في بلدٍ يبحث عن أي نافذة تمويل بعد سنوات من الانهيار المالي والأزمات المتلاحقة والحروب التي استنزفت الاقتصاد والبنى التحتية، يعود إلى الواجهة، طرحٌ غير تقليدي يتمثّل في “الإقامة الذهبية” كوسيلة لاستقطاب الرساميل الأجنبية وتمويل صندوق إعادة الإعمار. وبينما يرى مؤيدو الفكرة،و على رأسهم وزير المالية ياسين جابر، أنها فرصة لجذب الأموال السريعة من المستثمرين والأثرياء حول العالم، يحذّر معارضوها من مخاطر تحويل الإقامة إلى سلعة ومن احتمال أن تكون الإيرادات أقل بكثير من الآمال المعلّقة عليها.
الفكرة ليست جديدة عالمياً. فمنذ أكثر من عقدين، اعتمدت عشرات الدول برامج تمنح الإقامة أو حتى الجنسية مقابل الاستثمار المالي. وقد ظهرت هذه البرامج بقوة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما وجدت حكومات عديدة نفسها بحاجة إلى مصادر تمويل جديدة لا تعتمد على الضرائب أو الاستدانة التقليدية.
كانت البرتغال من أبرز الدول التي راهنت على هذا النموذج عندما أطلقت برنامج الإقامة الذهبية عام 2012. يومها كانت البلاد خارجة من أزمة مالية خانقة وتحتاج إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية. وخلال السنوات التالية، تحوّل البرنامج إلى أحد أشهر برامج الإقامة الاستثمارية في العالم، مستقطباً أكثر من 15 ألف مستثمر رئيسي وعشرات آلاف أفراد العائلات، ومولّداً ما يزيد على 7 مليارات يورو من الاستثمارات المباشرة بحسب البيانات الرسمية والهيئات المتخصصة. وتشير دراسات حديثة إلى أن الأثر الاقتصادي الإجمالي للبرنامج تجاوز 50 مليار يورو نتيجة النشاط الاقتصادي الذي ولّده في قطاعات البناء والخدمات والسياحة والاستثمار.
في اليونان، اتخذت التجربة منحى مختلفاً. فقد أُطلق برنامج الإقامة الذهبية عام 2013 بهدف دعم سوق العقارات المتضرر من أزمة الديون الأوروبية. ومع مرور الوقت، تحوّلت أثينا والجزر اليونانية إلى وجهة مفضلة للمستثمرين من الصين وتركيا والشرق الأوسط. ووفق البيانات الحديثة، ارتفع عدد الإقامات الذهبية الممنوحة بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، ما ضخ مليارات اليوروهات في السوق العقارية اليونانية وساهم في تنشيط قطاعات مرتبطة بها.
لكن النجاح لم يكن كاملاً. ففي الوقت الذي استفادت فيه الحكومات من تدفقات مالية جديدة، بدأت تظهر آثار جانبية غير متوقعة. ففي البرتغال واليونان وإسبانيا، ارتفعت أسعار العقارات بشكل كبير في بعض المناطق نتيجة الطلب الأجنبي الكثيف، ما أثار غضب السكان المحليين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن شراء منازل في مدنهم. هذا الواقع دفع عدداً من الحكومات الأوروبية إلى تعديل برامجها أو تشديد شروطها أو حتى إلغائها جزئياً.
أما النموذج الأكثر إثارة للجدل فكان في مالطا وقبرص، حيث لم تقتصر البرامج على الإقامة بل وصلت إلى منح الجنسية مقابل الاستثمار. وقد تعرضت هذه التجارب لانتقادات أوروبية واسعة بسبب مخاوف تتعلق بغسل الأموال والفساد والأمن. وفي عام 2025 قضت أعلى محكمة أوروبية بعدم قانونية برنامج “الجواز الذهبي” المالطي، معتبرة أن الجنسية الأوروبية لا يمكن أن تتحول إلى سلعة تُباع وتشترى. ورغم ذلك، تؤكد الحكومة المالطية أن البرنامج حقق إيرادات تجاوزت 1.4 مليار يورو خلال سنوات تشغيله.
بعيداً عن أوروبا، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج مختلف للإقامة الذهبية. فالإقامة هناك لا ترتبط فقط بشراء عقار، بل تشمل المستثمرين ورواد الأعمال وأصحاب الكفاءات والعلماء والأطباء والمبتكرين. وقد ساهم البرنامج في تعزيز جاذبية الإمارات كمركز عالمي للأعمال وجذب رؤوس الأموال والأفراد ذوي الثروات المرتفعة، خصوصاً بعد جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية العالمية.
في لبنان، تأتي الفكرة في ظرف استثنائي. فالبلاد تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة إعمار ما دمرته الأزمات المتلاحقة، بينما تعاني الدولة من ضعف الإيرادات وعجزها عن الاقتراض بالشروط التقليدية. ومن هنا يرى بعض المؤيدين أن الإقامة الذهبية قد تمثل مورداً سريعاً نسبياً للأموال، خاصة إذا استهدفت رجال الأعمال اللبنانيين في الاغتراب والمستثمرين العرب والأجانب الباحثين عن فرص في شرق المتوسط.
لكن السؤال الأساسي يبقى: كم يمكن أن تجمع فعلياً؟
إذا افترضنا أن لبنان اعتمد نموذجاً يفرض استثماراً بقيمة 250 ألف دولار مقابل إقامة طويلة الأمد، وتمكّن من جذب ألف مستثمر فقط خلال السنوات الأولى، فإن حجم الأموال قد يصل إلى 250 مليون دولار. أما إذا ارتفع عدد المستثمرين إلى خمسة آلاف، فقد تتجاوز التدفقات 1.25 مليار دولار. غير أن هذه الأرقام تبقى نظرية وتعتمد على عوامل عديدة أبرزها الاستقرار السياسي والأمني، وشفافية إدارة الأموال، وقدرة الدولة على إقناع المستثمرين بأن أموالهم لن تضيع في دوامة الفساد والهدر التي لطالما ارتبطت بالمؤسسات العامة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فنجاح برامج الإقامة الذهبية في البرتغال واليونان لم يكن قائماً فقط على منح الإقامة، بل على وجود مؤسسات قادرة على حماية الاستثمار، وقضاء فعّال، وإدارة عامة مستقرة، وإمكانية الوصول إلى سوق أوروبية واسعة. أما لبنان فيواجه تحديات أكثر تعقيداً، تبدأ من غياب الثقة بالنظام المالي ولا تنتهي عند عدم وضوح الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل.
المؤيدون للمشروع يجادلون بأن لبنان يمتلك عناصر جذب لا يستهان بها. فهناك موقع جغرافي استراتيجي، وجالية لبنانية عالمية ضخمة، وقطاع عقاري يملك إمكانات نمو كبيرة إذا استعاد الاقتصاد عافيته. كما أن بعض المستثمرين قد ينظرون إلى الإقامة اللبنانية كرهان طويل الأمد على تعافي البلاد مستقبلاً.
في المقابل، يرى المنتقدون أن المستثمر الأجنبي لا يشتري الإقامة فحسب، بل يشتري أيضاً الثقة والاستقرار. وبالتالي فإن أي برنامج لبناني لن ينجح إذا لم يترافق مع إصلاحات جدية في الإدارة والقضاء والقطاع المصرفي. ويحذر هؤلاء من أن الإيرادات قد تكون محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات الفعلية لإعادة الإعمار التي تُقدّر بمليارات الدولارات، ما يجعل المشروع أشبه بمصدر تمويل مساعد لا أكثر.
كذلك تبرز هواجس تتعلق بآليات التدقيق في مصادر الأموال. فالعالم أصبح أكثر حساسية تجاه قضايا غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وأي برنامج لا يلتزم بأعلى معايير الشفافية قد يعرّض لبنان لضغوط دولية إضافية بدل أن يساعده على الخروج من أزمته.
إذا نظرنا إلى التجارب العالمية ببرودة أعصاب، يمكن القول إن الإقامة الذهبية نجحت بالفعل في جذب الرساميل إلى دول عديدة، لكنها لم تكن يوماً حلاً سحرياً. ففي أفضل الحالات، شكّلت أداة ضمن مجموعة أدوات اقتصادية أوسع. وفي أسوأ الحالات، ساهمت في رفع أسعار العقارات وإثارة الجدل السياسي والأمني.
لذلك، فإن مستقبل الفكرة في لبنان سيتوقف على تفاصيل التنفيذ أكثر من الفكرة نفسها. فإذا أُنشئ صندوق إعادة إعمار مستقل وشفاف يخضع لرقابة محلية ودولية صارمة، وربطت الإقامة باستثمارات إنتاجية حقيقية في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والسياحة بدلاً من المضاربات العقارية فقط، فقد تتحول المبادرة إلى مصدر تمويل مهم وإشارة إيجابية للأسواق. أما إذا تحولت إلى مجرد بيع للإقامة من دون إصلاحات موازية، فقد تنضم إلى قائمة طويلة من المشاريع التي بدأت بأحلام كبيرة وانتهت بنتائج متواضعة.
في النهاية، لا تبدو الإقامة الذهبية عصا سحرية قادرة وحدها على إعادة بناء لبنان، لكنها قد تكون جزءاً من الحل إذا أُديرت بعقلية اقتصادية حديثة وبشفافية كاملة. فالعبرة التي تقدمها البرتغال واليونان والإمارات واضحة: المستثمر يأتي عندما يجد فرصة، لكنه يبقى فقط عندما يجد دولة.

























































