لقاء ٤ تموز ٢٠٢٦ مع مجموعة خريجي الطب ١٩٨٤
د. غالب خلايلي
ما إن حططنا الرّحال في أرض الشام حتى تنادى الأصدقاء للقاء، وكانت بالفعل لقاءات جميلة، ذكرت لكم بعضها (في معرض الأجهزة الطبية، ومؤتمر العيون)، وعندما رحتُ أستعد للكتابة عن انطباعات جديدة، حدث، لسوء الحظ، انفجاران إرهابيان عكّرا الأجواء صباح الثلاثاء 7 تموز 2026، مع زيارة الرئيس الفرنسي لدمشق، وصادف أنني سمعت أحدهما وأنا أتسوق في سوق الشيخ محيي الدين الشعبي، فلم أعطِ الأمر أهمية لضآلة الخبرة وبُعد الصوت، وإن لفت ذلك انتباه الطفل الذي ينتظر “سندويشة” الفلافل (وثمنها نحو 0.55 دولار)، حيث راح ينظر في الفضاء باحثاً عن جواب. كما حدث أنني انشغلت بقصة طبية نادرة وغريبة، استهلكتني نفسياً تماماً بين أهل مبتلين متطلبين، فيما أبحث لهم عن زملاء مخلصين، أحمد الله أنني وجدتهم أخيراً، فأعادوا إليّ تفاؤلي، في بحر لجّي من فقدان التعاطف الطبي.

اللقاء السنوي لنخبة من خريجي الطب 1984
للقاء الزملاء بعد طولِ غيابٍ طعم خاص، هو مزيج من مشاعر الأخوّة الخالصة، والمحبة الصادقة، والحنين إلى زمن جميل، تستعاد فيه مشاعر الشباب هكذا ببساطة، فلا تشعر أبداً بأنك جالس إلى شيوخ مهنة صعبة باختصاصاتها المختلفة، ولا إلى سعادة الأستاذة الدكتورة مثلاً، أو حضرة الباحث الكبير.. أو مقام جراح التجميل الشهير…
وهكذا يلتقي الأحبة بلا أقنعة أو أصبغة أو حواجز أو تصنّع، فتتحد نفوسهم وأرواحهم في بوتقة واحدة، يحدثك كل منهم عن نجاحاته وإخفاقاته، وعن أولاده وبناته وعائلته كما يحدّث المرء نفسه، ثم يضحك الجميع بلا حساب، ولو علا صوت القهقهة أقصى المكان.

هل أسمي لقاءنا “جلسة غسل الروح؟”.
مساء السبت الرابع من تموز 2026 اجتمع نحو خمسة عشر طبيبا وطبيبة من أصدقاء تخرجوا في كلية الطب في دمشق 1984، ومع عدد منهم زوجه أو زوجته أو قريب. ولأذكر أن اجتماع مئة أو أكثر من مجموع نحو أربعمئة خريج ضربٌ من المستحيل وقد توزعوا في أركان الأرض، فما عدنا نعرف شيئاً عن كثير منهم، ناهيك عمّن فارقونا باكرا مأسوفا عليهم.
المكان قريبٌ من حديقة الجاحظ المعروفة، ويحمل اسماً فرنسياً تاريخياً هو نفسه اسم معاهدة شهيرة، ويؤمّه عادة أهل المناطق المحيطة وغيرهم من الزوار القادمين من بلاد بعيدة.
مائدة طويلة هي مجموع عدة طاولات، ومقاعد مريحة لا يشعر المرء معها بثقل الدهر وانكسار الظهر، فيسترطب الجلوس ما طاب له ذلك، خاصة إن كان سمّاره مثل من وصفت.
حضر المدعوون، وعانق من افترقوا لعقود بعضهم بعضا، وابتدأت الأحاديث بصوت عال، لا لطبعٍ أو عادة، بل لعلوّ الصخب في المكان، مع مباراة المغرب وكندا التي صادفت اجتماعنا، المتوج بدخان الأراجيل المنتشرة بين (عاشقيها) من الرجال والنساء. والأنكى، ومنكم العفو، جمراتٌ متّقدة تمرّ خلف ظهري بين دقيقة وأخرى، يوصلها خبير الجمر إلى سيدات عصريات وراءنا، وما قصّرن بالقرقرة وإطلاق سحب الدخان، بخبرة عالية، ويبدو أن صاحبنا استمرأ (التجمير) لهن، فرحت آخذ حذري من سقوط جمرة فوق ظهري، تاركا أمر استنشاق الدخان لرب العباد.
والحال المزرية هذه، اعترضت بشدة، ففتح مشرف المطعم نافذتين على الساحة المقابلة، كما ألغى مكبر الصوت القريب، وهكذا حلا الجو وطاب السمر، مع نوبات من تصفيق حاد وصيحات عند تسجيل المغاربة لهدف، حتى بلغت ثلاثة، فحيرني أمر أن أفرح لأشقائنا في العروبة، وقد انتصروا، أو أحزن لبلد انتسب إليه أحفادي، وأحفاد عرب كثيرين، وقد خسر، فقررت – وأنا غير المغرم بالكرات- الوقوف على الحياد، ما دامت القصة قصة كرة لا تحيي أمماً نائمة في العسل ولا تميت أخرى مصممة على العيش.
ثم جاء الطعام.
كنا متفقين على الطريقة الأميركية بالدفع وعلى أن معظمنا لا يتعشى، ولا بأس من طعام خفيف!.
لكن رؤية الطعام جعلت عصافير البطن تزقزق بلا توقف، وكيف لا تفعل مع أطايب الطعام الدمشقي؟ وهكذا كانت مناسبة لتناول زاد لا يقاوم، برفقة الأحباب، لينتهي كل ذلك بالبوظة العربية الشهيرة التي لم يكفِ سكّرها على ما يبدو، فغمرت بالعسل.
أقول الحق: لقد سررنا كثيرا بتلك الأمسية، ولو أن بعض زملاء وعدوا بالقدوم ثم أحجموا، فخسرنا صحبتهم الطيبة.

دعوة كريمة مساء مباراة فرنسا وإسبانيا
وكانت الداعية هبة طب الأطفال الدكتورة لينا فتال، التي لا تدع مناسبة تجد فيها فرحاً وعقدا لأواصر ضعفت مع الأيام، إلا واستغلتها بكل كرم وطيب خاطر، فتسعَد وتسعِد كل من حولها.
وهكذا التقينا ستة أصدقاء حول مطعم ومسبح شهير مساء الثلاثاء 14 تموز 2026 ، والذي صادف دون تخطيط منا مباراة فرنسا وإسبانيا.
أكثر من عشرين شاشة تلفزيونية موزعة في أرجاء المكان، وحول كل شاشة ما لا يقل عن ثلاثين أرجيلة في أفواه الصبايا والنساء والشبان تطلق سحب الدخان في فضاء المسبح، وهرج ومرج مع كل هدف، وموسيقى عالية ابتدعها أهل المكان، فيما تمتد موائد غنية على مد البصر لنحو ألفي حاضر من البشر.
لا أدري لماذا تعاطف الناس مع فوز اسبانيا (2/0)، لعل للحكم الفرنسي في مباراة مصر دورا، وكم رجوت مثل هذا التعاطف في قضايا حيوية (طبية مثلا، أو الحفاظ على النظافة..)، أو قضايا مصيرية بخصوص أوطان تعاني، لا تحل مشاكلها بالمثل الشهير: دخّن عليها تنجلِ.
انتهى لقاؤنا قبل الواحدة بربع ساعة، فقررت وزوجتي العودة مشيا ولو طال في ليل فاجأنا فيه حقا سوق عامر في منطقة الشيخ سعد (المزة)، تنتشر فيه أسياخ الشاورما في الثانية ليلا، مع جموع غفيرة من جماهير في قمة الصحو والتحلق على الموائد. وعندما وصلنا ساحة الأمويين، في الثانية والنصف صباحا، رأيناها عامرة بالساهرين والساهرات على العشب، وكأننا في أول المساء، وكذا حال حديقة الجاحظ التي استرحت على مقعد من مقاعدها لألم عضلي داهمني وراح يزداد شدة، دون أن أدري أنني أحتضن مرضا معويا حادا، جعل نومي قلقا جدا، وجعل صباحي موجعا، مع تعرق شديد، بددت ألمه حبة ايبوبروفن سحرية، ثم استحمام أعاد لي مع كأس لبن مملّح مثوّم، ثم كأس شاي بعض حيويتي.
أتوقف هنا، على أمل المتابعة في مقال آخر، راجيا لكم ولي صيفا بلا أمراض.
دمتم طيبين.
دمشق 15 تموز 2026



























































