انتهت أيام مؤتمر الاتحاد العام العربي للتأمين GAIF 35 في البحر الميت، وغادرت الوفود قاعات الاجتماعات، لكن ما خرج من المؤتمر قد يكون أهم بكثير من الأيام الأربعة التي انعقد خلالها. فقد اختتم المؤتمر أعماله في الأردن بإعلان ثماني توصيات تستهدف تطوير صناعة التأمين العربية ورفع قدرتها على مواجهة المخاطر الجديدة، من الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي إلى الكوارث الطبيعية والتغير المناخي والمخاطر السيبرانية، مروراً بالتأمين البارامتري، وتبادل البيانات، وتطوير الكفاءات، وتعزيز الشمول التأميني والتعاون بين الأسواق العربية. ومع مشاركة 2,155 شخصاً من 48 دولة، فإن GAIF 35 لم يكن مجرد تجمع مهني كبير، بل منصة جمعت قيادات التأمين وإعادة التأمين والخبراء والجهات الرقابية وصنّاع القرار في لحظة تواجه فيها الصناعة تغيرات متسارعة لم يعد بالإمكان التعامل معها بأدوات الأمس.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح بعد انتهاء المؤتمر ليس كم بلغ عدد المشاركين، ولا كم جلسة عُقدت، ولا كم اجتماعاً ثنائياً جرى بين الشركات. السؤال الأهم هو: ماذا سيبقى من GAIF 35 بعد أن تُغلق أبواب البحر الميت؟ فالمؤتمرات الكبرى تُقاس بحجم الحضور، أما المؤتمرات المؤثرة فتُقاس بما تتركه وراءها من تغيير. ومن هذه الزاوية، فإن قيمة GAIF 35 لن تُحسم في يوم الاختتام، بل في الأشهر والسنوات التي ستلي المؤتمر، عندما تبدأ شركات التأمين والجهات الرقابية والاتحادات والأسواق في اختبار ما إذا كانت التوصيات قادرة على الانتقال من الورق إلى التطبيق.
اختيار شعار «التأمين: العودة إلى المبادئ» كان في حد ذاته رسالة بالغة الأهمية. فالعودة إلى المبادئ لم تكن دعوة إلى الابتعاد عن التكنولوجيا أو مقاومة التحول الرقمي، بل بدت أقرب إلى محاولة لوضع حدود واضحة أمام السرعة التي تتغير بها الصناعة. فالذكاء الاصطناعي أصبح يدخل في تحليل المعلومات وتقييم الأخطار والتسعير وإدارة المطالبات، والتكنولوجيا تعيد تشكيل طريقة بيع المنتجات وخدمة العملاء، فيما تظهر مخاطر جديدة لم تكن موجودة بهذا الحجم قبل سنوات. وفي هذا العالم المتسارع، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان قطاع التأمين سيستخدم التكنولوجيا، بل كيف سيستخدمها من دون أن يفقد الأسس الفنية والأخلاقية التي يقوم عليها؟ وقد شددت مناقشات المؤتمر وتوصياته على ضرورة الجمع بين الابتكار والخبرة البشرية والحوكمة وحماية البيانات.
ومن هنا تأتي أهمية التوصية المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي والتحليلات الحديثة في الاكتتاب والتسعير وإدارة المطالبات، مع الحفاظ على الخبرة البشرية والحوكمة الصارمة للبيانات. هذه ليست مجرد توصية تقنية؛ إنها في جوهرها دعوة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة داخل شركة التأمين. فالخوارزمية قد تحلل ملايين البيانات في وقت قصير، لكنها لا تعفي الشركة من مسؤولية القرار، ولا تلغي الحاجة إلى الخبرة المهنية، ولا تجعل حماية بيانات العملاء مسألة ثانوية. وكلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحاجة أكبر إلى قواعد واضحة تحدد كيفية استخدامه، وكيفية مراقبة نتائجه، وكيفية حماية العملاء من القرارات الآلية غير الدقيقة أو غير العادلة. لذلك فإن نجاح التحول الرقمي في التأمين لن يقاس بعدد الأنظمة الذكية التي تدخل الشركات، بل بقدرتها على استخدام هذه الأنظمة بكفاءة ومسؤولية في آن واحد.
أما المخاطر الناشئة، فقد احتلت موقعاً مركزياً في المؤتمر، وهذا منطقي في منطقة تتعرض في الوقت نفسه لتحولات مناخية وجيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية متشابكة. فقد ركزت توصيات GAIF 35 على تطوير أدوات تقييم ونمذجة وإدارة المخاطر، خصوصاً الكوارث الطبيعية والمخاطر المناخية والسيبرانية. وهذه النقطة تحمل أهمية خاصة لأن صناعة التأمين لم تعد تواجه مخاطر منفردة يمكن التعامل معها كل على حدة؛ فالكارثة الطبيعية قد تعطل سلاسل الإمداد، والهجوم السيبراني قد يشل أعمال شركة من دون أن يترك أضراراً مادية واضحة، والتوترات الجيوسياسية يمكن أن ترفع تكاليف النقل والطاقة والتجارة وتنعكس على عدد كبير من القطاعات في الوقت نفسه. ولذلك فإن مستقبل التأمين يتطلب الانتقال تدريجياً من التفكير في التعويض بعد وقوع الخطر إلى إدارة الخطر قبل وقوعه.
ومن أكثر التوصيات التي تستحق التوقف عندها الدعوة إلى توسيع استخدام التأمين البارامتري كأداة مكملة للتأمين التقليدي، خصوصاً في مواجهة الكوارث الطبيعية والتغير المناخي، مع بحث إمكانات تطبيقه في مجالات أخرى مثل اضطرابات سلاسل الإمداد وبعض المخاطر السيبرانية والجيوسياسية. أهمية هذه التوصية تنبع من حقيقة أن طبيعة المخاطر نفسها تتغير، وأن بعض الخسائر تحتاج إلى حلول أكثر سرعة ومرونة من الآليات التقليدية. والتأمين البارامتري لا يعني إلغاء التأمين التقليدي، بل يمكن أن يشكل طبقة إضافية من الحماية عندما تكون هناك مؤشرات ومعايير يمكن الاعتماد عليها لتفعيل التعويض. وإذا استطاعت الأسواق العربية تطوير هذا النوع من المنتجات بصورة مدروسة، فقد يكون أمامها مجال جديد لتغطية أخطار كانت حتى وقت قريب أكثر صعوبة على أدوات التأمين التقليدية.
لكن ربما تكون إحدى أكثر توصيات GAIF 35 أهمية على المدى الطويل تلك المتعلقة بالبيانات العربية. فالمؤتمر دعا إلى إنشاء قواعد بيانات عربية مركزية وموثوقة تساعد في تحليل المخاطر ونمذجة الخسائر وتحسين الاكتتاب والتسعير وتعزيز شفافية الأسواق. وقد تبدو هذه المسألة تقنية بالنسبة إلى القارئ العادي، لكنها في الحقيقة تقع في قلب مستقبل صناعة التأمين. فالشركة التي لا تملك بيانات جيدة عن الخطر الذي تؤمنه ستجد صعوبة في تسعيره بصورة دقيقة، والسوق الذي لا يملك بيانات متراكمة عن الخسائر والكوارث لن يستطيع بناء نماذج قوية للمستقبل. ولذلك فإن إنشاء بنية عربية أفضل للبيانات قد يكون واحداً من أهم المشاريع التي يمكن أن تخرج من GAIF 35، لأنه يضع المعرفة في أساس صناعة القرار التأميني بدلاً من الاعتماد على البيانات المتفرقة والتقديرات المنفصلة بين سوق وآخر.
وتكتسب هذه التوصية وزناً أكبر إذا نظرنا إلى حجم الصناعة العربية نفسها. فقد أشار الأمين العام للاتحاد العام العربي للتأمين شكيب أبو زيد إلى ارتفاع أقساط التأمين في الأسواق العربية من أقل من 4.5 مليارات دولار عام 1989 إلى نحو 70 مليار دولار اليوم. هذه الأرقام تعكس نمواً ضخماً، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم الفرصة المتبقية أمام الصناعة. فارتفاع الأقساط لا يعني بالضرورة أن فجوة الحماية التأمينية أُغلقت، ولا يعني أن التأمين وصل إلى جميع الأفراد والمؤسسات والقطاعات التي تحتاج إليه. ولهذا جاءت التوصيات المتعلقة بتوسيع الشمول التأميني وتعزيز الثقافة التأمينية لتؤكد أن مستقبل الصناعة لا يتعلق فقط بزيادة حجم الأعمال، بل أيضاً بتوسيع دائرة الحماية نفسها.
وهنا تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية: الإنسان. فالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات ونمذجة المخاطر لن تنجح من دون كفاءات قادرة على فهمها واستخدامها. ولهذا شدد المؤتمر على الاستثمار في المهارات المستقبلية، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والمخاطر السيبرانية والنمذجة والتأمين البارامتري. وهذه ليست مسألة تدريب تقني فقط؛ فالصناعة تحتاج إلى جيل جديد من المتخصصين القادرين على الجمع بين المعرفة التأمينية التقليدية وفهم التكنولوجيا الحديثة. ومن دون هذا الجيل، قد تمتلك الشركات الأدوات الرقمية لكنها تفتقر إلى الأشخاص القادرين على تحويلها إلى قيمة حقيقية.
كما أن دعوة المؤتمر إلى تعزيز التعاون وتبادل الخبرات والبيانات بين شركات التأمين وإعادة التأمين والاتحادات والجهات الرقابية تحمل دلالة تتجاوز العلاقات المهنية. فالخطر نفسه أصبح عابراً للحدود، ولذلك من الصعب أن تبقى أدوات مواجهته محصورة داخل الحدود الوطنية. الأسواق العربية، إذا أرادت تطوير قدرتها على إدارة الكوارث والمخاطر السيبرانية والمناخية والجيوسياسية، تحتاج إلى قدر أكبر من التعاون في البيانات والخبرات والنماذج والمنتجات. وهنا يمكن للاتحاد العام العربي للتأمين أن يلعب دوراً يتجاوز تنظيم المؤتمرات إلى بناء منصات تعاون دائمة تستطيع تحويل النقاشات السنوية إلى مشاريع عملية مستمرة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة توصيات GAIF 35 كمنظومة واحدة وليست مجموعة منفصلة من البنود: بيانات أفضل لفهم المخاطر، وتكنولوجيا أكثر كفاءة لتحليلها، ونماذج أكثر تطوراً لتسعيرها، ومنتجات جديدة لتغطيتها، وكفاءات بشرية لإدارتها، وتعاون عربي لتوسيع قدرتها، وشمول تأميني أكبر لضمان وصول الحماية إلى شرائح أوسع. وهذه ربما هي القيمة الحقيقية للتوصيات: أنها تحاول نقل النقاش من سؤال «ما الذي تواجهه الصناعة؟» إلى سؤال أكثر صعوبة وهو «كيف تستعد الصناعة لما ستواجهه؟»
ومع ذلك، فإن التقييم المهني الصريح يفرض التوقف عند نقطة أساسية: التوصيات الجيدة لا تكفي وحدها. فكم من مؤتمر انتهى بتوصيات مهمة ثم تراجعت إلى الصفحات الأخيرة من التقارير؟ الاختبار الحقيقي لـ GAIF 35 يبدأ الآن. فإذا تحولت الدعوة إلى قواعد بيانات عربية إلى مشروع فعلي، وإذا تطورت منتجات التأمين البارامتري، وإذا استثمرت الشركات في الكفاءات الجديدة، وإذا وُضعت أطر واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وإذا تعزز التعاون بين الأسواق العربية، عندها يمكن القول إن البحر الميت شهد أكثر من مؤتمر ناجح؛ شهد بداية تحول حقيقي. أما إذا بقيت التوصيات في إطار الخطاب المهني، فستبقى قيمة المؤتمر كبيرة من حيث الحوار والتواصل، لكنها لن تصل بعد إلى مستوى التغيير الذي تحتاجه الصناعة.
وهنا تحديداً يصبح شعار «العودة إلى المبادئ» أكثر عمقاً مما يبدو عليه. فالعودة إلى المبادئ لا تعني العودة إلى الماضي، ولا تعني الوقوف في وجه التكنولوجيا، بل تعني أن تدخل صناعة التأمين المستقبل وهي تعرف ما الذي يجب ألا تخسره مهما تغيرت الأدوات: الدقة الفنية، إدارة المخاطر، حماية المؤمن لهم، الحوكمة، الشفافية، المسؤولية المهنية والثقة. التكنولوجيا يمكن أن تغير طريقة عمل شركة التأمين، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحها ثقة العميل. والذكاء الاصطناعي يمكن أن يحلل الخطر، لكنه لا يستطيع أن يلغي مسؤولية من يتخذ القرار. والبيانات يمكن أن تجعل التسعير أكثر دقة، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب المهنية.
ولهذا فإن الحكم على GAIF 35 يجب ألا يكون متسرعاً. المؤتمر نجح بوضوح في جمع قطاع عربي ودولي واسع؛ 2,155 مشاركاً من 48 دولة، ونقاشات ركزت على الملفات التي ستحدد مستقبل الصناعة، وانتهى بثماني توصيات عملية في مجالات شديدة الأهمية. لكن النجاح التنظيمي والمهني ليس هو النهاية، بل نقطة البداية. فالمرحلة الأصعب تبدأ عندما تعود القيادات إلى شركاتها، والجهات الرقابية إلى مكاتبها، والخبراء إلى أسواقهم، ويصبح عليهم جميعاً أن يقرروا ماذا سيفعلون فعلياً بما سمعوه وناقشوه ووافقوا عليه في البحر الميت.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في المؤتمر: GAIF 35 انتهى، لكن أهم ما فيه لم يبدأ بعد. فالتوصيات خرجت من قاعات البحر الميت، والآن عليها أن تدخل غرف مجالس الإدارة، ومكاتب الاكتواريين، وإدارات المخاطر، ومختبرات التكنولوجيا، والجهات الرقابية، وأن تتحول من عبارات إلى سياسات، ومن سياسات إلى منتجات، ومن منتجات إلى حماية حقيقية.
عندها فقط يمكن أن نقول إن GAIF 35 لم يكن مجرد محطة جديدة في تاريخ الاتحاد العام العربي للتأمين، بل كان لحظة أعادت تعريف السؤال أمام الصناعة العربية: ليس كيف نواكب المستقبل فحسب، بل كيف نصنع مستقبلاً أكثر قدرة على حماية الناس والاقتصادات من المخاطر التي تتغير قبل أن نتمكن حتى من تسميتها؟
فالمؤتمر انتهى في البحر الميت…أما الاختبار الحقيقي، فقد بدأ اليوم.






















































