• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

بين الزعامة وبزنس الطوائف
تونس أنجبت بورقيبة رجل دولة
فلماذا أنجب لبنان سماسرة السلطة؟
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
الزعامة الزائفة تصنع الخراب
والزعامة الحقيقية تبني الدولة...

2026/02/23
- بحث
بين الزعامة وبزنس الطوائفتونس أنجبت بورقيبة رجل دولةفلماذا أنجب لبنان سماسرة السلطة؟د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:الزعامة الزائفة تصنع الخرابوالزعامة الحقيقية تبني الدولة...

د. الياس ميشال الشويري

الزعامة ليست مجرد لقب يُمنح أو صورة تُعلق على الجدران، بل هي مسؤولية تاريخية ومشروعٌ لبناء الدولة. الزعيم الحقيقي يملك رؤية، يُحاسب على أفعاله، ويضع مصلحة وطنه فوق أي اعتبار شخصي أو طائفي. الحبيب بورقيبة كان مثالاً لهذه الزعامة: رجل دولة بنى المؤسسات، فرض القانون، وحارب الفساد الفكري والاجتماعي، حتى لو أغضب البعض. في المقابل، لبنان اليوم يعاني من زعماء بلا مشروع، لا يرون إلا مصالحهم الخاصة، ويحوّلون الدولة إلى غنيمة، والمواطن إلى رهينة، والطائفة إلى أداة للسيطرة.

هذا المقال يستعرض الفارق بين الزعامة الحقيقية والزائفة، ويكشف كيف أن الفشل اللبناني ليس صدفة، بل نتاج طبيعي لنظام يقف فيه الزعيم فوق الدولة والمحاسبة والوعي.

  1. مفهوم الزعامة بين التاريخ والواقع

الزعامة في معناها التاريخي ليست حالة شعبوية ولا نتيجة ضجيج جماهيري عابر، بل هي فعل تأسيسي يغيّر مسار المجتمع والدولة. الزعيم يُقاس بقدرته على الانتقال بشعبه من حالة التفكك إلى حالة التنظيم، ومن الغرائز إلى العقل، ومن الولاءات الضيقة إلى الانتماء الوطني. لذلك، فإن الزعامة لا تولد من الخطاب وحده، بل من القدرة على تحويل الخطاب إلى مؤسسات وقوانين وسلوك عام دائم.

في التجارب التاريخية الحديثة، ظهر الزعيم حين كانت الدولة في لحظة ولادة أو خطر وجودي. في هذه اللحظات، لا يكفي أن يكون القائد محبوبًا، بل يجب أن يكون قادرًا على اتخاذ قرارات غير شعبية، وأن يضع مصلحة الدولة فوق مصلحته الشخصية. هنا تحديدًا يتمايز الزعيم عن الشعبوي: الأول يقود الناس إلى ما يحتاجونه، لا إلى ما يرغبون بسماعه.

الحبيب بورقيبة مثّل هذا النموذج في لحظة استقلال تونس. لم يقدّم نفسه بوصفه ممثلًا لطائفة أو جماعة، بل بوصفه حامل مشروع دولة. خطابه لم يكن قائمًا على التخويف من “الآخر”، بل على بناء “الذات الوطنية”. الزعامة عنده ارتبطت بالعقل، بالقانون، وبفكرة أن المجتمع يمكن أن يُعاد تشكيله عبر التعليم والمؤسسات، لا عبر العصبيات.

في المقابل، يعكس الواقع اللبناني تشوّهًا عميقًا في مفهوم الزعامة. فالزعيم لم يعد نتاج مشروع وطني، بل نتاج توازنات طائفية وأمنية. الزعامة هنا لا تُستمد من القدرة على البناء، بل من القدرة على التعطيل. وكلما كان الزعيم أقدر على شلّ الدولة، زادت قيمته داخل طائفته، لأن وجوده يصبح مرتبطًا بالخطر الذي يدّعي حمايتها منه.

هذا التحول الخطير جعل الزعامة في لبنان وظيفة لا رسالة. وظيفة هدفها إدارة الولاء، توزيع المنافع، وحماية الشبكة المحيطة بالزعيم من المحاسبة. التاريخ لم يعد معيارًا، والإنجاز لم يعد شرطًا، بل يكفي أن ينجح الزعيم في إعادة إنتاج الخوف ليضمن استمراريته. وهكذا، تُفرَّغ الزعامة من بعدها الأخلاقي والتاريخي، وتتحول إلى سلطة بلا معنى وقيادة بلا اتجاه.

الأخطر من ذلك أن هذا النموذج يعيد تشكيل وعي المجتمع نفسه. فحين يكبر جيل كامل وهو يربط الزعامة بالقدرة على الإفلات من العقاب، لا على بناء الدولة، يصبح الانحراف قاعدة لا استثناء. عندها، لا يعود السؤال من هو الزعيم، بل لماذا لم يعد المجتمع قادرًا على تخيّل زعيم حقيقي خارج القالب الطائفي.

  1. المشروع الوطني مقابل غياب الرؤية

المشروع الوطني هو الفارق الجوهري بين الزعامة التاريخية والزعامة الزائفة. فالدولة لا تُبنى بردود الفعل ولا بإدارة الأزمات، بل برؤية شاملة تُحدّد ما يريد الوطن أن يكون عليه بعد عشرين أو ثلاثين سنة. الزعيم الحقيقي هو من يرى أبعد من ولايته، ويعمل وكأن الزمن لا يحميه بل يحاسبه. من دون مشروع وطني، تتحول السياسة إلى ارتجال، وتتحول السلطة إلى مجرّد أداة للبقاء.

في تجربة الحبيب بورقيبة، كان المشروع الوطني واضح المعالم منذ اللحظة الأولى للاستقلال. لم يكن الاستقلال نهاية المعركة بل بدايتها. الدولة عنده لم تكن شعارًا، بل ورشة مفتوحة لإعادة تشكيل المجتمع: تعليم إلزامي لصناعة المواطن، قوانين مدنية لكسر سطوة التقاليد المعطِّلة، ومؤسسات مركزية لضمان وحدة القرار. قد يختلف البعض مع بعض خياراته، لكن لا أحد يستطيع إنكار أن تونس كانت تسير ضمن اتجاه محدد، وأن الدولة كانت تعرف إلى أين تتجه.

هذا الوضوح في الرؤية منح الدولة مناعة. فحتى حين أخطأ النظام أو تعثّر، بقيت البوصلة موجودة. المشروع الوطني خلق مرجعية يُقاس عليها النجاح والفشل، وأعطى المواطن إحساسًا بأن التضحيات اليومية ليست عبثية، بل جزء من مسار عام نحو بناء دولة حديثة.

في لبنان، على النقيض تمامًا، لا وجود لمشروع وطني جامع. ما يُسمّى برامج سياسية ليس سوى شعارات موسمية تُستعمل عند الانتخابات أو الأزمات. لا خطة اقتصادية طويلة الأمد، لا تصور لدور الدولة، ولا اتفاق على هوية لبنان السياسية والاجتماعية. كل “زعيم” يحمل مشروعه الخاص، وغالبًا ما يكون هذا المشروع مرتبطًا بمصالح خارجية أو بحسابات طائفية ضيقة، لا بمصلحة وطنية شاملة.

غياب الرؤية ليس صدفة، بل خيار. فوجود مشروع وطني يعني وجود أهداف قابلة للمحاسبة، ومعايير واضحة للنجاح والفشل. أما في نظام يقوم على الزبائنية، فإن الغموض يصبح ضرورة. كلما غابت الرؤية، سهل تبرير الفشل، وسهل تحميل المسؤولية للآخرين أو للظروف. هكذا تُدار البلاد كأزمة دائمة، لأن الأزمة تُبقي الزعيم ضروريًا، بينما الحل يُهدّد وجوده.

والأخطر أن هذا الفراغ الفكري والسياسي يُنتج جيلًا بلا أفق. حين لا يرى الشباب مشروعًا وطنيًا ينتمون إليه، يصبح الوطن مجرّد مساحة جغرافية أو ذكرى عاطفية. فيتحول الهروب إلى خيار عقلاني، والهجرة إلى حلم جماعي. وهنا تظهر الكلفة الحقيقية لغياب الرؤية: دولة بلا مشروع لا تخسر فقط حاضرها، بل تفقد مستقبلها أيضًا.

  1. الدولة كمؤسسة أم الغنيمة كهدف

في كل تجربة زعيمة ناجحة، تُعد الدولة مؤسسة قبل أن تكون ساحة للسياسة. الدولة عند الزعيم الحقيقي ليست وسيلة للثراء أو منصة للهيمنة، بل إطار منظم يُسهل إدارة المجتمع ويضمن استمراريته. المؤسسات هي التي تحمي القانون، تحقق العدالة، وتربط المواطن بالدولة بدل الطائفة أو الفرد. بدون مؤسسات قوية، تصبح الدولة مجرد شعار، والزعيم مجرد موظف عند مصالحه الخاصة أو عند ميليشياته.

الحبيب بورقيبة تعامل مع الدولة باعتبارها كيانًا فوق الأفراد والأحزاب والطوائف. تونس لم تُبنى على محاصصة سياسية، بل على مؤسسات مركزية تضمن وحدة القرار واستقلاليته. القضاء كان قائمًا، الإدارة العامة منظمة، التعليم والمعرفة منظومة وطنية. حتى المعارضة كان لها دور محدد ضمن إطار الدولة، لا خارجها. بهذا، استطاع بورقيبة تحويل الدولة من فكرة إلى واقع ملموس، فحتى أخطاءه لم تُفكك الدولة، لأن الدولة نفسها كانت أقوى من أي شخص.

في لبنان، العكس صار قاعدة. الدولة ليست مؤسسة، بل غنيمة تُوزع على زعماء الطوائف. القضاء والإدارة والقوانين جميعها مُسيَّسة أو مُستأجرة لخدمة الولاءات وليس للعدالة أو الكفاءة. أي قرار حكومي أو إداري يخضع لشبكة مصالح لا تهتم بالمصلحة العامة، بل بحماية الزعيم وزبائنه. السلطة تتحوّل إلى لعبة ديمومة شخصية، بينما الدولة الحقيقية غائبة أو موجودة شكليًا فقط. هكذا، يُفرغ البلد من كل قيمة مؤسسية ويُبقي الناس في فوضى مستمرة تجعلهم يعتمدون على الزعيم أو “الولي الطائفي” بدل القانون والدولة.

النتيجة المباشرة لهذا الانعكاس هي هشاشة الدولة وسهولة انهيارها. في تونس، حتى لو واجهت الدولة أزمة سياسية أو اقتصادية، كانت المؤسسات قوية بما يكفي لتحمل الضغوط واستمرار الوظائف الحيوية. أما في لبنان، فغياب الدولة الحقيقية يجعل أي أزمة تتحول بسرعة إلى كارثة شاملة. الانهيار المالي، السياسي، وحتى الاجتماعي ليس صدفة، بل نتاج طبيعي لنظام يرى الدولة غنيمة، لا واجبًا، وزعيمًا يقيّم النجاح ببقائه في السلطة لا بإنجازاته.

في المحصلة، الفرق بين الدولة كمؤسسة والغنيمة كهدف ليس مجرد اختلاف إداري، بل هو الفرق بين بناء الوطن أو تدميره. الدولة مؤسسة تُبنى وتُحمي ويُحاسب من يخونها. الغنيمة مجرد ملكية شخصية للزعيم، يختفي معها كل مفهوم للمساءلة، ويصبح المواطن رهينة الفوضى والمصالح الشخصية. لبنان اليوم يعيش ثمن هذه الغنيمة السياسية التي حلت محل الدولة، بينما تونس، رغم كل أخطائها، بقيت الدولة أقوى من أي شخص، وبقيت الدولة معيار الزعامة.

  1. العلاقة مع الشعب بين الصراحة والتضليل

العلاقة بين الزعيم والشعب هي جوهر الزعامة. الزعيم الحقيقي يربط مكانته بالثقة، والثقة لا تُبنى إلا على الصراحة، حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة. الصراحة تعني مواجهة الواقع بلا تجميل، وتحمل تبعات القرارات الصعبة، وإشراك المواطنين في فهم التضحيات المطلوبة لبناء الدولة. الحبيب بورقيبة جسّد هذا المفهوم، إذ لم يخفِ من الصعوبات أو من التحديات التي تواجه تونس بعد الاستقلال، بل شرح للناس لماذا يجب مواجهة الجهل، والتقاليد المعطلة، والفقر، من أجل بناء مستقبل مستقر ومستقل. الشعب التونسي، رغم الانتقادات، كان يعلم أن التضحيات كانت مرتبطة برؤية واضحة، وأن القرارات لم تُتخذ لمصلحة شخصية، بل لمصلحة الوطن.

في المقابل، في لبنان، العلاقة بين الزعيم والشعب غالبًا ما تقوم على التضليل والخداع المنهجي. الزعماء لا يواجهون شعبهم بالحقيقة، بل يقدمون روايات مختلقة تحافظ على سلطتهم وتبرر إخفاقاتهم. الكذب أصبح جزءًا من اللعبة السياسية، والشعب يعرف أنه يُكذب، لكن لا خيار حقيقي أمامه، لأن النظام الطائفي يجعل من الاعتماد على الزعيم ضرورة للبقاء ضمن أمان طائفته. أي نقد يُصوَّر على أنه خيانة، وأي سؤال عن الفساد يُحوَّل إلى اتهام بالعمالة أو الإخلال بالاستقرار، وهكذا تتحول العلاقة بين الشعب وزعمائه إلى دورة من التبعية والخوف.

هذا التضليل له أثر مدمر على وعي المجتمع. فحين يصبح الكذب قاعدة، ويتحوّل الصمت أو قبول الأكاذيب إلى استراتيجية للبقاء، ينمو جيل كامل لا يعرف الفرق بين الحقيقة والوهم، بين المشروع والمصلحة الخاصة. الشعب في لبنان غالبًا ما يعيش في حالة شبه سجن نفسي، حيث يُضطر للاختيار بين الطاعة والخطر، وبين القبول بالفساد والبقاء على قيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

الصراحة، إذن، ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل أداة زعامة استراتيجية. الزعيم الذي يواجه شعبه بالحقيقة يستطيع بناء ثقة دائمة، بينما الزعيم الذي يضلل شعبه يخلق نظامًا هشًا يعيش على الأكاذيب، ويؤسس لانهيار الدولة والمجتمع معًا. الفرق هنا بين تونس ولبنان يظهر جليًا: بورقيبة بنى الثقة عبر الصراحة والمسؤولية، وزعماء لبنان بنوا السلطة عبر الخداع والحيل، فكانت النتيجة شعبًا مستنزفًا ودولة مهزومة.

  1. الطائفة كهوية أم كأداة سيطرة

الطائفة في المجتمعات ليست مشكلة بحد ذاتها، فهي تعكس الانتماءات الاجتماعية والدينية والثقافية. لكن عندما تتحوّل الطائفة من هوية إلى أداة للسيطرة، تتحوّل إلى سلاح ضد الدولة والمجتمع، وهذا ما يميّز التجربة اللبنانية عن التجارب الحديثة للزعامة الحقيقية. في تونس، لم تُستخدم الدين أو الانتماء الجهوي كوسيلة للحكم. الهوية كانت شخصية واجتماعية، لكنها لم تتحوّل إلى أداة للسيطرة على الدولة أو استغلالها. بورقيبة لم يحتاج إلى طائفة ليبقى في السلطة، بل اعتمد على مشروع وطني جامع يقيم على القانون والمؤسسات.

في لبنان، الطائفة أصبحت حجر الأساس في بناء الزعامة، وصارت الأداة التي يتحكم بها الزعيم في المجتمع. كل قرار سياسي، وكل تعيين إداري، وكل توزيع للموارد مرتبط بالولاء الطائفي وليس بالكفاءة أو المصلحة الوطنية. الزعيم الطائفي يضمن بقائه عبر إبقاء المجتمع في حالة خوف دائم، حيث يصبح الانتماء للطائفة مشروطًا بالولاء له. وهكذا، يُستغل الانتماء الاجتماعي الطبيعي كوسيلة للضغط على الناس والسيطرة على حياتهم، بدل أن يكون جسرًا للتعاون والوحدة الوطنية.

هذا النموذج يؤدي إلى تكريس الانقسام وعدم الاستقرار. فكل طائفة تُصبح دائرة مغلقة حول زعيمها، وكل نزاع سياسي يُحوّل بسرعة إلى نزاع طائفي. المواطن لم يعد يرى الدولة كحامية أو كضمانة للحقوق، بل كغنيمة تدار بين الزعماء الطائفيين. هذا يخلق شعورًا دائمًا بالعجز والخذلان، ويعزز ثقافة المحاصصة والتبعية، بدل أن يُنمي روح المواطنة والانتماء للوطن.

الأثر الأخطر هو على الجيل الجديد. الأطفال والشباب يتعلمون منذ صغرهم أن الولاء للطائفة أهم من الولاء للدولة، وأن النجاح الاجتماعي والسياسي مرتبط بالزعيم لا بالكفاءة. تتحول الطائفة إلى قيد نفسي واجتماعي أكثر من كونها هوية ثقافية. بهذا الشكل، تُستمر دورة الزعامة الزائفة، حيث يعتمد الزعيم على الطائفة لحماية سلطته، والشعب يعتمد على الزعيم للطائفية لضمان البقاء، بينما الدولة الحقيقية تبقى غائبة.

في المحصلة، الطائفة في لبنان ليست مجرد انتماء، بل أداة تدمير الدولة وبناء السلطة الشخصية. وفي مقابل ذلك، التجربة التونسية توضح أن الزعامة الحقيقية تستطيع الحفاظ على الهوية الاجتماعية والدينية، دون أن تجعلها وسيلة للتحكم والسيطرة، وأن تحوّل الولاء الوطني إلى محور للبناء لا للخضوع والخوف.

  1. المحاسبة بين الاستثناء والقاعدة

المحاسبة هي حجر الأساس لأي دولة حديثة وأي زعامة حقيقية. الزعيم الذي يخشى المحاسبة لا يمكن أن يكون زعيمًا، لأنه يضع مصلحته الشخصية فوق مصلحة الدولة والمجتمع. المحاسبة تجعل من السلطة مسؤولية وليست امتيازًا، وتجعل القرارات نابعة من العقل لا من الرغبة في التغطية على الفشل. الحبيب بورقيبة، رغم مركزه القوي، كان خاضعًا للمعايير القانونية والسياسية التي وضعها بنفسه، وكانت الدولة قائمة فوق أي فرد، بما في ذلك هو. حتى مع الاختلافات والخلافات، بقيت المؤسسات مسؤولة، والقانون موجود، والنجاح والفشل يُقاسان بمعيار الدولة، لا بمعيار الولاء الشخصي.

في لبنان، النظام مقلوب تمامًا: الزعيم فوق القانون، فوق الدولة، وفوق أي نوع من المحاسبة. ما يسمى بالمحاسبة هناك هو استثناء، وليس قاعدة. القضاة الذين يحققون في فساد سياسي يُضغط عليهم أو يُستبدلون، والجرائم الكبرى قد تُغتفر مقابل الولاء الطائفي أو المصالح الشخصية. حتى الذين يُفترض أن يكونوا “حراس العدالة” غالبًا ما يكونون جزءًا من الشبكة نفسها. هذا النظام يجعل من الفساد والفشل سلوكًا طبيعيًا، ومن الإفلات من العقاب قاعدة حياتية، بدل أن يكون استثناءً.

غياب المحاسبة له آثار عميقة على المجتمع. أولًا، يزرع ثقافة الإفلات من المسؤولية: المواطن يتعلم أن القوانين غير مطبقة على الزعماء، وأن العدالة انتقائية. ثانيًا، يقوض الثقة في المؤسسات: أي حكم أو قرار إداري يُنظر إليه على أنه يخضع لمنطق الولاء وليس للعدالة. ثالثًا، يعطل أي إمكانية للتغيير الإيجابي: لا توجد آلية رسمية لمحاسبة الفاشلين، لذلك تتكرر الأخطاء نفسها بلا نهاية.

النتيجة النهائية هي أن الانهيار يصبح محتمًا. دولة بلا محاسبة هي دولة بلا قيود، والدولة بلا قيود هي دولة تتدهور بسرعة إلى الفوضى. اللبنانيون يعانون اليوم من تداعيات هذا الواقع: انهيار اقتصادي، فشل إداري، تراجع في الخدمات الأساسية، وانتشار الفساد على كل مستويات السلطة. بالمقابل، تونس رغم أخطاء بورقيبة، حافظت على منطق الدولة والمحاسبة، حتى لو كانت محاسبة زعيم قوي صعبة، إلا أن المؤسسات كانت موجودة لضبط المسار.

في الخلاصة، المحاسبة هي الفرق بين الزعامة الحقيقية والزعامة الزائفة. الزعيم الحقيقي يُحاسب ويُقيّم، وفشله جزء من التاريخ الذي يُتعلم منه، بينما الزعيم اللبناني الزائف ينجو من المحاسبة ويجعل الفشل عادة، ويحوّل الإفلات من المسؤولية إلى قاعدة لإدامة السلطة الشخصية على حساب الدولة والمجتمع.

  1. أثر الزعامة الزائفة على الانهيار اللبناني

غياب الزعامة الحقيقية في لبنان لم يترك أثرًا سطحيًا أو مؤقتًا، بل أدى إلى انهيار متدرج وشامل على كل المستويات: اقتصادي، اجتماعي، سياسي وأخلاقي. الزعامة الزائفة، القائمة على الولاءات الطائفية والمصالح الشخصية، لم تبنِ مشروعًا أو مؤسسات، بل كرّست الفساد، وعطّلت الدولة، وأفقدت المجتمع قدرة على الاعتماد على أي إطار رسمي. النتيجة كانت دولة هشة، عاجزة عن حماية نفسها ومواطنيها، ومجتمعًا محاصرًا بين خوف مستمر وإحباط متواصل.

على المستوى الاقتصادي، أدى الفساد المستشري وإدارة الدولة كغنيمة طائفية إلى انهيار المؤسسات المالية والخدمات العامة. السياسات الاقتصادية لم تُخطط لمصلحة البلاد، بل لخدمة شبكات الزعيم وزبائنه. المصارف، الكهرباء، المياه، والنقل العام كلها أمثلة على فشل مؤسسي مستمر، حيث لم تعد الدولة قادرة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات، وأصبح المواطن رهينة الفوضى والتدخل الطائفي. النتيجة كانت هجرة جماعية للشباب، وتآكل الطبقة الوسطى، وفقدان الثقة في المستقبل الاقتصادي للبلاد.

على المستوى الاجتماعي، خلق الانقسام الطائفي المتواصل مجتمعًا متناثرًا غير متماسك. الولاء للطائفة أصبح أولوية، والانتماء الوطني أصبح ثانويًا. الثقة بين المواطنين ضعفت، والمجتمع أصبح غير قادر على التوحد لمواجهة التحديات. الانقسامات الداخلية سهّلت استغلال الناس، وأجّجت الصراعات المحلية والسياسية، حتى أصبحت أي محاولة للإصلاح أو تحسين الوضع تتعرض للعراقيل الطائفية والولاءات الشخصية.

على المستوى السياسي، أدى غياب الرؤية والمحاسبة إلى دورة مستمرة من الفشل والإفلات من المسؤولية. الزعماء يعيدون إنتاج أنفسهم على أساس الولاء والتهديد، لا على الإنجاز أو الكفاءة. المؤسسات السياسية، بما فيها البرلمان والحكومة، أصبحت مراكز للتعطيل والخضوع للطائفية، ما جعل أي تغيير حقيقي شبه مستحيل. كل إصلاح يُسقط تحت ضغط الولاءات الضيقة، وكل سياسة عامة تُعرقل لتبقى السلطة محصورة في أيدي شبكات الزعماء.

أخلاقيًا، تراجع القيم الوطنية والمواطنة، وأصبح الفساد والريع والسياسة الطائفية معيارًا للسلوك المقبول. الشباب يكبرون في بيئة يُنظر فيها إلى النزاهة والمحاسبة على أنها أضعف وسائل البقاء، فيتعلمون أن البقاء يعتمد على الولاء والقدرة على المناورة لا على الجدارة أو الالتزام. هذا أثر طويل المدى على تشكيل وعي المجتمع، وجعل إعادة بناء دولة قوية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

في المحصلة، أثر الزعامة الزائفة على لبنان لم يقتصر على لحظة أو أزمة واحدة، بل هو السبب الجذري لانهيار الدولة والمجتمع معًا. عندما تُستبدل الرؤية بمصالح شخصية، والمؤسسات بالغنائم، والمحاسبة بالاستثناء، يصبح الانهيار ليس احتمالًا بل حتمية. مقارنةً بتجارب الزعامة الحقيقية مثل بورقيبة، يظهر الفرق بين دولة تبنى على المؤسسات والرؤية، ودولة تُدار عبر الفساد والطائفية: الأولى تبني المستقبل، والثانية تفرّغ كل ما تبقى من وطن لتصبح مجرد ساحة لتصفية الحسابات.

  1. الخاتمة

المقارنة بين الزعامة الحقيقية والزائفة ليست مجرد درس تاريخي، بل صرخة تحذير للبنان وشعبه: دولة بلا مشروع، وطائفة كأداة، وزعيم فوق القانون ليست دولة، بل مصيدة للانهيار. الزعامة الحقيقية تبني الدولة، تحاسب نفسها، وتربط الشعب برؤيتها، أما الزعامة الزائفة فهي تصنع الخراب، تغذي الفساد، وتغلق أبواب المستقبل. إذا أراد لبنان أن ينهض، عليه أن يميّز بين القائد الذي يحمي الوطن والزائف الذي يحمي نفسه فقط. الطريق طويل، لكنه يبدأ بالوعي، بالمحاسبة، وبرفض قبول الكذب والخداع كقواعد حياة. فإما الدولة والمؤسسات، أو الفوضى والخراب… ولن ينتظر التاريخ أحدًا.

أخبار ذات صلة

درس رواندا للبنانفي التحرير وبناء الدولة..د. الياس ميشال الشويري:صمت البنادق ليس حرية...
بحث

درس رواندا للبنان
في التحرير وبناء الدولة..
د. الياس ميشال الشويري:
صمت البنادق ليس حرية...

19/02/2026

...

ثقافة الخير والشرمن منظار تاريخي، فلسفي ونفسي..د. الياس ميشال الشويري:الشيطان انعكاس لشرّنا الداخليومواجهته ليست خياراً بل هو واجب..
بحث

ثقافة الخير والشر
من منظار تاريخي، فلسفي ونفسي..
د. الياس ميشال الشويري:
الشيطان انعكاس لشرّنا الداخلي
ومواجهته ليست خياراً بل هو واجب..

18/02/2026

...

21 سنة على استشهاد رفيق الحريري..د. الياس ميشال الشويرييقيّم الوضع في حضوره و غيابه :لتكن الذكرى مناسبةلإعادة إحياء فكرة الدولة...
بحث

21 سنة على استشهاد رفيق الحريري..
د. الياس ميشال الشويري
يقيّم الوضع في حضوره و غيابه :
لتكن الذكرى مناسبة
لإعادة إحياء فكرة الدولة...

13/02/2026

...

بيت الداء في لبنان:حين يصنع الشعب جلّادهوتُدار الدولة بالخوف وتُجمَّل بالكلمات...
بحث

بيت الداء في لبنان:
حين يصنع الشعب جلّاده
وتُدار الدولة بالخوف وتُجمَّل بالكلمات...

12/02/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
الأعلى على الإطلاق...41.5 مليار دولار تحويلات المصريينبالخارج خلال عام 2025

الأعلى على الإطلاق... 41.5 مليار دولار تحويلات المصريين بالخارج خلال عام 2025

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups