النشوء على الغش
د. غالب خلايلي
لا يوجد في الحياة شيء أسوأ من الغش، أيّ غشّ…
وأبسط تعريف له هو أيّ انحراف عن الصواب مع ما يتضمّنه من سوء النية. وقيل إن الكلمة آتية من الغشش، أي المَشْرَب الكَدِر.
وفي البدء أعترف أنني فُطرتُ على كُره الغِش بكل معانيه، هذا الذي نتعرّف إليه في مرحلة مبكّرة في حياتنا، وأبسط أشكاله التي وعيناها باكراً هو غِشّ الحليب (خلطه بالماء، وله قصّة شهيرة)، ثم الغِش في لعب الورق (الشدّة)، الذي أمقته تماماً مثلما أمقت أموراً كثيرة (كالكذب والتدليس ومسح الجوخ والتدخين..).
ويأتي بعد ذلك غِش البضاعة، وبما أنني تعودت شراء حاجات البيت وأنا صغير، رأيت الغش في الخبز (العويص أو المعجّن أي الذي لا يخبز جيداً ولا يجفّف، ناهيك عن الغش في الميزان)، وفي الخضار والفواكه حيث يخلط لك الخضري ما هبّ ودبّ في الكيس (وقد رأيت أطفالاً يفعلون ذلك)، والغش في بيع اللحم، كأن يخفي اللحّام القطع المسوّفة (كثيرة الدهن) في كتلة اللحم، ويزيّن وجهها بقطع جيدة، أو يعزل قطعاً من اللحم أثناء الجرم أو التعريق (إزالة العروق..)، هي حقّك ويحسبها عليك، دون أن تتمكّن من الاعتراض على من بيده سكّين، ودمه حار، كيف لا واسمه الجزّار؟

ثم يأتي الغِش في المدرسة، وبعده الجامعة، وتعجب أنك ترى أناساً على مستوىً عالٍ من الذكاء، لكنهم غشاشون، ولو من أجل علامة إضافية. لم أتِح الفرصة في حياتي لأحد أن (ينقل مني)، ولا مددتُ بصري إلى ورقة زميل، مع أنها في مرمى نظري، ولو لم ينتبه المراقبون، علماً أن الأخيرين كانوا في زماننا أشداء (خلاف أغلب الحاضر)، ومن أمثلة ذلك أنني في فحص الكيمياء في الشهادة الإعدادية 1975، مرّ علي المراقب مرات مبدياً إعجابه، وعندما رأى خطأ بسيطاً في آخر خطوة في آخر مسألة، حاول جهده أن ينبّهني بطريقة ناعمة، فلم أنتبه، وكان يمكن مراجعة بسيطة مني أن تتلافى الخطأ، لكنني -لفرط الثقة- لم أفعل، وهو أيضاً لم يفعل، وهأنذا مسرور جداً منه بعد مرور أكثر من نصف قرن.
وفي مرحلة متقدمة رأيت صُوَراً أخرى، ففي المستشفى الذي بدأت حياتي به، رأيت الغش بأم عيني، ولو في حالات قليلة أتابعها، قام به مخبريون وزملاء وفريق تمريض، وكنتُ دائماً أكتشف اللعب، ولا أبقى صامتاً، ولو كسبت عداوات، علماً أن بعضها آذاني في الصميم، لكنني غير نادم إطلاقاً.
وفي معمعة الحياة نرى الغشّ في أبشع صُوَره أحياناً، كأن تشتري سلعة أخفى البائع عيبها، وانس شيئاً اسمه حقّ الزبون أو الضمان في بلادنا، حتى في أماكن راقية أو تعد نفسها كذلك، تدخلك في ألف نفق مظلم حتى تمل وتخسر وقتك وأعصابك، وقد واجهت كثيراً من الغش المرعب في صيانة أول بيت اشتريته في الشام، وفي أول براد إيطالي اشتريته في العين، وأول سيارة وكالة اشتريتها من شركة أسترالية.

مسألة الغش في الصيانة هذه تقطع نياط القلب في بلادنا، وقد صادفتها مراراً. مرّة مثلاً قام مصلح مواسير بتنشيف دمنا، وهو آتٍ غادٍ لإصلاح (سيفون) العفو منكم، وكم حاول سرقة واحد من بيت مجاور خالٍ، وفي مرة أخرى وضع آخرُ في خلاط الدوش قطعاً مطاطية تعيق جريان الماء لتجعل من يريد الاستحمام يزهق روحه من ضعف الماء، وقام ثالث بتبديل ماسورة خربت في عمق الجدار، فحفره في حفلة صاخبة، ووضع بدلاً عنها ماسورة حديد ما لبثت ان صدئت، وبتّ ترى الماء المحمرّ ورائحة الصدأ كلما فتحتَ الصنبور. وبالطبع لا تسأل عن تجبّر بعض أهل المهالك والمسالك في أسعارهم التي تفوق أسعار مشاهير الأطباء، ولا تسأل عن خذلان المواعيد بحيث يتركونك على نار وأنت تنتظر إصلاح عيب مهم، مثل انقطاع المياه عن البيت.
تذهب مثلاً لتشتري عسلاً حتى من معارف أو مقرّبين، فيحلفون لك أنه عسل أصلي آتٍ للتو من بطون النحل، لتكتشف أنهم باعوك قطراً ملوناً، وتذهب لتشتري مكسّرات، فيحلف لك البائع أنها نتاج السنة، وتكتشف أنها من سنة مضت، طبعاً، هنا الحق عليك لأنك لم تستخدم كل حواسك في كشف العيب. أذكر أنني اشتريت منذ مدة في العين جبنة مشلّلة من مول عالمي شهير جداً، على أساس أنها بضاعة حلبية فاخرة، بسعر فاخر أيضاً (قبل حرب الأربعين يوماً التي فاقمت الأسعار)، ومع الأسف كانت فائقة الملوحة والذوبان عند وضعها بالماء الحار، كما اشتريت زيتوناً أسود شهي المنظر فإذا به مثل جلدة الحنفية عند تذوّقه، ناهيك عن الملوحة، والخطأ هنا أنني لم أتذوق المنتج قبل شرائه، بناء على اسم المكان الشهير.
أأحدثكم الآن عن غش الطبّ أم الهندسة أم الأدب أم حتى طلّاب الزواج؟ أم أحدثكم عن غش الدواء والغذاء والماء والهواء؟ أم غش العلماء والباحثين الكبار؟ أم غشّ الصناعيين والتجار أو حتى صناع القرار؟

هذا موضوع يحتاج فصولاً، لكن في مهنتيّ الطب وطب الأسنان كثيراً ما نرى الغش والتدليس، من أجل تحقيق الهدف المادي Target ، بغض النظر عن المعاناة الإنسانية التي يمكن أن يتركها الطبيب في قلب الإنسان أو أسنانه أو أمعائه… وفي الهندسة يمكن أن يقع جسر أو تنهدم بناية (دع عنك الآن مآسي الحروب الطاحنة) بعد ضغط بسيط أو زلزال خفيف، وفي طلاب الزواج كم تكتشف أن سعادة طالب القرب مثليّ مثلاً أو نفعي كذاب في كل كلمة يقولها، وفي الأبحاث العلمية كم أخفيت حقائق من اجل الترويج لسلعة ما كالسكّر والسمن المهدرج أو حتى أدوية شهيرة..
وفي الأدب والنقد وفروع الثقافة عموماً -مع الأسف- الكثير من الغش والدجل والإسفاف، فترتفع أسهم كاتب أو بلد ما، وتسلّط عليهما الأضواء، فيما تنزل أسهم آخر ليبقى في العتمة، هكذا بكل بساطة.
والموضوع كله ذو شجون، لكن ما دفعني إليه الآن مفتاح. نعم، مفتاح سيارة إضافي (للاحتياط) طلبتُ نسخَه وبرمجته، فكان أن دفعت أكثر من مئة دولار للصانع الذي قيل لي إنه معيل محتاج. ربما يعلم معظمكم أن داخل هيكل المفتاح مفتاح معدني صغير يترك للحالات التي تتعطل بها كهرباء السيارة، وعندما تقصّيت عنه وجدت أنه مخروط سلفاً، أي إنه كان -على الأغلب، وحسب تفكيري الطبي- لسيارة أخرى. وبعد مراجعة الصانع لم يتراجع، بل برّر ما فعل بمثابة خدمة أو هدية لتعليق المفتاح الكبير(على غرار علاقة المفاتيح)!.
كم في رقاب البشر والشركات والدول من علّاقات مفاتيح وهمية، أعتقد أنهم سوف يشنقون بها في يوم ما.
حقا إنه عصر الغش والتفاهة والكذب والتدليس.
العين في 6/6/2026


























































