعماء الجماعات. فحين يصبح لكل طائفة ممثل يدّعي احتكار صوتها، يتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة بين جماعات، بدل أن يكون تنافسًا بين مواطنين وأحزاب وبرامج قابلة للنقد والتغيير. وهكذا تتراجع فكرة المصلحة العامة أمام منطق التسويات التي تحفظ توازنات القوى أكثر مما تعالج مشكلات الناس.
وتتضاعف خطورة الطائفية السياسية عندما تُستخدم الذاكرة الجماعية والخوف التاريخي لإبقاء المواطنين داخل حدود جماعتهم. فقد شهد لبنان حروبًا وأزمات تركت آثارًا عميقة في الوعي العام، وأنتجت لدى فئات متعددة شعورًا بأن حماية الجماعة ضرورة للبقاء. لكن الخوف، عندما يتحول إلى أداة دائمة في الخطاب السياسي، قد يصبح وسيلة لتعطيل النقد والمساءلة؛ إذ يُطلب من المواطن أن يصمت عن فساد ممثله خشية أن يؤدي انتقاده إلى إضعاف الطائفة، وأن يتسامح مع تجاوزات حزبه لأن البديل، كما يُقال له، هو خطر وجودي. وهكذا يصبح الفساد أقل أهمية من الولاء، ويصبح السؤال عن الخدمات والاقتصاد والتعليم والأمن سؤالًا ثانويًا أمام استنفار المخاوف والهويات. غير أن التجارب التاريخية تُظهر أن المجتمعات لا تحمي نفسها بالولاء الأعمى، بل بالمؤسسات القادرة على حماية الجميع، وبالقضاء المستقل، وبالقانون الذي لا يتغير تبعًا لهوية المتهم أو نفوذه. فالدولة التي تضمن الحقوق أفضل حماية لأي جماعة من دولة تتنازعها الجماعات وتتعطل فيها العدالة.
إن الانتقال من الطائفة السياسية المغلقة إلى المواطنة لا يتحقق بمهاجمة المؤمنين أو التقليل من شأن معتقداتهم، بل بتحرير الحياة العامة من الاحتكار الطائفي. ويمكن للمواطن أن يكون شيعيًا ومؤمنًا بتقاليده، وأن يكون في الوقت نفسه معارضًا لحزب يزعم تمثيله؛ كما يمكن للمسيحي أو السني أو الدرزي أن يختلف مع قيادته السياسية من دون أن يصبح أقل انتماءً إلى جماعته أو وطنه. إن حرية الاختلاف داخل الطائفة هي أحد الشروط الأساسية لتحويلها من كتلة انتخابية مغلقة إلى مجتمع حي يضم اتجاهات متنوعة. والمطلوب أن تصبح الأحزاب مطالبة بإقناع المواطنين ببرامجها، لا بالاستناد إلى هوياتهم الموروثة، وأن تتنافس على تحسين التعليم والصحة والاقتصاد والأمن، لا على توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة. وعندما يستطيع المواطن محاسبة ممثله من دون خوف، واختيار خصمه السياسي من دون اتهامه بالخيانة، تبدأ المواطنة بالتحول من مفهوم دستوري إلى ممارسة فعلية. عندها فقط تصبح الطائفة جزءًا من المجتمع الوطني، لا سلطة فوقه.
- الشيعة والوطن بين الحق في المشاركة وخطر احتكار التمثيل
إن تناول موقع الشيعة في لبنان يقتضي الابتعاد عن مقاربتين متناقضتين: الأولى تتجاهل تاريخ الحرمان والتفاوت في التنمية والتمثيل، والثانية تجعل من ذلك التاريخ مبررًا لمنح أي قيادة تدّعي تمثيل الطائفة حقًا غير محدود في اتخاذ القرار باسمها. فالمساواة الحقيقية لا تبدأ بإنكار المظالم، ولا تنتهي بإقامة موازين جديدة للهيمنة، بل تتطلب معالجة أسباب التهميش ضمن إطار وطني جامع. وقد شكّلت المطالبة بإنصاف الشيعة في مراحل مختلفة جزءًا من تطور الحياة السياسية اللبنانية، ومن حق المواطنين الشيعة أن يتمتعوا بكامل حقوقهم الدستورية، وأن يشاركوا في إدارة الدولة، وأن يحصلوا على الخدمات والفرص نفسها المتاحة لسائر اللبنانيين. لكن هذا الحق لا يمنح أي حزب أو زعيم احتكارًا أبديًا لصوتهم، كما لا يجيز تحويل حقوقهم إلى رصيد سياسي خاص يستخدم في المساومات الداخلية أو الإقليمية. فالشيعي الذي يختلف مع قيادة سياسية معينة لا يفقد هويته، ولا يصبح أقل حرصًا على جماعته، بل يمارس حقًا أصيلًا في تحديد خياراته ومحاسبة من يتحدث باسمه.
وتظهر أهمية هذا التمييز في العلاقة بين التمثيل السياسي والتمثيل الشعبي. فالانتخابات تمنح القوى الفائزة تفويضًا محددًا وفق الدستور والقوانين، لكنها لا تحولها إلى مالكة لإرادة المواطنين، ولا تجعلها المرجع الوحيد لتحديد مصالح جماعاتهم. وقد تتغير الخيارات الشعبية من مرحلة إلى أخرى، وقد ينشأ داخل الطائفة نفسها اختلاف حول الاقتصاد والسياسة الخارجية والإصلاح الإداري ودور الدولة، كما يمكن أن تتباين المواقف من قضايا السلاح والتحالفات الإقليمية والعلاقات العربية والدولية. وهذه الاختلافات ليست دليل ضعف، بل علامة على وجود حياة سياسية طبيعية. أما حين يُقدَّم أي اختلاف على أنه تهديد للطائفة، فإن السياسة تتحول إلى امتحان في الولاء، وتُختزل الجماعة في صوت واحد لا يقبل المراجعة. لذلك، فإن احترام الشيعة يعني أيضًا احترام تنوعهم السياسي والفكري، والإقرار بحقهم في اختيار ممثليهم وتغييرهم، لا معاملتهم ككتلة واحدة تتحدث باسمها جهة واحدة إلى الأبد.
ولا يمكن فصل قضية المواطنة عن مسألة السيادة، لأن الدولة التي لا تحتكر القرارات الأساسية المتعلقة بالحرب والسلم والأمن العام تواجه صعوبة في ضمان المساواة بين مواطنيها. وفي الحالة اللبنانية، أثار وجود قوى مسلحة خارج التسلسل الكامل للمؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية نقاشًا عميقًا حول احتكار الدولة للسلاح، وعلاقة الدفاع الوطني بالقرار السياسي، ومخاطر ارتباط الخيارات الأمنية بحسابات إقليمية. وتبرز هذه المسألة في النقاش حول حزب الله ودوره العسكري والسياسي، لكن معالجتها ينبغي أن تتم على أساس دستوري ووطني، لا من خلال تحميل الشيعة جميعًا مسؤولية خيارات حزب أو تنظيم، ولا من خلال تجاهل حق اللبنانيين في مساءلة أي قوة تمارس نفوذًا يتصل بأمن البلاد ومصيرها. فالمواطن الشيعي، مثل غيره، له مصلحة في دولة قوية قادرة على حماية الحدود، وضمان الأمن، ومنع الاعتداءات، وإدارة العلاقات الخارجية وفق المصلحة اللبنانية. ولا يجوز أن يتحول الانتماء الطائفي إلى حجة تعفي أي جهة من المساءلة عن قرارات تؤثر في حياة جميع اللبنانيين.
إن المعنى الوطني الأعمق للعبارة المتداولة يظهر هنا بوضوح: لا يُطلب من الشيعة أن يتخلوا عن حقوقهم، بل ألا يُختزلوا في مشروع سياسي واحد؛ ولا يُطلب منهم أن يتنازلوا عن كرامتهم، بل أن تكون كرامتهم جزءًا من كرامة المواطن اللبناني؛ ولا يُطلب منهم الانسحاب من الحياة العامة، بل المشاركة فيها من خلال دولة لا تميز بين مواطن وآخر. فالشيعة ليسوا ضيوفًا في لبنان، ولا يحتاجون إلى إذن من أحد ليكونوا شركاء في تقرير مصيره، كما أن بقية اللبنانيين ليسوا ضيوفًا في وطنهم. الجميع أصحاب حق متساوٍ في الدولة، والجميع مسؤولون عن حمايتها من التفكك والفساد والهيمنة. وإذا كان التاريخ قد فرض على فئات مختلفة خوض معارك من أجل الاعتراف والتمثيل، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تجعل هذه الحقوق أساسًا للانتقال إلى دولة المؤسسات، لا مادة دائمة لإعادة إنتاج الانقسامات. إن الانتصار الحقيقي لأي جماعة ليس أن تصبح أقوى من سواها، بل أن تعيش في وطن لا يحتاج فيه أبناؤها إلى قوة حزب أو زعيم للحصول على حقوقهم.
- حركة أمل وحزب الله وإشكالية العلاقة بين الإرث الوطني والواقع السياسي
يستدعي البحث في هذه القضية التمييز بين الإمام موسى الصدر بوصفه شخصية تاريخية وفكرية، وبين المسارات السياسية التي سلكتها القوى التي نشأت في البيئة الشيعية اللبنانية أو استندت إلى خطاب الدفاع عن حقوقها. فقد ارتبطت حركة أمل تاريخيًا بالمسار الذي تطور من الحركة المحرومة، فيما نشأ حزب الله في ظروف إقليمية ومحلية مختلفة، واكتسب لاحقًا دورًا عسكريًا وسياسيًا واسعًا. وقد تشابكت علاقة هاتين القوتين بالتطورات الداخلية اللبنانية وبالتحولات الإقليمية، وتغيرت أدوارهما وتحالفاتهما بمرور الوقت. لذلك، لا يصح اختزال تاريخ الطائفة الشيعية في أي منهما، ولا افتراض أن جميع الشيعة يتبنون المواقف نفسها لمجرد الانتماء المذهبي. كما لا يصح اعتبار كل مرحلة سياسية امتدادًا مطابقًا لفكر الصدر، لأن الأفكار تتأثر بالسياقات التي تُطبَّق فيها، وقد تختلف الممارسة السياسية عن المبادئ التي تُرفع لتبريرها. ومن هنا، فإن أي تقييم جاد يجب أن ينطلق من السياسات والنتائج والمؤسسات، لا من الأسماء والشعارات وحدها.
لقد تحولت حركة أمل، مع مرور الزمن، إلى قوة سياسية رئيسية في لبنان، وأصبحت جزءًا من منظومة الحكم التي تتفاعل فيها الأحزاب مع مؤسسات الدولة ومع آليات توزيع السلطة والموارد. وهذا الموقع يجعلها، مثل سائر القوى المشاركة في الحكم، مسؤولة عن تقييم أدائها في الملفات العامة، بما في ذلك الإصلاح الإداري، والخدمات، والرقابة، والمالية العامة، وتعزيز المؤسسات. ولا يعني ذلك أن مسؤولية الأزمة اللبنانية تقع على طرف واحد، إذ إن المحاصصة والتعطيل وسوء الإدارة هي مسائل تتداخل فيها مسؤوليات قوى متعددة، تختلف أدوارها بحسب المرحلة والملف. لكن المشاركة الطويلة في السلطة تجعل من المشروع مساءلة أي قوة عن حصيلة أدائها، وعن مدى التزامها بمبدأ أن الدولة لجميع المواطنين. فلا يكفي أن تستحضر حركة سياسية تاريخًا نضاليًا أو خطابًا اجتماعيًا لتثبت أنها لا تزال تعمل وفق أهدافه؛ بل ينبغي أن تظهر هذه الأهداف في سياسات ملموسة، وفي مؤسسات شفافة، وفي قدرة فعلية على تحسين حياة المواطنين، بعيدًا عن منطق الزبائنية السياسية.
أما حزب الله، فقد جمع بين الدور السياسي داخل النظام اللبناني والدور العسكري الذي ارتبط تاريخيًا بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ثم توسع حضوره الإقليمي في مراحل لاحقة، ولا سيما مع تدخله العسكري في سوريا. وقد أثارت هذه التحولات خلافات واسعة داخل لبنان حول حدود العمل العسكري، ومرجعية القرار الأمني، وكلفة الانخراط في الصراعات الإقليمية، وتأثير ذلك في العلاقات الداخلية والخارجية. ومن حق اللبنانيين أن يناقشوا هذه القضايا علنًا، وأن يقيّموا نتائجها وفق معايير السيادة والمصلحة الوطنية وحماية المدنيين والاستقرار الاقتصادي. كما أن من الضروري الاعتراف بأن البيئة التي يؤيد فيها الحزب أو يحظى فيها بنفوذ اجتماعي ليست متجانسة في آرائها أو مصالحها، وأن الاختلاف حول دوره لا يبرر التعميم أو التحريض على أبناء الطائفة الشيعية. فالنقد السياسي المشروع يتناول القرارات والقيادات والتنظيمات، ولا يحوّل الهوية المذهبية إلى تهمة جماعية. إن الدولة العادلة هي التي تسمح بمناقشة أكثر القضايا حساسية من دون تخوين المواطنين، وتخضع القرارات المصيرية للمساءلة الدستورية والمؤسسية.
ويكمن السؤال المركزي في مدى قدرة القوى السياسية الشيعية، كما سائر القوى اللبنانية، على تحويل حضورها في المؤسسات إلى مساهمة في بناء دولة مستقلة وفعالة. فالقوة العددية أو التنظيمية أو العسكرية لا تكفي وحدها لإنتاج الاستقرار، كما أن امتلاك النفوذ لا يضمن تحسين الخدمات أو حماية الاقتصاد أو استعادة الثقة بالقضاء. وقد يجد أي حزب نفسه أمام مفترق حاسم بين المحافظة على شبكة مصالح تضمن استمراره السياسي، وبين قبول إصلاحات قد تقلص قدرته على التحكم في الموارد والتعيينات والقرارات. وعندما تصبح حماية الموقع السياسي أولوية مطلقة، يتراجع الإصلاح إلى مرتبة الشعارات، ويصبح المواطن مجرد وسيلة لتجديد التفويض. أما حين تقبل القوى جميعها بأن تكون المؤسسات فوق مصالحها، فإنها تمنح جمهورها ضمانات تتجاوز عمر الحزب أو الزعيم. إن الوفاء الحقيقي لأي إرث وطني لا يتحقق بتقديس الماضي، بل بمراجعة الحاضر، وتصحيح الأخطاء، وقبول المساءلة، وتقديم مصلحة لبنان على مصالح التنظيمات والتحالفات.

- الدولة اللبنانية بين المحاصصة والسيادة والعدالة الاجتماعية
إن الأزمة اللبنانية ليست مجرد خلاف بين طوائف متعددة، بل هي أيضًا أزمة دولة لم تنجح، على مدى مراحل متعاقبة، في بناء مؤسسات تتمتع بالاستقلال والكفاءة والاستمرارية. فعندما تُوزع المواقع العامة على أساس الولاء السياسي، وتصبح التعيينات الإدارية جزءًا من التسويات بين القوى، تتراجع معايير الجدارة والمحاسبة، ويجد المواطن نفسه مضطرًا إلى البحث عن وسيط سياسي لإنجاز معاملة أو الحصول على خدمة. وتتحول الإدارة من جهاز عام يخدم الجميع إلى شبكة مصالح تتنافس عليها الجهات النافذة، فيما يتراجع الشعور بأن القانون واحد على جميع المواطنين. وفي ظل هذا الواقع، لا تعود الطائفة مجرد إطار للهوية، بل تصبح لدى كثيرين وسيلة للحصول على الحماية والخدمات والفرص التي يفترض أن تضمنها الدولة مباشرة. ومن هنا، فإن معالجة الطائفية السياسية لا يمكن أن تنفصل عن إصلاح الإدارة العامة، واستقلال القضاء، والرقابة على الإنفاق، وإرساء قواعد شفافة للتوظيف والتعاقد والمشتريات الحكومية. فالدولة التي لا تقدم خدمات عادلة تترك فراغًا تملؤه الزعامات، ثم تستخدم هذه الزعامات استمرار الفراغ لتأكيد ضرورتها.
وقد كشفت الأزمة المالية والاقتصادية التي تفاقمت منذ عام 2019 مدى خطورة ضعف المؤسسات وتداخل المصالح السياسية والمالية. فخسارة المودعين لجزء كبير من قدرتهم على الوصول إلى أموالهم، وتراجع الخدمات الأساسية، وتدهور القدرة الشرائية، والهجرة الواسعة للكفاءات، كلها أمور لا يمكن تفسيرها من خلال خطاب طائفي واحد أو تحميلها لطائفة بعينها. إنها نتيجة أزمة بنيوية تتداخل فيها مسؤوليات الحكومات المتعاقبة، والخيارات المالية والنقدية، وضعف الرقابة، وتأخر الإصلاح، وتضارب المصالح. وفي مواجهة هذه الوقائع، يصبح من غير المقبول أن تُستخدم الهويات الطائفية لصرف الأنظار عن الأسئلة الأساسية: من اتخذ القرارات؟ من استفاد منها؟ من يتحمل الخسائر؟ وكيف يمكن توزيع الأعباء بصورة عادلة تحمي صغار المودعين والفئات الأكثر هشاشة؟ إن المواطن الذي فقد مدخراته لا يستعيدها من خلال خطاب التعبئة، والعائلة التي تعاني من انقطاع الخدمات لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى سياسات واضحة ومؤسسات قادرة على التنفيذ والمحاسبة.
وترتبط الدولة العادلة أيضًا بمفهوم السيادة، لأن المساواة بين المواطنين لا تكتمل عندما تتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري أو عندما تتقدم حسابات القوى الخارجية على احتياجات المجتمع اللبناني. والسيادة ليست شعارًا يُستخدم ضد طرف دون آخر، بل قاعدة عامة تشمل احترام الدستور، واستقلال القرار الوطني، وخضوع المؤسسات للقانون، وحماية الحدود، وإدارة العلاقات الخارجية بما يخدم مصالح البلاد. كما أن السيادة لا تعني الانغلاق عن العالم أو تجاهل المصالح الدولية، بل تعني أن تكون العلاقات الخارجية خاضعة لقرار الدولة ومساءلة مؤسساتها، لا نتيجة خيارات منفردة تفرض كلفتها على جميع المواطنين. ومن الضروري أن يُناقش هذا المبدأ من دون ازدواجية، لأن استقلال القرار الوطني لا يتجزأ، ولا يمكن الدفاع عنه في ملف والتغاضي عنه في ملف آخر بحسب هوية الحليف أو الخصم. إن لبنان الذي يريد حماية تنوعه يحتاج إلى دولة واحدة تملك الشرعية القانونية لإدارة الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، وتخضع قراراتها للمساءلة الدستورية، وتتمتع بالقدرة على تنفيذ سياساتها بعيدًا عن الإملاءات الداخلية والخارجية.
أما العدالة الاجتماعية، فهي المعيار الذي يكشف مدى صدق المشروع الوطني، لأنها تمس الحياة اليومية للمواطنين وتحدد قدرتهم على العيش بكرامة. فالوطنية لا تُقاس فقط بالخطب والمواقف السياسية، بل بوجود مدرسة رسمية جيدة، ومستشفى قادر على تقديم الرعاية، ونظام نقل آمن، وفرص عمل قائمة على الكفاءة، وقضاء يحمي الحقوق، وشبكات حماية اجتماعية لا تُمنح وفق الولاء الحزبي. وعندما يحصل المواطن على هذه الحقوق بصفته مواطنًا، تتراجع حاجته إلى الاعتماد على الزعيم لتأمين احتياجاته، ويصبح أكثر قدرة على الاختيار الحر والمحاسبة السياسية. لذلك، فإن بناء الدولة لا يتعارض مع الدفاع عن الفئات المحرومة، بل يمثل الوسيلة الأكثر استدامة لتحقيقه. كما أن الإصلاح لا ينبغي أن يُطرح بوصفه مشروعًا يستهدف جماعة بعينها، بل بوصفه عملية تحمي جميع اللبنانيين من الفساد والاستغلال. إن الدولة التي تنصف الشيعي والسني والمسيحي والدرزي وسائر المواطنين وفق معايير موحدة هي وحدها القادرة على تحويل التعدد اللبناني من مصدر للقلق إلى مصدر للقوة والإبداع والتضامن.
- كيف ننتقل من ولاء الطوائف إلى ولاء الوطن؟
إن الانتقال إلى دولة المواطنة لا يتحقق بمجرد تكرار الدعوة إلى الوحدة الوطنية، بل يحتاج إلى مشروع إصلاحي واضح يعالج الأسباب التي تجعل المواطنين يعتمدون على الطوائف والأحزاب بدل المؤسسات العامة. وفي مقدمة هذه الخطوات، يأتي التطبيق الفعلي لمبدأ المساواة أمام القانون، بحيث لا تكون هوية الشخص أو انتماؤه السياسي عاملًا في تحديد طريقة التعامل معه. ويتطلب ذلك تعزيز استقلال القضاء، وحماية الأجهزة الرقابية، وتطبيق قواعد تضارب المصالح، وملاحقة الفساد وفق أدلة وإجراءات قانونية لا وفق الحملات الإعلامية أو الانتقائية السياسية. كما ينبغي تطوير الإدارة العامة من خلال التوظيف القائم على الكفاءة، وإصلاح نظام المشتريات والإنفاق، وإتاحة المعلومات للعموم، وإقرار آليات فعالة لمحاسبة المسؤولين. فالمواطن الذي يرى أن حقوقه محفوظة بقوة القانون يصبح أقل حاجة إلى الاحتماء بزعيم طائفي، وأكثر استعدادًا للانخراط في الحياة السياسية بوصفه فردًا حرًا. وعندما تتساوى فرص المواطنين في الحصول على الخدمات والعدالة، يبدأ الولاء الوطني بالتأسس على تجربة يومية ملموسة، لا على مجرد خطاب أخلاقي.
وتأتي التربية المدنية في مقدمة الوسائل الضرورية لتغيير الثقافة السياسية، لأن بناء المواطنة يبدأ من المدرسة والجامعة والأسرة، قبل أن يظهر في البرلمان والحكومة. ومن المهم أن يتعلم الطلاب أن الاختلاف الديني لا يبرر التمييز، وأن احترام المعتقدات لا يتطلب الخضوع للقيادات السياسية، وأن النقد لا يعني الخيانة، وأن الحقوق لا تُمنح مكافأةً على الولاء. كما ينبغي أن تتضمن المناهج التعليمية تاريخ لبنان الحديث بصورة علمية ومتوازنة، تعترف بالتعدد وبالتجارب المؤلمة وبالمسؤوليات المتداخلة، من دون تحويل التعليم إلى وسيلة لتوريث الأحقاد أو تمجيد جهة سياسية بعينها. ويمكن للجامعات والنقابات والجمعيات المدنية أن تؤدي دورًا مهمًا في خلق مساحات مشتركة للنقاش والعمل، يتعاون فيها مواطنون من خلفيات مختلفة حول قضايا ملموسة مثل البيئة والصحة العامة والسلامة المرورية والعدالة الاجتماعية والبحث العلمي. فعندما يلتقي اللبنانيون في العمل من أجل مصلحة مشتركة، تتراجع الحواجز النفسية التي تصنعها التعبئة الطائفية، ويصبح الاختلاف عنصرًا طبيعيًا داخل مجتمع متضامن.
ويقتضي إصلاح النظام السياسي أيضًا تنفيذ المبادئ الإصلاحية الواردة في الدستور واتفاق الطائف، ولا سيما ما يتصل بتطوير الحياة السياسية وإلغاء الطائفية السياسية وفق مسار دستوري متدرج يضمن المساواة والتمثيل العادل. ولا يمكن أن يكون هذا التحول عملية شكلية تُلغى فيها بعض العناوين بينما تبقى الزبائنية والاحتكارات السياسية على حالها؛ بل ينبغي أن يرافقه تعزيز استقلال المؤسسات، وضمان الحريات العامة، وتطوير قانون انتخابي يشجع التنافس البرامجي، وبناء أحزاب وطنية تتجاوز حدود الجماعات، وإقرار الضمانات التي تمنع استئثار أي أكثرية بحقوق سائر المواطنين. ومن الضروري أيضًا أن تتم الإصلاحات بالتوافق الدستوري وبالحوار الوطني، لا من خلال فرض تصورات أحادية أو استهداف جماعات بعينها. فإلغاء الطائفية السياسية لا يعني إلغاء الأديان أو منع الناس من ممارسة معتقداتهم، بل تحرير الدولة من تحويل الانتماء المذهبي إلى معيار دائم لتوزيع السلطة. والهدف النهائي ليس إنشاء مواطن منزوع الهوية، بل مواطن يتمتع بهويته كاملة من دون أن تتحول هذه الهوية إلى قيد على حقوقه أو إلى حاجز يفصله عن بقية أبناء وطنه.
وأخيرًا، لا يمكن بناء الدولة من دون إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والقيادة السياسية. فالزعيم الذي يطلب من الناس الولاء المطلق يضع نفسه فوق المساءلة، أما المسؤول الذي يقبل المحاسبة فيعترف بأن السلطة تكليف مؤقت وليست ملكية شخصية أو طائفية. وينبغي أن تصبح البرامج السياسية قابلة للتقييم من خلال نتائج واضحة، وأن تُقاس شرعية القوى بما تقدمه من حلول واقعية، لا بما تثيره من مخاوف أو ترفعه من شعارات. كما ينبغي حماية حق المواطنين في الاحتجاج السلمي، وفي تأسيس الأحزاب والجمعيات، وفي انتقاد السلطات، وفي تغيير ممثليهم عبر الانتخابات الحرة والنزيهة. إن المواطنة لا تعني أن يتفق اللبنانيون على كل شيء، بل أن يختلفوا من دون تهديد، ويتنافسوا من دون إقصاء، ويحتكموا إلى القانون بدل القوة. وعندما تصبح الدولة المرجعية الأولى في الحقوق والأمن والخدمات، يتراجع احتكار الزعامات للحياة العامة، ويستعيد المواطن دوره بوصفه شريكًا في صنع القرار، لا تابعًا ينتظر الحماية أو المنّة. عندئذٍ، يصبح الشعار الوطني ممارسةً سياسية واجتماعية قابلة للقياس، لا مجرد عبارة جميلة تُستحضر في المناسبات.
- الخاتمة
إن العبارة المتداولة “لا نريد وطنًا للشيعة، بل نريد شيعةً للوطن” تختصر، في معناها الوطني، معركة لبنان الطويلة بين منطق الدولة ومنطق الجماعات المغلقة. وهي تطرح سؤالًا يتجاوز حدود الطائفة الشيعية ليشمل جميع اللبنانيين: هل نريد دولةً تحتضن تنوعنا وتحمي حقوقنا، أم نريد جماعات تتنافس على اقتسام الدولة وتتعامل معها بوصفها غنيمة سياسية؟ إن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الدفاع عن حقوق الشيعة، كما الدفاع عن حقوق أي جماعة لبنانية، كان ولا يزال مطلبًا مشروعًا عندما يستند إلى المساواة والعدالة. لكن هذه المشروعية لا تمنح أي جهة حق احتكار الطائفة أو تحويلها إلى أداة لخدمة مصالحها السياسية، كما لا تسمح لأي طرف آخر بإنكار حقوقها أو التعامل معها باعتبارها جماعة أقل استحقاقًا للمشاركة. فالمعيار الذي يحمي الشيعي ينبغي أن يحمي المسيحي والسني والدرزي وسائر المواطنين، والمعيار الذي يحمي حرية الجميع يجب أن يكون واحدًا لا يتغير بحسب ميزان القوى. ولا يمكن للبنان أن يخرج من أزماته إذا استمر في التعامل مع الحقوق بوصفها حصصًا تتبادلها القيادات، بدل اعتبارها ضمانات دستورية ثابتة لكل فرد.
أما استعادة فكر الإمام موسى الصدر، فلا ينبغي أن تتحول إلى سجال حول من يمتلك اسمه أو من يحق له التحدث باسمه، بل إلى مراجعة جادة للعلاقة بين الدفاع عن المحرومين وبناء الدولة. فالإرث الفكري لا يُصان بالتقديس، وإنما بإخضاع الواقع لمبادئ العدالة والحرية والوحدة الوطنية. وإذا كان الصدر قد ارتبط في الذاكرة اللبنانية بالدفاع عن حقوق فئات شعرت طويلًا بالتهميش، فإن الامتحان المعاصر يكمن في القدرة على تحويل هذه الحقوق إلى ضمانات عامة لا تعتمد على قوة حزب أو نفوذ زعيم. كما أن الوفاء لأي مشروع وطني يقتضي رفض استخدام الخوف لإسكات النقد، ورفض توظيف الانتماء الديني لتبرير احتكار القرار، ورفض تحويل المواطنين إلى أدوات في صراعات إقليمية أو حسابات سلطوية. إن الطائفة القوية ليست تلك التي يخشى الآخرون نفوذها، بل تلك التي يتمتع أبناؤها بحقوقهم كاملة ضمن دولة عادلة، وتستطيع اختلافاتها الداخلية أن تظهر بحرية، من دون أن تتحوّل إلى تهديد لوجودها أو لوجود الآخرين. والوطن القوي ليس الذي تسيطر فيه جماعة على بقية الجماعات، بل الذي لا تستطيع فيه أي جماعة أن تنتقص من حقوق جماعة أخرى.
لبنان لا يحتاج إلى أوطان متنافسة داخل حدوده، ولا إلى زعامات تعتبر المواطنين ملكًا سياسيًا لها، ولا إلى أحزاب تختصر السيادة في شعاراتها وتترك المؤسسات عاجزة عن أداء وظائفها. إنه يحتاج إلى دولة تحمي الحدود، وتصون الحريات، وتستعيد الثقة بالقضاء، وتواجه الفساد، وتحمي أموال المودعين، وتوفر التعليم والصحة والعمل، وتضمن أن تكون المسؤولية العامة خاضعة للمحاسبة. ويحتاج أيضًا إلى شجاعة فكرية تسمح لكل لبناني بأن يسأل ممثليه: ماذا قدمتم للوطن؟ هل جعلتم الدولة أقوى أم أضعف؟ هل وسعتم حقوق المواطنين أم ربطتموها بولائهم؟ وهل جعلتم انتماءهم الطائفي مصدرًا للتضامن أم أداةً للاستتباع؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد القيمة الفعلية لأي مشروع سياسي. ومن هنا، فإن الرسالة التي يمكن استخلاصها من العبارة المنسوبة إلى الإمام موسى الصدر ليست دعوة الشيعة إلى التخلي عن ذاتهم، بل دعوة جميع اللبنانيين إلى التحرر من احتكار الطوائف للدولة. فالوطن لا يطلب من أبنائه أن يتخلوا عن إيمانهم أو ذاكرتهم أو خصوصياتهم؛ إنه يطلب منهم أن يجعلوا اختلافاتهم جزءًا من غناه، لا مبررًا لتفكيكه. وعندما يصبح المواطن، أيًّا كان مذهبه، شريكًا كاملًا في دولة واحدة، يمكن للبنان أن ينتقل من تعايش تحكمه المخاوف إلى مواطنة تحميها الحقوق. فلا نريد شيعةً ضد الوطن، ولا سنةً ضد الوطن، ولا مسيحيين ضد الوطن، ولا دروزًا ضد الوطن؛ بل نريد لبنانيين جميعًا من أجل الوطن، في دولة لا يكون فيها أحد فوق القانون، ولا أحد خارج العدالة، ولا أحد مضطرًا إلى الاحتماء بطائفته كي يعيش بكرامة.

























































