منظمة الصحة العالمية حذّرت من التداعيات الصحية والإنسانية المتسارعة للنزاعات والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، مؤكدة أن “ملايين الأشخاص ما زالوا يواجهون أوضاعاً بالغة الصعوبة في ظل استمرار الهجمات على المرافق الصحية وتزايد أعداد النازحين وتفشي الأمراض المعدية”. وفي أحدث تقاريرها حول تطورات الأوضاع في المنطقة، أشارت إلى أن الأنظمة الصحية في عدد من دول الشرق الأوسط تعمل تحت ضغوط استثنائية، في وقت تتسع فيه الاحتياجات الإنسانية وتتراجع مستويات التمويل المخصصة للاستجابة الطارئة. وأفاد التقرير بأن لبنان سجّل منذ الثاني من آذار 2026 ما مجموعه 3468 وفاة و10577 إصابة، من بينها 965 وفاة و2918 إصابة منذ إعلان وقف إطلاق النار في 17 نيسان الماضي. كما لا يزال أكثر من 127 ألف شخص يقيمون في مراكز إيواء جماعية موزّعة على مختلف المناطق اللبنانية، وسط تحديات متزايدة تتعلق بالخدمات الصحية والظروف المعيشية. و أعربت منظمة الصحة العالمية عن قلقها إزاء استمرار استهداف القطاع الصحي في لبنان رغم وقف الأعمال العسكرية، موضحة أنها وثقت 191 هجوماً على مرافق وخدمات الرعاية الصحية منذ مطلع آذار، أسفرت عن مقتل 128 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 357 آخرين.وأشار التقرير إلى أن مستشفى جبل عامل في مدينة صور تعرّض في الأول من حزيران لهجوم أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة ما لا يقل عن 127 آخرين، بينهم أفراد من الطواقم الطبية والتمريضية والإدارية، فضلاً عن أضرار واسعة لحقت بأقسام المستشفى والبنية التحتية المحيطة به.

وفي موازاة التحديات الأمنية، حذرت المنظمة من ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المعدية داخل مراكز الإيواء، حيث ارتفعت حالات الإسهال المائي الحاد بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، ليبلغ العدد التراكمي للحالات 2777 إصابة. ورغم عدم تسجيل إصابات مؤكدة بالكوليرا حتى الآن، شدّدت المنظمة على ضرورة تعزيز إجراءات الوقاية والرصد الصحي لمنع تفاقم الوضع الوبائي. كذلك أكد التقرير استمرار حركة النزوح من لبنان إلى سوريا، حيث تجاوز عدد العابرين للحدود منذ بداية الأزمة 448 ألف شخص.
أما في سوريا، فما زالت الأمراض المعدية تشكّل تحدياً رئيسياً للسلطات الصحية، مع تسجيل 545 إصابة بالحصبة منذ مطلع العام الجاري، إضافة إلى أكثر من 5800 إصابة بداء اللشمانيا الجلدية خلال الربع الأول من العام 2026.وفي العراق، أعلنت السلطات الصحية تسجيل 88 إصابة مؤكدة بحمى القرم – الكونغو النزفية، بينها ثماني وفيات، ما يعكس استمرار التهديدات الصحية المرتبطة بالأمراض المعدية في ظل الأوضاع الإقليمية غير المستقرة.ولفتت منظمة الصحة العالمية إلى تنامي المخاوف المرتبطة بالتلوث البيئي والإشعاعي المحتمل نتيجة استهداف منشآت حساسة في المنطقة، مؤكدة مواصلة تقديم الدعم الفني للدول الأعضاء لتعزيز الجاهزية والاستجابة للمخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية.

كما شددت على أهمية حماية البنى التحتية الحيوية، ولا سيما شبكات المياه والطاقة والخدمات الصحية، لما لها من تأثير مباشر على الصحة العامة. وفي إطار استجابتها للأزمة، واصلت منظمة الصحة العالمية إرسال الأدوية والمستلزمات الطبية إلى عدد من الدول المتضررة، كما نفذت برامج تدريب وتأهيل للعاملين الصحيين في لبنان وسوريا والعراق وإيران واليمن. وأشارت المنظمة إلى استمرار دعم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي للفئات المتضررة من النزاعات، بما في ذلك العاملون في القطاع الصحي والنازحون والمجتمعات الأكثر هشاشة.
ورغم اتساع الاحتياجات الإنسانية، أكدت المنظمة أن التمويل المتاح لا يزال دون المستوى المطلوب بكثير، إذ لم يتجاوز تمويل النداء الطارئ الخاص بأزمة الشرق الأوسط 12% من أصل 30.3 مليون دولار مطلوبة، فيما لم تتعد نسبة تمويل النداءات الصحية الإقليمية 49% من إجمالي الاحتياجات المقدرة بـ 633 مليون دولار.
واختتمت منظمة الصحة العالمية تقريرها بتجديد دعوتها إلى المجتمع الدولي لتكثيف الدعم الإنساني والصحي، وضمان حماية المرافق الطبية والعاملين الصحيين وفقاً للقانون الدولي الإنساني، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بما يساهم في الحد من التداعيات المتفاقمة للأزمة على ملايين الأشخاص في المنطقة.



























































