د. غالب خلايلي
أعطيتُ نفسي، بعد العودة من الشام، إجازةً من الكتابة لأكثر من شهر، وبقيتُ “قامعاً” رغبة الكتابة عندي بحزم، وما هذا -لو تعلمون- بالسهل!.
وهكذا بقيتُ حتى كاتبني صاحبٌ عزيز مستفسراً، وقد ظنّ أنني لست بخير، فطمأنتُه إلى حالي، وأخبرته بإجازتي، أريح بها نفسي وبعض قرائي الذين ربّما ملّوا كتابتي، خاصة وأنني لا أتلقى الكثير من ردود الفعل، وكنتُ وعدتُهم في أربعة عشر مقالاً شامياً، أنني سأتناول موضوع الطب.
والحقيقة أنني بقيت أشغل نفسي، لا أريد الخوض فيه، حتى تكاثرت عليّ القصص في مكان عملي، وكثير منها يشير إلى أنّ ممارسة الطب ليست بخير، أو لعلّ ما يصل إليّ، باعتباري خياراً نهائياً لكثير من المرضى، يعطيني أحياناً فكرةً غير حميدة.
وهنا، قبل الغوص في الموضوع، عليّ أن أشرح معنى كوني “خياراً نهائياً أو أخيراً”.
ما هو الخيار الطبي النهائي؟
ربما تعلمون من بثّي بعض الهموم في مقالاتي، أن مرضاي قلّوا في السنوات الأخيرة، والأسباب كثيرة، لكن أهمَّها هو وفرة العروض بسبب التخمة في المراكز الطبية والمستشفيات، وفيها من الأطباء والطبيبات عدد كبير من كل فجّ عميق، لا سيما مع اضطراب كثير من البلدان، والميزة الأهمّ أن كل هؤلاء يتعاملون بالتأمين الطبي، لأبقى الوحيد بلا تأمين، مع إصراري “الغريب” على البقاء حرّاً، الأمر الذي ينعكس سلباً على دخلي، لكن إيجاباً على استقراري النفسي، فأشغل وقتي بما أحبّ، وأعدّ نفسي بعد طول خدمة في مرحلة “نصف تقاعد”، فإن جاءني مريض أتباسط وإياه غير نادم على طول المكوث، وإن جاء معذّب ليس عنده تأمين، أخدمه بريف العين.
والحال هذه، ينبغي على الأهل (القادرين) الذين يختاروني أن يدفعوا أجرة المعاينة لي، ولهذا لم يعد يأتي أكثرهم إلا مضطراً، إما لكسب الوقت، أو لكي يستيقن مما يشكو ولده منه، علماً أنني لا أستخدم في الفحص سوى أدواتي البسيطة جداً، من غير تحاليل ولا أشعة، معتمداً على حُسن الإصغاء لشكوى المريض وهموم أهله، وترتيب كل ذلك منطقياً، ومن ثم قراءة تحاليله إن كانت معه، لأعطي قراري النهائي: ولدك طبيعي تماماً، أو يحتاج إلى كذا وكذا، بلا لفّ أو دوران، يعرف مرضاي هذه الميزة عندي، فأنا لا أريد تخويفَ الناس ولا طمأنتَهم طمأنة كاذبة، ولا جبرَهم على العودة إليّ.
حالات طبية:
خرجتْ من عندي قبل قليل مريضةٌ ابنة ست سنوات أعرفها حقّ المعرفة منذ ولادتها. دخلت إليّ باسمةً، فيما وجه والدتها قلقٌ معكّرٌ تماماً. أخبرتني الأم أنها في دوامة مرض ابنتها منذ شهر، وقصّت علي قصّة طويلة، فيها صور وتحاليل وأدوية بالوريد، استنتجتُ -بعد الاستجواب والفحص- أن جلّها لم يكن ضرورياً. لم يقلْ لها أحد: إنّ عليها التوقف عن مراجعة الأطباء، مع تأكيد أغلبهم أن فحص البنت طبيعي، لكنه، مع ذلك، يصف الأدوية، شرباً واستنشاقاً وحتى بالوريد، كل ذلك علاجاً لشكوى الأم من عرض بسيط.
وبالأمس راجعتني أم حديثة العهد بالأمومة، وعند رضيعها فتقٌ صغير في السرّة، لا يحتاج في مئات الحالات التي رأيتها إلى سوى المراقبة، إذ يتحسن وحده خلال أشهر. على أن الأم أخبرتني أن المستشفى الذي ولدت به حوّلها إلى الأشعة ثم إلى جراح، وهذا الأخير طلب عقب المعاينة مراجعته بعد ثلاثة أشهر.
أما القصة الأغرب فكانت لطفل ابن سنتين، راجعني لشكوى تنفّسية، وبعد الفحص انطلق يلعب بسعادة في العيادة، لتسألني والدته سؤالاً عجيباً: هل لدى ولدي توحّد؟ كان واضحاً أن ولدها سليم تماماً من الذاتوية أو كما كان يسمى التوحّد Autism، ولكن بعضهم أصر على أن المرض موجود، وأن على الأم أن تراجع الطبيب الفلاني في المستشفى الخاص العلّاني، وإلا فإنها تخطئ خطأ كبيراً بحق ولدها.
سوريا بلد أغنى العالم بالأطباء:
لا أريد أن أجعل مقالي طبياً خالصاً، ولكني أشير إلى سلوك غريب رأيته عند بعض مرضاي، وقد رأيت مثله -مع الأسف- أثناء زيارتي للشام.
والشام الحبيبة غنية جداً بالأطباء، فكليات الطب القديمة والحديثة ملأت البلد والعالم أطباء ناجحين، ومع ذلك هناك قصص كثيرة، إذ إن لكل مريض قصّة قد يحدّث بها أو يهذي، بحقّ أو بباطل.
ولأن الشام خارجةٌ من سبات السنين وتعبها الجمّ، فهي تعاني في مجالات كثيرة ومنها الطب.
وينبغي أن أقول: في الشام أطباء عظام لا غبار عليهم، منهم من غادرها تاركاً عيادة ثمينة أو مركزاً فخماً في موقع حساس، ومنهم من بقي مع ناسه ومرضاه، يناضل وإياهم ويخدمهم، ليتحمل بعضهم بعضاً في الظروف الصعبة. وهكذا تغدو كل عيادة أو مركز طبي بيئةً جاذبة لعدد من المرضى، فيستتب أمر الطب عند زمرة من البشر، لكن دون أن ترى وحدات كبيرة (مستشفيات) على قدرٍ عالٍ من النظام والترتيب والإمكانيات، كحال بلدان مجاورة، وهنا، في هذه البيئة ينمو الفطر الغريب، ويعاني كثيرون، مع العلم أن هذه المستشفيات كانت عند تأسيسها قبل عقود موئل معظم الناس، وكانت تشعّ علماً ونظافة، وفيها أهم الأساتذة، وتبقى اليوم التحدّي الطبي الأكبر، لمساعدة فئة غير قليلة لا سيما من أصحاب الدخل المحدود، ولتدريب طلاب الطب.
رأيت في زيارتي الطويلة نسبياً زملاء أكارم من دفعتي في أعلى المناصب العلمية، وما زالوا في سنتهم السادسة والستين (مثلي تقريباً) يعملون بجدّ وتفانٍ وكأنهم أبناء ثلاثين أو أربعين. رأيت زميلاً أكبر مني بسنوات، مديراً لمستشفى خاص مزدحم بالمرضى، ويعمل (وهو طبيب أطفال عشت وإياه سنة في غرفة واحدة) نهاره ومعظم ليله، مما رأيته أمراً منهكاً بحق. تعرّفت إلى زميل شاب جراح عظام يكافح في عيادته فوق عمله مديراً لمستشفى عام، مستشفى قديم مزدحم بالحالات، يحتاج إلى كثير من التجديد. كما تعرفت إلى زميلة شابة مكافحة تعمل في مجال أورام الأطفال بعد أن ينتهي عملها في مستشفى حكومي يحتاج إلى كثير من الإصلاح والترميم.
وقريباً من بيتي قرأت اسم زميل أصغر مني بنحو عقد من الزمان، عاد من أميركا، وافتتح مركزاً ضخماً فخماً يهتم بحالات معينة في طب الجلد والتجميل والنساء والذكورة، وعندما أطلعني على الأجهزة المتطورة في مركزه أحسستُ بأنني جاهل تماماً بالطب.
هؤلاء الزملاء المخلصون هم من قُدّر لي اللقاء بهم الصيف الماضي، وهذا يعطي فكرة، لكنها لن تكون شاملة عن بلد كبير، ولا حتى عن بعض أحياء في عاصمة عريقة. بالطبع لمست جهوداً مخلصة لزملاء آتين من الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا…، يحاولون تقديم المساعدات العلمية والمادية بكل ما أوتوا من محبة للوطن (وقد تحدثت سابقاً عن مؤتمرين لهم)، كما سمعت عن جهود جبارة تقوم بها وزارة الصحة لتنشيط القطاع الطبي العام، وتشغيل بعض المراكز والأقسام وفق أحدث الطرق.
مشاهدات، لكل مريض قصة:
لا أدعي أنني أعرف الكثير عن أحوال كل المرضى، لكنّ لي مشاهدات..
أولها لطفلٍ جميل من الشمال السوري، ابن تسع سنين، مصاب بورم عظمي نادر، وقد عولج في حلب الشهباء علاجاً كيماوياً مكثفا، وتحسن ورمه بنسبة جيدة، فراح يبحث عن خيار أفضل في العاصمة، فعشت وإياه وعائلته الخائفة في دوامة وقلق كبيرين، علماً أنني لم أترك خلال شهرين صديقاً مهماً في الطب، لا في الشام ولا خارجها أو الدول الأجنبية دون أن أسأله عن أحسن الخيارات، وكانت كلّها خيارات صعبة، لينتهي المقام بمريضنا (حسب خيار أهله) في الأردن الشقيق، حيث أعيد العلاج الكيماوي، وبدأ علاج شعاعي مكثف، نرجو معه لمريضنا كل خير.
مشاهدة أخرى ضحى يوم صيفي حار نسبياً قرب عيادة شهيرة في منطقة الروضة، حيث رأيت منظراً ينخلع له القلب: رجل أشيب أغبر متعب، يرافق أخاه الثلاثيني المريض الذي فقد ساقه ويسير بصعوبة بساق صناعية، وقد خرج الاثنان يهذيان، إذ رفضتهما السكرتيرة، وهما الآتيان من الجزيرة السورية (500 كم؟)، بدعوى أن الطبيب المشغول لن يستطيع معاينة هذا المريض حتى آخر النهار. حاولت مساعدة الرجل بتوجيهه إلى عيادات أخرى، بدا لي أنه يعرفها، ويجد عيباً لكل منها، فتركته وتركني سائراً على غير هدى.
قصة أخرى لطفلة ابنة ست سنوات، أصيبت بكسر في الساق والحوض بحادث سيارة كانت تعود إلى الخلف. لم يتهرب الرجل الذي صدمها، بل حمل المسؤولية كاملة خلال شهرين. في البدء قام بإسعافها إلى مستشفى حكومي قريب، ما لبث أهلها أن نقلوها إلى مستشفى خاص، ورأيت أن الأهل بالغوا كثيراً في ابتزاز الرجل الطيب الذي لم يقصر مرة في إعطائهم المبالغ التي يطلبونها، حتى شفى الله تلك المسكينة التي ذكرتني بابنتي يوم ضربها سائق عسكري متهور.
مشاهدة ختامية، وكنت أمشي وقتها في الظهيرة في طريق الصالحية، إذ سمعت رجلاً يتحدث بالهاتف ويقول: صارت عندي مشكلة كذا، وكل طبيب يعرض رأياً مختلفاً.
اختلاف الآراء في الطب وغيره وارد، وإنْ ليست كلّها ذات مقصد حسن.
مسك الختام، البون شاسع بين طبيب وطبيب:
كم هو البون شاسعٌ بين طبيبٍ وطبيب، مع أن كليهما يلبس الثوب الأبيض ذاتَه، ويحمل المسمّى نفسَه، وقد يكونان دارِسَيْن في المكان عينِه.
الأول يحمل كل المعاني الإنسانية العميقة، من لينٍ ولطف وتواضع ومحبّة وإخلاص وجدّية، والثاني لا يكاد يصل إلى معنىً إنسانيّ واحد.
الأول يعدّ المريضَ قضيته الأولى، ويحمل مسؤوليته على عاتقه مهما عظمت، ويكاد يأخذه معه إلى سكنه، فيما الثاني يعدّ المريض مرضاً مُعدياً أو همّاً ثقيلا يودّ التخلّص منه في أسرع وقت، ولو بإعطائه موعداً بعد سنة، لعلّ وعسى!..
الأول بلسمٌ للجراح مهما كانت عميقة، تشعر عندما تلاقيه أنه المخلّص من الأحزان، الأمين على الأبدان، وتتمنّى له كل الخير، وهو يقابلك بابتسامة متفائلة، ويكلمك بروح المحبة والعطف، فيما الثاني همّ على القلب تتمنى ألا تلاقيه في أي مكانٍ على وجه هذه البسيطة.
الأول يرى المال خادماً، وقد ينفق من ماله على مرضاه، ولا يهمّه أن يصبح غنياً إلا بأصدقائه الصدوقين ومرضاه المتعافين، والثاني يرى المال سيداً وهدفاً رئيساً، ولذا لا يمكن أن يعمل عملاً بغير مقابل.
الأول يعطي من عزيز وقته لمرضاه، ويتابع كل صغيرة وكبيرة بنفسه، فيما الثاني يرمي همّه على سواه، وإذا فحص مريضه فبغير أناةٍ أو صبر، وهو يمرّ مرور الكرام ولا يكتشف شيئاً مهماً، إذ إنه لا يعرف على الأغلب ما هو المهمّ.
الأول يقرأ ويدرس ويبحث لمريضه عن أي ضوء في أضيق نفق، ولا يقصّر في تخريج مريضه منه، فيما الثاني يبحث عن أسرع حل سطحي، فيعالج العرض دون أن يعرف المرض.
الأول يشخّص بعينه الخبيرة، والثاني يحتاج إلى كل وسائط التشخيص المكلفة، علّه يكتشف المرض، ولا يكتشفه.
كم هو الفرق كبير بين طبيب وطبيب، حتى في البلدة ذاتها، بل في المستشفى ذاته.
وكل الأمل في أن يسود الطبيب الأول، لا أن يكون الخيار النهائي.
العين في 20 /10/ 2026
ذكرى مرور 42 سنة على دخولي مستشفى الأطفال بدمشق للاختصاص.

























































