د. غالب خلايلي
ما أطول ما بقيت في الظل على الرغم من نشاطي الكتابي الكبير على مدى أربعة عقود، نشرت فيها ستة وعشرين كتابا، أغلبها أدبي (أقاصيص، مقالات ساخرة، مقالات اجتماعية..)، والقليل منها طبي، كما نشرت نحو ثلاثة آلاف مقال في أشهر المجلات والصحف الخليجية والسورية، كانت ذخرا لولادة كثير من كتبي.
ومع ذلك آثرت البقاء في الظل، يعرفني قرائي ولا أعرفهم، إذ لم تسمح طبيعتي الانطوائية أو اللا استعراضية وظروف عملي في مهنة الطب، وكانت طويلة قاسية في معظم المراحل، من الانخراط بالأنشطة التفاعلية من محاضرات ولقاءات، فكنت أعتذر عن أي لقاء مهما بلغت جاذبيته المادية والمعنوية، دون ندم، إلا قليلا على ثلاث:
الأول: لقاء مع المذيع الشهير مروان الصواف على قناة الشارقة، وقد حدثت مصادفةً وقتها، وفاة والدي في دمشق يوم ١٩ حزيران ٢٠١٢.
الثاني: حفل تكريم كتاب مجلة طبيبك في يوبيلها الذهبي في دمشق عام ٢٠٠٦.
الثالث: لقاء في قناة قطرية في برنامج ثقافي نسيت تفاصيله، وكان اللقاء يتضمن سفرا إلى الدوحة مع تعويض مادي مجز.
لا شك أن هناك غير ذلك الكثير الذي اعتذرت عنه لأسباب لا أريد الخوض بها، والنتيجة أن انزواء الكاتب يجعله في خانة النسيان، مهما كان نشاطه الكتابي، في أماكن بعيدة عن أضواء العواصم (مثل العين)، خاصة وأنني ابتعدت أيضا عن التطور الجديد المسمى وسائل التواصل، فصنفت نفسي كائنا غير فيسبوكي على الرغم من الوهج الصادر عنه والذي يصعب ألا ينخرط أي امرئ فيه، وهذا سبب وجيه بالنسبة لي كي أبتعد عن وسيلة يمكن حتى للحمقى والمغفلين أن يغوصوا (ويلوصوا) بها.
***

وفي زيارتي الحديثة إلى الشام تلقيت دعوة من الأستاذ محمد حبش، مدير الأنشطة في اتحاد الكتاب العرب، فرع القنيطرة، للمشاركة في الأمسية الأدبية (ثنائية الطب والأدب) التي قررت يوم الخميس العشرين من آب ٢٠٢٦.
تمهلت بالقبول تبعا لطبعي وعادتي، حتى استأنست بالمشاركين الذين أعرف نصفهم، وبالموضوع الذي أعرفه كله (وهذا بعض منه: https://taminwamasaref.com/dr-ghaleb-khalayli-medicine-litterature/
وكان أن تمت الأمسية في جو أدبي بهيج، على الرغم من قلة الحاضرين، كل له أسبابه بين المادة (صعوبة الوصول وتكاليفه) والمرض (وقد أصاب أقرب الناس إلي) والشغف، لكن الأخير جذب عددا مهما من الحضور ممن لهم وزنهم الثقافي، وعلى رأسهم مدير ثقافة القنيطرة الأستاذ أحمد المرزوقي، الذي وقف يستقبل بحفاوة بالغة كل المشاركين، كأنهم أعز أهله، في مركز فيق الثقافي في مساكن برزة، ضاحية دمشق الشمالية الشرقية، والصحفي العريق أحمد بوبس، والناقدة الدكتورة ماجدة حمود، والأديب المهندس أيمن الحسن، وغيرهم من المهتمين والمهتمات.
***

كان البدء مع الأديب المبدع الكبير طبيب الأسنان د. منير أبو شعر (٨٧ سنة)، الذي تحدثنا عنه ذات عام قريب في مجلة تأمين، وتحدثنا عن مؤلفاته البديعة ونشاطه الجم في الصحافة الطبية، ناهيك عن متحفه (متحف طب الأسنان) الثري في عيادته الكائنة في باب مصلى قرب مستشفى دمشق.
وكم هو جميل ورائع وثري أن تلاقي هذا الأديب الذي يشبه الذهب العتيق، وما زال يشع لطفا وأدبا وعلما وعطاء، وقد سألته: أأجلس إلى يمينك أم يسارك؟ فأخبرني أنني في القلب! أي دفء أكثر من ذلك؟ وقد جلست إلى يمينه أرقب قراءته عن الأطباء الأدباء عبر التاريخ، يقرأ من صفحات خطها بيده بأجمل ما تتوقع من خطوط اليد، وهو الرجل المسن الوقور، كتب الله له الصحة والعافية وطول العمر، وعندما أنهى حديثه قام بإهداء نسخ من كتابه القيم (نفائس ابن النفيس) ومجلات يصدرها لكثير من الحاضرين، وكرمني بإهداء جميل، واعدا كل من لم يحصل على نسخة بالحصول عليها في يوم قريب.
***

وفي المقام الثاني جاء دور الزميل الطبيب الجراح الشاعر نزار بريك هنيدي الذي عرفته على مقاعد كلية الطب، سنتين قبل دفعتنا، وعرفه زملاؤه آية في الإنسانية والاحترام.
ابتدأ الزميل مداخلته (الشعر والطب في تجربتي الشخصية) بالقول:
بالرغم من أن السؤال عن العلاقة بين كتابتي للشعر واهتمامي بقضاياه، وبين مهنتي، ما فتئ يطرح عليّ في غالبية الحوارات التي تجرى معي، إلا أنني ما أزال حتى اللحظة أتساءل عن مشروعية هذا الطرح، ذلك أن من يوجهون هذا السؤال ينسون أو يتناسون حقيقة رئيسة مفادها أن بلادنا لا تتيح أبداً لأي كاتب أو شاعر أن يتفرّغَ لإبداعه ويقف حياته كلها عليه، ولذلك لم نعرف شاعراً واحداً في التاريخ الحديث لم يمارس مهنة أخرى إلى جانب إبداعه الأدبي، فمنهم من عمل في السلك الدبلوماسي كنزار قباني وعمر أبو ريشة ومحمد الفيتوري، أو في الوظائف الإدارية كبدر شاكر السياب الذي عمل في شركة تمور العراق وشركة نفط البصرة، أو أمل دنقل الذي عمل كموظف في محكمة قنا ثم في الجمارك، ومنهم من كان مهندساً مثل علي محمود طه أو تاجراً مثل إيليا ابي ماضي، أو محاميّاً مثل بشارة الخوري. ومع ذلك لا يوجه إليهم مثل هذا السؤال، بالرغم من أن هذه المهن جميعها لا تتناغم مع الهالة المفترضة لشخصية الشاعر.
وخلص شاعرنا إلى أن الشعر لا يرتبط بمهنة معيّنة، ولا يختصُّ بشخصية محدّدة، فهو أحاسيس ومشاعر تتفاعل مع ما يحرّضها من أحداث ومؤثرات، ومهارة في صوغ ما تطفح به الذات الشاعرة من رؤى وعواطف، في كلمات وصور وأنغام، قادرة على التواصل مع الآخرين، وإثارة اهتمامهم وتفاعلهم. وهذا يعني أن أيَّ فرد يتمتع بالموهبة، ويمتلك المؤهلات المناسبة، يمكن له أن يكتب الشعر، ويتألق في إبداعه.
ويرى الزميل أن مهنة الطب قد تكون أقرب المهن إلى نفس الشاعر، ففي بدايات حضارات كل الشعوب كان الشاعر هو الطبيب والكاهن والساحر في الوقت نفسه. والطبيب يتعامل مع الإنسان بكامل تجلياته، فيصغي إلى أنات روحه ويراقب خلجات جسده ، ويواجهه في أشد حالاته تكثيفاً ووضوحاً و عريا، لأنه يتعامل معه في اللحظات التي يرفع فيها كل أقنعته وبراقعه فتتكشّفُ أعماق روحه، وأعماق جسده.
وبعد كشف لعدد من الأطباء الأدباء، تحدث الزميل هنيدي عن طفولته حين وقع تحت تأثير الانبهار الغامض بالقوى السحرية التي تمتلكها الكلمات التي يسمعها، مهتما بإيقاعها وجرس حروفها، قبل أن يفهم معانيها. ويقول: سرعان ما تعلّمت القراءة والكتابة، فتنامى ذلك الهَوَسُ عندي إلى الكلمة المكتوبة، فرحت أقرأ بنهم يثير استغراب أهل حارتي، من هذا الطفل الذي يبتعد عن مشاركة أولاد الحارة ألعابهم الجماعية، وينزوي لساعات طويلة مع الكتب والمجلات. وفي المرحلة الابتدائية عمل زميلنا على إصدار جريدة حرّرها باليد. يقول: هذه الجريدة التي سوف تتحوّل في المرحلة الإعدادية إلى مجلة مطبوعة اسمها (الواحة)، راحت تحمل افتتاحياتي ومقالاتي النقدية إلى جانب قصائدي العمودية الكلاسيكية.
ويخلص الزميل إلى القول: عندما فكرت بدخول كلية الطب، اخترتها من أجل أن أوفر لنفسي مهنة مستقلة لا تربطني بنظام وظيفي أو تراتبي يعيق من حريتي التي أقدسها ولا يمكن لي أن أكون شاعراً حقيقياً دونها، وكنت أرى في الطب المهنة التي تناسب شخصية الشاعر أكثر من أي مهنة أخرى.
أما المسألة الثانية فتتعلق برغبتي في أن أميّز نفسي من الأطباء الذين لا يعدّون الشعر همهم الحياتي الأول.
***

بعد ذلك جاء دوري في تقديم قصة طبية ساخرة تتحدث عن جشع الأطباء في استغلال بطاقات التأمين واختراع أسباب غير موجودة من أجل زيادة التكاليف، كما تتحدث عن عبء استخدام الأنظمة الحديثة في الطب والتي ترفع حاجزا بين الطبيب والمريض. الأقصوصة بعنوان: كابوس سعيد المنحوس، الذي انزلق وانكسر أصبع قدمه، فوقع في براثن طبيب العظام كاسر الجباس، قاصدا التباين بين اسم الشخص وصفته، مما اعتمدته في كثير من القصص (وقد نشرت القصة في تأمين قبل أيام
https://taminwamasaref.com/dr-ghaleb-khalayli-the-nightmare-of-saeed-the-unlucky-kaboos-said-almanhoos
هذا ويمكن إسقاط القصة على أية مهنة، فالجشع موجود عند المحامي والمهندس والميكانيكي والكهربائي والمدرس بل أي إنسان، كما يمكن إسقاطها على المؤسسات والدول الكبرى وشركات الأدوية وغيرها.
من لطائف المحاضرين والحاضرين أن معظمهم يتذكر والدي الراحل الشاعر خليل خلايلي، وأخي المؤرخ الدكتور إبراهيم خلايلي، رحمهما الله.
***

كان المحور المخصص لقراءة عن شعر الطبيب الشاعر وجيه البارودي، وهو أشهر من نار على علم، لا سيما في مدينة أبي الفداء (حماة)، قد ترك إلى الختام بسبب اضطرار مقدمته الدكتورة في الأدب ريما الدياب إلى الغياب، فقام الأستاذ محمد حبش بتلخيص الموضوع مشكورا.
تلا الأمسية لقاء الحاضرين، متحدثين وسامعين، على فنجان قهوة وحلويات شامية، في حديث ودي متميز، ليودعوا بعد ذلك بمثل ما استقبلوا به من حفاوة وترحيب، على أمل اللقاء مجددا في بقاع الوطن الحبيب.
دمشق ٢١ آب ٢٠٢٦























































