• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

دراسة فلسفية-إجتماعية معمّقة
عن النصر في مفهومَيْه:
الإلهي والشيطاني..
د. الياس ميشال الشويري:
النصر الحقيقي يعيد للإنسان كرامته،
وللدولة معناها، وللحقيقة صوتها...

2026/05/01
- بحث
دراسة فلسفية-إجتماعية معمّقةعن النصر في مفهومَيْه:الإلهي والشيطاني..د. الياس ميشال الشويري:النصر الحقيقي يعيد للإنسان كرامته،وللدولة معناها، وللحقيقة صوتها...

نصر و شكر الى السماء

النصر الإلهي هو انتصار يقوم على مبادئ أخلاقية عادلة، بعيدًا عن الظلم أو استغلال الآخرين، ويهدف إلى تحقيق الخير العام مثل رفع الظلم وحماية الحقوق. لا يؤدي هذا النصر إلى التكبر أو الفساد، بل يعزز التواضع والشعور بالمسؤولية، وتكون نتائجه إيجابية وبنّاءة، من خلال إرساء الاستقرار والعدالة وتحقيق إصلاح حقيقي في المجتمع.

النصر الشيطاني هو انتصار يتحقق عبر وسائل غير أخلاقية مثل القمع والخداع والعنف غير المبرر، ويهدف عادةً إلى تحقيق مصالح ضيقة أو تعزيز السلطة على حساب الآخرين. وغالبًا ما يقترن بالغرور والفساد وانتهاك الحقوق، وتكون نتائجه سلبية ومدمّرة، حتى وإن بدا نجاحًا ظاهريًا في البداية.

د. الياس ميشال الشويري

في لبنان، لا تنتهي المعارك بانتهاء أصوات السلاح، بل تبدأ بعدها معركة أشدّ ضراوة: معركة الروايات. هناك، لا يُقاس النصر بما يتركه من استقرار أو بناء، بل بما يخلّفه من شعارات تُرفع، وسرديات تُفرض، وذاكرات تُعاد صياغتها على قياس الانقسام. يصبح “النصر” كلمة ثقيلة محمّلة بالقداسة حينًا، وبالتأجيج حينًا آخر، تُستخدم لتثبيت موقع، أو لإقصاء خصم، أو لإعادة تعريف الحقيقة نفسها. وفي هذا المشهد الملتبس، يتداخل ما هو إلهي بما هو سياسي، وما هو أخلاقي بما هو تعبوي، حتى يغدو السؤال الأخطر ليس من انتصر، بل: ماذا بقي من الوطن بعد كل “نصر”؟

1. في تعريف النصر بين المفهوم الديني والفلسفي

يُعدّ مفهوم النصر من أكثر المفاهيم إشكالية في الفكر الإنساني، لأنه يبدو للوهلة الأولى بسيطًا ومباشرًا، لكنه في العمق معقّد ومتشعّب. فالنصر في تعريفه الأولي هو تحقيق الغلبة في صراع ما، سواء كان عسكريًا أو سياسيًا أو فكريًا، غير أن هذا التعريف يبقى ناقصًا لأنه لا يجيب عن السؤال الأهم: هل كل غلبة تُعدّ نصرًا بالمعنى الحقيقي؟ هنا يبدأ التمييز بين النصر كواقعة مادية، والنصر كقيمة معنوية. فالواقعة قد تتحقق بالقوة أو المصادفة أو حتى بالخداع، أما القيمة فتحتاج إلى معيار أخلاقي يُضفي عليها معناها.

في الفلسفة، لا يُمنح النصر تلقائيًا أي بُعد أخلاقي، بل يُنظر إليه كنتيجة لصراع قوى تحكمه قوانين الواقع، حيث تتداخل الإرادة مع الظروف، والعقل مع المصالح. ففلاسفة مثل نيكولو مكيافيلي رأوا أن النصر في السياسة لا يُقاس بالأخلاق بقدر ما يُقاس بالقدرة على السيطرة وتحقيق الاستقرار، حتى ولو استدعى ذلك وسائل قاسية. في المقابل، طرح فلاسفة آخرون مثل إيمانويل كانط رؤية مغايرة، حيث ربطوا القيمة الأخلاقية لأي فعل، بما فيه النصر، بمدى احترامه لمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية. بين هذين الطرحين، يتضح أن النصر ليس مفهومًا ثابتًا، بل هو مرآة للمنظومة الفكرية التي ننظر من خلالها إلى العالم.

أما في السياق الديني، فيأخذ النصر بعدًا مختلفًا، إذ يُربط غالبًا بإرادة إلهية تُكافئ الحق وتنصره على الباطل. في هذا الإطار، يصبح النصر علامة على رضى إلهي، والهزيمة اختبارًا أو عقابًا أو حكمة خفية. غير أن هذا الفهم، رغم قوته الروحية، يواجه تحديًا كبيرًا في الواقع، لأن التاريخ مليء بأمثلة انتصر فيها الظلم لفترات طويلة، وتعرّض فيها أصحاب القضايا العادلة للهزيمة. هذا التناقض يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول كيفية فهم العلاقة بين الإلهي والتاريخي، بين المطلق والنسبي.

إن الخلط بين النصر كحدث والنصر كدلالة إلهية يؤدي في كثير من الأحيان إلى تبسيط مخلّ للواقع، حيث يُختزل التعقيد الإنساني في ثنائية حادة بين الخير والشر. لكن الحقيقة أن الواقع أكثر تركيبًا، وأن النتائج لا تعكس دائمًا القيم بشكل مباشر. فقد ينتصر طرف لأنه يمتلك تفوقًا عسكريًا أو دعمًا خارجيًا، لا لأنه يمثل الحق بالضرورة، وقد يُهزم طرف آخر رغم عدالة قضيته، بسبب ضعف الإمكانيات أو سوء التقدير. من هنا، يصبح من الخطير تحويل كل نتيجة إلى حكم أخلاقي مطلق.

في هذا السياق، يظهر دور التأويل البشري في إعطاء النصر معناه. فالأحداث في ذاتها صامتة، لكن الإنسان هو من يفسرها ويمنحها دلالاتها. وهذا التأويل يتأثر بالعقيدة والانتماء والمصلحة، ما يجعل مفهوم النصر عرضة للتوظيف. فكل جماعة تميل إلى قراءة انتصاراتها على أنها تجلٍّ للحق، وهزائمها على أنها ظلم أو مؤامرة، في حين تُفسّر انتصارات الآخرين بشكل معاكس. هذه الازدواجية ليست مجرد خلل معرفي، بل هي جزء من آلية دفاع نفسي تحافظ بها الجماعات على تماسكها وهويتها.

إذا انتقلنا إلى البعد الوجودي، نجد أن النصر قد يُفهم أيضًا كحالة داخلية، لا كحدث خارجي فقط. فقد ينتصر الإنسان على خوفه أو ضعفه أو جهله، وهذا النوع من الانتصار لا يُقاس بالمعايير التقليدية، بل بمدى تحققه الذاتي. في هذا المعنى، يصبح النصر الحقيقي هو ذاك الذي يُحرّر الإنسان من قيوده، لا ذاك الذي يمنحه سلطة على الآخرين. وهذه الرؤية تفتح أفقًا جديدًا لفهم النصر، بعيدًا عن منطق الصراع الصفري.

في السياق اللبناني، تتعقّد هذه الإشكالية أكثر، لأن مفهوم النصر لا يُفهم بمعزل عن التاريخ والانقسامات. فكل حدث يُعاد تفسيره وفقًا لسرديات متعددة، حيث يُمنح النصر معاني مختلفة بحسب الموقع السياسي والطائفي. هذا التعدد في التفسير يُظهر بوضوح أن النصر ليس حقيقة موضوعية واحدة، بل هو بناء اجتماعي يتشكل عبر الخطاب والذاكرة الجماعية. ومن هنا، فإن أي محاولة لتعريف النصر بشكل مطلق تصطدم بواقع متشظٍ يرفض الاختزال.

إن التمييز بين النصر كقوة والنصر كقيمة هو الخطوة الأولى نحو فهم أعمق لهذا المفهوم. فالقوة قد تُحقق الغلبة، لكنها لا تضمن العدالة، والقيمة قد تعطي المعنى، لكنها لا تفرض نفسها دائمًا في الواقع. وبين هذين البعدين، يعيش الإنسان صراعه الدائم بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. لذلك، فإن أي حديث عن “نصر إلهي” يجب أن يمرّ عبر هذا التعقيد، لا أن يتجاوزه.

في النهاية، يمكن القول إن النصر ليس مجرد نتيجة، بل هو سؤال مفتوح حول المعنى والغاية والوسيلة. وكل محاولة لإغلاق هذا السؤال بإجابة جاهزة، تُفقده عمقه وتحوّله إلى أداة أيديولوجية. في عالم مثل لبنان، حيث تتعدد الحقائق وتتنافس الروايات، يصبح من الضروري إعادة التفكير في هذا المفهوم، لا لنفيه، بل لتحريره من التوظيف، وإعادته إلى مكانه الطبيعي كموضوع للنقاش لا كحقيقة مطلقة.

مبارزة رمزية بين إله الخير و الشيطان

2. النصر الإلهي كقيمة أخلاقية لا كشعار سياسي

حين يُطرح مفهوم “النصر الإلهي” خارج سياقه الروحي ويتحوّل إلى شعار سياسي، يفقد جوهره العميق ويصبح أداة تعبئة أكثر منه معيارًا أخلاقيًا. لذلك، فإن استعادة هذا المفهوم تقتضي أولًا فصله عن الاستخدام الدعائي، وإعادته إلى فضائه الطبيعي كقيمة مرتبطة بالعدل والحق والخير العام. فالنصر الذي يمكن وصفه بأنه ذو بعد إلهي لا يقوم فقط على تحقيق الغلبة، بل على كيفية تحقيقها، وعلى ما تخلّفه من آثار في حياة الناس وفي بنية المجتمع.

في هذا الإطار، لا يمكن اعتبار أي انتصار “إلهيًا” إذا كان قائمًا على وسائل تناقض القيم الإنسانية الأساسية، حتى لو ادّعى أصحابه النوايا الحسنة. فالفلسفة الأخلاقية، كما عند إيمانويل كانط، تؤكد أن الوسيلة ليست منفصلة عن الغاية، بل هي جزء منها، وأن الفعل لا يكتسب قيمته من نتائجه فقط، بل من مبدئه أيضًا. هذا يعني أن النصر الذي يتحقق عبر الظلم أو الخداع أو انتهاك الكرامة، لا يمكن أن يُمنح صفة القداسة، لأنه يناقض الأساس الذي يفترض أن يستند إليه.

من جهة أخرى، يُفهم النصر الإلهي كحالة انسجام بين الفعل الإنساني ومجموعة من القيم العليا، مثل العدالة والرحمة والصدق. هذه القيم ليست مجرد شعارات، بل معايير قابلة للاختبار في الواقع. فهل أدى هذا النصر إلى رفع الظلم عن الناس؟ هل ساهم في تعزيز الاستقرار؟ هل حافظ على كرامة الإنسان، حتى الخصم؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان النصر يحمل بعدًا أخلاقيًا حقيقيًا، أم أنه مجرد انتصار مادي مغلّف بخطاب ديني.

إن أحد أخطر أشكال الانحراف في هذا المفهوم هو تحويله إلى أداة تبرير، حيث يُستخدم لتغطية الأخطاء أو لتقديس القرارات، بحيث تصبح فوق النقد والمساءلة. في هذه الحالة، يتحوّل النصر الإلهي من قيمة تُلزم أصحابها بالتواضع والمسؤولية، إلى ذريعة تمنحهم حصانة معنوية، وتُغلق الباب أمام أي مراجعة. وهذا يتناقض مع الفكرة الأصلية التي تربط النصر بالحق، لأن الحق بطبيعته لا يخشى النقد، بل يتقوّى به.

في السياق الديني، غالبًا ما يرتبط النصر الإلهي بفكرة الابتلاء والصبر، أي أنه ليس نتيجة فورية أو حتمية، بل مسار طويل قد يتخلله الفشل والتراجع. هذا الفهم يحرّر المفهوم من التبسيط، ويمنع استخدامه كأداة لقراءة كل حدث بشكل سطحي. فليس كل انتصار دليل رضى، وليس كل هزيمة دليل غضب، بل إن الحكم يتطلب نظرة أوسع تأخذ بعين الاعتبار الزمن والنتائج المتراكمة.

عند إسقاط هذا المفهوم على الواقع اللبناني، تظهر الإشكالية بوضوح، حيث يتم استخدام “النصر الإلهي” في الخطاب السياسي لتثبيت سرديات معينة، وربطها بالهوية والانتماء. هذا الاستخدام يُعطي للنصر طابعًا مطلقًا، ويجعله خارج أي نقاش، ما يؤدي إلى تعميق الانقسام بين اللبنانيين. فبدل أن يكون النصر مناسبة للتقييم والمراجعة، يتحوّل إلى نقطة نهاية تُغلق كل الأسئلة، وتفرض تفسيرًا واحدًا للأحداث.

لكن إذا أردنا أن نعيد لهذا المفهوم معناه الحقيقي في لبنان، فلا بد من ربطه بمصلحة الإنسان اللبناني أولًا. فالنصر الذي لا ينعكس تحسينًا في حياة المواطنين، ولا يساهم في بناء دولة عادلة، يبقى ناقصًا مهما كانت تسميته. إن ربط النصر بالكرامة الإنسانية، وليس فقط بالهوية أو الانتماء، يُشكّل خطوة أساسية نحو تجاوز الانقسامات، وبناء رؤية مشتركة تقوم على القيم لا على الشعارات.

كما أن النصر الإلهي، في معناه العميق، لا يُنتج غرورًا بل تواضعًا، لأنه يُحمّل صاحبه مسؤولية أكبر تجاه الآخرين. فبدل أن يُستخدم كوسيلة للتفوق على الخصوم، يُفترض أن يكون دافعًا لخدمتهم، أو على الأقل لاحترام إنسانيتهم. هذه الفكرة تتناقض مع الخطاب الذي يُحوّل النصر إلى أداة استعلاء، حيث يُنظر إلى الآخر كمهزوم لا كإنسان.

إن إعادة تعريف النصر الإلهي كقيمة أخلاقية تتطلب أيضًا شجاعة فكرية، لأن ذلك يعني التخلي عن الراحة التي توفرها الشعارات الجاهزة، والدخول في مساحة النقد الذاتي. وهذا ما يحتاجه لبنان اليوم، حيث لا يمكن الخروج من الأزمات المتراكمة دون مراجعة حقيقية للمفاهيم التي تحكم الخطاب العام.

في النهاية، يبقى النصر الإلهي مفهومًا مفتوحًا، لا يُختزل في حدث ولا يُحتكر من جهة. هو مسار يتجلى في كل فعل يسعى إلى تحقيق الخير دون أن يظلم، وإلى بناء دون أن يهدم، وإلى الانتصار دون أن يفقد إنسانيته. وفي بلد كلبنان، حيث تتقاطع الأزمات مع الطموحات، قد يكون هذا الفهم هو المدخل الوحيد لتحويل النصر من شعار إلى حقيقة.

الفساد يلعب دوراً في ترجيح كفّة … المنتصر!

3. المحور الثالث: النصر الشيطاني كرمز للانتصار الفاسد

عندما يُطرح مفهوم “النصر الشيطاني“، لا يُقصد به بالضرورة بعدٌ غيبي حرفي، بل هو توصيف رمزي لحالة من الانتصار المنفصل عن أي معيار أخلاقي، انتصار يتحقق ظاهريًا لكنه يحمل في داخله عناصر فساده وانهياره. هذا النوع من النصر لا يُقاس فقط بما يحققه من مكاسب آنية، بل بما يُخلّفه من أضرار عميقة في بنية المجتمع وفي منظومة القيم. فهو انتصار يُفرغ الغاية من مضمونها، ويحوّل الوسيلة إلى أداة تدمير، حتى لو بدا في لحظته إنجازًا كبيرًا.

في الفلسفة السياسية، يمكن ربط هذا المفهوم بنقد فكرة “الغاية تبرر الوسيلة“، وهي الفكرة التي ارتبطت غالبًا بقراءات متشددة لأفكار نيكولو مكيافيلي. فحين تُفصل الوسيلة عن الأخلاق، يصبح كل شيء مباحًا لتحقيق النصر، من الكذب إلى القمع إلى العنف غير المبرر. في هذه الحالة، يتحول النصر إلى مجرد تفوق تقني أو عسكري، لا يحمل أي قيمة إنسانية، بل قد يكون في جوهره هزيمة أخلاقية عميقة، حتى لو لم تظهر نتائجها فورًا.

النصر الشيطاني يتجلى أيضًا في قدرته على خداع أصحابه قبل خصومه، إذ يمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة والشرعية، ويغذي فيهم نزعة الغرور والاستعلاء. هذا الشعور قد يؤدي إلى فقدان القدرة على النقد الذاتي، وإلى الاعتقاد بأن النجاح يبرر كل شيء. لكن التاريخ يُظهر أن مثل هذه الانتصارات غالبًا ما تكون قصيرة الأمد، لأنها تقوم على أسس غير مستقرة، وتُنتج في داخلها عوامل تفككها. فالمجتمع الذي يُبنى على الظلم، حتى لو انتصر، يحمل في داخله بذور الانفجار.

من الناحية الاجتماعية، لا يقتصر أثر هذا النوع من النصر على الخصوم، بل يمتد إلى البيئة التي أنتجته. فعندما تُبرر الوسائل غير الأخلاقية باسم النصر، تُعاد صياغة القيم داخل المجتمع، بحيث يصبح العنف أو الخداع أمرًا مقبولًا، بل أحيانًا مطلوبًا. وهذا يؤدي إلى تآكل الثقة بين الأفراد، وإلى انهيار المعايير التي تنظّم العلاقات الإنسانية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن النصر لم يعد مجرد حدث، بل أصبح نموذجًا يُحتذى، ما يعني أن الفساد يتكرس ويتوسع.

في السياق النفسي، يمكن فهم النصر الشيطاني كحالة من التعويض، حيث يسعى الفرد أو الجماعة إلى إثبات القوة بأي ثمن، لتعويض شعور داخلي بالضعف أو التهديد. هذا السعي قد يدفع إلى اتخاذ قرارات متطرفة، تُحقق مكاسب سريعة لكنها تخلق أزمات أكبر على المدى البعيد. ومن هنا، فإن هذا النوع من النصر لا يُنتج استقرارًا، بل يُبقي الصراع مفتوحًا، لأنه لا يعالج جذوره بل يزيدها تعقيدًا.

في لبنان، يظهر هذا المفهوم بوضوح في بعض المراحل التي شهدت انتصارات جزئية أو ظرفية، لكنها لم تؤدِّ إلى بناء دولة قوية أو مجتمع متماسك. فقد تحققت “انتصارات” لفئات معينة، لكنها جاءت على حساب وحدة البلاد أو استقرارها، ما جعلها أقرب إلى انتصارات شكلية منها إلى إنجازات حقيقية. هذا النوع من النصر يعمّق الانقسام، لأنه يُشعر طرفًا بالتفوق وطرفًا آخر بالظلم، فيُعيد إنتاج الصراع بدل إنهائه.

كما أن استخدام الخطاب الذي يبرر كل شيء باسم النصر، يؤدي إلى تعطيل المحاسبة، لأن أي نقد يُفسَّر على أنه تشكيك في “الإنجاز“. وهكذا، يتحول النصر إلى أداة لإسكات الأصوات المختلفة، بدل أن يكون فرصة للتقييم والتطوير. وهذا ما يجعل النصر الشيطاني ليس فقط مشكلة أخلاقية، بل أيضًا عائقًا سياسيًا أمام بناء دولة قائمة على المؤسسات والقانون.

إن أخطر ما في هذا النوع من النصر هو قدرته على إعادة تعريف النجاح بشكل مشوّه، حيث يُختزل في القدرة على الغلبة، بغض النظر عن الوسائل أو النتائج. في هذه الحالة، يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية، ويصبح عرضة لتكرار نفس الأخطاء، لأن المعيار الوحيد هو “من ربح” لا “كيف ولماذا“. وهذا التحول يُضعف إمكانية التعلم من التجارب، ويجعل التاريخ يعيد نفسه بأشكال مختلفة.

في المقابل، فإن مواجهة هذا المفهوم لا تكون فقط برفضه، بل بتفكيكه وكشف تناقضاته. فإظهار الفجوة بين النصر الظاهري والنتائج الفعلية، وبين الخطاب والواقع، يُساهم في إعادة الاعتبار للقيم التي تم تهميشها. وهذا يتطلب وعيًا جماعيًا قادرًا على تجاوز الشعارات، والنظر إلى الوقائع بعين نقدية.

في النهاية، يمكن القول إن النصر الشيطاني ليس مجرد توصيف أخلاقي، بل هو تحذير من مسار قد يبدو ناجحًا في بدايته، لكنه يقود إلى نتائج مدمّرة. وفي لبنان، حيث تتراكم التجارب وتتشابك الأزمات، يصبح إدراك هذا المفهوم ضرورة، لا من باب التنظير، بل من باب البحث عن طريق مختلف، يُعيد للنصر معناه الحقيقي كأداة لبناء الإنسان، لا لهدمه.

المبارزة لتحقيق النصر متجذّرة في التاريخ

4. بين النصرين… إشكالية التوظيف في الخطاب السياسي

تكمن خطورة مفهومي “النصر الإلهي” و”النصر الشيطاني” ليس فقط في مضمونهما، بل في الطريقة التي يتم بها توظيفهما داخل الخطاب السياسي. فحين تنتقل هذه المفاهيم من مجالها الأخلاقي أو الديني إلى ساحة الصراع السياسي، تتحول من أدوات تفسير إلى أدوات تعبئة، ومن معايير تقييم إلى وسائل هيمنة رمزية. في هذه الحالة، لا يعود الهدف فهم الواقع، بل إعادة تشكيله لغويًا بما يخدم مصالح معينة. وهنا، تصبح اللغة نفسها جزءًا من الصراع، لا مجرد وسيلة للتعبير عنه.

في الفكر السياسي، أشار أنطونيو غرامشي إلى أن السيطرة لا تقوم فقط على القوة المادية، بل أيضًا على الهيمنة الثقافية، أي القدرة على فرض تفسير معين للعالم يُصبح مقبولًا كأنه الحقيقة الوحيدة. ضمن هذا الإطار، يُستخدم مفهوم “النصر الإلهي” لترسيخ شرعية طرف ما، عبر ربطه بالقيم المطلقة، في حين يُستخدم “النصر الشيطاني” لتجريد الخصم من أي شرعية أخلاقية. هذه الثنائية لا تترك مجالًا للحياد أو التعقيد، بل تدفع نحو استقطاب حاد يُقسّم المجتمع إلى معسكرين متقابلين.

هذا التوظيف يؤدي إلى نوع من “تقديس السياسة“، حيث تُرفع القرارات والأفعال إلى مستوى لا يمكن مساءلته. فبمجرد أن يُوصَف حدث ما بأنه “نصر إلهي“، يصبح فوق النقد، لأن أي اعتراض عليه قد يُفسَّر كاعتراض على القيم نفسها. وهنا، تتحول السياسة من مجال قابل للنقاش والتعديل، إلى مجال مغلق تحكمه مسلّمات غير قابلة للمراجعة. وهذا يشكّل خطرًا كبيرًا على أي نظام ديمقراطي، لأنه يُعطّل آليات المحاسبة ويُضعف دور المؤسسات.

في المقابل، فإن وصف انتصار الخصم بأنه “شيطاني” لا يهدف فقط إلى نقده، بل إلى شيطنته بالكامل، أي نزع إنسانيته وتصويره كخطر مطلق. هذا النوع من الخطاب يُغلق باب الحوار، لأنه لا يعترف بإمكانية وجود نقاط مشتركة أو مصالح متقاطعة. وبدل أن يُدار الصراع ضمن قواعد سياسية، يتحول إلى مواجهة وجودية، حيث يُنظر إلى الآخر كعدو يجب إقصاؤه، لا كمنافس يمكن التفاهم معه.

في لبنان، تتجلى هذه الإشكالية بشكل حاد، بسبب طبيعة النظام القائم على التوازنات الطائفية والسياسية. فكل طرف يسعى إلى تثبيت موقعه من خلال خطاب يمنحه شرعية مطلقة، وغالبًا ما يتم ذلك عبر استدعاء مفاهيم ذات طابع ديني أو أخلاقي. هذا الاستخدام يُضفي على الصراع طابعًا وجوديًا، ويجعل أي تسوية تبدو وكأنها تنازل عن “الحق“، لا خطوة نحو الاستقرار. وهكذا، تتحول المفاهيم إلى عوائق أمام الحل، بدل أن تكون أدوات للفهم.

كما أن هذا التوظيف يؤثر بشكل مباشر على الرأي العام، حيث يُعاد تشكيل وعي الناس من خلال الخطاب المتكرر. فمع مرور الوقت، تصبح هذه المفاهيم جزءًا من اللغة اليومية، وتُستخدم بشكل تلقائي دون التفكير في معناها أو دقتها. وهذا ما يؤدي إلى ترسيخ الانقسامات، لأن كل فئة تعيش داخل إطار لغوي خاص بها، يُحدد لها كيف ترى الأحداث وكيف تفسرها.

إضافة إلى ذلك، فإن الإعلام يلعب دورًا أساسيًا في تعزيز هذا التوظيف، من خلال تبني خطاب معين وتكراره، ما يمنحه قوة وتأثيرًا أكبر. في هذا السياق، لا يُعرض الحدث كما هو، بل كما يُراد له أن يُفهم، ما يعني أن الحقيقة تُعاد صياغتها بما يتناسب مع السردية المعتمدة. وهذا يُضعف قدرة المواطن على التمييز بين الوقائع والتفسيرات، ويجعله أكثر عرضة للتأثر بالخطاب العاطفي.

إن إحدى نتائج هذا الاستخدام المكثف للمفاهيم هي فقدانها لمعناها الأصلي، حيث تتحول إلى كلمات فارغة تُستخدم بشكل آلي. فبدل أن يشير “النصر الإلهي” إلى قيمة أخلاقية عميقة، يصبح مجرد شعار يُرفع في المناسبات، وبدل أن يكون “النصر الشيطاني” تحذيرًا من انحراف أخلاقي، يتحول إلى تهمة جاهزة تُوجَّه للخصم. هذا التفريغ من المعنى يُفقد اللغة قدرتها على التعبير الحقيقي، ويجعلها أداة تضليل بدل أن تكون أداة توضيح.

في مواجهة هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للخطاب النقدي، الذي يسعى إلى تفكيك هذه المفاهيم وفهم استخدامها، بدل قبولها بشكل تلقائي. هذا لا يعني رفضها بالكامل، بل وضعها في سياقها الصحيح، ومنع استخدامها كأدوات إقصاء أو تبرير. فالنقاش الحقيقي لا يقوم على الشعارات، بل على تحليل الوقائع ومقارنتها بالمعايير.

في النهاية، يمكن القول إن التحدي في لبنان لا يكمن فقط في تعدد الآراء، بل في طبيعة اللغة التي تُستخدم للتعبير عنها. فإذا استمر استخدام مفاهيم النصر بهذه الطريقة، سيبقى الصراع محكومًا بمنطق الإلغاء، لا بمنطق التفاعل. أما إذا تم تحرير هذه المفاهيم من التوظيف السياسي، فقد تتحول إلى أدوات لفهم أعمق، يُساعد على بناء مساحة مشتركة تتجاوز الانقسامات، وتفتح الباب أمام رؤية وطنية أكثر توازنًا ونضجًا.

نصر إلهي لحزب الله

5. لبنان كنموذج حي لصراع السرديات

يُشكّل لبنان حالة فريدة في العالم العربي، ليس فقط بسبب تنوّعه الطائفي والسياسي، بل بسبب تعدد السرديات التي تتعايش داخله وتتصارع في آنٍ معًا. ففي هذا البلد، لا يوجد تاريخ واحد متفق عليه، ولا تفسير واحد للأحداث، بل مجموعة من الروايات المتوازية التي تعكس انقسامات عميقة في الوعي الجماعي. هذا التعدد لا يقتصر على قراءة الماضي، بل يمتد إلى فهم الحاضر وتحديد معنى “النصر” ذاته، حيث تختلف دلالاته باختلاف الموقع والانتماء.

منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ترسّخ في الوعي اللبناني نمط من التفكير يقوم على الانقسام في تفسير كل حدث. فكل مرحلة من مراحل الصراع أفرزت “انتصارات” جزئية لفئات معينة، لكنها لم تُترجم إلى نصر وطني جامع. بل على العكس، كانت هذه الانتصارات تُستخدم لتكريس الانقسام، حيث يُقدّم كل طرف روايته كحقيقة مطلقة، ويُهمّش روايات الآخرين أو يُشكّك فيها. وهكذا، أصبح النصر مفهومًا نسبيًا، لا يُقاس بمدى فائدته للبنان ككل، بل بمدى خدمته لجماعة معينة.

هذا الواقع تعمّق أكثر بعد اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب من الناحية العسكرية، لكنه لم يُنهِ الصراع على الذاكرة. فبدل أن يُبنى سرد وطني موحّد، تُرك المجال لكل طرف ليحتفظ بروايته الخاصة، ما أدى إلى استمرار الانقسام في قراءة الماضي. هذا الانقسام انعكس مباشرة على مفهوم النصر، حيث بقي كل فريق يرى في نفسه المنتصر، حتى لو كان الواقع يشير إلى أزمة وطنية شاملة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل مفهوم “النصر الإلهي” عن هذا الصراع السردي، إذ يتم استخدامه لتثبيت رواية معينة ومنحها طابعًا مقدسًا. فحين يُقدَّم حدث ما على أنه نصر ذو بعد إلهي، يصبح من الصعب مناقشته أو إعادة تقييمه، لأن ذلك قد يُفسَّر كتشكيك في القيم أو في الهوية. وهذا ما يُعقّد الحوار الوطني، لأن النقاش لم يعد يدور حول الوقائع، بل حول معانيها الرمزية.

من جهة أخرى، فإن هذا التعدد في السرديات لا يقتصر على النخب السياسية، بل يمتد إلى المجتمع ككل، حيث يتربّى الأفراد على روايات مختلفة منذ الصغر. في المدارس، في الإعلام، وفي الخطاب اليومي، تُنقل هذه السرديات وتُعاد إنتاجها، ما يجعل من الصعب بناء رؤية مشتركة. وهكذا، يصبح كل فرد جزءًا من سردية معينة، يرى من خلالها العالم، ويُقيّم الأحداث وفقًا لها.

هذا الواقع يُنتج حالة من الانفصال بين الحقيقة والذاكرة، حيث لا تُقاس الأحداث بما حدث فعليًا، بل بما يُقال عنها. ومع مرور الوقت، تتحول الروايات إلى حقائق ثابتة في الوعي، حتى لو كانت متناقضة مع بعضها البعض. وهذا ما يجعل من لبنان نموذجًا حيًا لما يمكن أن يُسمّى “تعدد الحقائق“، حيث لا يوجد اتفاق على الأساسيات، بل فقط على استمرار الخلاف.

في ظل هذا الانقسام، يصبح النصر أداة لإعادة إنتاج الهوية، لا وسيلة لبناء المستقبل. فكل جماعة تستخدم “انتصاراتها” لتعزيز شعورها بالتميز، ولتأكيد سرديتها الخاصة، ما يؤدي إلى تعميق الفجوة بينها وبين الآخرين. وبدل أن يكون النصر نقطة التقاء، يتحول إلى نقطة انقسام، تُستخدم لإثبات التفوق لا لتحقيق الشراكة.

كما أن هذا الصراع السردي يُضعف مفهوم الدولة، لأن الولاء يصبح مرتبطًا بالرواية لا بالمؤسسات. فحين يختلف الناس على معنى النصر، يختلفون أيضًا على أولوياتهم وعلى رؤيتهم للمصلحة العامة. وهذا ما ينعكس في الأزمات المتكررة التي يعيشها لبنان، حيث يصعب الوصول إلى توافقات حقيقية بسبب غياب أرضية مشتركة.

إضافة إلى ذلك، فإن تعدد السرديات يُعيق عملية التعلم من الماضي، لأن كل طرف يقرأ التجربة بطريقة تُبرّر مواقفه، بدل أن تُراجعها. وهذا ما يؤدي إلى تكرار الأخطاء، لأن الدروس المستخلصة تختلف من جماعة إلى أخرى. وهكذا، يبقى التاريخ حاضرًا كعامل انقسام، بدل أن يكون مصدرًا للعبرة والتقارب.

في مواجهة هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى بناء سردية وطنية لا تلغي التعدد، لكنها تُنظّمه ضمن إطار جامع. هذه السردية لا تقوم على فرض رواية واحدة، بل على الاعتراف بالتنوع، مع الاتفاق على مجموعة من القيم المشتركة التي تُشكّل أساسًا للحكم على الأحداث. وفي هذا الإطار، يمكن إعادة تعريف النصر بما يخدم لبنان ككل، لا فئة دون أخرى.

في النهاية، يُظهر لبنان أن النصر ليس فقط نتيجة صراع، بل أيضًا قصة تُروى، وأن هذه القصة قد تكون أكثر تأثيرًا من الحدث نفسه. وبين تعدد الروايات وتضاربها، يبقى التحدي الحقيقي هو القدرة على بناء معنى مشترك، يُحوّل النصر من أداة انقسام إلى فرصة للتلاقي، ومن شعار يُرفع إلى واقع يُبنى.

السوري أمجد يوسف … “بطل” المقابر الجماعية المعتقل … هل كان بجرائمه يحقّق إنتصارات؟

6. أثر هذا الانقسام على الوعي الجماعي

حين ينقسم المجتمع حول معنى النصر وطبيعته، لا يبقى الخلاف محصورًا في السياسة أو الخطاب العام، بل يتسلل إلى عمق الوعي الجماعي، فيُعيد تشكيل طريقة التفكير والإدراك لدى الأفراد. فالوعي الجماعي ليس مجرد مجموع آراء، بل هو منظومة من القيم والتصورات التي تحدد كيف يرى الناس أنفسهم وكيف يفهمون العالم من حولهم. وعندما تتضارب السرديات حول مفاهيم أساسية كالنصر والهزيمة، يصبح هذا الوعي مشوشًا، مترددًا بين روايات متناقضة، غير قادر على بناء حكم متماسك.

في هذا السياق، يمكن الاستعانة بمفهوم “الوعي الجمعي” كما طرحه إميل دوركايم، الذي رأى أن تماسك المجتمع يعتمد على وجود منظومة مشتركة من القيم والمعاني. في الحالة اللبنانية، هذا التماسك يتعرض لتحدٍ كبير، لأن القيم نفسها تُفسَّر بطرق مختلفة، بل متناقضة أحيانًا. فالقيمة التي تُعتبر “حقًا” في نظر فئة، قد تُرى “تعديًا” في نظر فئة أخرى، والنصر الذي يُحتفى به في بيئة معينة، قد يُنظر إليه كسبب للمعاناة في بيئة أخرى.

هذا التباين لا يخلق فقط اختلافًا في الرأي، بل يُنتج حالة من الانفصال المعرفي، حيث يعيش كل جزء من المجتمع داخل إطار إدراكي خاص به. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الأطر إلى ما يشبه “عوالم ذهنية” منفصلة، لكل منها لغتها ومفاهيمها ومعاييرها. في هذه الحالة، يصبح التواصل بين هذه العوالم صعبًا، لأن الكلمات نفسها لا تحمل نفس المعنى لدى الجميع، ما يؤدي إلى سوء فهم دائم، حتى في أبسط النقاشات.

كما أن هذا الانقسام يُضعف قدرة الفرد على التفكير النقدي، لأنه يُدفع إلى تبني رواية معينة كجزء من هويته، لا كخيار قابل للنقاش. فالتشكيك في هذه الرواية قد يُفسَّر كخيانة للجماعة، ما يدفع الكثيرين إلى تجنب طرح الأسئلة أو مراجعة المواقف. وهكذا، يتحول الانتماء إلى قيد فكري، يحدّ من حرية التفكير، ويُبقي الفرد داخل دائرة مغلقة من التكرار والتأكيد الذاتي.

من الناحية النفسية، يُنتج هذا الواقع نوعًا من التوتر الداخلي، خاصة لدى الأفراد الذين يتعرضون لروايات متعددة. فالتناقض بين ما يسمعونه من مصادر مختلفة قد يخلق حالة من الارتباك، أو حتى من اللامبالاة، حيث يفضّل البعض الانسحاب من النقاش العام بدل الانخراط في صراع لا يرون له نهاية. وهذا ما يُضعف المشاركة المدنية، ويُقلل من قدرة المجتمع على التفاعل الإيجابي مع قضاياه.

في لبنان، يتجلى هذا الأثر بوضوح في طريقة تعامل الناس مع الأحداث الكبرى، حيث تختلف ردود الفعل بشكل جذري بحسب الانتماء. فبدل أن يكون هناك حد أدنى من الاتفاق على ما يُعتبر مصلحة وطنية، نجد تباينًا حادًا في التقييم، ما يُعيق أي محاولة لبناء موقف موحد. وهذا الانقسام لا يقتصر على القضايا السياسية، بل يمتد إلى مجالات أخرى، مثل الاقتصاد والتعليم وحتى الثقافة.

إضافة إلى ذلك، فإن الإعلام يلعب دورًا مضاعفًا في ترسيخ هذا الانقسام، من خلال تقديم روايات متباينة للأحداث، غالبًا ما تكون منحازة. ومع تكرار هذه الروايات، تتحول إلى حقائق راسخة في ذهن المتلقي، حتى لو كانت جزئية أو مشوهة. وهذا ما يجعل من الصعب التمييز بين الواقع والتفسير، ويُعقّد عملية تكوين رأي مستقل.

إن أحد أخطر نتائج هذا الانقسام هو فقدان الثقة، ليس فقط بين الأفراد، بل أيضًا بين المواطن والدولة. فعندما لا يكون هناك اتفاق على معنى النصر أو على تقييم الأحداث، يصبح من الصعب بناء ثقة في المؤسسات، لأن هذه المؤسسات نفسها تُفسَّر من خلال عدسات مختلفة. وهذا ما يؤدي إلى إضعاف الشرعية، وإلى شعور عام بعدم الاستقرار.

كما أن هذا الواقع يُعيق عملية بناء مستقبل مشترك، لأن التخطيط يتطلب رؤية موحدة أو على الأقل متقاربة. فإذا كان الناس مختلفين على تفسير الماضي والحاضر، فكيف يمكنهم الاتفاق على المستقبل؟ هذا السؤال يعكس عمق الأزمة، حيث لا يتعلق الأمر فقط بخلافات سياسية، بل بانقسام في الوعي ذاته.

في المقابل، لا يعني هذا أن الانقسام قدر لا يمكن تجاوزه، بل يمكن التعامل معه من خلال تعزيز التعليم النقدي، وتشجيع الحوار، وبناء مساحات مشتركة تُتيح تبادل الأفكار دون أحكام مسبقة. كما أن إعادة تعريف المفاهيم الأساسية، مثل النصر، بشكل يرتكز على الإنسان لا على الانتماء، قد تُساهم في تقليص الفجوة بين الروايات المختلفة.

في النهاية، يُظهر أثر هذا الانقسام على الوعي الجماعي أن المشكلة في لبنان ليست فقط في تعدد الآراء، بل في غياب إطار جامع يُنظّم هذا التعدد. وبين روايات متصارعة ومفاهيم متناقضة، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء وعي قادر على استيعاب الاختلاف دون أن ينقسم، وعلى البحث عن الحقيقة دون أن يقع في فخ الشعارات.

وهل هذا “نصر” إسرائيلي أيضاً؟

7. نحو إعادة تعريف النصر في لبنان

إن الخروج من دوامة المفاهيم المتناقضة حول النصر في لبنان لا يمكن أن يتحقق بمجرد نقد الخطاب السائد، بل يتطلب إعادة تأسيس هذا المفهوم على قاعدة جديدة تنطلق من الواقع اللبناني وحاجاته الفعلية. فالنصر، إذا بقي أسير الشعارات والانقسامات، سيظل عامل تفريق، أما إذا أُعيد تعريفه ضمن إطار وطني جامع، فقد يتحول إلى عنصر توحيد وبناء. هذه العملية ليست سهلة، لأنها تصطدم بتاريخ طويل من التراكمات، لكنها تبقى ضرورية إذا كان الهدف هو الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الدولة.

أول خطوة في هذا المسار هي تحرير مفهوم النصر من احتكار أي جهة، وإخراجه من دائرة التوظيف السياسي الضيق. فالنصر لا يمكن أن يكون حكرًا على فئة، ولا أن يُختزل في حدث أو مرحلة، بل يجب أن يُفهم كعملية مستمرة تُقاس بمدى تقدم المجتمع ككل. هذا يعني أن أي “انتصار” لا ينعكس إيجابًا على مجمل اللبنانيين، ولا يساهم في تحسين شروط حياتهم، لا يمكن اعتباره نصرًا بالمعنى الكامل، مهما كانت رمزيته أو أهميته لدى طرف معين.

في هذا الإطار، يصبح معيار النصر مرتبطًا بمؤشرات ملموسة، مثل تعزيز سيادة الدولة، ترسيخ حكم القانون، تحسين الوضع الاقتصادي، وضمان العدالة الاجتماعية. هذه المعايير تُخرج النصر من دائرة التجريد، وتضعه في سياق يمكن قياسه ومراجعته. فبدل أن يُقاس النصر بما يُقال عنه، يُقاس بما يحققه فعليًا. وهذا التحول يُعيد الاعتبار للواقع، ويحدّ من تأثير الخطاب الدعائي.

كما أن إعادة تعريف النصر تتطلب إعادة النظر في العلاقة بين الوسيلة والغاية. فلا يمكن بناء نصر حقيقي على وسائل تُقوّض أسسه، لأن ذلك سيؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى نتائج عكسية. في هذا السياق، يمكن الاستفادة من الرؤية الأخلاقية التي طرحها إيمانويل كانط، والتي تؤكد أن الفعل يجب أن يُحاكم وفق مبدئه، لا فقط وفق نتيجته. هذا يعني أن النصر الذي يُبنى على احترام الإنسان وحقوقه، هو وحده القادر على الاستمرار، لأنه يستند إلى أساس أخلاقي متين.

إضافة إلى ذلك، فإن النصر في لبنان يجب أن يُفهم كعملية جماعية، لا كإنجاز فردي أو فئوي. فالدولة لا تُبنى بانتصار طرف على آخر، بل بتلاقي الجميع حول مشروع مشترك. وهذا يتطلب الانتقال من منطق “الغلبة” إلى منطق “الشراكة“، حيث يُنظر إلى الآخر لا كخصم يجب هزيمته، بل كشريك في بناء المستقبل. هذا التحول في النظرة يُعدّ أساسيًا لتجاوز الانقسامات، لأنه يُعيد تعريف العلاقة بين مكونات المجتمع.

كما أن التعليم يلعب دورًا محوريًا في هذه العملية، لأنه يُشكّل وعي الأجيال القادمة. فإذا استمر نقل السرديات المتناقضة دون نقد، سيبقى الانقسام قائمًا، أما إذا تم إدخال مقاربات نقدية تُشجع على التفكير والتحليل، فقد يُساهم ذلك في بناء وعي أكثر توازنًا. وهذا لا يعني فرض رواية واحدة، بل تعليم كيفية التعامل مع التعدد بشكل بنّاء.

في السياق نفسه، يُعدّ الإعلام عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل مفهوم النصر، لأنه يُساهم في تحديد ما يُعتبر إنجازًا وما لا يُعتبر. فإذا ركّز الإعلام على النتائج الفعلية بدل الشعارات، وعلى تأثير الأحداث في حياة الناس بدل رمزيّتها، فقد يُساعد في تغيير طريقة التقييم. وهذا يتطلب استقلالية أكبر، ووعيًا بمسؤولية الكلمة في مجتمع منقسم.

ولا يمكن إغفال دور المجتمع المدني، الذي يمكن أن يشكّل مساحة بديلة للنقاش، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي الحاد. من خلال المبادرات والحوار، يمكن إعادة طرح الأسئلة الأساسية حول معنى النصر، وربطه بقيم مثل المواطنة والعدالة. هذه المساحات، وإن بدت محدودة، قد تُساهم في بناء ثقافة جديدة تُعيد ترتيب الأولويات.

في النهاية، فإن إعادة تعريف النصر في لبنان ليست مجرد مسألة فكرية، بل هي شرط أساسي للخروج من الأزمات المتراكمة. فطالما بقي النصر مرتبطًا بالغلبة والانقسام، سيبقى البلد يدور في حلقة مفرغة. أما إذا تم ربطه ببناء الدولة وخدمة الإنسان، فقد يتحول إلى قوة دافعة نحو الاستقرار. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل لبنان، لا فقط كمجموعة من الطوائف، بل كوطن قادر على تحويل اختلافه إلى مصدر غنى، لا إلى سبب دائم للصراع.

نزع العلم اللبناني عن عمود الكهرباء وإستبداله بعلم حزبي

8. الخاتمة

في نهاية المطاف، لا يسقط لبنان بسبب هزيمة واحدة، بل بسبب تراكم “انتصارات” لا تشبهه، انتصارات تُرفع فيها الشعارات أعلى من الإنسان، وتُقدَّس فيها الروايات أكثر من الحقيقة، ويُضحّى فيها بالمستقبل على مذبح الماضي. وبين نصر يُدّعى أنه إلهي وآخر يُخشى أن يكون مدمّرًا، يبقى الوطن عالقًا في منطقة رمادية، يدفع ثمنها الجميع دون استثناء. وحده النصر الذي يُعيد للإنسان كرامته، وللدولة معناها، وللحقيقة صوتها، يستحق أن يُسمّى نصرًا. وما عدا ذلك، ليس إلا صدى صراعات… يتكرر بصوت أعلى كل مرة، ويترك وراءه وطنًا أكثر تعبًا وأقل يقينًا.

أخبار ذات صلة

في ظلّ التباين الشديد الوطأةلتغيير معنى "الخيانة"...د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:الخيانة تحصل عند جرّ البلادالى حرب تخدم مصالح خارجية...
بحث

في ظلّ التباين الشديد الوطأة
لتغيير معنى "الخيانة"...
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
الخيانة تحصل عند جرّ البلاد
الى حرب تخدم مصالح خارجية...

29/04/2026

...

الانحدار في الخطاب تجاه الرئاسة الأولى: إلى أين يوصل؟د. الياس ميشال الشويري: دولة لا تُحترم رموزها من داخلها تصبح عرضةً لمزيدٍ من التفكّك...
بحث

الانحدار في الخطاب تجاه الرئاسة الأولى: إلى أين يوصل؟
د. الياس ميشال الشويري: دولة لا تُحترم رموزها من داخلها تصبح عرضةً لمزيدٍ من التفكّك...

28/04/2026

...

"الدفاع عن لبنان"لا يزال في دائرة الإلتباسولم يدخل فعلاً الى دائرة الحقيقة..د. الياس ميشال الشويري:شعار حماية الوطن يكاد يتحوّلالى أداة لهدمه...
بحث

"الدفاع عن لبنان"
لا يزال في دائرة الإلتباس
ولم يدخل فعلاً الى دائرة الحقيقة..
د. الياس ميشال الشويري:
شعار حماية الوطن يكاد يتحوّل
الى أداة لهدمه...

27/04/2026

...

من هو المخرّب الأكبر في الكون؟د.غالب خلايلي يتساءل و يجيب:عندما تُترك يد الشيطان تعبثبالروح و الأخلاق و الثقافة...
بحث

من هو المخرّب الأكبر في الكون؟
د.غالب خلايلي يتساءل و يجيب:
عندما تُترك يد الشيطان تعبث
بالروح و الأخلاق و الثقافة...

23/04/2026

...

تحميل المزيد

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups