في بلدٍ لا تزال أزماته تضع مؤسساته أمام اختبارات قاسية، وتدفع كثيراً منها إلى خوض معركة الاستمرارية قبل التفكير في التوسّع، تبرز قصة شركة لبنانية اختارت أن تواجه التحديات بالخبرة والتطوير والحفاظ على ثقة عملائها، لتصل بإنجازها إلى واحدة من أبرز المنصات الإقليمية في قطاع البناء والتكنولوجيا. إنها شركة «ساكوتيل» التي لم تكتفِ بالحفاظ على حضورها في سوق شديدة التنافسية، بل نجحت في انتزاع جائزة «التميّز في حلول المباني الذكية» ضمن جوائز الابتكار في قطاع البناء 2026 ، في اعتراف إقليمي بمسيرة مهنية لبنانية تمتد جذورها إلى عقود من العمل المتخصص، وتتزامن مع احتفال المجموعة العائلية التي تنتمي إليها بمرور ستين عاماً على تأسيسها.
وجاء هذا التكريم خلال حفل أُقيم في 29 تشرين الأول 2026 في فندق «سوفيتيل دبي ذا بالم»، بتنظيم من مجلة East الصادرة عن BNC Publishing. ولا تقتصر أهمية الجائزة على موقعها في سجل إنجازات الشركة، بل تتصل أيضاً بتوقيت نيلها، إذ تأتي في عام تحتفل فيه مجموعة فرنان الحصري بالذكرى الستين لانطلاقتها، لتجتمع مناسبتان تختصران مسيرة من الخبرة والتراكم المهني والقدرة على مواكبة التحولات، في وقت تتزايد فيه أهمية الحلول الذكية في قطاع التطوير العقاري على مستوى المنطقة.
وتعكس مسيرة «ساكوتيل» انتقال الخبرة اللبنانية من السوق المحلية إلى فضاء إقليمي أوسع، إذ باتت الشركة حاضرة من خلال مكاتب في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق، وتخدم المطوّرين العقاريين والمقاولين ومالكي العقارات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتعمل في مجال تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، حيث لم تعد أنظمة الاتصال والأمن والتحكم الذكي مجرد إضافات للمباني الحديثة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من بنيتها التشغيلية ومن معايير الراحة والسلامة والكفاءة التي يتطلع إليها المطوّرون والمستخدمون.
وفي تعليقها على الفوز، وضعت جمانة الحصري، عضو مجلس إدارة «ساكوتيل»، الجائزة في سياق أوسع من الإنجاز المؤسسي، معتبرةً أنها تعكس قدرة الشركات اللبنانية على مواصلة المنافسة رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. وقالت: «بصفتنا شركة عائلية لبنانية، أمضينا جزءاً كبيراً من تاريخنا ونحن نشقّ طريقنا عبر أوقات مضطربة. والصمود يعني أن نواصل كسب ثقة عملائنا مهما كانت الظروف». وأضافت أن هذا التكريم يثبت أن المؤسسات اللبنانية القائمة على المعرفة والعمل الجاد والعلاقات طويلة الأمد قادرة على الوقوف بين الأفضل في المنطقة، وأن الجائزة ليست تكريماً لـ«ساكوتيل» وحدها، بل لكل شركة لبنانية تواصل العطاء مهما كانت التحديات في الوطن.
وراء هذا الحضور قصة تأسيس تعود إلى السيدة أوجيني الحصري، الرئيسة المشاركة لمجموعة فرنان الحصري، التي أنشأت «ساكوتيل» وقادتها ورعت نموّها، وأسهمت في بناء خبرتها التقنية وترسيخ موقعها في السوق. وفي عام 1978، اتخذت الشركة خطوة شكّلت محطة أساسية في مسيرتها، بتوقيع اتفاقية تعاون مع الشركة الإيطالية المصنّعة لأنظمة الإنتركم «أورميت» (Urmet). وقد استمرت هذه الشراكة لما يقارب خمسة عقود، لتصبح إحدى الركائز التي قامت عليها خبرة «ساكوتيل» في أنظمة الاتصال داخل المباني، وتؤسس لعلاقة طويلة الأمد بين المعرفة التقنية والتطبيق العملي في الأسواق.
ومع تطور احتياجات القطاع العقاري، لم تتوقف الشركة عند حدود اختصاصها الأول، بل وسّعت نطاق حلولها ليشمل أنظمة الإنتركم المتصلة بالهواتف المحمولة والتحكم الذكي بالمنازل، مستجيبةً للتحول نحو مبانٍ أكثر تكاملاً واعتماداً على التكنولوجيا. كما طوّرت نموذج خدمات يغطي مختلف مراحل المشروع، بدءاً من الاستشارات الفنية واختيار الأنظمة المناسبة، مروراً بالتركيب والتشغيل، وصولاً إلى خدمات ما بعد البيع والدعم التقني. وهي مقاربة تجعل من موثوقية الأداء واستمرارية الخدمة جزءاً من قيمة الحلول المقدّمة، لا مجرد مرحلة تكميلية بعد إنجاز الأعمال.
ولم يكن الاحتفال في دبي مناسبة مهنية فحسب، بل حمل أيضاً دلالة عائلية خاصة، مع حضور فرنان الحصري، مؤسس مجموعة فرنان الحصري، والسيدة أوجيني الحصري، الرئيسة المشاركة للمجموعة، إلى جانب فريق العمل، لتسلّم الجائزة في عامها الستين. فالمجموعة التي انطلقت قبل ستة عقود تواصل اليوم مسيرتها عبر ثلاثة أجيال؛ يتولى الجيل الثاني قيادة الأعمال، فيما بدأ أوائل أفراد الجيل الثالث الانضمام إلى المؤسسة، في امتداد يعكس انتقال الخبرة والمسؤولية، ويحافظ في الوقت نفسه على قابلية المؤسسة للتجدد والتطور.
وعن هذه اللحظة، قالت جمانة الحصري إن وجود مؤسس المجموعة ورئيستها المشاركة إلى جانب الفريق لتسلّم التكريم في عام الذكرى الستين منح المناسبة طابعاً شخصياً عميقاً، مضيفةً: «علّمنا والدانا أن نتحمّل مسؤولية كل ما نقدّمه، وهذه المسؤولية تنتقل من جيل إلى جيل». وهي عبارة تختصر جانباً أساسياً من فلسفة المؤسسة، حيث لا يُنظر إلى الاستمرارية باعتبارها مجرد الحفاظ على اسم عائلي، بل مسؤولية تتجدد مع كل جيل، وتُقاس بما يضيفه إلى ما بناه من سبقوه.
ومنذ انطلاقتها، استندت المجموعة إلى مبدأ اختصرته العائلة بعبارة لا تزال تعبّر عن هويتها: «جودة منتجاتنا عالمية، أما فخرنا ففي جودة خدمتنا». وهذه المعادلة تضع العلاقة مع العميل في صلب العمل، فلا تنتهي المسؤولية عند تركيب النظام وتسليمه، بل تمتد إلى ضمان أدائه والاستجابة لأي مشكلة قد تظهر لاحقاً. وفي هذا السياق، شددت الحصري على أن رضا العملاء يُكتسب بعد التركيب بوقت طويل، من خلال الاستجابة للنداء، وحل المشكلات، والتواجد عندما تكون الحاجة إلى الدعم فعلية.
وأهدت الحصري الجائزة إلى موظفي «ساكوتيل» وعملائها وشركائها في مختلف أنحاء المنطقة، تقديراً لمساهمتهم في مسيرة الشركة، كما شكرت الجهات المنظمة على جمع مؤسسات القطاع وقياداته في هذه المناسبة.
ستون عاماً بعد التأسيس، وما يقارب خمسة عقود على شراكة تقنية شكّلت إحدى ركائز اختصاصها، وحضور يمتد إلى أسواق عربية متعددة؛ محطات ترسم مسيرة «ساكوتيل» وتفسّر ما يمثله فوزها في دبي. فالجائزة، في جوهرها، ليست مجرد لقب يُضاف إلى سجل الشركة، بل اعتراف بمسار استطاع أن يحوّل الخبرة إلى قدرة تنافسية، وأن يربط بين إرث عائلي لبناني ومتطلبات قطاع يتغير باستمرار. وفي وقت يحتاج فيه لبنان إلى نماذج تثبت أن مؤسساته لا تزال قادرة على الإنتاج والتوسع وبلوغ الأسواق الخارجية، يأتي هذا الإنجاز ليحمل رسالة واضحة: قد تفرض الأزمات ظروفاً صعبة، لكنها لا تلغي قيمة الخبرة، ولا تسلب المؤسسات التي تتمسك بالجودة والعمل الدؤوب قدرتها على صناعة مكانتها خارج حدود الوطن.

























































