جو مريح في مؤتمر الأمراض العصبية عند الأطفال
د. غالب خلايلي
مضت عشرة أيام على عودتنا من دمشق إلى العين، وتأقلمنا مع (الوضع الحراري) غير الجديد علينا إذ اعتدنا عليه في العقود الماضية. نعم، ما زال الجو ساخناً ورطباً في أيلول جلّ النهار والليل، مع بعض نسمات لطيفة في الصباح لمن لا يبقى حبيس جدران تبث حرارتها المختزنة، فيقطفها بالبكور.
لكن، وعلى الرغم من حمّى الطقس، هناك دائماً ما يبرّد القلب ويثلج الصدر، من تقدّم في مختلف المجالات، هذا ليس بجديد، ولهذا سوف نركّز اليوم اهتمامنا على أمرين: مؤتمر الأمراض العصبية عند الأطفال في أبو ظبي، وولادة كاتب صغير هو أحد مرضاي الكرام في العين.
مؤتمر الأمراض العصبية عند الأطفال في أبو ظبي:
انطلقنا من بيتنا ظهر الجمعة الحادي عشر من سبتمبر 2026 (التاريخ الشهير) باتجاه أبو ظبي.
كانت الساعة نحو الثانية عشرة والتي تصادف العودة المبكّرة لتلاميذ المدارس في مثل هذا اليوم.
الشوارع قرب بيتنا مزدحمة بالسيارات، إذ نقطن في منطقة المدارس، والتي تذكّرنا بأولادنا الذي تخرجوا فيها في العقدين الماضيين، لكنها تصبح شديدة الهدوء في المساء والعطل.
الطريق إلى أبو ظبي جميل، فالشوارع فسيحة نظيفة تماماً حتى من محرمة تائهة أو عقب سيجارة، وهي مشجّرة في الوسط وعلى الجانبين على الرغم من حمّى الشمس الكاوية. توقفنا قليلاً في منتصف الطريق في إحدى محطات البترول (أدنوك) فائقة الترتيب والنظافة، لتعبئة خزان الوقود، ثم تابعنا المسير.
ومع أنني لا أحب قيادة السيارات إلى مسافات أعدّها بعيدة (ويعدها كثيرون قريبة)، إلا أنني كنت مشتاقاً لرؤية الزملاء بعد طول غياب، وكذا زيارة عائلة ولدي هناك.
ها نحن أولاء في فندق روتانا بارك الجميل في مشارف أبو ظبي. سألني الحارس إن كنت أحب صفّ سيارتي وحدي، فأحببت ذلك، فكان أن سار معي إلى مصفّ قريب جداً، وكم أنا محظوظ، على الرغم من وجود حافلة كبيرة احتلّت نصف الطريق، ولا شك أنها سوف تتعبني قليلا عند الخروج.
مدخل الفندق رائع مثل مئات الفنادق الضخمة المنتشرة: يستقبلك الموظفون هناك بأحلى هيئة لهم وأجمل ترحيب، لتجد الرطب الشهي مع القهوة العربية قريبة منك، وإذ تتناول القليل منها تشعر أنه بأفضل حال من الصحو والاتزان.
وفي بهو واسع قرب مدخل الفندق، افتقدت فيه أدنى أثر لرائحة دخان التبغ، يستقبلك موظفو المؤتمر العالمي السادس للشرق الأوسط MEPN المقرر يومي الجمعة والسبت (11-12 سبتمبر 2026) أحلى استقبال، يؤمّنون لك شارة الدخول المبرمجة (للحصول على البرنامج وحساب ساعات الحضور)، ويدعونك إلى فنجان قهوة من أي من أشكالها الحديثة، أو فنجان شاي حسب رغبتك ومزاجك، لتدخل بعدها إلى قاعة كبيرة مجهزة بأفضل الوسائل السمعية البصرية، فتجلس على كرسيّ مريح وراء طاولة تزود كل شخص بزجاجتي ماء، غازية وعادية، وكأس نظيف، وبالطبع قلم وأوراق لكتابة الملاحظات، فكيف لا يرتاح المرء في جو كهذا، مع برنامج غني بالموضوعات العصبية الاختصاصية، مثل اضطرابات الحركة، ومضادات الاختلاج، وعسر الحركة، والتحديات الأخلاقية في العلاج الجيني، والعلل العصبية العضلية المكتسبة، وغير ذلك كثير مما يهم اختصاصي الأعصاب بالدرجة الأولى، وطبيب الأطفال، واختصاصات كثيرة مثل العلاج الفيزيائي والجراحة؟

مغامرة درهم، وولادة كاتب عربي صغير في العين
مساء الأحد الثالث عشر من سبتمبر 2026، وكنت وحدي في العيادة، فوجئت بأجمل ما يمكن أن أتوقعه، إذ فتح الباب ودخلت أم شابة تحمل باقة ورد كبيرة جميلة، ومعها طفل صغير ولدها (الشريف حسين غالب الحضرمي) يحمل كتاباً مصوراً، هو مؤلّفه، تقدّم إلي -حفظه الرحمن- بثقة عالية وخطى ثابتة مثل رجل، ووقف أمامي، وألقى كلمة عبّر فيها عن مشاعره الطيبة وهو يهديني نتاجه الأدبي الأول (مغامرة درهم)، وأخبرني أنه قادم للتو من معرض الكتاب في أبو ظبي، حيث قام بتوقيع كتابه لمن يرغب من الجمهور.
والقصة بدأت قبل نحو ثلاثة أشهر (قبل سفري إلى الشام)، عندما أخبرتني والدة الطفل أنها تطبع كتاباً مصوّراً له في مؤسسة ارتقاء الإمارات للنشر والتوزيع في الشارقة.
وقتها لم يكن الشريف قد أتم العاشرة، فلفت نظري هذا الخبر المهم السعيد بحق، فرحت أستقصي عن الموضوع فإذا هو حكاية درهم يخوض مغامرات مختلفة، يزور من خلالها المعالم التاريخية الشهيرة المرسومة على الأوراق النقدية الإماراتية، من خمسة الدراهم إلى ورقة الألف، وفي كل محطة يزورها يعيش موقفاً يساعده على اكتساب ختم لقيمة مميزة مثل: السكينة، والشجاعة، والاجتهاد، والحكمة، والحفاظ على التراث، والتعاون، والطمأنينة، والأمل والطموح، كل ذلك في حكايات مصورة أجمل تصوير يشد الأطفال بلا شك، مثلما شدني الموضوع.
كانت العرب في الجاهلية والإسلام تحتفي بولادة المبدعين، وخاصة الشعراء والخطباء، إذ تعدهم خط الدفاع الأول عن القبيلة، ووسيلتها الإعلامية الكبرى، فكانت تقيم الأفراح والولائم إذا نبغ شاعر، وتتابع الاهتمام بهم بتخليد نتاجاتهم، ومشاركتهم في الأسواق الأدبية، ومنحهم الجوائز والصلات…
وأجدها اليوم مناسبة عزيزة لتهنئة نفسي أولا، وتهنئة أهل الشريف والمجتمع كله، بولادة أديب مبدع أرجو له كل التوفيق وكل الاحتضان كي تنمو هذه النبتة الجميلة لتكون في المستقبل القريب شجرة وريفة الظلال.

العين 13 سبتمبر 2026

























































